الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 29-08-2008, 01:01 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
خليف محفوظ
أقلامي
 
الصورة الرمزية خليف محفوظ
 

 

 
إحصائية العضو







خليف محفوظ غير متصل


افتراضي الخواء

حديث العرافة زاد المسألة تعقيدا، و صار موضوع الساعة في المقهى و الحوانيت و المدرسة: الاغتيالات الغامضة الواقعة مؤخرا مردها إلى سخط سيدي لخضر على البلدة، فهو يسلط عليها وحشا أسود يربض بالنواحي، يداهمها ليلا، يتهددها بالفناء. و كانت أحاديث المقهى تلخص لي الفوضى التي أحدثها كلام العرافة:
ـ و ماذا فعلنا حتى يسخط علينا سيدي لخضر؟ إننا نعيش كما كنا منذ قرون، نساعد المحتاج، نخرج العشور، نأوي عابر السبيل، ليس في بلدتنا حانة أو ماخور.
ـ و الله ما يغضبه إلا شطارة أمثالك. إنك تتكلم عن الظاهر، و لكن لا علم لك بما يجري خلف الأبواب ، أو ما يدور في النفوس. إنه يشرف علينا من خلوته و يعلم كل ذلك، و لابد أنه رأى ما يغضبه.
ـ صحيح، و قتله للإمام لم يكن خبط عشواء، لطالما سمعتم ذلكم الإمام يعرض بأوليائنا الصالحين.
ـ و السعيد المسكين ابن حمودة جابر العظام ماذا فعل؟
ـ الله يعلم هو الآخر ماذا كنا نجهل عنه.
ـ الرأي ما أشارت به "لالة كلثوم"، يجب إرضاء سيدي لخضر بزردة كبيرة و في أقرب وقت.

