منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديات الحوارية العامة > منتدى الأدب العام والنقاشات وروائع المنقول

منتدى الأدب العام والنقاشات وروائع المنقول هنا نتحاور في مجالات الأدب ونستضيف مقالاتكم الأدبية، كما نعاود معكم غرس أزاهير الأدباء على اختلاف نتاجهم و عصورهم و أعراقهم .

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
غير مقروء 26-08-2008, 09:58 PM   رقم المشاركة : 37
معلومات العضو
د.عبدالرحمن أقرع
أقلامي
 
الصورة الرمزية د.عبدالرحمن أقرع
 

 

 
إحصائية العضو







د.عبدالرحمن أقرع غير متصل


افتراضي مشاركة: كتبوا في وداع محمود درويش

[align=right]
[align=center]محمود درويش...

--------------------------------------------------------------------------------

اسم الكاتب : الدكتور عبدالله بن أحمد الفَيْفي
عن (أمد للإعلام)
[/align]
محمود درويش مدرسة مهمّة في تاريخ الشِّعر العربيّ. لعلّ من أبرز مميّزاته أن الجماهيريّة التي حظي بها لم تجرفه غالبًا إلى التنازل عن لغة القصيدة وطموحاتها العليا، إرضاء للمتلقّي، وذلك ما وقع فيه غيره.



وعلى الرغم من تقبّل درويش لتجربة قصيدة النثر- بوصفها شِعرًا- وخوضه في التنظير الخطابي لمفهوم 'الشعريّة'، كما يتضح من كلمته البيانية في الذكرى الأربعين لرحيل محمد الماغوط، في دمشق 2006، فقد ظل أمينًا لذاكرته الموسيقيّة الشعريّة. ومع هذا فإن المتتبع لتجربة درويش سيلحظ أنه- بعد مشواره الطويل من القصيدة البيتيّة، إلى شعر التفعيلة، مرورًا بما أسميته لديه ولدى غيره بـ'شعر التفعيلات'، حيث المزج بين بعض الأنساق التفعيلية المتجاورة في دوائر العَروض العربي- قد سار في أعماله الأخيرة إلى تنثير اللغة الشعريّة. مثلما كان قد أخذ في أعماله الأخيرة يعتمد على شِعريّة الموقف، لا شعريّة اللغة، حتى لو جُرّد النصّ من التفعيلة، لجاء قصّة قصيرة جدًّا. وذلك ما يُلحظ على سبيل المثال في قصيدة 'اللا مبالي'، في مجموعته النصوصيّة 'أثر الفراشة'، (2008)- وهي خليط من نصوص شعريّة ونثرية، اختار المؤلِّف أن يسميها: 'يوميّات'- وكذا في بعض نصوصه في مجموعته السابقة 'كزهر اللوز أو أبعد'، (2005).



لذا، قد يمكن القول: إن النموّ التجديديّ (الحقيقي) في شِعر درويش قد توقّف في الثمانينيّات من القرن العشرين تقريبًا، ثم ظلّ ينسج على منوال منجزه، ويحفر فيه. ولعلّ تجربته النثريّة في المرحلة اللاحقة لا تقل أهميّة عن شِعره، إنّ لم تفقها، وذلك كما في 'الرسائل'، بينه والشاعر سميح القاسم، أو في كتابه 'ذاكرة للنسيان'، (1987).



وإذا كان درويش قد حَصَر شِعره- إيقاعيًّا- في التفعيلة، إلاّ نادرًا، فإنه في بعض مجموعته الأخيرة 'أثر الفراشة' قد عاد إلى بحور الشعر العربي مجدّدًا، وإنْ على استحياء. وتأتي قيمة تلك الأوبة إلى العروض العربي من أنها تعبّر عن عدم قطيعته الحداثيّة مع الشعر العربي في قوالبه الأصيلة. كما أنها تدلّ على وعي بإمكانية تحديث التراث من خلاله، لا من خارجه، وأن بالإمكان تفجير أشكال لا نهائيّة من 'عرابسك' العروض العربي.

يظلّ درويش (رحمه الله)- مهما اختلفنا حول تجربته الحياتيّة أو الشعريّة- أحد شعراء العربيّة الكبار في العصر الحديث.
[/align]







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 28-08-2008, 10:20 PM   رقم المشاركة : 38
معلومات العضو
د.عبدالرحمن أقرع
أقلامي
 
الصورة الرمزية د.عبدالرحمن أقرع
 

 

 
إحصائية العضو







د.عبدالرحمن أقرع غير متصل


افتراضي مشاركة: كتبوا في وداع محمود درويش

[align=right]
[align=center]يابا....بدي أقلّك محمود درويش مات....
سهيل كيوان
[/align]

رغم أنني اشتركت في نشر الخبر يوم الجمعة الماضي في «كل العرب» بأن الشاعر محمود درويش في حالة حرجة ،إلا أنني كنت على يقين في عقلي الباطني وبقناعة راسخة أن هذا لا يعني أنه قد يموت.


مررت على خبر وجوده في حالة حرجة فقط كي ألاحظ إذا ما كانت هناك أخطاء إملائية في الخبر أم لا، لاحظت أن الهمزة أسقطت في كثير من المواضع لأن الزميل الذي طبع الخبر لا يحسن استخدام الحاسوب تماما، وافترضت أن القارئ سيتسامح مع أخطاء كهذه. كنت في عجلة من أمري وقررت ترك القارئ ليضع الهمزات بنفسه، لم أفكر حتى بخطورة الخبر،وبأنني أقرأ الخبر يوم الخميس مساء بينما درويش صار غائباً عن الوعي وأن دماغه الذي أبدع الروائع قد توقف منذ ساعات،استبعدت فكرة الموت عن درويش تماما، ليس روحيا فقط، بل لم أفكر في غيابه الجسدي، أن يمرض نعم، أن يتعب نعم ،أن يعاني، وأن يدخل في غيبوبة قد تمتد أياما وربما أسابيع نعم،ولكنني كنت على يقين أننا سنسمع خبرا عن عودة درويش الى رام الله، ثم سنتابع أخباره، وسيهمس لنا أحدهم إن درويش عند أهله في جديدة في الجليل، وسوف يفاجئنا بالمزيد من العوالم الشعرية الجديدة.


في اليوم التالي الجمعة تردد الخبر عن حالة محمود الصحية المتدهورة، ولكنني كنت على يقين أنه سيعود ليحكي هذه المرة بطريقة ساخرة ويقول لنا...لقد تفاوضت مع الموت وأقنعته بأن يمهلني مرة أخرى، قلت للموت...» ساعتي لم تأت بعد ، ولم يحن وقت الحصاد». عندما يحين الأجل سوف أدعوك بنفسي فلا تتعب نفسك، سأقول لك بدون زعل وحتى بدون حزن...تفضل أيها الموت أنا جاهز الآن،وشكرا لأنك أمهلتني كي أشم نرجسة جليلية أخرى!


يوم السبت اتصل بي زياد خداش من رام الله وقال لي ...درويش في وضع حرج..قلت له...نعم أعرف هذا..الله يشفيه، ورغم هذا لم أستوعب أنه قد يموت! استبعدت فكرة الموت تماما، لأن درويش اتفق مع الموت على التأجيل، ولأننا بانتظار أن يحكي عن مغامرته الجديدة! ومرة أخرى اتصل زياد وقال لي باكيا ...درويش مات ،وأغلق الخط، بقيت محدقا في شاشة الجزيرة التي ما لبثت أن بثت خبر وفاته!
وصلت رسائل على جهاز الهاتف تخبر وتعزي برحيله، وواصلت استلقائي على سريري محملقاً في التلفزيون، كان الخبر أكبر من استيعابه دفعة واحدة، لا أعرف ما هي مشاعري بالضبط في تلك اللحظة ، رأيت درويش في هيئة عملاق أعلى من ناطحة سحاب ،رأيته شبه عار ثم ينحني ويهوي مثل أحد برجي التوأمين، شعرت أن مرحلة فلسطينية قد أنتهت، شعرت بخيبة ومرارة،رأيت حلم هذا الشعب مترنحا وآيلا للسقوط، لم أفكر في الشاعر وشعره في تلك اللحظات،مرت في ذهني أرض كنعان،مروج الأقحوان (جرح الحبيب) التي يذكرها بكثافة في شعره ونصوصه، مر في ذهني نساء قرويات سائرات على قارعة الطريق على رؤوسهن أكياس من الخيش مليئة بالبقول من السهول المحيطة بالبروة يمشين باتجاه الشرق.


