المتوحشة
حسبته يتهكم عليها ، فانهالت عليه ضربا بأنبوب مطاطي استقرت بداخله مسطرة حديدية زادت من صلابته ، وضمنت طول مدة صلاحيته ...
تعـرض المسكـيـن لضـربـات ـمعلـمـته العـشوائـيـة و المتلاحـقـة ، تـارة براحتي يـديـه و تـارة أخرى بـساعديـه ، لكـن جنون وهيجان المـدرسة المسعورة لم يسعـفه مـزيدا من التـصدي و المـقاومة ، فانهارت قدرته على التحمل و أنزل يديه المتورمتين مستسلما كاشفا عن رأسه الأصلع المجروب و المدهون بسائل برتقالي نفاذ الرائحة و مثير للقيء ...
استمرت الشرسة في توجيه مزيد من تسديداتها الحديدية نحو كتف و عنق و ظهر صديقي " المكي " و كنت وقتها أنزوي فوق مقعدي مستندا على الحائط المقابل لطاولته السجينة في أقصى أركان الفصل ... فجأة سمعت صوت ارتطام شيء حديدي مكتوم بعظام رأس صديقي المظلوم ...
تطايرت دماء حمراء قانية لتمتزج بلون الأدوية الطبيعية و قشور البثور العفنة على وجه معلمتي ، مشكلة مع ما علا وجهها من ألوان زرقاء ووردية و حمراء لوحة تشكيلية عجيبة ، زادها شعر المعلمة المنفوش الأكرد روعة وغرابة و طبعها بصفة الفن التشكيلي المجنون ...
ازداد مشهد الواقعة رهبة بعدما أصيبت معلمتي بنوبة مس شيطانية عند رؤيتها للدماء فبدأت تصرخ و ترتفع و تضحك و تهتز ... ثم توجهت نحو رأس " المكي " و بدأت تلعق الدماء النابعة من جروح رأسه بشراهة مصاصات الدماء ... كل هذا و عيون التلاميذ مشدوهـة مـن رعـب الموقـف الـذي أصابهـم بوجـوم مؤقـت في حـين أغـمي على البـعض منهم و تغطت أرضية القسم بسوائل مميهة مائلة للإصفرار كريهة الرائحة ... كما طغت علـى مسامعي أصوات ما هي بالبكاء و لا بالصراخ لكنها كانت متقطعة ، مدوية أحيانا، و مكتومة أحيانا أخرى ، عديمة اللون و الشكل لكنها تبقى كريهة الرائحة ...
انخفضت وتيرة الموقف المرعب ، و عادت المعلمة إلى رشدها بعد أن أفرغ جل التلاميذ حمولاتهم الغذائية غير المتوازنة السائل منها و الصلب ...
تأملت حالتها ، أدامت نظرها نحونا بشراهة واضحة ، ثم تحسست صلعة " المكي " المقرفة والذي التأمت أورام مرضه المعدي و عوضها جرح غائر شبيه بالرمز الإشهاري لأحد الأحذية الرياضية المميزة ... وقتها تذكرت قولة من مقولاتها المخيفة : "تأكدوا أيها الأغبياء أن الحضارة تبدأ من أبعد منطقة عن الزحمة و الضوضاء ، و أنني و إن عزلت في هذا القسم المهجور فبإمكاني الرقي بمعارفكم ، و قريتكم ، أو الحط من مستواكم وطموحاتكم ... بيدي سقمكم و شفاؤكم ... بين أصابعي مصباح علمكم ، و على لساني مفتاح عيونكم و مستقبلكم... إن أهملوني سأهملكم ...إن ظلموني سأظلمكم ... و إن عزلوني فسأنفيكم ... هذا واقعي و هذا منطقي وأنتم الضحية و هم الجزار . و ما أنا إلا السكين الحافية..."
توجهـت إلي بعينــين حمــراوتيـن غائـرتيـن و سـألتـنـي بصوت مجـلجـل مـزدوج : " الجيلالي " ماذا حدث ؟ أخبرني بماذا حدث ؟ ترددت لحظة في الكلام ، و بادرت مجـيبا بـصوت مرتعد و سروال مبلل: لقد سألتنا عن من الممثلات تشبهين ، فأجابك " المكي " أنـك أنـت من يجب أن تشبه بها الأخريات ، لأنـك حالة خـاصة ، و شـكل فـريد مـستقـل بملامحه و مبادئه ... و أضاف أنك تشبهين إحدى الممثلات الروسيات التي شاهد فيلما لها عندما سافر إلى المدينة لتبليغ نبأ وفاة أمه لخالته ، في بحة صوتها ... و تباعد أسنانها و لون عينيها ... و أنك تقتربين من جنود الصهاينة ... ووحوش الصـرب في قـساوة قلوبهـم ... و انعـدام مشـاعرهـم ... و شعـرك يشـبـه شعـر " مادليـن البـرايت " إذا ما أبـدعت فـيه " حنان عشراوي شدا و نتفا ... و لدروسك و شروحاتك مذاق شبيه بأطباق زوجة أبيه ... و ...
عاودتها نوبتها الهستيرية و حاصرتنا عضا و قمشا ، و صدى صراخنا يتعالى و يضيع بين فجاج جبل عال استقرت على قمته فرعية مجهولة الاسم ...