************************
و جاء مساء الخميس الموعود. البلدة مدعوة للخروج إلى الزردة، الدعوة شبه إجبارية، لا أحد يتخلف في بيته، الكل يشهد الحضرة و يبتهل إليه لعله يرفع غضبه و يمسك وحشه. و المتخلف عن الموعد عاق مارق، يتعرض لعقوبة الجماعة بالنبذ و العزلة إلى أن يهجر البلدة أو يتوب.
و تحركت البلدة عن بكرة أبيها، يلبسون أزهى ما لديهم، يغلقون بيوتهم و يأخذون طريقهم إلى الخلوة في قلب الجبل.
وقفت مع عمر إلى النافذة، رأينا الدروب تصعد إلى الخلوة حافلة بسلاسل بشرية لا تنقطع. بدا المشهد أخاذا بثياب القرويات ذات الألوان البراقة، الأحمر على الأصفر على الأبيض على خضرة الجبل على لازورد السماء و البحر ، في حين كانت نقرات الدف و نغمات الزرنة تتناهى إلينا متنائية متلاشية.
ـ يا له من صعود مثير إلى خلوة سيدك لخضر!
ـ إنه الصعود إلى ما فوق الواقع، إلى المطهر من أوحال الدنيا و النفس.
ـ إن كان هناك ما يتطهرون منه فهو هذه الخرافات المعششة في أذهانهم.
ثم و هو يضحك:
ـ أتراهم يتوصلون إلى اتفاق مع سيدك لخضر فيمسك عنهم كلبه و يدعهم يتفرغون لأشغالهم ؟
لم أبال باستفزازه، فهو يعتقد أني خرافي مثلهم و أن دخولي الجامعة لم يفدني شيئا، فقلت ممعنا في إغاظته:
ـ احفظ لسانك قبل أن يمسخك ثعلبا ثم يسلطك على دجاج القرية.
و قذفته بمعطفه:
ـ خذه معك، سيبرد الطقس في الليل، و لن يكون لنا فراش ننام فيه.
ـ و من قال لك إني ذاهب معك إلى تلك المهزلة؟!
ـ و لكنهم سيعتبرون ذلك تعاليا منك و استخفافا بهم، و قد شرحت لك عرف الجماعة.
ـ عرف الجماعة! قد يلغيه سيدهم لخضرهذا المساء.
ـ هيا نذهب على سبيل الفرجة.
ـ لدي ما يشغلني هنا.
لم ألح عليه أكثر.
حملت معطفي، و تسمّت طريقي إلى الخلوة. كنت مجذوبا إلى الخلوة بقوة خفية، نداء الطفولة الضائعة في دهاليزي أيام كانت جدتي تصطحبني إلى وعدة سيدي معمر، تدفعني من خلف الستار إلى كبراء الحضرة ليمسحوا على رأسي و يدعوا لي بالنجاح، وجه العرافة كلثوم ذو الثلالة البارزة في ذقنها كزبيبة سوداء تحيط بها شعيرات طويلة مسبسبة كعرف الحية، تقرأصحن حنائها على وجوه القرية العائذين بها تكشف لهم قاتل الإمام و ابن الشيخ حمودة... أرى في ما أرى سوادا مقبلا، و حشا أغبر، يجوس القرية يفسد الزرع و الضرع، يطلع عليكم من البر و البحر...
و لاحت لي البطحاء منبسطة كالسرير في حضن الجبل، ينتصب فيها ضريح سيدي لخضر ناصع البياض تعلوه راية خضراء، يغرق في الصنوبر و السرو ، إلى جانبه نصبت خيمة لكبراء البلدة ، و على المدخل علق إزار اجتمعت خلفه النسوة، و انتشر الأطفال و الرجال ، تبعثروا في المكان، في الظل، على الأغصان، فوق الصخور الملساء. عج المكان بالحركة و الألوان، و طفح البشر في الوجوه المطمئنة إلى عناية سيدي لخضر.
كانت روحي تضج بروائح الغابة، بالصمغ السائل، و الأوراق المتحللة، و الزهور البرية ممزوجة بعطر الطفولة. كأني ماأزال أمسك بثوب جدتي و هي تشق بي الجموع، تلاحقني بوصاياها: لا تتلفظ بقول السوء، إنه يسمعك ، ابق بجواري سأدخلك إلى الحضرة ليدعوا لك بالنجاح ، انظر إلى هذه الصخرة حيث ترتسم الحوافر ، إنه حوافر حصان سيدنا علي حين مر من هنا يجاهد الكفار...
و أنهى المكلفون بذبح القرابين مهمتهم، و نشروا الجلود فوق الصخور ، سبعة كباش و عجل أسود.
و نشطت النسوة يعددن العشاء الكبير فانتشرت رائحة المقلي و المشوي و دسم المرق و فوران الكسكس فوق القدور الضخمة تختلط بالمدائح و بخار الجاوي و هرج الصبية، و المساء يخيم على مهل تحدوه ريح رخاء، و سيدي لخضر يبسط رضاه على الجميع، و القلوب خالصة النية تتفادى إغضابه بما قد يراودها من وساوس، فلانت الأفعال و طابت الأقوال، فلاتسمع إلاّ همسا و قولا كريما.
و نادى مناد بعد صلاة المغرب جماعة في البطحاء:
ـ تحلقوا عشرة، عشرة يرحمكم الله.
و شغل المولد الكهربائي فأزهر الضريح بالأنوار، و نشط الخدم المتطوعون يهرولون بجفون الكسكس المكللة بأطراف اللحم إلى الحلقات المنتشرة كمخيم عسكري. أما أعيان البلدة و كبراؤها فكان عشاؤهم في الخيمة الكبيرة من كبد العجل الأسود، أما أكباد الكباش فللنساء الحوامل فلا يلدن إلاّ مباركا موسوما بعناية سيدي لخضر.
بعد العشاء اتجه موكب النساء إلى مغارة الخلوة فأوقدن الشموع، ثم دقت طبول الحضرة تعلن بداية ليل طويل ، تهليل و رقص و سحق للجسد حتي يطلق إسار الروح فتعرج إلى العوالم الرحبة... تدفق الطبل يهز جذور الغابة، و ناحت أشواق التعساء إلى الخلاص ، تدفقوا في الرحبة يرفسون، يتضورون.و كأني أشد ثوب جدتي أتطلع ذاهلا إلى الشيخ حمودة المنكوب، حاسر الرأس، طويل الوجه ،ذاهل العينين ، يلف حول نفسه في حركة لولبية تعتصر من أعماقه زمازم ودمادم تقذف على ساحل الشدقين رذاذا وزبدا . وإذ بلغ ذروة الهيجان جيء له بسفودين أطفأهما في فمه ليخر هامدا فيسحب إلى ناحية ويدثر .
وكانت نار مزهرة أشرف عليها متطوعون يحمون في لهيبها المناجل و المشاهب . و تساقطوا كثيرا، تعالت آهاتهم تهتك حدود الصبر ، بينما المشاهب و المناجل في غدو و رواح بين النار و الرحبة.
ودخلت النسوة يحللن شعورهن ، لا أحد منتبه لأحد ، كل انتظم في مداره يرفس في تيه وجوده ، يسحق الجسد و يمحقه . و أطل نهد صبية كانت في شغل عنه ، في حركة جذب دائري يقودها شعرها المسترسل . و كان النهد يتحرر ، ينطلق غير آبه بأحد ، فإذا ألقت رأسها إلى الوراء طفر يعانق السماء ، و إذا تأود الخصر تراجع متحفزا كرأس الهر.
حينما خر النهد صريعا افتقدت أثر جدتي ، كان الليل قد أوغل فتداخلت الشارات و صارت الرموز تتذبذب أمام ناظري ، فكأني تحت شجرة ضرو متوسدا حذائي ضائعا في غربتي و خوائي ، يتدفق في سمعي ممزوجا بندى الليل و دخان المشاهب و صور الصرعى دوي الطبل يعربد على إيقاعه النهد الطروب معلنا تمرده على البلدة ، يبشر بالثورة على القمع و التبخيس ، ينتصب في وجهي . و أمد يدي فتصدها السفافيد.
- أأنت هنا يا أستاذ ؟! كنت على يقين أني سألقاك هنا ، إنك تسايرهم في خرافاتهم ، وهم لا يفتأون يثنون عليك ، أنت علمتنا أن نجهر بآرائنا ، فما حضورك و تكورك تحت تحت هذه الضروية ؟ أكنت تخاف أن يعاقبوك بالعزلة و النبذ ؟ لن تعدم من يقف إلى جانبك ، سأبدد عزلتك ، أنا تلميذتك ، ألم تعرفني ؟! لقد تفجرت ينابيعي ، انظر إلى بساتيني ، رماني و كرزي ، وردي و خمائلي ، أنا زهرة الحياة يبغون إذواءها ، ما جئت هنا إلا لأعبر مثلهم ، لكن ليس عما يعبرون ، إنهم ينشدون الفناء في سيدي لخضر ثم يسقطون صرعى مكبوتاتهم ، و أنا أنشد الخصب و النماء ، مزقت طوق صدري و أنا في تمام وعيي ، ثم رفعت إليه نهدي ، نبع الحياة الذي يريدون طمسه ، قم ندخل إلى الرحبة و نعبر ، سأقودك ، لا تتعثر ،،، انظر ،،، ما تزال الرحبة تعج ، و الطبل يدوي ، و الصرعى يتساقطون ، ،، هنا وسط الرحبة، لا أحد في وعيه ، كل يسبح في محيطات لا وعيه، هيا ، في قمة وعينا سيتدفق نهر الحياة في حضرة سيدي لخضر...

