لم أره منذ سنوات طويلة، أمس اقتنصت لحظة من فم الزمان فتذكرت أنى أمتلك وجها، على الفور لبست ملابسى ونزلت إلى السوق لأشترى مرآة أراه فيها.
أعجبتنى واحدة إطارها مذهب جميل، قلت أعاينها قبل أن أشتريها، نظرت فيها فوجدت طوفانا من البشر والسيارات،ملت يمنة ويسرة أبحث عنه بين الزحام فلم أجده، ألقيت المرآة وانتقلت لبائع آخر ، انتقيت واحدة مستديرة إطارها من البلاستيك، ملهوفا أدرتها إلى وجهها المصقول،رأيت وجها مستطيلا مجعدا ،عظامه ناتئة ،عيناه جاحظتان، محمول فوق عرقين ناشفين بينهما كرة صغيرة تعلو وتنخفض ،فتح الوجه فمه لأقصى مدى وطرقع لسانه بالكلام، فزعت وألقيت المرآة،هذا رئيسى فى العمل.
درت على بائعى المرايا متهيبا أن أمسك إحداها،لكننى ازددت إصرارا على أن أراه ، هذا بائع طيب ،حذرا متوجسا التقطت واحدة ، لم يعد يعنينى شكلها أو إطارها، نظرت فيها دفعة واحدة ، رأيت أرقاما كثيرة،بعضها معدول وبعضها مقلوب،مشتبكة متداخلة متقاربة متباعدة، كثيرة كثيرة مزعجة، نفرت متراجعا.
هل أعود إلى البيت دون مرآة ؟ طال اشتياقى إلى وجهى،مازال البائعون كثيرين، وهناك متسع من الوقت،هذا دكان جميل مرتب أنيق،طلبت واحدة من البائعة المهذبة ،فناولتنى علبة صغيرة،قلت لها مندهشا "أنا أريد مرآة" ، قالت مندهشة "هى كذلك، افتحها" فتحتها ببطء وهيبة، رأيت فيها وجه امرأة تفتح فمها وتغلقه وتخرج لسانها وتدخله بسرعة كسرعة تتابع الكسور العشرية للثوانى فى الساعات الإلكترونية ،وأثناء ذلك يرتفع حاجباها وينخفضان بنفس السرعة ،أغلقت العلبةو أنا أبتسم ابتسامة ساخرة ،هذا الوجه أعرفه،هو وجه زوجتى.
دلّنى على من يبيعنى مرآة أرى وجهى فيها، فأنا لم أره منذ زمن طويل، أتوسل إليك.
* * * * *