بلدتي .
حين كانت تتشابك خيوط طائرة الورق كان على جدتي أن تفكها لي. طائرة صنعتها من ورق وعجين وقصب .كان الهواء سيحملها عاليا إلى حيث تصبح نقطة في الفضاء.
ولأن القطار كان له موعد ليمر قاطعا البلدة مخلفا غيوما وبخارا وأشياء أخرى كان علينا أن نرقبه نقطة مرسومة على خط الأفق وستكبر تلك النقطة لتغدو وحشا قطع سجادة جارتنا إلى ثلاث حين نشرتها على خط السكة ونسيتها وهي تستمتع بمعرفة الفارق بين برودة بلاط الغرفة وسخونة جسد أبو عواد الذي أغراه منظر الغرفة عارية فأقبل على أم عواد ولأن الثلاث اقبلوا معا أبو عواد والقطار وام عواد التي وجدت في القطع الثلاث فائدة أكثر من قطعة ثقيلة , فوضعت واحدة في المدخل وأخرى في غرفة الضيوف والثالثة في غرفة الجلوس . ولان للقطار فوائد كثر غير تلك التي اكتشفتها أم عواد وهو ما حكاه لي جدي حين انتقل به إلى( رياق) ليسافر من هناك إلى بيروت ومن هناك إلى أمريكا ليعود لنا بجدتنا التي زرعت ارض البلدة أطفالا ولم تدع احد يسبقها في اصطياد الكنائن والأصهار .
من هذا يا جدتي .؟
صهرنا .
من هذه يا أمي .
زوجة عمك .
بنت عمك ابن عمك ابنة عمتك ابنة خالك ........... صنعت حفيدة ماركيز البلد كلها أقرباء لنا وقد تولت بنفسها تسمية البنات بينما تولى الجد تسمية الذكور .
أولئك أولاد الشينا أما أولئك فأولاد السيلا وتلك النيكرا والشينا .. وهذه دورليس وتلك ايفا ..
..............................
تعالي أنت .
ما اسمك .
نزهة .
كم عمرك يا نزهة ؟
ثلاث عشر .
قولي لأمك يا نزهة اليوم سيأتون لخطبتي بيت ..........
زوجوني أبوك
لم اعرف يومها ما يعني الزواج .
ولكن اذكر أن جدك حلف يمين الله أن أخطو على ظهره وانا انزل من الفرس .
أنا كنه ابنه البكر .
هكذا خطبوني وزوجوني لأبوك وأخذني أبوك إلى( زحلة) في القطار الذي لم يعد يمر ببلدتنا . كنت مجرد طفلة ركبت إلى جواره وانا في حلة العرس. كان القطار بطيئا ويتوقف طويلا في كل محطة . في كل محطة كان هناك جمهرة من الجنود الفرنسيين يرفعون لي قبعاتهم ..
لماذا يرفع الجنود قبعاتهم ؟
سألت ابوك ..
احتراما لك .
أعجبتني فكرة أن يرفع الجنود قبعاتهم ..!
كنت ارقبهم في كل محطة وهم يرفعون قبعاتهم لي لي وحدي !
الجنود الفرنسيون كانوا يرفعون قبعاتهم للسيدة الصغيرة ّّّّ!!!
ترى لماذا طردنا الفرنسيين !!
لأنهم مستعمرون !
..................................
تركناها خلفنا بيوت من طين وسواقي تمرح بها الأسماك الملونة وتمر على البيوت ونسبح بها عرات .. وحواكير . وكروم عنب .. واقتصر لقائنا بها على أعياد تباعدت وتباعدت حتى تلاشت .
متى نذهب للقصير يا أمي
حين يشاء الله
ها سنذهب في العيد ؟
إذا أراد ربك .؟
كان يبدو لي الله مسئولا بحجم جابي التذاكر .
نركب السيارة ونرقب بشوق قدومها الينا .
