جالساً على كرسيٍّ مكسور في حديقة حيّنا القديمة, فاجأني منظر الطيور التي تستحم و تغريدها بسعادة يدلّ على أنّها تستعدّ لشيءٍ ما مهم. كانت الطيور تتجه بعد الاستحمام نحو زهرةٍ مثاليّة, تختلف كثيراً عن بقيّة الزهور. تتحدث مع الجميع, و تضحك لهم جميعاً, وهو ما أثار دهشتي؛ فالزهور هذه الأيام لم تعد تبتسم لأحد.
و اقتربت منها, دفعني فضولي للاقتراب منها, اتجهت نحوها بحذر و ألقيت تحيّة ودودة, ولم تتردد هي في رد تحيّة أجمل. حدثتها عن نفسي, عن أحلامي, و ربما بعضاً من حكاياتي و حدثتني هي بدورها. و كان هذا ما جعلني أرغب في الحديث معها مجدداً. أكملتُ طريقي أتذكّرُ طريقتها في الضحك, و في التحدّث, و أدركتُ أننّي بسبب الارتباك نسيت أن أسأل عن اسمها.
في اليوم التالي جئتُ إليها في ذات الوقت ألقيتُ التحيّة نفسها, و قبل أن أنسى سألتها مباشرة عن اسمها. أجابت بصوتها الذي لا أسمعه, و تعابير و وجهها التي لا أراها. لم يكن اسمها الجميل هو الشيء الذي أدهشني, بل اكتشفت أيضاً أنها تكبرني بثلاثة أيّامٍ فقط. وكأنّ الأقدار اختارت أن تكون أكبر منّي في كل شيء, قلبها, ابتسامتها, ضحكتها, و حتّى عمرها.
كم كنتِ مميّزة في حضورك, في حديثك, و حتّى في وداعك. . .
^
^
^
"أصدقاؤنا هم أولئك الذين نكون سعداء بقربهم, ليسوا أولئك الذين تفرضهم علينا الظروف"