|
|
|
|||||||
| منتدى البلاغة والنقد والمقال الأدبي هنا توضع الإبداعات الأدبية تحت المجهر لاستكناه جمالياته وتسليط الضوء على جودة الأدوات الفنية المستخدمة. |
![]() |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 | |||
|
فلسفة الجمع بين المتباينات: قوة الجمع بين المتباينات، أو (التعادل في المظهر)([i])، بين المتنافرات أو المختلفات، أصبح مصدراً قوى التأثير؛ لبروز "الصنعة والحذق والنظر، الذي يلطف ويدق، في أن تجمع بين المتنافرات والمتباينات في ربقة، وتعقد بين الأجنبيات معاقد نسبه وشبكه"([ii]) وإذا كان هذا يثير لذة في نفس المتلقي، لما في هذه التشبيهات من تخيّل ودقة فإن تصوير "الشبه من الشيء في غير جنسه وشكله، والتقاط ذلك له من غير محلته واجتلابه إليه من الشِّقِّ [النيق] البعيد، باباً آخر من الظرف واللطف، ومذهباً من مذاهب الإحسان لا يخفى موضعه من العقل"([iii])؛ لما يثيره في المتلقي من غرابة ودهشة، وإحساس بالروعة، لذا فكلما كان التباعد أشد بين الطرفين كانت النفوس به أعجب، وله أطرب، فمن المثير للدفين من الارتياح أن ترى في التشبيه لطافة الجمع بين متباينين مختلفين([iv])، لا تستغل فيه "الترابطات والاستجابات الإيجابية فقط، وإنما تركز أيضاً على الاستجابات السلبية"([v])، فقول الزاهي أبي القاسم علي بن إسماعيل بن خلف البغدادي: ولا زورديةٌ تزهو بزرقتها . بين الرياض على حمر البواقيتِ . كأنها فوق قامات ضعفن بها . أوائل النار في أطراف كبريتِ . جميل خلاب لما فيه من غرابة الجمع بين متباعدين؛ أحدهما: البنفسج وهو نبات غض، والآخر: لهب النار في جسم مستول عليه اليبس وبادٍ فيه الكلف([vi])، فهذان طرفان متباعدان لا يفطن إلى علاقاتهما إلا ذكي يقظ، يستطيع أن يستشرف العلاقات الخفية بين الأشياء، ليبرزها للمتلقي في نسق لغوي أخاذ يصنع صنيع السحر في النفوس، فالنفس تهفو إلى كل ما هو غريب جديد. ورغم ما تجده النفس من أريحية ولذة من بعد معاندة التشبيهات التي تجمع بين متباعدات، فإنها لا تستسيغ دوماً كل جمع بين متباعدين، بل إنها تشترط في مثل هذا التشبيهات "أن تصيب بين المختلفين في الجنس وفي ظاهر الأمر شبهاً صحيحاً معقولاً، وتجد للملاءمة والتأليف السويّ بينهما مذهباً وإليهما سبيلاً"([vii]) فإذا توافر عقلياً الوفاق الحسن مع الخلاف البين، كأن تكون الأفعال سبباً لضدها، كما في قول الشاعر: أعتقني سوء ما صنعت من الـ. رقِّ، فيا بردها على كبدي . فصرت عبداً للسُّوءِ فيك، وما . أحسن سوءٌ قبلي إلى أحدِ . فهذا مما يثلج الصدر، ويحرك النفس، ويستثير الأريحية لحسن تبدي الأضداد وتآلفها([viii])، لأنّ الوفاق بين الأضداد يفتح "أبواب الاتصال بين عالمين جرت العادة على اعتبارهما منفصلين"([ix])، فالتشبيه الجميل هو "ما يريك للمعاني الممثلة بالأوهام شبهاً في الأشخاص الماثلة، والأشباح القائمة، وينطق لك الأخرس، ويعطيك البيان من الأعجم، ويريك الحياة في الجماد، ويريك التئام عين الأضداد، فيأتيك بالحياة والموت مجموعين، والماء والنار مجتمعين"([x]) كما في قول الشاعر: أنا نارٌ في مرتقى