كنت أفكر بهذا ولم أنتبه بعد لدرويش الجسد الذي مات، رن هاتفي مرة أخرى...من هذا الذي سينقل لي الخبر مرة أخرى! كان هذا ابني سلام الذي لم يبلغ الرابعة عشرة بعد، الذي اعتاد أن يقول لي .. يابا تعال خذني من عند خالتي..أو... يابا تعال خذني من دار سيدي ...أو يابا تعال خذني من البِركة! هذه المرة قال لي...يابا بدي أقول لك إن محمود درويش مات...، لم أر ابني يقرأ درويش أو غيره، فهو للأسف لا يهتم بغير دروسه في أحسن الأحوال، ولكنه لسبب غامض رأى أن يهاتفني ويبلغني بهذا النبأ، كأنه قال لي إن درويش ليس الشعر فقط، إنه أعمق وأبعد من الشعر،إنه في طعامنا وشرابنا وأفراحنا وأتراحنا، إنه في حياتنا السياسية والإجتماعية والعاطفية، إنه ليس فقط لقرائه،ولا لمتذوقي الشعر، في كل واحد منا شيء من درويش...درويش هو نحن .. هو شعب فلسطين..درويش مات...ونحن في عز المحنة،الآن بدأت أستوعب ما حدث،الآن عرفت دموعي طريقها......
[/align]







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 28-08-2008, 10:33 PM   رقم المشاركة : 39
معلومات العضو
د.عبدالرحمن أقرع
أقلامي
 
الصورة الرمزية د.عبدالرحمن أقرع
 

 

 
إحصائية العضو







د.عبدالرحمن أقرع غير متصل


افتراضي مشاركة: كتبوا في وداع محمود درويش

[align=right]
[align=center]كم بقى لنا من الأسطورة؟

على الصراف
[/align]


كم من محمود درويش بقى لنا بعد هذا المحمود؟
فى الحقيقة لا أحد. فالكبار لا يكررهم أحد، ولا هم يُكررون. فالتفرد المطلق هو ما يصنع من الشاعر شاعرا، ومن يملؤه. ولهذا لا يكرره أحد ولا يحل محله أحد.
وهنا تكمن الخسارة. انها خسارةٌ "مثل تفرد شاعرها" مطلقة أيضا. إذ لن يسدّ أحدٌ الفراغ الذى كان يملأه درويش فى الشعر العربي. وذلك مثلما أن احدا لن يسد المكانة التى يحتلها رفاق وزملاء كبار مثله، ما يزالون يرفعون سقوف المعانى الى سماوات تستحق أن ترتقى، ويدفعون بالمعترك التحررى الى أقانيم ما يزال تستحق أن تبلغها العزائم.
وما يغيب من درويش، هو ما سيغيب منهم. ولكن مثلما لن يبقى لنا من درويش إلا هذا المحمود وحده، فلن يبقى لنا منهم إلا ما يصنعون.
كان درويش واحدا من كوكبة شعراء حرية، صنعتهم المقاومة، مثلما أعادوا هم صنعها. كان واحدا من أولئك الذى يحولون الشعر الى قوة خلق تعيد الحياة الى الحياة إذا مات منها شيء، وتصنع من معانيها وجودا لم يكن مُدركا من قبل، وتفتح أرضا، فى الفكر والثقافة، لم تُطرقها أقدام الباحثين.
ولكن درويش، إذ كان يعيد صياغة الوجود الفلسطينى ويمنحه ذلك المعنى النابض من فرديته الخاصة، فقد كان فى الواقع ينسج من خيوط التراجيديا الفلسطينية أسطورة لا تعنى الفلسطينيين وحدهم. لقد تحولت القضية الفلسطينية، عبر صوته، الى شيء لا تستقيم القيم الإنسانية، كما لا يستقيم التاريخ، إن لم تستقم ويستقم معها.

أشاعر ليس كمثله أحد؟

بالتأكيد. ولكنه فعل ذلك، فقط عندما قدم قضيته كقضية ليس كمثلها قضية.
درويش، بكل الهالة التى كانت تحيط به، ظل انسانا طيبا وبسيطا ومتواضعا. يحب الناس، ويحب ان يحبه الناس، ويخشاهم أيضا. ولكنه، برغم كل تلك الهالة، لم يكن شاعرا لنفسه. كان شاعرا لنا؛ شاعرا يملكه الآخرون؛ شاعرا لم يتبرع بفرديته ولا غلفها بقضية يدافع عنها، ولكنه صنع من تلك القضية ما يصنعه هو. وهذا فرقٌ قد لا يدركه الكثيرون، إلا انه الفاصل الحاسم الذى يصنع من الشاعر أسطورة من جنس الأسطورة التى يصنعها لقضيته.
إقرأ قصائده اليوم، وستعرف ان درويش كان بالأحرى يتقمص مجده الخاص من لا مجده الخاص.
كان يجول فى ضمائرنا ليكتب ما يجول فى ضميره، فقط لنكتشف انه صوتنا، واننا نعرفه من قبل أن يولد، وان كلماته ترن فى مسامعنا كأنها شيء كنا نريد ان نقوله ولم نعرف نخرجه ألفاظا ومعاني.
ولكن، إذا كانت الأسطورة هى محمود درويش، فانه واحد من اؤلئك الشعراء الذى يظلون يتجددون كلما تجددت، ويرتقون سماوات جديدة كلما صنعت معانيها أفقا جديدا.
ولدينا ممن سيواصلون صنع السماء ما ليس يحصرهم عدد.
كم من محمود درويش بقى لنا بعد هذا المحمود؟
فى الواقع الكثير جدا.
الحرية هى الأسطورة. ووراءها شعب لن يكف عن ملاحقتها. ومن هنا، سيعود محمود درويش ليولد من جديد.

كلمات فى وداع درويش

* أدونيس
"بين ضوء الكلام، وظُلمة الزمن، عاش محمود درويش.
الأول أسنده إليه الفلسطينيون والعرب لكى يُطفئ الجحيم بماء الفراديس. جعلوا منه مَطْهَراً يتجاوزون به خيبة العدل والسياسة، ورمزاً يلجأون إليه لكى يحنّوا ويتذكروا حيناً، ولكى يستشرفوا ويأملوا، حيناً آخر.
وهو عبء احتضنه، وإن كان طاغياً عليه، وهذّبه وارتقى به، وقرَنَ فيه بين الألم المرير والمتعة العالية، وبين الفجيعة والجمال. وفى ذلك صارع العبءَ الآخرَ، عبء الزمن، وآخاه واحتضنه كذلك.
كتب شعره كمثل كيمياء تحوّل الموت الى حركة حية، وتخترع الشطآن حتى للقوارب المحطّمة.
وحيثما اغتربَ، أقام عاصمة للأمل، جاعلاً من الشعر أرضاً أخرى، وسماء أخرى".

* مارسيل خليفة
"لسنين طويلة ارتبطت موسيقاى بشعر محمود درويش فتآلفت أعمالنا فى ذاكرة الناس حتى صار اسم أحدنا يستذكر آلياً اسم الآخر. ولا عجب فى ذلك، فكل محطات مسارى الموسيقى ولثلاثين عاماً، مملوءة بالإشارات الى أعمال درويش، بدءاً بـ "وعود من العاصفة" ووصولاً الى "يطير الحمام" التى لم تسجل حتى الآن، فمنذ أولى محاولاتى وقبل ان يتعرف واحدنا الى الآخر، كنت أحس ان شعر محمود قد أنزل عليّ ولي، فطعم "خبز" امه كطعم خبز امي، كذلك عينا "ريتاه" ووجع "يوسفه" من طعنة أخوته و "جواز سفره" الذى يحمل صورتى أنا، وزيتون "كرمله"، رمله وعصافيره وسلاسله وجلاديه، محطاته وقطاراته، رعاة بقره وهنوده... كلها كلها سكناها فى أعماقي".

* عبد الرحمن الأبنودي
"قبل أن يسافر فى رحلته الأخيرة إلى هيوستن هاتفنى فى بيتى الريفى بالاسماعيلية، حيث أقيم وقال لى إنهم يريدون منه إجراء عملية وكان قد أجرى من قبل عمليتين فى القلب، وقال هذه المرة: لن ادعهم يعبثوا بجسدي، خاصة انهم يريدون 25 سم شرايين، ولم يعد بامكان جسدى التحمل أكثر من ذلك، وسوف لن اتركهم يكشفون على جسدى ولن أدعهم يجرون العملية وكانت هذه المكالمة خلال الأسبوعين الماضيين وكانت الاخيرة. ومن عجيب الأمر ان قصيدته الأخيرة "لاعب نرد" قصصتها بيدى من الجريدة وعلقتها على الجدار أمامي، وهو أمر لم يحدث لى من قبل مع أى شاعر ولم أكن أعرف أنها آخر قصيدة لدرويش الشاعر الفذ الذى لا يعرف من متع الحياة سوى القصيدة".

