قراءة في ديوان «رسوم على قشرة الليل» لمحمد عفيفي مطر
بقلم: أ.د. حسين علي محمد
..................................
محمد عفيفي مطر واحد من أبرز شعراء الجيل الثاني من الشعراء المجددين، جيل ما بعد: حجازي وعبد الصبور، وهو شاعر عالمه الشعري خصب وغير محدود، ينشر قصائده منذ فترة طويلة في المجلات الأدبية العربية مثل "الآداب"، و"الشهر" المحتجبة، و"سنابل" المحتجبة، و"المجلة" المحتجبة، و"الكاتب"، و"الثقافة العربية" .. وغيرها. وقد كان يشغل منصب رئيس تحرير مجلة "سنابل" التي استمر صدورها ثلاثة أعوام (1969-1972م) قدّمت خلالها عطاءً خصباً وجادا.
وديوان محمد عفيفي مطر الأخير "رسوم على قشرة الليل" (دار آتون، القاهرة 1972م) يقدِّم رؤية متكاملة لشاعر يرى الكون يسير على غير هواه!!
والكلمات ـ مع شاعريتها المتدفقة ـ حادة كنصل سكين، فالتيّار لا يُوافق هوى شاعرنا السبّاح، ومن هنا نحس بالبلاغة الجديدة في هذا الديوان التي تعتمد على المفارقة الشمولية، وليست اللفظية، وإنما المفارقة بين الواقع من ناحية والمرجوِّ أو المأمول من ناحية ثانية. وتنفذ المفارقة إلى صميم الوجود، فتحس بثورتك وتعاطفك مع هذا الشاعر الذي يُعاني!:
أُمِّي ولدتْني فوْقَ سريرِ الجوعْ
فشرِبْتُ الصَّدأَ السَّائلَ منْ مِسمارِ العالمْ
ورقصْتُ على إيقاعِ الموْتْ
وأكلْتُ الأرغفةَ الحجريَّهْ
فاخْتَرَقتْ صدري الحربةُ
في أعْراسِ الصَّمْتْ
*
أخذتْني فوْقَ مِحَفَّتِها مرْكبةُ القمرِ الأعمى والظَّلْماءْ
فدخلْتُ فصولَ الرُّعْبْ
ورجعْتُ إليْكُم ذاتَ مساءْ
محترقَ الصدرِ فقدْ زوّجني العالَمُ طفلتَهُ الجِنِّيَّهْ
*
أدخلني عرسُ الأرضِ، حدائقَهُ السُّفْلِيَّهْ
وأتَيْتُ إليْكم مُلتَهِبَ العيْنيْنْ
أسألُكمْ كيفَ ارتدَّتْ أُمِّي تحتَ كرومِ الجوعِ
.. فتاةً بكراً، وامرأتي عذراءْ؟
هنا يًصبح الوجود عبئاً ثقيلاً، وتحس أنك مُطارَد وغريب، وأنك وحيد، وأن الأشياء تثقل عليك بحملها، وأنت تريد شيئاً والكونُ يُريد أشياء، ويصبح كلُّ ما في الكون عبث:
أسألُكمْ كيفَ ارتدَّتْ أُمِّي
تحتَ كرومِ الجوعِ .. فتاةً بكراً،
وامرأتي عذراءْ؟
كيف ترتد الأم وتصير فتاةً بكراً؟، وما هي كروم الجوع؟ وما كنهها؟ وكيف تكون المرأة عذراء؟. سوف يسأل القارئ نفسه هذه الأسئلة، ولكنه لن يحار في فهمها؛ فالقصيدة في مجملها تقول إن هذه الأسئلة هي الإجابة الحقيقية، والنتيجة الصاعقة لكل الإحباطات التي يُواجهها الشاعر داخل التجربة، ويتضح هذا من بناء القصيدة التي هي شديدة التماسك.
ومن هذه الإحباطات التي أوصلتنا للإجابة السابقة: الميلاد على سرير الجوع ـ شُرب الصدأ السائل من مسمار العالم ـ الرقص على إيقاع الموت ـ أكل الأرغفة الحجرية .. إلخ.
وترى في قصائد الديوان شيئا محدداً، إنه السفر الدائم المستمر ـ مثل سفر الصوفي ـ نحو الحقيقة المطلقة، ونرى الشاعر يُسافر في تجاربه المختلفة بين دفتي هذا الديوان، بحثاً عن الصبح المقبل:
تحدَّثْ معي يا رفيقَ السَّفَرْ
وضيِّعْ بحبْلِ الأحاديثِ
ما اعتادَ قلبي من الحزنِ
حوِّل دمي عنْ خُطى الريحِ
في العُشْب والشمسِ
حوِّلْهُ عمّا بهِ منْ فرارْ
وراءَ اللظى واخضرارِ الشَّجَرْ
وأنْقِذْ دمي منْ ضجيجِ التَّداخُلِ بيْن الرؤى والحِجار
"لماذا خَلَتْ أرْضُنا منْ مكانٍ لنا؟
لماذا خلا العالمُ الرَّحْبُ منْ موْطئٍ للقَدَمْ؟
*
أنا أعرفُ الأرضَ منْ خلْفِ هذا الجدارْ
سأرْكُضُ في الكوكبِ المظْلِمِ
أُغَنِّي بأشْعاريَ الظَّامئهْ
وأشْربُ منْ كأسِهِ الطَّافِحَهْ
بما في البروقِ الرّهيبة منِّي
ومنْ غَضبي وجنوني الكَظيمْ
(متى يُشرقُ الصبْحُ فوقَ المدينهْ
لتُقبلَ أطْلالُها بالنَّدى والسَّكِينَهْ
ويهتزُّ فوقَ المناراتِ عصفورُها الملتهِبْ!
ولكن .. هل تتحقق أحلام الشعراء بالعبور إلى المدينة الفاضلة؟
إن الشاعر في تشكيله الجديد للعالم يُحطِّم كلَّ ما هو عادي ومألوف، ويحرق ذرّات الواقع (التي يراها شديدة التَّآكل) ليبني على أنقاضها غداً أفضل. والشاعر محمد عفيفي مطر في هذا الديوان يطمح إلى تغيير العالم القديم، ومن أجل ذلك يحلم ويثور، ويرى أنه ليس من الصعب أن يتحقق حلمه، وليس من العسير أن تتجسّد ثورته رغم ما يُقابله في الثورة / الحلم من المثبطات، ولكنه لا يُصاب باليأس، فالشاعر الحق ثورته دائماً من أجل تغيير كل شيء، حتى يرى العالم القديم يتداعى، ليتشكّل فوق أنقاضه عالم جديد، وهذا أيضا ما يراه الشاعر محمد عفيفي مطر رغم المثبطات المُجهضات:
بعيْنيَّ تصطرعُ الإنْعكاساتُ
يجري التَّداخلُ بيْنَ دمي والجوامدِ
يدفُقُ ماءُ التَّغيُّر فوق السطوحِ
ويولدُ في سنبل الممكناتِ قمحُ الغرابةِ والمستحيلْ
إن ديوان محمد عفيفي مطر "رسوم على قشرة الليل" تنويعات على لحن واحد، وهو يدور حول فكرة محورية يُبشِّر بها، هي فكرة انهيار العالم القديم المُتآكل، ووضع اللبنات الأولى في سبيل بناء عالم جديد.
.........................
*نشر في مجلة "الثقافة العربية"(ليبيا)، نوفمبر 1976م.