*******************************
في الصباح لم يعد رأسي المثقل بصخب الطبل قادر ا على التمييز خيل إلي أن ما عشته البارحة كان سفرا غريبا في الزمن السحيق، لكن المؤكد عندي أن الجموع تفرقت وهي مطمئنة إلى رضا سيدي لخضر الذي سيمسك عنها وحشه. و بينما كنا نقترب من البلدة في أرتال معوجة سرت في الصفوف الأمامية همهمة تحولت إلى لغط و ذعر، ثم إلى كلمة تنتقل من فم إلى أذن:" قتيل آخر في الساحة المركزية للبلدة ." و اندفعنا نتدفق في الساحة، كان المشهد مروعا: صديقي الطبيب عمر مشنوق بحبل على تمثال الحرية وسط الساحة ، العنق ملوية، العينان جاحظتان ، الأطراف تتدلى. ساد صمت مطبق، وجم الناس، العيون وحدها كانت تتكلم: هذا الذي تخلف عن حضور الزردة، أراد أن ينكر سلطان سيدي لخضر فجاء البرهان سريعا. رأيت العيون ترجمه وهو معلق، لا أحد يمد يده ليفك عنه الحبل. أخذوا ينسلون إلى بيوتهم في صمت و يغلقون عليهم الأبواب. وبقيت وحدي أحدق فيه معلقا بين جدتي و تلميذتي.