* أحمد فؤاد نجم
"على كل من يريد أن يتعرف جيدا على الشاعر الكبير محمود درويش الذى خدم قضية بلاده أكثر من زعمائها أن يقرأ أشعاره، عند ذلك فقط سيعرف من هو محمود درويش الذى لا تكفى الكلمات مهما كانت كثيرة وكبيرة لاعطائه حقه كشاعر كبير، فقدنا رمزا من رموز الشعر العربى الحر، واحد المناضلين ضد الاحتلال، فقد كان صوتا للكفاح الفلسطينى ومعبرا عن المجاهدين فى فلسطين، كلماته أمضى من السيف وأقوى من جنود الاحتلال وبرحيله أصبحنا من دون صوت الوطن".

* أحمد عبد المعطى حجازي
"إن رحيل محمود درويش ليس إلا خسارة كبيرة للشعر العربى الحديث وللثقافة العربية بشكل عام، لقد استطاع عبر 30 عاما الصمود فى وجه القهر الصهيونى لبلاده والاستعمار الامريكى للمنطقة بأشعاره التى كانت تؤكد معنى الصمود والمجابهة. مجابهة المحتل والصمود أمام غطرسته. فإن الشعب الفلسطينى والقضية الفلسطينية خسرت شاعرا كبيرا ما زالت فى أمسّ الحاجة إليه وإلى اشعاره".

* كمال أبوديب
"لم يعرف الشعر العربى إيقاعاً مغاوياً كمثل إيقاعه منذ عصوره الغنائية العذبة الأولى فى شعر الوليد بن يزيد وأبى نواس خصوصاً. طفل يلعب بآلات موسيقية برزانة وحبور، يشابك بين نغماتها، ويداخل، ويقاطع، ويناسج، ويستخرج، فتنشأ شبكات من النغم تستسلم لها الذاكرة والأذن والأعصاب، وتزيغ المعنى عن محاوره والرؤيا عن مسارها، لكن بلذة لا تكاد تضاهيها لذة، فلا يأبه القلب لما يزيغ أو يتوه. وقد لعب بالقصيدة فى بنيتها الكلية كما لعب بالنغم، ولعب بالحياة أيضاً بالوله نفسه، والطفولة ذاتها، والعشق عينه. وكان يهندم الحب والمشاعر والأرض والوطن، وريتا وفلسطين والإنسانية كلها، فى بؤرة سلسبيل فيسبك منها جميعاً نسيجاً مائياً رائقاً تتفجّر فيه هنا وهناك أصوات صراخ وقنابل وصور ممزقة وغضب قاهر وسكاكين، قبل أن يعود إلى صفائه الحليبى الشفاف. وبين نهدى امرأة يغرز ياسمينة سرقها من يافا، وزرّ فلّ اختلسه من البروة، ومئذنة خطفها من القدس. وعلى صدر حبيبة يرسم كنسية القيامة ويتعبد فى محراب شولميث".

* أحمد الشهاوي
"لقد عاش درويش السنوات العشر الاخيرة - وهى سنوات التجريب والتحديث - فى صرح داخلى بين محمود الذى كان ومحمود الذى يريد أن يكونه هو لا الفلسطينيون، حيث يريدون منه أن يكون شاعرا سياسيا فقط, بينما يريد هو ان يكون شاعرا انسانيا وكونيا لا يغفل حق شعبه، وقد بقيت القضية الفلسطينية مهيمنة على نصف شعره، وسيظل شعره لسان حالها، وستظل كلماته تؤرق اسرائيل وتشكل خطرا على وجودها، وسيظل الفلسطينيون حائرين اين سيدفن بعد ان محيت قريته "البروة" من الوجود الفلسطينى تماما عام 48".

* سيد حجاب
"ان الشاعر الراحل محمود درويش هو أحد مؤسسى الثقافة الفلسطينية وأحد رواد التجديد فى الشعر العربى الحديث..
إن درويش تجربة شعرية كبيرة، تمثل أشعاره قمة النضال والتحدى والصعود، ورغم أن من ان هناك شعراء كثر يكتبون عن قضايا كبرى الا انهم لم ينجزوا ما انجزه درويش الذى فقدت القضية الفلسطينية رمزا من رموز نضالها برحيله..
رحل درويش والشعر، والقضية الفلسطينية ما زالت فى حاجة اليه".

* يحيى رباح
"لعله من الصعب جدا على الأجيال الفلسطينية أن تقبل فكرة غياب محمود درويش، فمن ذا الذى سيضيء وجدانها بالنبوءات وينتشلها من اختناق أيامها بالشر؟؟؟ وربما هذه هى المسؤولية الكبرى التى كان يتحسسها ويتهياء لها محمود درويش الذى لم ينجح فى شيء على امتداد مشوار العمر سوى أن يظل هناك نجمة فى سمائنا، نتحدث معه أو نتحدث عنه، نستبطن ما قال، ونستنتج ما لم يقول، نعود معه إلى ينابيع حزنه الأولى وإلى ينابيع فرحه الأولى، نحاول أن نكتشف كيف كان قادرا على أن يلملم دموعنا وجراحنا وخيبتنا وإنبثاقاتنا وشططنا وحكمتنا، يصنع منها باقة ويهديها إلينا؟؟؟ نحن ومحمود درويش غزلنا معا اسطوانة أسطورتنا، ولدينا وقت طويل، ربما إلى آخر الزمان، لكى نبحث عن أصل الضرورة التى تنبثق منها الأساطير".

* عايدة النجار
"محمود درويش"وأمه"قصة حب فلسطينية .. هى قصة سيخلدها التاريخ لتظل كما الميثولوجيا . أما قصة حب محمود درويش الشاعر"القائد"الذى ظل يحمل الهوية وهو فى الشتات كما ظلت أمه تحمل مفتاح البيت الذى سرقته اسرائيل ، فهى قصة حب وطن. فقد أثبت أن شاعر فلسطين أنه معلو وشيخ فى التأثير على الجماهير عن طريق اللفظ والاشارة والرمز. فقد تمكن بشعره"الدرويشي"ذى الطعم الخاص من الايحاء لكل من قرأه أنه يعنى حب الوطن والانسان وأنه بأنفاسه يغيظ العدى. فما أن يلفظ كلمة "سجّل" الا ويتبعها قارئ"أنا عربى .." وما أن تقول :"لماذا .." الا ويتبعها صوت يردد كلمات درويش : "تركت الحصان وحيدا ..". وهكذا أصبح الشاعر الخجول قائد الجماهير المتحركة والغاضبة على" الأهل" تارة وعلى الاستعمار الجديد دوما الذى خلق النكبة وأبعده عن خبز أمه وذاكرة أمهات فلسطين".

* غسان مطر
"عندما يغيب محمود درويش، تنكسر الأبجدية، ويصير الكلام الجميل عاطلاً عن العمل. هذا الفينيقى الفلسطينى العربى كان جرحاً دائم النزف، ومبسماً لم يقو عليه بيلاطس البنطي، ولأنه هكذا كان، فقد زرعناه فينا كقوس نصر، وكأن قلبه لم يحتمل أن يغتال أهله، فآثر الانطفاء كى لا يرى".

* إبراهيم نصر الله
"محزن للغاية ومصاب كبير، هذا الموت أصابنا جميعاً، أصاب أحلاماً بُنيت على أكثر من خمسين عاماً، وأصاب أملنا فى مستقبل انتظرناه. محزنٌ الرحيل قبل أن تتحقق الأحلام، ومحزنٌ ونحن ننظر إلى هذا الواقع المتردي. هى تراجيديا ملهاة، نتأملها وطنياً وإنسانياً، وفى الحالين تصيبنا فى القلب كما لو أننا نعانى من قلة الأعداء والقتلة".


* أندريه أزولاي
" أذكر كثيرا من المناسبات عندما كنا معاً، فى فرنسا وأسبانيا وايطاليا، وكان محمود درويش يقرأ قصائده باللغة العربية، ولم يفهم أحد من الجمهور كلماته فهماً كاملاً، لكن كل منهم كانت تأسره وتثيره معانى محمود الجميلة والجياشة.. فمحمود درويش كان واحداً من قلة قليلة من المفكرين العرب الذين أتاحوا للمجتمع العالمى فهماً أفضل لمأساة الشعب الفلسطينى وآماله من خلال قصائده وصوته الفريد".

