رسالة من تحت الماء .....
الثالث عشر من مارس 1953 :
السبب الوحيد في كوّن ربيكا حزينة هو توقّعها من الأخرين الكثير , بيد أنّها هي كذلك معهم و مع نفسها أحياناً , و لكن أن نحمّل أنفسنا ذنوبا ً لا علاقة َ لنا فيها و لا وتد , ذاك هو الضعف , ربيكا اليوم تستعد لتغير مكان سكنها و تستعد لأن تقطن في ضاحية ريفية بعيدا ً عن ضجيج الحياة , بعيدا ً عن ثقل الناس , عن همّهم الساذج , و اليوم هي الجلسة ما قبل الأخيرة كي يَصدر الحكم على ربيكا , و اليوم هو اليوم الموعود للقاء ربيكا بمحبوبها المُنتظر , اليوم فقط اليوم , ذهبت للمطعم المُتفق عليه للقاء و صار اللقاء و ربيكا تذرف دموعا ً , يتسائل مارك … أهي دموع الحزن أم دموع الفرح …. أم تُراها دموع الخوف و الذعر , شعر بوخزة ٍ في قلبه و أنا أتسائل الأن و ليس مارك هل تلك الوخزة هي وخزة ُ ذعر ٍ بالمقابل أم وخزة خُبث ٍ أم تُراها وخزة ُ الضمير ؟
الخامس من يناير 1954 :
غريب ٌ أن مارك مازال يتّحمل عناء الطريق مع ربيكا , فهي في موضع الشك , ربيكا تُفكر في سبب , في مُبرر يجعلها على الأقل توقف مكابدة َ المشقّة في ظلال حياتها الجديدة , في مساء هذا اليوم ربيكا دعت مارك لقضاء الليل عندها , لم تعد تأمل الكثير فهي وسط َ دوامة ٍ لا بداية َ لها و لا نهاية ْ , و على شموع عشاء ٍ سري ّ دار الحديث التالي :
- أنت شخص ٌ طيب
- أنا لست ُ كذلك و كفاكي ظنا ً بالناس , أنا لم أفعل شيئا ً إلا ّ واجبي
- أواجبك أن تقف الى جانبي
- أجل , واجبي أن أبقى معك حتّى النهاية
السادس عشر من مارس 1954 :
الأمور تكاد تكون أكثر هدوء ً و مُنحنى الاستقرار بدء بالاستقرار أيضا ً , ربيكا و مارس يأخذان مشوارا ً على شاطيء البحر وقت الغروب , و ربيكا تطوق مارك بذراعها حيث ُ مارك يُداعب ُ شعرها و يقول لها أعتذر لأنني لم أستطع أن أقدم لكي كل َّ شيء و ربيكا دون أدنى اختبار تأخذ كلامه و كأنه العبق المنتظر و كأنه الفارس المقدام و تبدأ عيناها ترمق ُ مارك بكل حب ٍ و حنان, في نهاية ِ المشوار واجهاه عجوزا ً كهلا ً أعاناه على الوصول الى بيته المتواضع حيث ُ قال لهما على طول الطريق مُكررا ً بذلك سيناريو الحياة بين يدي مارك و ربيكا و كل من ذكرت ُ في قصتي هَهُنا و يُردد : ” الحياة إنسان مُصاب بالزكام و الإنسان حياة مِلئُها الشفقة أحيانا ً “
نهاية البداية و بداية النهاية ....
السابع عشر من ديسمبر 1954 :
بقي َ أسبوع على عَشية ِ عيد ِ الميلاد , و ربيكا تُحضّر لها بالرغم من ثِقَلِ فكرها و عناء همومها اللامنطقية , إلا ّ أنها تعالج تفاصيل َ حياتها بوساطة الأخرين هربا ً من نفسها و هربا ً من الحقيقة! , و في صباح هذا اليوم تذهب ربيكا كي تُقابل المحامي لتتفَهَمَ بعض َ الأمور و في المكتب :
- حسنا ً , لا يُمكنني المكوث هنا طويلا ً أرجوك قُل لي الى متى سأبقى هكذا ؟
- انني أسف ٌ حقا ً و لكن لا أدري , لو أنكي تقولين كل شيء
- و هل تشك ُ في ذلك ؟
- لا , و لكن فعلا ً هناك َ شيء ٌ غامض ْ
- آه , أعرف ذلك و لهذا السبب استعنت ُ بك هيا
- لا بأس لا تقلقي فأنا في محاولة التملّص
- التملّص ؟
- لا تخافي ( هههههه ) سوف تعرفين كل شيء فيما بعد ْ
الواحد و العشرين من ديسمبر 1954 :
ربيكا تٌراقب جسدها في المرآة , وهي عارية و لكن هنا ما عاد الهدف ُ نفسه في كل ِّ مرّة ٍ , هي لا تُراقب جسدها بل تُراقب الزمن , تُراقب الوقت و تراقب أمالا ً عديدة , أخذت حماما ً باردا ً و في الوقت الذي كانت تستعد به لقراءة الصحيفة رن جرس ُ المنزل ….
