في انتظار وصول أبناء الديناصورات العرب!
خضير بوقايلة*
5/19/2010
رضي البريطانيون أن يكون ديفيد كامرون حاكما لبلادهم بعد أن منحوا حزبه أغلبية أصواتهم، فأصبح زعيم حزب المحافظين أصغر رئيس وزراء بريطاني منذ مئتي عام. كذلك فعل الأمريكيون عندما اختاروا رئيسا في العقد الأربعين من عمره بدل المرشح الجمهوري السبعيني جون ماكين. لكن هل كان شعبا بريطانيا وأمريكا يدركان خطورة ما أقدما عليه من عمل وهل قدّر العرب في المقابل الخدمة المقدمة لهم والفرصة التي حصلوا عليها لترتقي بلدانهم إلى مصاف البلدان العظمى؟
لم يبق لبريطانيا العظمى وأمريكا الأعظم دور كبير تلعبانه على المسرح الدولي بعد أن قبلتا أن يتولى مقاليد الحكم فيهما ولدان صغيران، ولا بد أن نشهد في الأشهر القادمة أفول هذين النجمين لتحل محلهما نجوم جديدة لحسن حظنا أنها من العالم العربي. والأنظمة العربية كانت في الحقيقة حريصة على انتزاع هذا الدور الريادي العالمي من الدول الكبرى التقليدية وها هي الآن تحصل عليه عن جدارة بعد أن نجحت في تحطيم الرقم القياسي في كبر سن رؤسائها وزعمائها، وبما أن تقدم العمر يعني مزيدا من الحكمة والعقل الراجح فإن الوقت حان لكي تتولى بلداننا دفة قيادة العالم.
والحق أن بريطانيا وأمريكا بدأتا تفرطان في حقهما في قيادة العالم منذ عقود، فقد خرج البلدان من الحرب العالمية بانتصار عظيم وكان بمقدورهما أن يستمرا على نفس النهج في بناء إمبراطوريتيهما والحفاظ عليهما لو أنهما احتفظا بالسير وينستون تشرشل والجنرال إيزنهاور أو هاري ترومان أو ثيودور روزفلت في الحكم لسنوات عديدة مديدة حتى تترسخ في البلدين ثقافة الاستمرارية والخلود ثم التوريث.
رؤساؤنا الميامين يحق لهم الآن أن يطالبوا بالتربع على عرش قيادة العالم ولبلدانهم الصاعدة تحت قيادتهم الرشيدة بمقاعد دائمة في مجلس الأمن وزحزحة القوى التقليدية من مكانها، بل وبنقل مركز العالم وجميع مقرات الهيئات والتنظيمات الدولية من الغرب إلى الشرق. قولوا لي بربكم أي الشعوب أحق بالاحترام وريادة العالم، شعوب يحكمها ديناصورات بلغوا من الكبر عتيا ولا يزالون في أوج العطاء والتضحية من أجل مصلحة شعوبهم أم شعوب يحكمها صبية صغار أمثال باراك أوباما وديفيد كامرون ونيكولا ساركوزي وثاباتيرو؟ أي البلدان أجدر أن تحترم؟ بلدان تحافظ على استقرار حكامها سنوات وسنوات أم تلك التي تغير رؤساءها في كل حين؟
كشف استطلاع حديث للرأي أن أكثر من نصف الشباب البريطاني يجهل من هو وينستون تشرشل وعندما عرضوا عليهم صورته بالأبيض والأسود اعتقد الكثير منهم أنه الممثل الفكاهي تشارلي شابلن. شعب لا يعرف اسم ولا صورة البطل الذي قاد بلادهم إلى أعظم انتصار في الحرب العالمية الثانية لا يستحق أي احترام والبلد أصلا لا يمكن أن يبقى مصنفا ضمن قائمة الكبار.
أما عندنا فخذوا أي رضيع في أقصى قرية عربية واعرضوا عليه صورة قادتنا الأشاوس وانتظروا الإجابة الصحيحة في أقل من ثانية. أي صبي أو شاب أو كهل عربي لا يعرف مثلا من هو حسني مبارك أو العقيد القذافي أو زين العابدين بن علي أو عبد العزيز بوتفليقة أو عمر البشير أو عبد الله صالح؟ رؤساؤنا العظام معروفون في كل أنحاء العالم العربي، فهم الذين قادوا بلداننا في حروب مصيرية في مرحلة الاستعمار وحروبا تنموية في عهد الاستقلال والنياشين المرصعة على صدورهم تشهد لهم ببطولاتهم ضد الأجنبي وضد أبناء شعوبهم أيضا، معارك في كل الجبهات جعلتهم يرفعون بلدانهم إلى أعلى المصاف في العلوم والتكنولوجيا والاكتشافات والتنمية الاجتماعية والاقتصادية ويوفرون لشعوبهم الرخاء والعزة والكرامة. أكثر من ذلك لاحظوا أن زعماءنا الميامين ينضحون فتوة وشبابا، وجوه ناضرة ورؤوس مكسوة بشعر أسود وأجسام سليمة وعقول سوية لا تجعلهم يفكرون يوما في التخلي عن مناصبهم ولا عن شعوبهم التي نذروا أعمارهم لخدمتها.