* إبراهيم الهاشمي
"سنفتقد كثيراً لإبداع محمود درويش، نظراً للفراغ الذى سيتركه فى الساحة الشعرية والأدبية العربية، فهو من القامات الشعرية الرائدة، التى أثرت فى المشهد الشعرى العربى عموماً، ولا توجد أى تجربة شعرية عربية تنتمى لأجيال السبعينات والثمانينات، إلا وتجد ذلك التأثير وتلك الدرويشية فيها، لقد تعلمنا منه واستلهمنا الكثير من أسلوبه الفنى والفكري، وأصبحنا من المنتمين للقضية العربية الرئيسية فلسطين، عبر قصائده وأشعاره، كما أن تأثيره تعدى وطننا العربي، إلى العالم عبر ترجمة أشعاره، وبالتالى التقيت بالعديد من الشعراء والمثقفين فى أوروبا والعالم، الذين أكدوا أنهم يؤيدون القضية الفلسطينية من خلال دواوينه التى ترجمت إلى اللغات الحية الأخرى فى العالم".
[/align]







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 20-09-2008, 11:19 PM   رقم المشاركة : 40
معلومات العضو
د.عبدالرحمن أقرع
أقلامي
 
الصورة الرمزية د.عبدالرحمن أقرع
 

 

 
إحصائية العضو







د.عبدالرحمن أقرع غير متصل


افتراضي مشاركة: كتبوا في وداع محمود درويش

[align=right]
[align=center]في الاربعين/ بقلم: علاء بدارنة [/align]

في الاربعين تحيا القصائد من جديد في الاربعين يزهر اللوز في غير موعده ليسبق نيسان ويعطي الارض بياضا .

في الاربعين نعيش مرة اخرى وفي الاربعين نموت من الاشتياق.

في الاربعين لا نملك الا ان نهديك زنبقة ونزورك مرة .

شكرا لانك ورثتنا قصيدة قبل الرحيل شكرا لانك كنت تستحق الحياه على هذه الارض...

في الاربعين انت اكثر منا حظا لانك تطل على القدس وتزورها ..تسلم على الاسوار ونحن نقف خلفها ننتظر طلوع الشمس.

في الاربعين نشتاق اكثر ونموت اكثر لنحيا بعد الموت اكثر.

لن تموت القصائد يا عزيزي ...فهي تخرج من بين سطور اللغة ...تخرج في النشيد الوطني ..تخرج في حكايات الاحبة ..في اغنيات الحنين ...

في الاربعين سنطرب لجبران وانت ستسمع لكن هذه المرة نحن من سيلقي الشعر ...نحن من سيصرخ ...نم بهدوء فموعدنا الليلة ..على بعد امتار من المكان ..ستكون ريتا حاضرة ومعها البندقية فلا تغمض عينيك .

في الاربعين ..........ستكتب انت قصائد جديدة وستاتينا مع اول قطرات المطر ..سمها ما شئت

وسنحفظها عن ظهر قلب

حدثنا عن الموت ..عن الغياب ...عن الاحبة هناك ...فكلنا قادمون يوما ..

في الاربعين ..نزورك لنلقي عليك السلام وترد انت باخر قصيدة ..........
[/align]







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 25-09-2008, 05:26 AM   رقم المشاركة : 41
معلومات العضو
عبير هاشم
أقلامي
 
الصورة الرمزية عبير هاشم
 

 

 
إحصائية العضو







عبير هاشم غير متصل


افتراضي رد: كتبوا في وداع محمود درويش

رسالة قصيرة ...(محمود درويش )
للكاتب ( حسين عطالله الجزار)

درويش قل لي كيف أبصرُ ما بوسعك ان تراه على الورق؟
وهل القصيدة
إن أردت دخولها من بابها المفتوح في صدري تبادلك الارق
من أين تأتيك الشجاعة
ان تنام ونحن نبكي خبزنا وقصائدك؟
حيرتني وانا الذي سابادلك
محمود هل لحبيبتي ان تعشقك؟
ديني دواوين الدعاء ودونها دوناً انا,,
ريحانُ شعرك في دمي ,
درويش دعك من الدفاتر
وانتهز قلبي لآخذ دفترك
ولك القصيدةُ والمحبةُ والشواطئُ
والبــــــحارُ
وكـل ما في الأمر لك!
يـا سيّد الوطن الكبيـر تبلدّ القلمُ الصغير
ولا أرى إلا حروفـاً
تستميـتُ
لتكتـبك..
...........................
الاخ الكريم د. عبد الرحمن
شكرا لهذه المساحة







التوقيع


(قيّـــد الياسمين )
 
رد مع اقتباس
غير مقروء 29-09-2008, 05:11 PM   رقم المشاركة : 42
معلومات العضو
د.عبدالرحمن أقرع
أقلامي
 
الصورة الرمزية د.عبدالرحمن أقرع
 

 

 
إحصائية العضو







د.عبدالرحمن أقرع غير متصل


افتراضي مشاركة: كتبوا في وداع محمود درويش

شكرا لمرورك عبير
حبذا لو نقلتِ هذه القصيدة الجميلة إلى زاوية (كتبوا شعراً في رثاء درويش)
مع خالص مودتي وتقديري







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 29-09-2008, 05:13 PM   رقم المشاركة : 43
معلومات العضو
د.عبدالرحمن أقرع
أقلامي
 
الصورة الرمزية د.عبدالرحمن أقرع
 

 

 
إحصائية العضو







د.عبدالرحمن أقرع غير متصل


افتراضي مشاركة: كتبوا في وداع محمود درويش

[align=right]
[align=center]محمود درويش... فاوض الحياة حتى استفز العدم
بقلم : عيسى قراقع
[/align]



في الذكرى الأربعين لوفاة الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، ونحن نضع الزهر الفوضوي على قبره في رام الله تنفيذاً لوصيته، نحاول أن نجد جواباً على سؤاله الدائم: ان كان قد وجد أرضاً للسكينة أم زال يسافر حول صورته صارخاً في البرية: لا أم لي يا ابنتي، فلديني هنا، لتضع الأرض في جسده سرها فتصير مجازية كالقصيدة قبل الكتابة.

التاريخ لا يكتبه فقط الأقوياء، هذه هي نظرية درويش الشعرية، فقد خلق أسطورته عن شعبه وأظهرت الضحية الفلسطينية أن القصة لا يرويها فقط المنتصرون، فمن يكتب قصته قبل الآخر يكسب ارض القصة كما يقول درويش.

الصراع كان على الرواية قبل المكان، وقصائد درويش جعلت للمكان رائحة وللغياب حضوراً، مقتنعاً أننا ما زلنا أحياء قادرين على تعديل النص الاغريقي، لهذا فان لغة درويش الملحمية عوضت النقصان في تطبيق العدالة وإزالة الظلم...

كلمات دوريش الإبداعية المتجددة والمتحركة المليئة بالملاحم العامرة وبالشخوص والمتكلمين هي المواد الأولية لبناء بيت لا يتركه الحصان، فالكلمات صارت هي الوطن.

الحياة كما نحن نريد هي كلمة السر في كل أشعار درويش، وهي التحدي الذي جعل من المنفى جسراً لعبور الحساسية بين الصورة والصورة، فكان نداُ معلناً أن حرب الحقائب والمفاتيح قد بدأت...

لقد ابتعد درويش عن الشعاراتية واقترب إلى درجة الصفر من جنود الاحتلال وحواجزهم وسجونهم فنظر إليهم بفروسية المتألم موضحاً لهم الفرق الشاسع بين السلامة والسلام، وأنه كما طال الاحتلال سيبقى شبح الضحية يطارد القاتل في النوم وفي اليقظة.

أسئلة الحياة والوجود التي طرحها دوريش على الإسرائيليين كانت أقوى من كل أنواع الأسلحة والتدمير والعنجهية التي استخدمها الإسرائيليون في حربهم على الشعب الفلسطيني، فكشف مأزقهم الإنساني وهشاشة حكاياتهم لأنهم يقيسون المسافة بين الوجود وبين القدم بمنظار دبابة بينما نحن نقيس المسافة ما بين أجسادنا والقذيفة بالحاسة السادسة.

لقد كتب درويش عن الحياة الطبيعية، عن إنسانيته وسط الحصار والظلام مستعيناً بلغته التي أعطته الحرية الكاملة مؤمناً أننا يجب أن نتصرف كطبيعيين، لنا غرائزنا وأحلامنا وعاداتنا، نجد الوقت للتسلية، ولعب النرد، ونرى قمراً نائماً تحت كل حجر، وفي ذلك مقاومة من نوع آخر لشرط الاحتلال.

لقد أصبحت التجربة الشعرية عند درويش وجهاً من وجوه عذاب البشرية على هذه الأرض، فقد وضع حكاية الفلسطيني في أفقها الكوني بعد أن خلصها من مباشرتها وعزلها وصان اللغة من الشيخوخة والترهل والتكرار..

أشعار درويش أثارت الخوف لدى الإسرائيليين، فمنعوا تدريس أشعاره في المدارس خشية أن يكشف عن حكاية أخرى، عن مشاعر إنسانية تنبض في عروق الطرف الفلسطيني...

سؤال الحياة المشتركة على الأرض المشتركة في قصائد درويش شكل خطراً على المفاهيم القومية الإسرائيلية ونقيضاً لما نشأوا عليه من أساطير وخرافات ونزعات عصبوية متطرفة.

