[cc=مثلا انقر هنا لمشاهدة المحتوى المخفي]حكاية الظل
*حنان بيروتي
عدّلـت من ياقة معطفي وتحسستُ بأنامل مدرَّبـة ربطة العنق التي أحسها تخنق أنفاسي وتضغط على صدري ، لكن لا بدّ أن أبدو أنيقاً مبتسماً ، جرّبت أن أرسم ابتسامة صافية ففشلت ، أزدرتها ورسمت أخرى باهتة بلا معنى ، وقفتُ خلفه إذ لا يجوز للظلّ أن يتجاوز حده ، هكذا علّـمني ، كنت ظله وهو " الكبير " ، أفهمني أن أكون كبيراً بمقاييسه ، وأن أردد دائما بأنه عملاق وبأنّـي .. ـ عند الضرورة ـ مجرد حشرة ، مع أنه لم يقل ذلك بشكل مباشر ، غير أنّ تجاربي وخبراتي معه تؤكد كوني مجرد أداة بين يديه .. مالي وهذه الأفكار اليوم .. لا بدّ أنّ خللاً أصاب جهاز مناعتي الذي حقنـته بفيروس الإيدز الصناعي كي يشلّ ردود أفعالي ويهاجم دفاعات غير التي تحاول تفعيل نشاطاتها وحيويتها داخلي ، أرقبه وهو يرفع كفه محييا وأسير خلفه كما هو ( البروتوكول ) وأرقبه بحواسي كلها ، أدمنت أن أكون حواساً متيقّظة متهيئة لا ترقب إلا حركاته وسكناته واهتزازات المحيطين به ، حتى أسلوبه في التنفس والتنحنح والعطس اعتدت على تتبعها وتمييز مدلولاتها ، أكاد أسمع دقات قلبه تسير بشكل منتظم رتيب ، أسمعها تتسارع أو تتباطأ .. ربما لم يجرّب الخوف الحقيقي في حياته ، جرّب ترف التخوف ، ربما إنْ أصابته رجفة خوف أكون في جوف الهلع .. فكيف يتسنّى لي إذن تتبعها ؟ .. كيف أقارن نفسي وردود أفعالي بهذا العملاق ، أنا مجرد جسد متحرك ، مكاني في الخلف دائماً ، أشبه بخلفية في استوديو يمكن تغييرها أو تثبيتها لتبدو الصورة لائقة ومناسبة ، هذه المرة بدا منفعلاً ، لمحت علائم عدم ارتياحه ، من اضطراب كفه ومن التفاتاته التي زادت عن القدر الاعتيادي بالنسبة لي على الأقل ، حدجني بطرف عينه ونفث أمره في وجهي: انصرف للوراء الآن !
تراجعت على الفور فيما أكمل جملة لم يقلها لكنها تلح على ذهني المتحفِّـز اليوم دونما مبالاة .. لا أريد لك أن تقترب أكثر من اللازم !
هو غير مضطر لتعليل تصرفاته لأحد ، فكيف إذا كنتُ مجرد حارس شخصي له ـ أحـد الحراس من أصحاب الكفاءة والثقة ( حالياً ! ) .
تجربتي في العمل معه أكسبتني الكثير من السلطة والثقة النابعة عن الميزات ، وأدخلتني في العديد من التجارب المفترض أن يصيبني بغضها بالألم وتأنيب الضمير لكني حـبستُ ضميري في صندوق وألقيته في البحر ولم أضطر لاستخدامه أو استشارته فبقي نظيفاً ! وفتحتُ صندوقاً آخر لأملأه بالعطايا والميزات .. الواقع أني لا أحب أن أتحدث عن نفسي ، لكن لي رغبة بمشاركة مشاعري ومشاكلي مع آخرين ، لكن أخاف ! فالكلمات لها أجنحة ترفُّ حول أذنية الكبيرتين وإنْ كانت من النوع الذي لا يعجبه ، سيكون مصيري من النوع الذي يرعبني والذي اعتدتُ رؤيته بدم بارد ، فالمعادلة واضحة: أنت لا تظلم الآخرين وتجرحهم وتعذبهم بهذه القسوة إلا إذا كنت ذقت بعض العذاب وتجرّعت طعم الظلم الأسود ، وبتّ تخشى إن لم تنفِّـذ أن تتحول إلى الضحية التي تكابد العذاب ! هذه نظرية الظلم المركبة التي استنبطتها بعد طول تجربة ، ففي إحدى المرات التقيت بأحد جلادي الزنازين وكان قد انتهى للتوّ من جولة رهيبة من الاستجواب والتحقيق مع امرأة ، كانت صرخاتها تشلع القلب وتوسلاتها تحرق الضمير .. كان العرق يتصبب منه وبعض الدم قد علق بكفيه ، قال لي وهو ينفث سيجارته بعد أن جلس على كرسيه الجلدي مسترخياً بكرشه الضخم كثور ، قال : إنه لم يحب مهنته قطّ ! لكنه لا يعرف كيف سيق إليها مثل الثور ! ! وأطلق قهقهة مجلجلة فيما الرعب يتلبّـسني بعد أن استخدم التشبيه ذاته.. الثور !
ترى .. هـل يوضح لي بأنه يسمع " تفكيري " ؟ أم أنّـها مجـرّد مصادفة مرعبة ؟ ! .. ولكنه تابع حديثه ذاكراً أنّّـه تعرَّض لتعذيب بشع وإذلال مهين في البداية ، ثم طٌـلب إليه بدء التحقيق مع أحدهم ، هو ذاته تفاجأ من قسوته وتعذيبه وإذلاله للآخر .. من قدرته على التفنن في إيقاع أقسى العذاب النفسي والجسدي لكأنما يدافع بهذا العذاب عن ذاته وينفِّّـس عن ظلمه ويبرر عذاباته الشخصية .. ياه .. ما علينا !
