القــدس.. تلـــك الشحـنـة المتفجــرة
بقلم: ابراهام تيروش
كتب صديقي شالوم يروشالمي ها هنا رثاء للقدس، يستحق أن يقرأ في التاسع من آب لا في "يوم القدس" الذي يحل اليوم (أمس). فحواه أن القدس ليست موحدة ولا يمكن تقسيمها أيضا. انها غارقة في الوحل، ومنقسمة ويتركها سكانها بلا أمل. بل إن محرر المقالة زاد الأمور حدة بالعنوان الثانوي الذي ينبعث منه التهكم والمفارقة: "لا مستقبل للقدس. يوم قدس سعيد". كيف تسعد بعد مقالة رثاء كهذه؟.
ولكي أنفي الخطأ أقول إنني أقبل كل ما كتبه يروشالمي، فهو يعيش في المدينة ويعرف معرفة عميقة مشكلاتها أكثر مني بكثير. نحن ضيوف لحظة ولا نرى كل سوء. بل إن "غول هولي لاند" لا يقلقنا كثيراً. نحن نتأثر بالمدينة، ونتمتع بها وبجمالها الطبيعي وماضيها وقداستها وأسرارها، ونسرع العودة الى بيوتنا في السهل الساحلي.
القدس هي الموضوع الأصعب والأشد حساسية من بين الموضوعات الجوهرية التي تبحث بيننا وبين الفلسطينيين. انها المادة المتفجرة الرئيسة بينها. لكن كما هو واضح اليوم، فانه دون دولة فلسطينية لن ينتهي النزاع؛ يجب ان يكون واضحا أيضا لكل من لا يدفن رأسه في الأرض أن هذا النزاع لن ينتهي أيضا دون تسوية ما تقسّم المدينة بين اليهود والعرب. وليس هذا سهلا على الاطلاق.
يسمي يروشالمي تقسيم المدينة، حسب مبدأ الأحياء اليهودية لليهود والعربية للعرب "فكاهة سخيفة". وذلك لأن اليهود يسكنون اليوم الأحياء العربية أيضا، وأي حكومة ستخرجهم من هناك؟. إنه على حق. من المحقق أن ليست الحكومة الحالية هي التي ستفعل. لكن القدس مدينة معجزات، ومن طبيعة المعجزات أن تأتي من أعلى وأن يساعدها بعضهم من أسفل. إذاً، ربما ما بقي هو أن ندعو الله أن تتحقق معجزة أخرى ــ ليخلصها ويخلصنا من الورطة الفظيعة غير المحلولة بتفكير ابداعي وتدخل دولي وأن نجد وضعا جديدا يقوم على ادارة مشتركة لأجزاء من المدينة.
المشكلة هي أن حلا كهذا أيضا لا يبدو ممكناً ما دامت الحكومة الحالية في الحكم. ان السيف ذا الحدين لـ "تقسيم القدس" قام فوق جميع رؤساء الحكومة في العقود الاخيرة وهدد بقطع رؤوسهم السياسية. كل من ارتيب فيه بأنه "سيقسم القدس"، فكأنما ارتيب بأنه خائن. ان بنيامين نتنياهو، ويشك في أن يكون قادرا على المضي في اجراء كهذا، لا يشذ عن القاعدة. لقد جعله موشيه فيغلين ايضا خائنا، وأقام حملته الدعائية الأخيرة ضد رئيس الحكومة بشأن تأجيل الانتخابات في "الليكود" على دعوى ان بيبي سيبيع القدس.
حتى لو هزم فيغلين، فان هذا بعيد من أن يدل على أن توجد كثرة في "الليكود" ومؤسساته تؤيد حلاً ما ينقل أجزاء من العاصمة الى أيد غير اسرائيلية، ويقر هناك عاصمة الدولة الفلسطينية. والى ذلك، لا يبدو ان حزباً ما يجرؤ على المنافسة في الانتخابات مع راية تقسيم القدس، على نحو ما، سيستطيع الفوز فيها. سيقتضي البت في أمر القدس استفتاء شعبيا محصورا في هذا الموضوع، ومن أنا لأخاطر بالتنبؤ بالنتائج؟.
أجل، الوضع جد ميئس، كما وصف ذلك يروشالمي. فهذه المدينة شحنة ناسفة معدة قد تفجر المحادثات مع الفلسطينيين. ما الذي بقي لنا اذا، أن نعود الى المعجزة. صحيح ان حكماءنا السابقين قالوا "لا اعتماد على المعجزة"، لكنهم هم أنفسهم أيضا جعلوا القدس خارج هذه القاعدة، وجزموا أن عشر معجزات تمت لآبائنا في الهيكل او في القدس. يكتب البروفسور افيغدور شنان في تفسيره الرائع لسفر الآباء، في النص الذي فصلت فيه المعجزات العشر، يقول إنه يصف الهيكل والقدس بأنهما "منطقة عجيبة، لا تنطبق عليها قوانين الطبيعة الاساسية والاشياء التي تسود العالم كله".
اذاً، يوجد أمل. هلم نتمسك به، وأن نهنئ باسمه ونبارك ذلك قائلين: يوم قدس سعيدا. الى الغاية المستطاعة.
عن "معاريف"