الكتاب الإسرائيليون قالوا ان إنسانية أشعار درويش أثارت الأعاصير في المجتمع الإسرائيلي لأنه دعا الإسرائيليين إلى مراجعة مأزق الهوية والوجود وعدم المراهنة على الزمن بعد أن عجزوا عن الغاء الفلسطيني، واعتبر بعض المثقفين في إسرائيل أن درويش شاعر الدمار والخراب.

لقد تصرف درويش مع المحتلين كانسان عادي وليس كبطل، منشداً للإنسانية والإنسان وحب الحياة وليس حب الموت، داعيا الإسرائيلي أن يشرب معه القهوة العربية حتى يشعر أنه بشر مثلنا ويتحرر من حكمة البندقية.

فاوض درويش الحياة حتى استفز العدم، كتب عن الحب في مواجهته الحصار، وأشفق على السجان من الضجر وطول الانتظار وهو يراقب الضوء في الملح والزنزانة.

فاوض درويش الحياة محاولاً إنقاذ الاحتلال من عقلية الاحتلال حتى لا يظل منتظراً على باب الخوف المؤجل وفي سبيل أن يصير الإسرائيلي حراً بلا شبح يلاحقه ويقضّ من نومه...

فاوض درويش الحياة حتى خيب ظن المحتلين، لأن الموت لا يدفن الحقوق، وأن السلام غناء حياة هنا كما يقول، وفي الحياة لا يحب أحدٌ أن يرى النار تشتعل في دولته القادمة.
[/align]







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 29-09-2008, 05:32 PM   رقم المشاركة : 44
معلومات العضو
د.عبدالرحمن أقرع
أقلامي
 
الصورة الرمزية د.عبدالرحمن أقرع
 

 

 
إحصائية العضو







د.عبدالرحمن أقرع غير متصل


افتراضي مشاركة: كتبوا في وداع محمود درويش

[align=right]
[align=center]الأيقونة العربية /شاكر لعيبي [/align]


أرجو مسامحة ظني في أن مسارعة الكثير من الأدباء والصحافيين العرب إلى رثاء محمود درويش إثر موته مباشرة، بل بعد ساعات معدودات منه، كان ينقصها الألم النغّار العميق. ألم يكن من الواجب الانتظار قليلاً كي تخفت كثافة الحزن الهابط على القلوب الحرّى بفقدانه؟. هبط الخبر مباغتاً حتى على الفلسطينيين أنفسهم الذين عوّدوا البشرية الموت والانبعاث، ثم الموت والانبعاث، في دورة كونية تعلن عبر الموت نقيضَه، وتصْدَح بمديحٍ للحياة ورغبةٍ قصوى بها. لكن غياب محمود درويش الصاعق صَعَقَ جُلّ العرب بالأحرى لسببين أحدهما يتعلق بالشعر العالي، والثاني باليتم البيولوجي والإنساني الرفيع. لم تحتمل الأرواح، وسط هذا الركام من البهرج الشعري وأكاذيب الاستعارة الجاهزة، غياب شاعر حقيقي نبض قلبه الحيّ في بِرْكة الشعر وبَرَكَتِه. لقد صرنا أيتاماً بمعنىً من المعاني من بعده، فلم نحتمل غياب الأقلية القليلة التي تعبّر عن ضمير مستترٍ وشرفٍ تاريخي مفترَض مسفوح مُباح كل لحظة، وهنا يقع السبب الثاني.


ومن دون نسيان الكائن الإنساني محمود درويش بألقه وضعفه، المرتبط بالأرض ــــ الأم لكن أيضاً بالمؤسسة الثقافية والسياسية، فإن درويش يغدو منذ اللحظة رمزاً عربياً عن جدارة. يصير أيقونة شعرية وإنسانية في عالم تنقصه الرموز النبيلة والأيقونات المبجَّلة المحفورة عميقاً في الروحانيّ والمعرفيّ.
مهما كابر البعض فإن شعر محمود درويش لن يمرّ أمامه إلا مشحوناً بالمعنى العميق ومكتنزاً بالجمال المُّر، متوتراً مثل شخصه وخلّاقاً مثل فلسطين ومشعّاً بالدلالات مثل العالم الكبير الذي ارتبط درويش بنسغه عبر قرية مُبادة. ومهما فحصنا مرجعيات شعره وأصوله وتأثراته فلن نشك للحظةٍ في وجود صوتٍ خاص، نافر، فريد يضع المتنبي إلى يمينه والسيّاب إلى يساره ويمشي بينهما شامخاً.


بعيداً عن أوهام المؤسسات الشعرية والسياسية ومتطلّباتها فإن درويش معلّم آخر مقلق في سيرورة الشعر العربي الحديث. وسط صغائر المؤسسة وألاعيبها انبثق شعر درويش كبيراً، ومن بين ركام حجارة البيت المتهاوي تحت أنياب الجرافات أو تلك الحجارة نفسها بين أيدي المنتفضين المرتفعة في الضوء والساقطة على رؤوس المحتلين، طلع شعر درويش ضوئياً صافياً مغموساً بالعذاب الأسيان، وهي يناجي الموت والحياة وما بينهما من فسحة فسيحة. عذابه، في آن واحد، من نمط عذاب الأرباب الرافدينيين بعد مأساة الغرق الشامل، والآلهة اليونانية، العابثة والمأساوية والحكيمة، وهي تنقل صخرتها من السفح إلى القمة دون كلل.


من دون كلل، عاش محمود درويش وتنقل وكتب الشعر والنثر، مدفوعاً بشهوة لا تطاق للحياة لن يستطيع الموت إيقافها لأنها ما زالت نابضة في شعره. من يبسط شعره إلى محض همّ مباشر لا يفقه، للأسف، المحرِّك الهائل الذي كان يحرّكه. صحيح أن شعره قد انتشر في العالم العربي بسبب التصاق العرب العاطفي بالقضية الفلسطينية، لكن هذا الجانب ليس سوى القناع الإيهامي الذي تختفي تحته أكبر الاستعارات الوجودية الصافية التي تجلّت لاحقاً بنصوص عارية تنام في حديقة الشعر المُكتمِل. صحيح أيضاً أن ما بقي في ذاكرة بعض كتبة الرثاء كان شعره المُباشر الأول، وهو ما أزعج درويش مراراً وتكراراً، وسيجعله قلقاً في قبره. وهو أمر يؤشر إلى أن درويش قد تجاوز في العشر سنوات الأخيرة من حياته الذائقة والمزاج الشعريين الصاخبين نحو تخوم لا متناهية يرقد الآن قربها.


عندما أقول إنّ محمود درويش يمثل أيقونة عربية عن جدارة فإنني أحيل إلى المعنى العميق للأيقونة: تمثيلٌ مثقل بالرمز التاريخي والدلالة الروحية اللتين يبجّلهما المؤمنون المسيحيون. درويش رمز للشعر الصافي ولصورة الشاعر المُصفاة في ذاكرة العرب وغيرهم من الشعوب، من جهة، ودلالة على الروحاني في علاقة أمةٍ من الأمم بالأرض المنتهكة من جهة أخرى. في هذا الأفق ستبقى أيقونة محمود درويش شاخصة.

-الأخبار -
[/align]







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 29-09-2008, 05:49 PM   رقم المشاركة : 45
معلومات العضو
د.عبدالرحمن أقرع
أقلامي
 
الصورة الرمزية د.عبدالرحمن أقرع
 

 

 
إحصائية العضو







د.عبدالرحمن أقرع غير متصل


افتراضي مشاركة: كتبوا في وداع محمود درويش

[align=right]
[align=center]محمود درويش كما عرفته /حسونة المصباحي [/align]


حسونة المصباحي: أول مرة رأيت فيها محمود درويش كانت فى ربيع 1973، وكان ذلك خلال مؤتمر الأدباء العرب الذى انعقد بالعاصمة التونسية والذى حضره عدد كبير من الأسماء اللامعة فى عالم الشعر والأدب من أمثال محمد مهدى الجواهرى وعبد الوهاب البياتى ويوسف الصائغ والطيب صالح ويوسف السباعى وأحمد رامى وآخرون كثيرون.

ومثل أغلب أبناء جيلى من المغرمين بالأدب، كنت معجبا بمحمود درويش الذى كان قد تم اكتشافه آنذاك من قبل رجاء النقاش وغسان كنفاني.

ومثلهم أيضا كنت أرى فيه المعبر الأصيل عن الشعب الفلسطينى وثورته التى كنا نعتز بها، ونعتبرها أمل العرب جميعا.

وكانت قصيدته الشهيرة "سجل أنا عربي" تثير حماسنا، فننشدها بأصوات عالية فى التجمعات الطلابية. والبعض منا كانوا يعلقونها فى غرفهم بالمبيت الجامعى إلى جانب العلم الفلسطيني، وصور القادة الفلسطينيين، والثوريين العالميين الكبار الذين كانوا لنا قدوة فى ذلك الوقت، وقت الأحلام الثورية الجميلة، واللامتناهية.