 
رد مع اقتباس
قديم 30-08-2008, 07:36 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
حلا حسن
أقلامي
 
الصورة الرمزية حلا حسن
 

 

 
إحصائية العضو







حلا حسن غير متصل


افتراضي رد: الخواء

وبقيت وحدي أحدق فيه معلقا بين جدتي و تلميذتي.


نعم نعم ... بين الجدة والتلميذة !
كانت خير خاتمة لقصة مميزة ودسمة
إنها حال بلادنا العربية ..
أولياء الله الذين لا يسبقهم شيء في الإتيان بالبراهين !!
المواكب السيارة والاحتفالات شبه الإجبارية .. والإجبارية !
لكن هل نبقى معلقين ..
كبطلنا هنا ..
هل نبقى

بقي أن أقول .. كان الأسلوب هنا والقص رائعا وجاذبا
بانتظار المزيد دوما
تحيتي وتقديري أستاذي







 
رد مع اقتباس
قديم 31-08-2008, 04:52 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
ربيع عبد الرحمن
طاقم الإشراف
 
الصورة الرمزية ربيع عبد الرحمن
 

 

 
إحصائية العضو







ربيع عبد الرحمن غير متصل


افتراضي رد: الخواء

سيدى و أستاذى .. خليف محفوظ
هنا .. كانت المتعة و الدهشة كاملة .. هنا كانت الوجبة دسمة .. و كاملة التوابل .ز و المشهيات .. من كافة أنواعها .. من سرد / قص رائق .. لذيذ طعمة .. مر عصيره .. بل أشد مرارة ووقعا على البلع .. حيث نقلت هنا .. كامل الحضرة .. بكامل أدواتك القوية .. القادرة دائما على الكشف .. عما وراء ما هو ظاهر !!!!
كانت الصور تتلاحق وتطرد تباعا .. بداية من كلمة المبتدأ .. و حتى انتهاء المعرض الذى جاء مفجعا ورهيبا إلى أقصى حدوده !!!
مشاهد كانت الكاميرا فيها أكثر من رائعة .. كانت كثيرة .. مشهد الصعود إلى الجبل .. و مشهد الشيخة ووصفها الغريب العجيب .. ثم المشهد الأكثر اتساعا فى الرقعة .. الطقوس .. الذى دب فيه الحياة بعين الصبى يرى النهد كيف تحدى الجميع .. ثم مشهد الطبيب الذى أنهيت به هذا الرقص الغير مجانى !!!
كانت اللغة سيدى أكثر من رائعة .. فى سلاستها .. و امتداها .. و إن كان الكيبوورد أكثر مكرا .. فوضع كل كلمة يدعو .. مزودة بألف الجماعة .. رغم انكارها .. و حذف الألف عن .. إنها حوافر ......... !!!
ليس لدى من كلمات أوفى بها هذا النهر الدفاق إبداعا و دهشة .. إلا أن أقول سلمت لنا
محبتى






 
رد مع اقتباس
قديم 01-09-2008, 01:02 AM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
خليف محفوظ
أقلامي
 
الصورة الرمزية خليف محفوظ
 

 

 
إحصائية العضو







خليف محفوظ غير متصل


افتراضي رد: الخواء

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حلا حسن مشاهدة المشاركة
وبقيت وحدي أحدق فيه معلقا بين جدتي و تلميذتي.