أعود لوقفتي البعيدة نسبياً عن العملاق ، تعرضتُ للكثير من المواقف ولم أسمح لأي منها بالتأثير فيَّ ، لكن لا أدري الآن لم تصيبني الدهشة ! لم أصب بهذا العرض غير الصحي منذ زمن بعيد ، اعتدتُ أن اقتات الحوادث بصمت والتي أتمنى أن أتشارك بها مع غيري لأنفِّـس عما أعانيه من قهر .. لكني اليوم .. لا أحسّ بأني قادر على الصمت ! أحسني جائع للكلام ، كتلة قهر وصراخ وصراع ، أودّ لو أصرخ أو أومئ بإشارة تدلّ على معنى .. أيّ معنى !
أستعيد تفاصيل تلك الحادثة ...
كان يوماً اعتيادياً أشبه بورقة " كوتشينة " مكررة لكنها كانت مختلفة تخفي الكثير ، كنتُ أقف خلفه مباشرة ، لحظة التفتّ فجأة مخاطباً الواقف قربه بهمس اخترق أذني كرصاصة :
تخلص منه بأسرع وقت ! وتابع خطواته الواثقة وابتسامته الطهور ، ما هي إلا أيام قليلة وسمعنا بحادث " مؤسـف " يكون ضحيته ذلك الشاب المتيقّـظ الذي حاول أن يصعد بعمله وذكائه وطموحه ، لكن خطواته سرَّعـت قليلاً عن النسبة المسموح له فيها .. شاهدت صور " الحادث المؤسـف " على التلفاز مدموغة بالقضاء والقدر ، وفي اليوم التالي رافقت العملاق في زيارة كريمة إلى المستشفى حيث سمعته وهو يتمنى له الشفاء العاجل ، ولم تمضِ غير سويعات قليلة أسلم بعدها الروح ! وتعهّـد له العملاق بجنازة لائقة ، وبقيت أخرس ، أخرستني الوقائع التي لم يكن مسموحاً لي بمعرفتها ، وحدها المصادفة جعلتني أسمع أمره بالتخلص منه ، وأربط بين الأمور بحكم التجربة ، الآن .. لم أعد أستطيع الاحتمال!
عندما ذهبنا لبيت العزاء ، أحسستُ بيديّ ملطختين بالدماء ، لحظة رأيتها ذكّـرتني " بأمي " ـ رحمها الله ـ أمي التي ماتت وهي لا تنقطع عن رجائي بألا ألعب مع الكبار ! لم تكن قد نالت من الشهادات أصغرها غير أنّ قلبها ـ كما قالت ـ دلّـها على أنْ أنجو بجلدي وأبحث عن عمل آخر أعيش منه وأنستر مثل خلق الله .. رأيتها تنظر إلينا ، في نظرتها معنى ، ليست إكباراً أو فرحاً بشرف زيارتنا ، أخفيتُ وجهي بياقة معطفي كأني أتوارى عن نظراتها ، مددت يدي معزياً ، أحسستني أتقوقع بحقارة ، وهي تصافحني ، دموعها تحرق قلبي ، كأنما هي أمي وقد نهضت من قبرها وتبكي علي .. على موتي .. أمامي ! أيّ عذاب !
يا رب ! أيّ وجـع وحـرقة تكابدهـا تلك المـرأة ؟ ! .. ما الذي جعـل قلبي يستـفيق ؟ ! هل لأنَّ لعينيها حزن وحسرة نظرة أمي ! ؟
هل لنظرات العتب العاجز المترصدة في نظرتها ما يذكرني بأمي وهي تدعوني أن ابتعد ! .. ابتعد عن الكبار ! ـ قالت لي وهي تصارع دموعها ـ فوجئت لحظتها كيف لهذه الأم البسيطة التي لم تغادر بيتها إلا نادراً ـ كيف لها أن تأتي بهذه الكلمات ! ـ يا بني ! يا حبيبي اسمعني ! أنت بسيط ، لا تستطيع أن تكون مثلهم ! اكتفِ بما لديك وابتعد ، ابتعد قليلاً قبل أن تبتلعك العاصفة !
لم أكترث بما قالت ، ظننتها تهذي بحمّـى خوف الأمهات المزمن ، ويبقى كما أقنعت نفسي يومها .. كلام عاطفي لأم .. لم تخبر من الحياة غير الولادة وتربية الأولاد ورعاية شؤونهم وشؤون الزوج .. لكني أعي متأخراً بأنّ ما قالته يزن كل ما نلته من شهادات جامعية أعلّـقها مزهواً على جدران مكتبي الفخم ! بعض الحكمة تتأتى من صدق القلب وصفاء النفس !
عندما خرجنا من بيت العزاء ، حاولتُ أن أبتلع الكلمات ، لكنها تستنبت نفسها على شفتي .. وجدتني أتمتم بما يشبه الهذيان الذاهل .. ووجه أمي يتماوج أمامي: قلب الأم .. قلب الأم ! .. لا يخيب !!
لم تمضِ غير دقائق قليلة قبل أن ألتقط الإشارة .. راقبتُ برعب فاق قدرتي على التخيّـل .. نظراته الخاطفة الحاسمة والتي أميّـز معناها وهي تصوب نحوي ! !
[email protected][/cc]