قلت "رأيت محمود درويش" إذ أنى لم أتحدث إليه، صحيح أننى اقتربت منه فى قاعة "ابن رشيق" حيث انتظمت القراءات الشعرية، حتى أنه كان بإمكانى أن ألمسه، غير أنى لم أتبادل معه ولو كلمة واحدة. فقد بدا لى مفرطا فى أناقته، شرسا وعدوانيا، ومعتدا بنفسه أكثر من اللزوم، وينظر إلى الجميع من فوق كما لو أنه على قمة جبل "الأولمب". وربما لهذا السبب وصفه عبد الوهاب البياتى اللاذع اللسان، بـ"ابن الباشا التركى المدلل". ورغم أنى صدمت آنذاك بمظهره وبسلوكه، فإنى ظللت معجبا به كشاعر. وبلهفة واهتمام ظللت أتابع ما كان ينشر من قصائد ومن مجموعات شعرية.

بعد سنوات، وربما يكون ذلك فى ربيع عام 1978، وخلال المعرض الدولى للكتاب، رأيت محمود درويش فى قاعة المعرض بشارع قرطاج، فاقتربت منه.

وبعد أن حييته، قلت له بجرأة بأن قصائده باتت غامضة ومستغلقة على قرائه والمعجبين به، فرد عليّ بحدة قائلا "عليك أن تجتهد لكى تفهمها!" ثم ابتعد عنى مسرعا ومستاء. أثارت ردة فعله امتعاضى فغادرت قاعة المعرض محبطا وحزينا.

وفى ما بعد قلت فى ما بينى وبين نفسى بأن عبد الوهاب البياتى كان على حق عندما وصفه بـ"ابن الباشا التركى المدلل".

-2-

عندما غزت القوات الإسرائيلية لبنان فى صيف عام 1982، وانتحر خليل حاوى كمدا ويأسا، لمع محمود درويش فى أذهاننا من جديد.

ويوميا كنا نتقصى أخباره بنفس اللهفة التى نتقصى فيها أخبار الغزو، وأخبار ياسر عرفات الذى لقبه الصافى سعيد آنذاك بـ"النبى الرابع".

وكنا على يقين من أن محمود درويش سوف يخرج لنا من تلك المحنة القاسية التى ضربت شعبه، بقصائد تفوح منها رائحة البطولات الفلسطينية، وتعبق بعطر دماء الشهداء الأبرار الذين سقطوا فى بيروت المحاصرة برا وبحرا.

وكان الأمر كذلك. فحال خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان، أصدر محمود درويش قصيدتيه الشهيرتين "مديح الظل العالي" و"حصار لمدائح البحر". كما أصدر كتابا نثريا بديعا سماه "ذاكرة النسيان"، وفيه رسم صورة مرعبة لأيام الحصار الطويلة، وأكد فيه أن النثر والشعر متساويان خصوصا عندما يمارسهما بنفس المهارة واحد مثله.

كل فقرة من هذا الكتاب قصيد تنبعث منه موسيقى آسرة تعكس عذابات الشاعر وهو يعيش ظلمة وفواجع الحصار.

هذه الفقرة مثلا "مازال الفجر الرصاصى يتقدم من جهة البحر على أصوات لم أعرفها من قبل، البحر برمته محشو فى قذائف طائشة. البحر يبدل طبيعته ويتمعدن، أ للموت كل هذه الأسماء؟ قلنا سنخرج، فلماذا ينصب هذا المطر الأحمر- الأسود- الرمادى على من سيخرج وعلى من سيبقى من بشر وشجر وحجر؟ قلنا: سنخرج قالوا: من البحر، قلنا من البحر، فلماذا يسلحون الموج والزبد بهذه المدافع؟ ألكى نعجل الخطى نحو البحر؟ عليهم أن يفكوا الحصار عن البحر أولا.. علينا أن يخلو الطريق الأخير لخيط دمنا الأخير. وما دام الأمر كذلك، وهو كذلك.. فلن نخرج إذن، سأعد القهوة".

وتحضر القهوة بقوة فى "ذاكرة النسيان"، حتى أننا نحس فى بعض الفقرات بأنها الحبيبة الوحيدة والأخيرة للشاعر المحاصر فى بيروت المحاصرة، وها هو يكتب "أريد رائحة القهوة، لا أريد غير رائحة القهوة ولا أريد من الأيام كلها غير رائحة القهوة.

رائحة القهوة لأتماسك، لأقف على قدمي، لأتحول من زاحف إلى كائن، لأوقف حصتى من هذا الفجر على قدميه لنمضى معا، أنا وهذا النهار، إلى الشارع بحثا عن مكان آخر".

وفى فقرة أخرى، يكتب محمود درويش "أريد رائحة القهوة، أريد خمس دقائق، أريد هدنة لمدة خمس دقائق من أجل القهوة، لم يعد لى من مطلب شخصى غير إعداد فنجان القهوة.

بهذا الهوس حددت مهمتى وهدفي. توثبت حواسى كلها فى نداء واحد واشرأبت عطشى نحو غاية واحدة: القهوة. والقهوة لم أدمنها مثلي، هى مفتاح النهار".

باختصار شديد، أقول إن "ذاكرة النسيان" كان من أروع ما كتب عن حصار بيروت، إنه سيرة شعرية عذبة تقرأ من البداية إلى النهاية من دون ملل أو توقف فلكأنه تلك السمفونية الآسرة التى إذا ما توقفت عن سماعها، ضيعت سر عذوبة أنغامها، وفقدت التواصل معها!

خرج محمود درويش مع المقاومة الفلسطينية من بيروت وجاء إلى تونس، كنت أراه من بعيد بين الحين والآخر، وكنت ألتقط أخباره، غير أنى لم أقترب منه إلا مرة واحدة، وكان ذلك فى مكتبه بمقر الجامعة العربية، طلب منى مواضيع لمجلة "الكرمل" فوعدته خيرا. غير أنى لم أفعل ذلك إلا عقب مرور سنوات على اللقاء المذكور. ففى ذلك الوقت، مطلع الثمانينات من القرن الماضي، كنت منشغلا بأمر واحد: الهجرة، وعندما هاجرت، عشت سنوات التيه والترحال كنت خلالها أقرأ واكتب فى أماكن مختلفة ومتعددة بحيث لم يكن من السهل على التواصل مع الآخرين.

وبما أن مفهومى للكتابة والفن عموما كان قد تعمق بعد أن نزعت عنى الأقنعة الأيديولوجية، وأخذت اكتسب تجارب جديدة غاية فى الأهمية بسبب قراءاتى وتعدد أسفارى عبر أوروبا، فإنى بدأت اقترب من محمود درويش الشاعر فاصلا بين شخصه ونصه، وبالتالى لم يعد يهمنى كبرياؤه، ونرجسيته، وتعاليه، بل نصه، نصه فقط لا غير.

وفى ما بينى وبين نفسى كنت أقول بأن محمود درويش كان على حق عندما نصحنى بالاجتهاد لفهم قصائده الجديدة.. أفلم أكن أريد أن يظل يراوح مكانه استجابة لرغباتى وأوهامى الإيديولوجية فى حين أن الشاعر مطالب دائما وأبدا بالارتقاء بتجربته إلى آفاق جديدة حتى يثبت أنه شاعر حقيقى وأصيل؟!

-3-

فى النصف الثانى من عقد الثمانينات، أخذ محمود درويش يتردد على بغداد لحضور فعاليات مهرجان المربد الشعري. وكان من الطبيعى أن يفعل ذلك ففى تلك الفترة كان مقربا من ياسر عرفات. وكان عضوا بارزا فى منظمة التحرير الفلسطينية التى كانت تساند النظام العراقى فى حربه ضد إيران.

ورغم أن المسؤولين العراقيين الكبار فى القيادة العراقية كانوا يعاملونه معاملة خاصة كانت تثير غيظ بعض الشعراء العرب الآخرين وحسدهم، فإن محمود درويش تجنب الخوض فى القضايا السياسية، وأبدا لم يعلن عن موقفه الواضح من الحرب الدائرة. وكان حضوره يقتصر على إلقاء قصائده أمام الجمهور.

ومرة انعقد مؤتمر الأدباء العرب فى بغداد، وكان ذلك فى ربيع عام 1987 على ما أظن، وكان محمود درويش من أبرز الحاضرين، وذات مساء بغدادى جميل، عرض على الصديق شربل داغر أن نسهر معه، فأبديت ترددى مستعرضا البعض من ردود فعله السابقة، غير أن شربل نسف ترددى بضربة حقيقية على كتفى قائلا "تعال معي.. وسوف تكتشف أن محمود درويش شخص هش وطفل صغير!".