نظر الحا سد، ماءٌ جار مع الإخوان فقد جمع الشاعر بين متناقضين (النار والماء) في شخص المتكلم، ووجد لتآلفهما سبيلاً بيناً، فكان ناراً حارقة للحاسد، وماء رقراقاً مع الإخوان. فقد تبيّن أن جمال التشبيه ليس في الجمع بين المتناقضات، أو في تجسيم المعاني وتشخيصها حتى تظهر مرئية للمتلقي فحسب، وإنما في استثارة الفكر والتأمل من أجل إدراك وجه الشبه الخفي([xi])، لأن التأمل والإدراك هو عين اللذة الجمالية، لذلك فقد ذهب الإمام الجرجاني إلى أن "حسن التشبيه وجماله لا يكون إلا بعد التأنق في استحضار الصور وتذكرها، وعرض بعضها على بعض، والتقاط النكتة المقصودة منها، وتجريدها من سائر ما يتصل بها"([xii])، فكأن الإمام عبد القاهر كان ينظر للتشبيه على أنه لوحة فنية تبرز فيها الأشياء، وتحدد معالمها ومقاييسها بتوازن وتوفيق دقيق وبخاصة بين المتضادات المتباعدات أو المتنافرات([xiii])، لهذا فإن قول القزويني "والبليغ من التشبيه ... البعيد لغرابته"([xiv]) ليس كافياً أو موضحاً لحقيقة أمر فلسفة الجمع بين المتباعدات عند الإمام الجرجاني، لأنه حين ذهب إلى حاجة التشبيه للتأمل لم يكن ليبتغي من وراء ذلك إمعان العقل فحسب، وإنما إنعام النظر أيضاً، وذلك لأن تأمل الأشياء بصرياً يعبر عن علو مكانة الجميل، ويفيض على النفس راحة. وهكذا؛ فإن لذة النص لم تعد فيما يفضي به النص للوهلة الأولى، وإنما فيما يصد عنه ويحجبه، وفيما يولده من شوق ولهفة "فمن المركوز في الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه، ومعاناة الحنين نحوه، كان نيله أحلى، وبالمزية أولى"([xv]) لما بذل فيه من جهد وتأمل للعلاقات، فجمال الأشياء في غموضها، ودقتها، وحسن تناسقها، لذلك فإن قول الأعشى: فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأى عنك واسع فيه تأليف بين متباينات ومتنافرات لها أصل في العقل، لا يمكن إدراكها ببديهة السمع أو بلمحة الناظر المتعجل، وإنما بالتأمل؛ الذي يكشف عن تفاضل السامعين في الفهم والتصور، ويعرب عن شرف الصنعة وفضيلة القول، ويوحي بدقة المتكلم في إيجاد المشابهة أو التناسب والتلاؤم بين المتباعدات، بل ينم على ذكائه، ونفاذ خاطره، وقدراته التعبيرية"([xvi]) ألا ترى أن التشبيه الصريح إذا وقع بين شيئين متباعدين، في الجنس، ثم لطف وحسن، لم يكن ذلك اللطف وذلك الحسن إلا لاتفاق كان ثابتاً بين المشبه والمشبه من الجهة التي بها شبهت، إلا أنه كان خفياً"([xvii]) يحتاج إلى تأمل، لهذا فإن قول ابن المعتز: وكأن البرق مصحف قارٍ فانطباقاً مرة وانفتاحاً لم يكن لطيفاً لمجرد الجمع بين طرفين متباعدين أو مختلفين أشد الاختلاف فحسب، وإنما بما أحدثه الشاعر من توافق بينهما كأحسن ما يكون وأتمه، وبما أصابه من اتفاق بينهما في الحركة المفاجئة التي تنعدم فيها الرؤية([xviii])، وبما التفت إليه من تجاوب بين حركات متضادة، فالبرق ينشر ضوءه، ثم يعقبه عتمة، والعين تستجيب لذلك فتنقبض إذا ما انتشر الضوء، ثم تنبسط في العتمة فلا ترى شيئاً، فممسك المصحف يفتحه مرة، ويطبقه مرة أخرى، على نحو مفاجئ كالبرق فلا يقدر على