نعم نعم ... بين الجدة والتلميذة !
كانت خير خاتمة لقصة مميزة ودسمة
إنها حال بلادنا العربية ..
أولياء الله الذين لا يسبقهم شيء في الإتيان بالبراهين !!
المواكب السيارة والاحتفالات شبه الإجبارية .. والإجبارية !
لكن هل نبقى معلقين ..
كبطلنا هنا ..
هل نبقى

بقي أن أقول .. كان الأسلوب هنا والقص رائعا وجاذبا
بانتظار المزيد دوما
تحيتي وتقديري أستاذي
المبدعة حلا حسن تحية طيبة
ولك جزيل الشكر لهذا الحضور الجميل
والقراءة الواعية التي تنم عن تيقظ ذهن و رقة ذوق.
تحيتي و تقديري.






 
رد مع اقتباس
قديم 01-09-2008, 01:11 AM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
خليف محفوظ
أقلامي
 
الصورة الرمزية خليف محفوظ
 

 

 
إحصائية العضو







خليف محفوظ غير متصل


افتراضي رد: الخواء

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ربيع عبد الرحمن مشاهدة المشاركة
سيدى و أستاذى .. خليف محفوظ
هنا .. كانت المتعة و الدهشة كاملة .. هنا كانت الوجبة دسمة .. و كاملة التوابل .ز و المشهيات .. من كافة أنواعها .. من سرد / قص رائق .. لذيذ طعمة .. مر عصيره .. بل أشد مرارة ووقعا على البلع .. حيث نقلت هنا .. كامل الحضرة .. بكامل أدواتك القوية .. القادرة دائما على الكشف .. عما وراء ما هو ظاهر !!!!
كانت الصور تتلاحق وتطرد تباعا .. بداية من كلمة المبتدأ .. و حتى انتهاء المعرض الذى جاء مفجعا ورهيبا إلى أقصى حدوده !!!
مشاهد كانت الكاميرا فيها أكثر من رائعة .. كانت كثيرة .. مشهد الصعود إلى الجبل .. و مشهد الشيخة ووصفها الغريب العجيب .. ثم المشهد الأكثر اتساعا فى الرقعة .. الطقوس .. الذى دب فيه الحياة بعين الصبى يرى النهد كيف تحدى الجميع .. ثم مشهد الطبيب الذى أنهيت به هذا الرقص الغير مجانى !!!
كانت اللغة سيدى أكثر من رائعة .. فى سلاستها .. و امتداها .. و إن كان الكيبوورد أكثر مكرا .. فوضع كل كلمة يدعو .. مزودة بألف الجماعة .. رغم انكارها .. و حذف الألف عن .. إنها حوافر ......... !!!
ليس لدى من كلمات أوفى بها هذا النهر الدفاق إبداعا و دهشة .. إلا أن أقول سلمت لنا
محبتى
الأديب الألمعي ربيع عبد الرحمن سلاما عميقا
تعليقاتك تمنح النصوص انتعاشا و بهاء
تقرأها بستعاب عميق ، و لا يعجزك إيجاد التعليق المناسب لكل نص .
فلك ألف شكر يا ذا الحرف البهي.






 
رد مع اقتباس
قديم 01-09-2008, 02:38 AM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
أحمد نورالدين
أقلامي
 
الصورة الرمزية أحمد نورالدين
 

 

 
إحصائية العضو







أحمد نورالدين غير متصل


افتراضي مشاركة: الخواء

الصديق العزيز والأديب المتميز خليف محفوظ
لقد أدخلتني الى عالم بعيد جدا، صحبتني في تعاريج وجود يمتلئ دهشة وعجائبية
لغتك السردية، معاني قصتك ومفرداتها وصورها.. كلها أمور تشهد على عظمتك ككاتب متمكن من أدواته خير تمكن.
تقبل خالص ودي







 
رد مع اقتباس
قديم 01-09-2008, 06:43 PM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
حافظ خليل الهيتي
أقلامي
 