وتطل أخيرا بيوت مثل حمامة ( بيكاسوا ) تنهمك النساء بالغسل على السواقي و بنثر الكلس على جدرانها وصنع الأقراص ونشر السجاد على سكة الحديد مستفيدين من تجربة ا م..عواد .. فغدا هو العيد ....... يحملن أطباق الأقراص الى الفرن .. هناك وحين يكون الخباز منهمكا في خبز الأقراص .. ستتعرف أم زكي على التي أصبحت فيما بعد كنتها وسيبدي الخباز إعجابه بمذاق أقراص أم عبدو وسيتعرف النساء على كنة بيت .عبد الله ( والله هل أم عبد الله )....... عرفت تختار . وسيتحجج احمد بمساعدة أهله ليحضا بنظرة من محبو بته .
في حضن الموقد تبث أمي النار في أقراص الجلة وتضع عليها القدر .. دفعة واحدة ستحممنا وتلفنا بالمناشف وتصفنا إلى جوار بعضنا تماما مثلما تصف حبات اليبرق .... اخي سيحسب كم ستكون حصيلته من العيديات .. عمك سيعطيني كذا وزوج عمتي كذا .... أبن عمك ذاك لن يدفع شيئا .. بخيل ... سأشتري المسدس ........
جدتك أم أمك ستقول لك .. بعد ما تقبل أيدها : روح شوف الجاجات باضوا إذا باضوا خود بيضه عيدية !!
يسرقنا النوم ونصحوا على تراتيل الله اكبر الله اكبر ولله الحمد .... الله اكبر كبيرا والحمد لله كثيرا ........
نتراكض إلى حيث جدي يقف شامخا مثل رمسيس بقنبازه الجديد والحزام الجلدي يؤطر خصره . معتزا بانجازه من جمهرة الأحفاد .. ننكب على يده تقبيلا ونصطف خلف بعضنا بوقار نرقبه وهو ينقدنا القروش المثقوبة .
لعله لم يعد يميزنا .. أنت ابن من ؟ أنت يا أشقر من أبوك ؟.. أنت يا اسود من هي أمك .؟
.................................................. ...
كبر الجميع وتباعدوا وصار لبعضهم مناصب وزين البعض الآخر أكتافهم بالنجوم
ولم تعد الساقية تؤطر بيوتنا وغادرت الأسماك الملونة النهر وانسحب الطين من بيوتنا بعد أن هاجمها الأسمنت والحديد أما الأخبار فصارت تصلنا متقطعة . عبر الهاتف وفي اللقاءات القصيرة مع أولاد العمومة .
ابن خالتك الكبير دفع بدل وسافر ع الخليج .. والله نفد هل حمودي !
الصغير مفيش !
_ يعني شو مفيش ؟
يعني عم يدفع ل معلمو العقيد قائد كتيبتوا 5000\ ليرة بالشهر وما عم يروح ع الجيش ! ومنشان يطلعهم عم يشتغل بتهريب المازوت ع لبنان .!
عمك اعتقلوه ! طلع يميني ! وكاتم معلومات !
ابن عمك ترك الجيش قال لأبوه أما أن أستقيل أو انتحر !!
ابن خالتك يحتفل بإنتهاء الخدمة الإلزامية ! وجايب رقاصات قال هي احلى فرحة بحياتو.
........................
ابن عمتك يقدم رسالة الدكتوراه في الأردن ... ما شاء الله أولاد أبو كاظم كلهم ببيضوا الوجه . شباب متل الزهرة .
........................
ابن خالتك راح ع الجامعة وما رجع بلكي تسأل عنوا.
ابن عمك اخدوه من البيت !
_شو عامل ؟
طالع مظاهرة !
ابن خالتك طلع من البولوني ..لو شفتوا اليوم ما عاد تعرفوا .. شهر معلقينوا بالبلنكو.. دخلك شو هادا البلنكو ؟
...............................................
_الو الو من الصبح وإنا عم حاول دقلك
الو الو عم تسمعني أولاد أبو كاظم أتنين استشهدوا والثالث اعتقلوه .
مين ؟
اشرف ويثرب !
الو الو ........الو
.................................................. .....................................
شركة سيريا تيل
لم يتبقى لك رصيد ورامي مخلوف يخبرك بضرورة تعبئة موبايلك .