أسرعتُ إلى مهدها على عجلة حمَلتهُا كشيء مقدّس وعاتبت امي على تجاهلها لها ..بين ذراعيَّ ضممتها على جبينها قبّلتُها, هدّأتُ من روعها .لكن ظلَّ ذلك الأنين المتصاعد مع كل زفرة مسموعا حَدَّقتْ فيّ طويلا بعيناها الواسعتان كنت أرى فيها ما تحلمُ به كل فتاة بِكرْ وما تنتظره كل زوجة و ما تتمناه كل اخت وحيدة.
تحوّلَ لون وجنتاها من الوردي الى الأزرق القاتم ..رغم كل شيء ....رغم الأنين و الزفرات المتقطعة لازالتْ تحدقُ بي بكل ثبات ..شعرتُ بخوف شديد حينها وكأن عجلة الزمن توقفتْ بنا في ذلك المشهد لتمنحنا فرصة تكوين رابط مقدس يربطُ بيننا ..قوةٌ متوهِّجة سرت في جسدي . رفعتُها اليَّ قليلا ثم دنوت منها لأهمس في أذنها يخشوع كانت وسيلتي الوحيدة المتبقاة بعد قِبلةِ الصلاة للتضرع الى الله قلت:
" أريد أن أنساه ..قد تعب قلبي من ذكراه ..أريد أن أنساه ولو جاءني راكعا يطلب العفو ..أريد أن أنساه ..طعنني في كرامتي كما تُطعن العذراء في شرفها ..وربِّ العِزّة و المغفرة ذو الجلال و الإكرام ..أريد أن انساه يا من انتِ ملاكٌ قبل أن تكوني "أمينة" بلِّغي ربي صدق نيتي و إعلان توبتي فقط أريد أن أنساه..."
ولأول مرة أغرق في دموعي أمام جدتي كانت تظن أنني أبكي أختي المريضة فحَمَلَتها عنِّي وأخذت تطمئنني , كان في قلبي لوعتان لوعة الحب و لوعة الخوف من الفقدان , ولا أدري أي لوعة كانت لي الفاجِعة ولا أي لوعة فجّرت بركان دموعي كلَّما حضرتني ذكراها !!!
مسحتُ دموعي وحملت نفسي لأفتح الباب على أبي الذي حضر لنقل أختي الى المستشفى ..إنتظرتها تسعة أشهر لتخرج الى نور الدنيا وتملأ فضاء المنزل فلابأس ان انتظرها ليلة اخرى لأُقيم مراسيم التَّتويج و أكون تحت خدمتها ولرعايتها و احنو عليها حنوَّ الأم , هي هبة من الله بعث لي بها لأتسلى وأنسى جروح الحياة ’ قضيتُ باقي اليوم أرتب ملابسها التي كنت قد إشتريتها لها أثناء التسوق ’ وإخترت لها الثوب الذي سترتديه حين تخرج من المستشفى ..كل شيء كان باللون الزَّهري "القبعة ..الأقمصة ..الأغطية .." وأمضيت الليلة أتحرَّق شوقا لعودة ملاكي
في صباح اليوم التالي إستيقظت باكرا لأتلقى خبرا هزَّ كياني و حطَّم احلامي و جفف محاجري
"مااااااااااتت أمينة"
2009