سيأتي اليوم الذي يعض فيه البريطانيون والأمريكيون والفرنسيون ومعظم أبناء الشعوب الغربية أناملهم من الغيظ والندم على تفريطهم في حكامهم الذين صنعوا مجد بلدانهم واختاروا بدلا عنهم صبية لا يعرفون كيف يحافظون على هيبة أوطانهم. أما نحن فسنفرح ونملأ حياتنا ابتهاجا لأننا عرفنا كيف نحافظ على رموزنا في السلطة ونجحنا في إقناعهم بالبقاء والاستمرار في العطاء والقيادة الرشيدة، ولم تغرنا شهادات ولا مهارات الأجيال المتعلمة اللاحقة لأنهم مهما تعلموا ومهما اعتلوا من مناصب إدارية فلن يكون في مقدورهم أبدا أن يفعلوا ما يفعله الآن قادتنا الأشاوس أطال الله أعمارهم عقودا وعقودا أخرى حتى يحافظوا على بلداننا في مصاف الدول المتقدمة تحت قيادتهم الحكيمة والرشيدة.
آن لقائد العبور وقائد الثورة وقائد النهضة أن يحملوا بلدانهم إلى مصاف الإمبراطوريات العظمى ولا شك أنهم الآن ينظرون نظرات ازدراء إلى شعوب الغرب الذين فرطوا بسهولة في حكامهم العظماء واختاروا بدلا عنهم أولادا صغارا لا يعرفون قيمة الحكم ولا يقدرون الكرسي الذي يجلسون عليه حق قدره. وبما أن موازين القوى في العالم ستتغير وترجح كفة العرب فإن المطلوب من حكامنا الأشاوس أن يشرعوا بسرعة في تغيير نمط تعاملهم مع هؤلاء الأولاد حكام أمريكا وبريطانيا وفرنسا. على حكامنا الميامين أن لا يردوا بسرعة على طلبات الزيارة التي سيتقدم بها هؤلاء الصغار وأن لا يكثروا من مقابلتهم وحتى إن فعلوا فعليهم أن يشترطوا أن يكون اللقاء في القصور العربية وأن تكون الموافقة بعد سنة أو أكثر من تقديم الطلب، وعلى الصغار أن يقدّروا تواضع حكامنا ويشكروهم على تواضعهم وأن يحسنوا التعلم منهم.
ومع ذلك فإن أمام هذه الشعوب التي ضيعت عظمتها وكبرياءها فرصة لتدارك الوضع واستعادة هيبتها بين الأمم، طبعا هي لا يمكنها أن تعيد تشرشل أو آيزنهاور أو ديغول من قبورهم، لكنها قادرة على البحث عن أبناء أو أحفاد هؤلاء العظماء وتعرض عليهم توريثهم عروش آبائهم أو أجدادهم ولا يهم إن تبين أن هؤلاء الأبناء أو الأحفاد على قدر من الجهل والغباء والأمية وانعدام الخبرة في العمل السياسي والقيادي. لكن هل بإمكان الفرنسيين أو البريطانيين أو الأمريكيين أن يعثروا بسهولة على أحفاد أو أبناء عظمائهم بل هل يعرفون أصلا إن كان هؤلاء موجودين أم لا؟ فالشعب الذي يعجز شبابه عن التعرف على تشرشل اسما وصورة سيشيب قبل أن يعثر على ابن أو حفيد هذا القائد أو ذاك. لكننا ننصحهم بالبحث الجاد والإسراع في ذلك لعلهم يفلحون، بعد عمر مديد لقادتنا العظام، في إقناع أبناء وأحفاد عظمائهم بتولي مقاليد الحكم واسترجاع مجد آبائهم وأجدادهم، وحينها قد يكون من حظهم أن يجدوا العرب قد دخلوا مرحلة جديدة من الحكم بتولي أبناء الديناصورات أو (البايبي دينوزورس) كما يسميهم الخبير القانوني الدولي سعد جبار مقاليد السلطة ولا بد أنهم سيتعلمون منهم كثيرا من مبادئ الحكم الراشد فيعيدوا لشعوبهم مجدها الضائع.
* كاتب وصحافي جزائري