آآه , بيلي , بيلي أنتي …. يا للهول
أخذتا الصديقتين عناقا ً طويلا ً , دون أدنى ذريعة ْ لليقظة و للعزوف عن ما كان يجب تحليله ْ
فربيكا كما قلت بدأت تتغير و لم تعد كما وصفتها في أول ِ القصة , هي تتغير مع تغير الحياة , و لكن الحياة َ لا تتغير بل نحن مَن نتغير , إذا ً ربيكا لا تتغير بسبب الحياة بل بسبب ما تُقدمه الحياةُ من جروح ٍ لربيكا و بالقدر ذاته تُعطي الحياة لا بل تهب الحياة باقات ٍ من الورد لزملائها , أخذت ربيكا تُعد لرحلة ٍ شمسية ٍ في كوخ ٍ لها على حافة ِ الجبل , و صعدتا حالا ً و أخذتا بالتجهيز للخيام , و عند حلول الليل كانت ربيكا غارقة ٌ في نوم و لأول مرة ٍ تنسى الألم , مسيكنة ٌ هي .
الرابع و العشرين من ديسمبر 1954 :
لو كان بالإمكان وضع ُ موسيقى كي نختم بها مشهدا ً مؤلما ً لأخترت ( آلفا ) إلا ّ أن في تلك الليلة كانت مقطوعة ُ ( fur Elise ) تكفي بالغرض , و على أوتارها استعدت بيلي و صديقاتها لمُفاجئة ربيكا كان مارك في الوقت نفسه يستعد لإجتماع ٍ طاريء مع رجال ٍ مرموقين ذوي قلوب ٍ سوداء كما يرتدون دوما ً , و في الوقت نفسه أيضا ً كان كوميسترو في مطار فيينا قد هبط لتوّه كي يقضي عطلة العيد مع معشوقته سانديا بعد أن مرّ على البنك , و في اللحظة ِ التي دخلوا فيها منزل ْ ربيكا وَجَدوها جاثية ُ على وسادة ٍ و كأنها ملاك ُ أبيض لوثّت الدماء ثيابها و الوسادة بدت و كأنها تُداعب وجنتيها الحزينتين , ( ربيكا قتيلة ) .
الأول من فبراير 1955 :
في أول ِّ يوم ٍ من العام الجديد , يستعد كل ٌ منا كي يبدأ عامه بتفاؤل ٍ و بحب ٍ ينبض ُ فرحا ً و أملا ً في الحياة , إلا ّ أن في بعض الأحيان و لسبب ما زلت جاهلا ً إياه ُ تتغير موازيين الأمور و تنقلب الأمور رأسا ً على عقب كما حدث مع ربيكا مع أول ِ زيارة ٍ لأصحاب البزّات السوداء , و مع آخر جلسة ٍ لها في المحكمة , تماما ً هي تلك السذاجة ُ و ضحكات القدر تنال ُ منا !
بعد أسبوع ٍ واحد !
وجدت الشرطة ُ كوميستروا و قد انتحر ْ تاركا ً ورائه ميراث ً دون أدنى وصاية ْ, أثارت هذه النقطة شكوك الشرطة و لكن بالنسبة لكم و لي على الأقل يجب أن تؤكد مسألة َ انتحاره و ليس اغتياله , و في اللحظة ِ نفسها كان مارك و سانديا يستعدان لزيارة لكنها ليست كزيارات ربيكا المعهودة ْ بل كانت زيارة ً تبعث السخرية في نفسي , كانوا على أُهبة ِ الاستعداد لزيارة بيلي في مصحة ٍ للمجانين !