وفى تلك السهرة، أمام نهر دجلة الذى كان يتدفق أمامنا محملا بتاريخ القدامى والمحدثين، اكتشفت العجب. فالشخص الذى كان أمامي، والذى كان كعادته دائما أنيقا ووسيما، لم يكن "ابن الباشا التركى المدلل"، وإنما كان طفلا ظريفا، ساخرا، يحب اللعب بالكلمات، والحديث عن النساء والخمور والمدن. وبين وقت وآخر كان يطلق ضحكة تعيد إليه طفولته الأولى التى فقدها مبكرا..

والشيء الذى لفت انتباهى فى تلك السهرة هو أن محمود درويش يولى اهتماما كبيرا بكل كلمة ينطق بها لذا كان يختار كلماته بعناية فائقة تماما مثلما هو الحال مع الكتابة. فاللغة هى معياره الأساسى فى تعامله مع نفسه، ومع الآخرين.

واللغة هى الحبيبة التى لا يجوز التفريط فيها أبدا. لذا لا بد من العناية بها، وتدليلها، وصقلها، وتنظيفها من كل الشوائب التى تعلق بها.. الشوائب الإيديولوجية والسياسية والدينية وغيرها.

ورغم أن محمود درويش كان يعيش وسط محيط سياسى وإيديولوجى متلاطم الأمواج وفى حالة هيجان دائم، فإنه ظل محافظا على أناقة اللغة الشعرية، وعلى صفائها ورونقها.

انتهت السهرة البغدادية أواخر الليل فعدت إلى غرفتى بفندق "المنصور ميليا" وقد ولدت فى ذهنى صورة جديدة لمحمود درويش، صورة طفل مشاغب، عاشق للحياة، يتميز بسخرية قارسة كبرد أولى صباحات الربيع، ولا يحب شيئا آخر غير اللغة والشعر..

-4-

غير أن علاقتى بمحمود درويش الحقيقية بدأت عام 1994، ففى خريف ذلك العام ذهبت إلى باريس، وباريس فى الخريف تكون أجمل المدن، وكان خريفها عندما وصلت إليها ذهبيا مثل خصلات شعر شارون ستون عندما تخرج مبللة من الحمام لترتمى فى أحضان الحبيب المتقلب على جمر الانتظار.

وكنت أعرف أن محمود درويش رجل خريفي. والخريف يحضر كثيرا فى قصائده. وهو يبهجه أكثر من كل الفصول الأخرى. حتى قصص حبه لا تكون إلا فى الخريف، وربما يكون قد كتب أجمل قصائده فى هذا الفصل. ومتحدثا عن خريف باريس فى "حضرة الغياب" كتب يقول "أما الخريف هنا، خريف باريس العائدة من إجازتها الكبرى، فهو انكباب الطبيعة التى أغواها المطر على كتابة أشعارها الباذخة بكل ما أوتيت من مهارة ونبيذ يتخمر.

خريف طويل طويل كعقد زواج كاثوليكى لا يشى بما فيه من سعادة أو شقاء لعابر مثلك على المشهد، خريف طويل البال، عناق ايروسى بين الضوء والظل والأنثى والذكر، وبين سماء تنخفض باحترام على شجر يتعرى بكرامة، أمام التباس الغوايات بين قطرات ضوء يمطر، وبين قطرات ماء يشع ويشرق.. خريف يتباهى، خريف يتماهى مع أوائل فصول ثلاثة: عرى الصيف، وجماع الشتاء، وفتوة الربيع".

ومتحدثا عن نفسه فى الخريف الباريسي، يقول محمود درويش فى الكتاب المذكور "وأنت، أنت تمشى خفيفا على سطح هذا النهار الخريفي، تنتعش وترتعش وتندهش "أفى مثل هذا النهار يموت أحد؟"، ولا تعرف إن كنت تسكن الخريف أم هو الذى يسكنك، حتى لو تذكرت أنك الآن فى خريف العمر، حيث يتقن العقل والقلب الإنصات إلى الزمن بتناغم التواطؤ بين المتعة والحكمة. إيقاع نبيل يرفع الجسد إلى مرتبة الانتباه لما ينقص، فيزداد امتلاء بما يعد إليه من جماليات الصحو والغيم، ويستعد كمرصد جوي، لرصد المناخ المناسب لحوار عابر: هذا النهار جميل، أليس كذلك؟! إذا كان الأمر كذلك فلماذا لا نحتسى القهوة معا؟ لرائحة القهوة أبواب تفيض إلى سفر آخر: إلى صداقة، أو حب، أو إلى ضياع لا يؤلم.. فتنتقل القهوة من الاستعارة إلى الملموس".

فى ذلك الوقت كان محمود درويش يسكن فى "التروكاديرو"، وذات مساء طلب منى صديق مرافقته إلى مقهى فى "الكونكورد" حيث سيلتقى بـ"شخص مهم" بحسب تعبيره، "هل أعرفه"؟ سألته، "وهل آخذك إلى شخص لا تعرفه؟" رد باسما، ولم يكن ذلك الشخص غير محمود درويش. مكثنا ساعتين فى المقهى نتحدث فى مواضيع شتى، سألنى محمود درويش عن أحوالى فى ألمانيا وقال لى "يبدو أن إقامتك هناك تلاءمت مع مزاجك.. فأنت غزير الإنتاج فى هذه الأيام". وقد لاحظت أن الصديق لعب دورا مهما فى تلميع صورتى لدى درويش المعروف بتحفظه المبالغ فيه أحيانا. لذا لم يتردد فى دعوتى والصديق إلى كأس فى بيته بـ"التروكا ديرو" مساء اليوم التالي..

ذهب الخريف يتقاطر على نهر "السين"، وأنا فى التاكسى أفكر فى كل الشعراء الذين ساروا على ضفاف هذا النهر العظيم.. فكرت فى بودلير وفى فرلين وفى ملارميه وفى فرانسوا فيون وفى جيراردى نرفال الذى انتحر بالقرب من أحد جسوره، وفى باول تسيلان الذى ألقى بنفسه فى النهر بسبب لا يدريه أحد، وفى أبولينير الذى تغنى بالحب الخريفى تحت جسر "ميرابو"..

استقبلنا محمود درويش بحفاوة، كان البيت مرتبا بأناقة شاعر له حس ارستقراطي، وكانت لوحات بعض الرسامين العرب الكبار تزين الجدران، امتدت الجلسة من الساعة السابعة إلى الساعة التاسعة، دار الحديث حول أشياء كثيرة. غير أن الشعر كان قطب حديثنا.

وعقب ذلك اللقاء الرائع، نشرت نصا عنه فى مجلة "الوسط" التى كانت تصدر فى لندن تحت عنوان "زيارة إلى محمود درويش". وقد قامت بعض الصحف العربية بإعادة نشره كاملا وكتبت لى غادة السمان تقول بأن نصى كان بمثابة قصيد عذب عن شاعر كبير.

والحقيقة أن تلك الجلسة مع محمود درويش فى بيته هى التى كسرت كل الحواجز التى كانت قائمة بينى وبينه حتى ذلك الحين. فإذا بى اقترب منه ومن روحه أكثر من أى وقت مضى لذلك انبثق النص منى كما ينبثق نبع الماء بعد انحباس طويل.

-5- عقب لقاء خريف 1994، تعددت لقاءاتى بمحمود درويش، فقد التقيته فى برلين عام 1996، عندما جاء إليها مدعوا من "بيت ثقافات العالم" حيث ألقى قصائده، زرته فى الفندق حيث كان يقيم، فتحدث إلى كما يتحدث إلى صديق حميم، وبعد الأمسية الشعرية، التقيت به فى المطعم الذى دعته إليه السفارة الفلسطينية بألمانيا، وكان محاطا بالدبلوماسيين، أما أنا فقد جلست مع أصدقائى فى ركن بعيد، ورحنا نعربد، ضاحكين عاليا، بينما كان هو ينظر إلينا وفى ملامحه ما يدل على أنه كان "يغبطنا" على جلستنا الصاخبة الضاحكة تلك، بينما كان هو ساكنا وسط الدبلوماسيين المتخفين وراء أقنعة الصرامة والجدية.

وفى خريف عام 1998، التقيت بمحمود درويش فى الدار البيضاء، وكان ذلك خلال مؤتمر الشعر العالمى الذى نظمه "بيت الشعر" المغربى بإدارة محمد بنيس، وآنذاك كان لا يزال يعانى من تبعات العملية الجراحية الخطيرة التى أجريت عليه.

وفى غرفته بالفندق أجريت معه حوارا مطولا حدثنى فيه عن المرض، وعن الموت، وعن عدمية الوجود والحياة. كما تحدث عن تونس والقاهرة وبيروت وعن مدن أخرى أقام فيها، وكان لها تأثير على مساره الشعري.

وعن العلاقة بين النثر والشعر، قال لى محمود درويش "الشعر هو الأب الشرعى لكل فنون التعابير الأخرى، وهناك حوار دائم بين الشعر وبين بقية فنون التعابير الأخرى، خصوصا بينه وبين النثر، والنثر يتطلع دائما إلى الشعر. وعندما يحدث ذلك يسمو النثر، والشعر يصبح عظيما وأخاذا حين يتطلع إلى النثر، وتحديدا إلى بساطته متحديا تلك القواعد الصارمة التى تتحكم فيه".

