بداية :
لا يكون الكلام بليغا إلا إذا كان وفـْـقَ عقولِ المخاطــَــبين ,
فما يكون في مخاطبة الملوك لا يكون في مخاطبة السَّوَقة , وما يكون في مخاطبة العلماءِ لا يكون في مخاطبة العوام , وما يكون في مخاطبة الشاكّ لا يكون في مخاطبة الموقن , ولذلك نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
(( أمرتُ أن أخاطبَ الناسَ على قدْرِ عقولـِـهم ))
وما يصلح للمدح لا يصلح للرثاء , وما يكون في الغزل لا يصلح للهجاء ... وهكذا ,
لذلك عرَّف العلماء بلاغة الكلام بقولهم :
( مطابقة الكلامِ لمقتضى الحالِ مع فصاحته . )
( الحال ) أو المقام :
هو الأمر الذي يدعو المتكلمَ إلى إيراد خصوصيةٍ معينةٍ في تراكيب كلامه . كأن يريد محادثة ملك أو عالم أو عام من العوام مثلا .
( مقتضى الحال ) :
هو تلك الخصوصية المناسبة للحال , فكل طبقة من البشر خصوصية كلام .
( مطابقة الكلام لمقتضى الحال ) :
أن يكون كلام المتكلم مشتملا على تلك الخصوصية .
( فصاحة الكلام )
أن يكون خاليا من هذه العيوب الثلاثة :
( تنافر الكلمات مما يوجب ثقلها على اللسان ـ التعقيد ـ ضعف التأليف )
نموذج من القرآن :
يقول الله عز وجل
(( واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون . إذا أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالثٍ فقالوا : إنا إليكم مرسلون . قالوا ما أنتم إلا بشرٌ مثلنا وما أنزل الرحمن من شيءٍ إن أنتم إلا تكذبون . قالوا : ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون . ))صدق الله العظيم .
1 ـ (( إنا إليكم مرسلون ))
خطاب للذين أنكروا الرسالة من أهل أنطاكيا والذين أرسل الله عز وجل إليهم ثلاثة رسل مندوبين من المسيح عليه السلام , لذلك جاء الخطاب مؤَكــَّــدًا ب ( إن ) و
( الجملة الإسمية بعدها )
2 ـ (( ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون ))
لما اشتد إنكار أهل أنطاكية لرسل عيسى , كان المقتضى زيادة أدوات التأكيد , فجاء التعبير القرآنيُّ مشتملا على عدة أدوات هي :
القسم في ( ربنا يعلم )
(إن )
( الجملة الاسمية بعد إن )
اللام في ( لمرسلون ) .