رؤية شيء. وبعد، فإنني أظن أن حسن الجمع بين المتباعدات يتولد من المفارقة بين تنافر المتباعدات في الواقع الخارجي، وانسجامها في التركيب اللغوي، لدقة التخيل، فالخيال "لا يظهر في شيء بقدر ما يظهر في إحالة فوضى الدوافع المنفصلة إلى استجابة موحدة منتظمة"([xix]) لذلك ليس من الغريب أن يئول التنافر المعجميّ بالخيال إلى تكامل سياقيّ([xx])، يكون أقدر من غيره على إثارة التأمل. وليس التأمل لما غمض معناه ودق، وكانت المشابهة فيه خفية فحسب، وإنما يكون للتشبيهات التفصيلية أيضاً، لأن الإدراك الإجمالي أسبق إلى النفس من الإدراك التفصيلي، حيث إن الإدراك الإجمالي أوليّ، أما الإدراك التفصيلي فلا يكون إلا بالتأمل وإعادة النظر، بل بالاستقصاء، فالتفاصيل لا تحضر إلى القلب إلا بعد إعمال الروّية والاستعانة بالتذكر، والحسيات لا يتبينها المتلقي إلا بإعادة كل منها على حاسته لإدراك تفاصيلها، ولكن الأمر ليس في حاجة إلى تأمل معلوم يثبت قدره على الدوام، وإنما يتفاوت مقدار التأمل بحسب مكان الوصف ومرتبته من حدّ الجملة، وحدّ التفصيل، إذ كلما كان التفصيل أشد كانت الحاجة إلى التأمل أكبر([xxi])، لذلك فإن التفصيل يأتي على وجوه ثلاثة على الأغلب الأعرف([xxii]): الأول: أن تأخذ بعض الشيء وتترك بعضه، كما في قول ابن المعتز: فجاءت بها في كأسها ذهبيّة لها حدق لم تتصل بجفون فقد فصل الحدق عن الجفون، وأثبتها مفردة. والثاني: أن تنظر إلى أمور في المشبه فتعتبرها كلها في التشبيه وتطلبها فيه، كقول قيس بن الأسلت: وقد لاح في الصبح الثريا لمن رأى كعنقود ملاحية حين نورا ففي تشبيه الثريا بعنقود الكرم المنور، شبه الشاعر المبصرات بعضها ببعض، جامعاً بين الصورة واللون معاً في لوحة جمالية تشغل الأبصار بروعتها. والثالث: أن تفصل بأن تنظر إلى خاصة في بعض الجنس، كما في قول ذي الرُّمة: كأن على أنيابها كل سحرة صياح البوازي من صريف اللوائك ومما يكثر فيه التفصيل ويقوي معناه فيه، ما كان من التشبيه مركباً من شيئين، كما في قول ابن المعتز: غدا والصبحُ تحت الليل بادٍ كطرفٍ أشهبٍ ملقى الجلال إذ قصد الشاعر "الشبه الحاصل لك إذا نظرت إلى الصبح والليل جميعاً، وتأملت حالهما معاً، وأراد أن يأتي بنظر للهيئة المشاهدة من مقارنة أحدهما الآخر، ولم يرد أن يشبه الصبح على الانفراد والليل على الانفراد ... بل أراد أن يشبّه الهيئة الحاصلة من مجموع الشكلين، من غير أن يكون بَيْنٌ في البَيْن"([xxiii]). ويغمض الكلام فيحتاج إلى تأمل إذا كان التشبيه غريباً نادراً، لبعده عن الحواس، أو لقلة تردده عليها([xxiv])، فالغريب النادر يعتمد على "قوة التركيز ونفاذ البصيرة التي تدرك ما لم يسبق لنا أن أدركناه، أو نادراً ما ندركه، ومن هنا تكون الهزة المفاجئة التي تصنعها الصورة، وتكون حالة الارتياح"([xxv]). ومما يجتمع فيه الندرة والتفصيل قول الشاعر: وكأن أجرام النجوم لوامعاً درر نثرن فوق بساط أزرق لأن الناس ترى "أبداً في الصياغات فَضّة قد أُجري فيها ذهب وُطليت به، ولا يكاد يتفق أن يوجد درٌّ قد نثر على بساط أزرق"([xxvi]) وبعد، فإن الغرابة في صورها المتعددة تتخذ شكلاً واحداً ومن ثم لا تتفاوت في حسنها، أما التفصيل فهو يتفاوت ويفضل بعضه بعضاً بحسب الجهات التي يتناولها المتكلم للشيء الواحد([xxvii])، ويبرز ذلك في المقارنة بين الأشعار الآتية، فقول بشار بن برد: كأن مثار النقع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه أفضل من قول المتنبي: يزور الأعادي في سماء عجاجة أسنته في جانبيها الكواكب ومن قول كلثوم بن عمرو: تبنى سنابكها من فوق أرؤسهم سقفاً كواكبه البيض المباتير فبشار راعى ما لم يراعه غيره وإن كادت تكون الأبيات شيئاً واحداً فكل منهم شبه لمعان السيوف في الغبار بالكواكب في الليل إلا أن بشاراً جعل الكواكب تهاوى فأتم التشبيه وعبر عن هيئة السيوف وقد سلت من الأغماد وهي تعلو وترسب، وتجيء وتذهب، فبشار لم يقتصر على أن يظهر لمعان السيوف في أثناء العجاجة كما فعل الآخران([xxviii])، ولم يرتض أن تجمد السيوف في رؤوس الأعداء كالسقف، بل آثر التقاط حركات السيوف، ليجعل الصورة حية سينمائية. وبعد، فإن التأمل الجمالي هو عين اللذة، لأن التشبيه سواء أكان غامضاً نادراً، أم تفصيلياً فهو في حاجة إلى التأمل، أو بمعنى آخر هو في حاجة إلى سباحة ضد التيار حتى تتولد اللذة بالراحة والاستقرار([xxix]). ([i]) أطلق هذا المصطلح كانتور وفكتر، وهو بمعنى الجمع بين المتباعدات. انظر موسوعة المصطلح النقدي 1/426. ([ii]) أسرار البلاغة 148. ([iii]) المصدر نفسه 129. ([iv]) انظر: المصدر نفسه 129 – 130، ومنهاج البلغاء وسراج الأدباء 112. ([v]) د. كمال أبو ديب، جدلية الخفاء والتجلي دراسات بنيوية في الشعر 49، دار القلم للملايين، بيروت، الطبعة الثالثة 1984م. ([vi]) انظر: أسرار البلاغة 130 – 131. ([vii]) المصدر نفسه 151. ([viii]) انظر: أسرار البلاغة 155. ([ix]) بحث في علم الجمال 567. ([x]) أسرار البلاغة 132. ([xi]) انظر: المصدر نفسه 152-153. ([xii]) المصدر نفسه 152-153. ([xiii]) انظر: موسوعة المصطلح النقدي 1/425 – 427. ([xiv]) الإيضاح في علوم البلاغة 259. ([xv]) أسرار البلاغة 139. ([xvi]) انظر: المصدر نفسه 143، 148، 151 – 152، 157، ودلائل الإعجاز 93، 95-96. ([xvii]) المصدر نفسه 152 – 153. ([xviii]) انظر: المصدر نفسه 153. ([xix]) مبادئ النقد الأدبي 315. ([xx]) انظر: د. محمد عبد المطلب، هكذا تكلم النص، استنطاق الخطاب الشعري لرفعت سلام 183، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1997م. ([xxi]) انظر: أسرار البلاغة 160-161. ([xxii]) انظر: المصدر نفسه 166 – 168، 91، 95، 170. ([xxiii]) أسرار البلاغة: 170. ([xxiv]) انظر: المصدر نفسه: 165. ([xxv]) د. محمد حسن عبد الله، الصورة والبناء الشعري 33، دار المعارف، القاهرة، 1981م. ([xxvi]) أسرار البلاغة 172. ([xxvii]) انظر: المصدر نفسه 174. ([xxviii]) انظر: أسرار البلاغة: 175. ودلائل الإعجاز 411 - 415. ([xxix]) انظر: دفاع عن البلاغة 103-107. |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 2 | |||
|
لماذا لا استطيع نسخ الموضوع |
|||
|
![]() |
|
|