وفى ذلك الحوار حدثنى أيضا عن الدواوين التى كانت حصيلة التجربة الباريسية، مركزا بالخصوص على "لماذا تركت الحصان وحيدا" قائلا عنه "اعتبر أن مجموعتى "يقصد لماذا تركت الحصان وحيدا" هى من أرقى المحاولات الجمالية. ففى هذه المجموعة كان على أن أدافع عن تاريخ منسي، وبكلام أوضح أقول إنه كان على أن أدافع عن أرض الماضى وعن ماضى الأرض، عن أرض اللغة ولغة الأرض، وهكذا ارتأيت أن أجلس حرا فى زاوية، وأن أصوغ "سفر تكويني"، أو سيرتى الذاتية بلغتى الشعرية".

-6-

فى خريف عام 2004، "لاحظوا أن أجمل لقاءاتى معه تمت فى هذا الفصل"، التقيت بمحمود درويش فى فرانكفورت، أيام المعرض الدولى للكتاب والذى كان العرب ضيوفه فى تلك السنة، كنا نسهر فى الفندق حتى ساعة متأخرة من الليل، وكان محمود درويش فى أوج حيويته، يناقش بحرارة، ويضحك عاليا للنكات والطرائف.

ومرة حاول مازحا إشعال معركة بينى وبين حسن بن عثمان غير أنه فشل فى ذلك. وخلال إحدى السهرات حدثته عن كتاب "ذكريات مع جيمس جويس" الذى كنت قد انتهيت من ترجمته للتو، فرحب بنشره فى مجلة "الكرمل". وهذا ما فعله عام 2005.

وبعد فرانكفورت، جاء محمود درويش إلى ميونيخ، ليحيى أمسية شعرية، فى "دار الأدب" وذلك بمناسبة صدور مختارات من قصائده مترجمة إلى لغة غوته. امتلأت القاعة بالجمهور، وعلى مدى ساعتين كاملتين ظل محمود درويش يقرأ أشعاره بطريقة آسرة ألهبت إعجاب الألمان حتى أنهم قاطعوه بالتصفيق أكثر من مرة حتى قبل أن يفهموا ما كان يقول، والحقيقة أنه كان فى تلك الليلة "أمير الشعر العربي" بامتياز، وكانت الأمسية التى أحياها فى نهايات الخريف البافارى ساحرة مثل الغروب على جبال الألب فى ذلك الوقت من العام.

-7-

تواصلت لقاءاتى بمحمود درويش حتى ديسمبر الماضى "2007" عندما جاء إلى تونس ليتسلم جائزة الرئيس بن علي، أقام فى فندق "أبو نواس" وعندما هتفت له، قال لى "سوف أكون سعيدا بلقائك.. لكن تعال وحدك!" غير أنى ذهبت للقائه بصحبة صديقة صحافية، جلسنا معه قرابة الساعتين، كان متعبا، لكنه كان متألقا بالشعر وبحب الحياة.

تحدثنا كثيرا خصوصا عن "فى حضرة الغياب"، وعن "أثر الفراشة". سألنى عن أحوال أولاد أحمد والمنصف المزغني.. وبعد يومين جئته مصحوبا بصديقة تونسية أخرى وبصديق ألمانى كان قد حضر أمسيته فى ميونيخ. كان متعبا أكثر من المرة السابقة، وأذكر أنه قال لى "إن أشد ما يرهقنى هو الاستجوابات والمقابلات التى يجريها معى صحافيون سطحيون، لا يتقنون شيئا آخر غير طرح الأسئلة السخيفة والمبتذلة".

بعد اللقاءين المذكورين، ظللت على اتصال بمحمود درويش حتى شهر حزيران/يونيو الماضي، وعندما ذهبت إلى أصيلة، وجدت أهلها حزانى لأنه أبلغ إدارة مهرجانها بأنه ليس بإمكانه الحضور بسبب العملية التى سوف تجرى عليه فى الولايات المتحدة الأمريكية. وفى السهرات التى كنا نقضيها على أرصفة المدينة، كان محمود درويش يحضر فى أحاديثنا بين وقت وآخر، شاعرا وإنسانا.

ويوم السبت 9 آب/أغسطس 2008 كنت فى طريقى إلى طنجة لحضور لقاء مفتوح معى بـ"نادى البحر الأبيض المتوسط". ولما توقفت سيارة الصديق د. فروار الإدريس عند الضوء الأحمر فى قلب المدينة، جاء خبر وفاته، فأظلم بحر مضيق جبل طارق الذى كان يتلألأ قبل قليل بأضواء الصيف الحادة، وتجللت الشوارع والساحات بسواد الفراق الأخير.. وأنا أشرب كأسا فى "مقهى البريد" المقهى المحبب للصديق الراحل محمد شكري، تذكرت مقطعا من "فى حضرة الغياب" فيه يقول محمود درويش "الوداع هو الصمت الفاصل بين الصوت والصدى، أما الصوت فقد انكسر وأما الصدى فقد خفضته وديان وكهوف مرفهة السمع كآذان كونية، وضخمته صدى للصدى..".
[/align]







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 29-10-2008, 01:06 AM   رقم المشاركة : 46
معلومات العضو
يحيى سليمان
أقلامي
 
الصورة الرمزية يحيى سليمان
 

 

 
إحصائية العضو







يحيى سليمان غير متصل


افتراضي رد: كتبوا في وداع محمود درويش

[align=right]رغم قيمة كل أدبائنا
لم يكن هناك من أنتظر جديده بتلك اللهفة غير الراحل الكبير
لسنا الجيل المحظوظ الذي عاصر إبداع كبار شعرائنا وأدبائنا
درويش رحل وتركنا ننتظر قصيدته الجديدة التي لن يكتبها غيره
كان مؤلما هذا الرحيل

كتبت ثلاث قصائد في وداع درويش وهذه واحدة منهم
رحيله كان التداعي فليلتمس الأدباء لي العذر فيما كان من حزنٍ ليس لي يدٌ فيه
وفيما كان من إيقاعه هو لا غيره[/align]




كتاب المسافر

إلى الشاعر الكبير / محمود درويش

للأرض أن ترثَ الترابْ
لخيلها المهزوم ملحمة الغيابْ
للشاعر العربي مُلْهمهُ .. السرابْ

سيعودُ حتمًا من غيابكَ في صدَى الكلماتِ تحمِلُها على كتفيكَ
تابوتًا وإكليلا
سيخرجُ من مدينتهِ مسيحًا يعشقُ المدنَ القديمةَ يكسرُ اللغةَ العقيمة َ
صامتا ويعيدُ تعميدَ الوطنْ
قد يحملُ الموتى إلى أكفانِهم سعداءَ قد يطأُ الرُّكامَ فيستحيلَ عنادِلا وخيولا

لتَمُتْ جموعُ الحالمين َ بكلِّ أشكالِ الحنينْ

للعارفينَ مرافئ النسيان ِ للموتى السكنيةُ للذي فرَّ انكسارُ الوقتِ للزِّمنِ المريضِ غشاوةُ الإعياءِ للمهزومِ أغنية ُ الرحيلِ ولي كلامي سوف أوسعُهُ رحيلا

لي أن أهيمَ كما أشاءْ
لى أن أرى الصحْراءَ أغنيةً تساعدُني على نفسي المريضةِ بالحياةِ ولي تعاويذُ القصيدة
كلما انكسرَ البناءُ رفعته ُ مدُنا وكنتُ بلادَها وأعدتُ ترتيبَ الحقائقِ والحقائبِ
هل مدينتنا تحاصرُها الفضيلةُ
أم فضيلتنا على الأبوابِ تمرضُ كلما اتسع المكانُ
وكلُّ شيءٍ يعرفُ المدنَ الحديثةَ

للحداثةِ لعبةُ الموتِ البطيء ِ
لحربها الوطنُ البعيدُ
لحالميها الصحوُ و الضدُّ العنيدُ
لكلِّ حلْمٍ وهمُهُ
ولكلِّ وهمٍ حلمُهُ
ولساعدِ العربيِّ أن يشتدَ مكسورا
وللنسيان أن يرث القتيلا

وأنا المهاجرُ بين مرحلتينِ واحدةٍ تخلدُنِي وأخرى قد تصدِقُني حناياها فتحلبَني نشيًدا خالصًا للتائهينَ
أنا الغريبُ
على طريقِ هويتي
وأنا البعيدُ
على ذُرى أغنيتي

وأنا الـمُـدانُ بكلِّ جرح للهوى
العربيِّ

.
.
.


يحيى سليمان
10-10-2008






 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 06:36 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط