من أزاهير الأدب - 1 -
- عاقل أم مجنون !
بعث الوزير ( ثمامة ) إلى دار المجانين ليتفقد أحوالهم ، فرأى بينهم شاباً حسن الوجه يبدو كأنه صحيح العقل ، فأحب أن يكلمه ، فقاطعه المجنون بقوله : اريد أن أسال سؤالاً ! فقال الوزير : هات سؤالك . فقال الشاب : متى يجد النائم لذة النوم ؟ فقال الوزير : حين يستيقظ . فقال الشاب : كيف يجد اللذة وقد سببها ؟ فقال يزيد : بل يجد اللذة قبل النوم . فاعترضه الشاب: بقوله : وكيف يلتذ بشيء لم يذقه بعد ؟ فقال الوزير: بل يجد اللذة حال النوم . فرد عليه الشاب يقول : إن النائم لا شعور له ، فكيف تكون لذة بلا شعور. فبهت الوزير ولم يحر جواباً. وانصرف وهو يقسم ألا يجادل مجنوناً أبداً !
- أبو تمام و الكندي .
امتدح أبو تمام الخليفة العباسي أحمد بن المعتصم بقصيدة ، فلما بلغ إلى قوله :
إقدام عمرو في سماحة حاتم
في حلم أحنف في ذكاء إياس
قال له الكندي بجرأة و ثبات : الأمير فوق من وصفت .
فأطرق أبو تمام ملياً ثم قال :
لا تنكروا ضربي له من دونـه
مَثَلاً شروداً في الندى و الباس
فالله قــد ضرب الأقـل لنـوره
مَثَلاً من المشكـــاة و النبـراس
فسكت الكندي ، وأعجبت الفئة الحاضرة لفطنة أبي تمام وأصالة رأيه ، وجودة فكره ، وسرعة خاطره .
- عشاق على الطريق.
كان أبو نواس وأبو العتاهية ودعبل في نزهة, ومرت أمامهم حسناء تلبس ثلاثة أثواب, فأرادوا التندر بألوانها الثلاثة الأبيض والأسود والأحمر, فقال أبو العتاهية في الثوبالأبيض:
فثوبك مثل ثغري مثل نحـري
بياض في بياض في بيـــاض
فقال دعبل الخزاعي في الثوب الأسود
فثوبك مثل شعرك مثل حظي
سـواد فـي سـواد فـي ســواد
وقال أبو نواس في الثوب الأحمر:
فثوبك والمُدامُ ولونُ خـدي
قريب من قريب من قريبِ
- نذر الحياة .
دخل الشاعرأرطأة , على الخليفة عبد الملك بن مروان, فأحب الخليفة أن يمازحه, فقال له: ها قدبلغت من العمر عتيا يا أرطأة. فكيف رضاك عن الحياة?
فأنشد الشاعر
رأيت الـمـرء تـأكـلـه الليالـي
كأكل الأرض ساقطة الحديـد
- طبق ضفادع.
دعى الشاعر أمين نخلة يوما الشاع أحمد رامي إلى الغداء قائلاً: إنه أعد له طعاماً ممتعاً وعندما حان وقت الغداء قدم له طبق ضفادع , وكان رامي لا يحب مذاقها, فلم يقرب الطعام وقال :
دعـانـي إلـى أكـلـة مـمـتـعـة
وقـال: سـيـطـعمني ضفدعةْ
وكيف تكـون الضفادع قـوتاً
ومـرقـدهـا الليل فــي منقعةْ
تبيت مـع الـطـيـن مطمــورة
وتــأكـل أوضـاره طـيّـــعــةْ
- لما قدم حاتم الأصم إلى الإمام احمد قال له الإمام : اخبرني كيف السلامة من الناس ؟ فقال حاتم : بثلاثة أشياء : تعطيهم من مالك ولا تأخذ من مالهم . وتقضي لهم حقوقهم ولا تطالبهم بحقوقك . وتصبر على أذاهم ولا تؤذيهم .
- قال حكيم : أربعة حسن ولكن أربعة أحسن منها : الحياء من الرجال ولكنه من النساء أحسن ، العدل من كل إنسان حسن ولكنه من القضاة والأمراء أحسن، التوبة من الشيخ حسن ولكنها من الشاب أحسن ، الجود من الأغنياء حسن ولكنه من الفقير أحسن .
- مر إبراهيم بن ادهم برجل يتحدث بما لا يعنيه ، فوقف عليه فقال : كلامك هذا ترجو به الثواب ؟ قال : لا . قال : افتأمن من عليه العذاب ؟ قال : لا . قال: فما تصنع بكلام لا ترجو عليه ثواباً وتخاف منه عقاباً ! عليك بذكر الله تعالى .
- قيل لهند بنت الحسن أي الرجال أحب إليك قالت : البعيد الأمد الواسع البلد الذي يُوفد ولا يفد. قيل فأي الرجال أبغض إليك . قالت : البرم الأفاق ، اللزوم اللحاف ، الذي شربه استفاف ، وشملته التفاف ، ينام حيث يخاف ويشبع حين يضاف .
- شكا بعض أهل الأمصار والياً إلى المأمون فكذبهم وقال : قد صح عندي عدله فيكم وإحسانه إليكم فاستحيوا أن يردوا عليه فقام شيخ منهم وقال يا أمير المؤمنين : قد عدل فينا خمسة أعوام فاجعله في مصر غير مصرنا حتى يسع عدله جميع رعيتك وتربح الدعاء الحسن فضحك المأمون واستحيا منهم وصرف الوالي عنهم .
- يروى أن عبدالملك بن مروان استأذن على معاوية رضي الله عنه في الدخول فأذن له . ثم سلم عليه وجلس وبعد أن فرغ من حديثه قام وانصرف . فقال معاوية ما أكمل أدب هذا الفتى فقال بعض الحاضرين نعم يا أمير المؤمنين لقد أخذ بأخلاق أربعة وترك أخلاقاً أربعة . أخذ بأحسن البشر إذا لقي . وبأحسن الحديث إذا حَدّث . وبأحسن الاستماع إذا حُدّث . وبأحسن الوفاء إذا وعد . وترك المزح مع من لا يثق بعقله . وترك مجالسة من لا يرجع إلى الحق . وترك مخالطة من لا أدب عنده . وترك من القول و العمل كل ما يعتذر منه .
- قال الحجاج لخريم الناعم : ما النعمة ؟ قال : الأمن فإني رأيت الخائف لا يتمتع بعيش . قال له : زدني ، قال : فالصحة فاني رأيت المريض لا ينتفع بعيش . قال له: زدني . قال: الغنى فإني رأيت الفقير لا ينتفع بعيش . قال له زدني . قال : فالشباب فاني رأيت الشيخ لا ينتفع بعيش . قال: زدني . قال : لا أجد مزيداً .
- تتلمذ شاب ملول كثير الإهمال على أرسطو وقد نبهه إلى ذلك أستاذه مرة فاعتذر قائلاً ماذا اعمل وليس بي جلد على القراءة ولا صبر لي على ما يقتضيه العلم من مجهود و تعب فأجابه أرسطو إذن فلا سبيل لك إلا الصبر على الشقاء و الجهل .