إحصائية العضو







حافظ خليل الهيتي غير متصل


افتراضي رد: الخواء

ودخلت النسوة يحللن شعورهن ، لا أحد منتبه لأحد ، كل انتظم في مداره يرفس في تيه وجوده ، يسحق الجسد و يمحقه . و أطل نهد صبية كانت في شغل عنه ، في حركة جذب دائري يقودها شعرها المسترسل . و كان النهد يتحرر ، ينطلق غير آبه بأحد ، فإذا ألقت رأسها إلى الوراء طفر يعانق السماء ، و إذا تأود الخصر تراجع متحفزا كرأس الهر.
حينما خر النهد صريعا افتقدت أثر جدتي ، كان الليل قد أوغل فتداخلت الشارات و صارت الرموز تتذبذب أمام ناظري ، فكأني تحت شجرة ضرو متوسدا حذائي ضائعا في غربتي و خوائي ، يتدفق في سمعي ممزوجا بندى الليل و دخان المشاهب و صور الصرعى دوي الطبل يعربد على إيقاعه النهد الطروب معلنا تمرده على البلدة ، يبشر بالثورة على القمع و التبخيس


خليف محفوظ
مرحبا بك وانت تطوف بنا في دهاليز الشرق المعتمة والمتشعبة , كنت دليلا حاذقا ومرشدا جميلا متمكن من حرفته . لقد رأيت في قصتك الجميلة عدة مواضيع بل مجموعة قصص صيغت بأنامل متمكن
حريف , وما أجتزأته اعلاه الا قصة قصيرة تحمل كل شروط النجاح .
شكرا لك ودمت بعز وسعادة






 
رد مع اقتباس
قديم 01-09-2008, 08:09 PM   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
عادل العجيمي
أقلامي
 
الصورة الرمزية عادل العجيمي
 

 

 
إحصائية العضو







عادل العجيمي غير متصل


افتراضي رد: الخواء

الصديق المبدع/أ خليف
بقدر ماجذبتني نحو هذا الجو الصوفي من خلال تطوافك الرائع عبر مشاهد الحضرة التي تتفق آلياتها في معظم البلدان العربية بقدر ما آلمتني تلك النهاية
إنه الصراع الأبدي بين العلم والغيبيات والذي تناوله بشكل آخر أحد عمالقة فن القصة يحيي حقي في رائعته قنديل أم هاشم
المبدع الجميل لقد استفدت وأنت تبدع لنا هذه القصة بتقنيات السينما حيث رصدت الأحداث وتجولت بين المشاهد القصصية كأفضل مخرج
لك كل محبتيوإعجابي
عادل العجيمي قاص مصري







 
رد مع اقتباس
قديم 04-09-2008, 03:47 AM   رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
خليف محفوظ
أقلامي
 
الصورة الرمزية خليف محفوظ
 

 

 
إحصائية العضو







خليف محفوظ غير متصل


افتراضي رد: مشاركة: الخواء

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد نورالدين مشاهدة المشاركة
الصديق العزيز والأديب المتميز خليف محفوظ
لقد أدخلتني الى عالم بعيد جدا، صحبتني في تعاريج وجود يمتلئ دهشة وعجائبية
لغتك السردية، معاني قصتك ومفرداتها وصورها.. كلها أمور تشهد على عظمتك ككاتب متمكن من أدواته خير تمكن.
تقبل خالص ودي
صديقي العزيز أحمد سرني حضورك العطر ههنا ، و أسعدتني شهادتك ، شكرا جزيلا .






 
رد مع اقتباس
قديم 04-09-2008, 03:56 AM   رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
خليف محفوظ
أقلامي
 
الصورة الرمزية خليف محفوظ
 

 

 
إحصائية العضو







خليف محفوظ غير متصل


افتراضي رد: الخواء

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حافظ خليل الهيتي مشاهدة المشاركة
ودخلت النسوة يحللن شعورهن ، لا أحد منتبه لأحد ، كل انتظم في مداره يرفس في تيه وجوده ، يسحق الجسد و يمحقه . و أطل نهد صبية كانت في شغل عنه ، في حركة جذب دائري يقودها شعرها المسترسل . و كان النهد يتحرر ، ينطلق غير آبه بأحد ، فإذا ألقت رأسها إلى الوراء طفر يعانق السماء ، و إذا تأود الخصر تراجع متحفزا كرأس الهر.
حينما خر النهد صريعا افتقدت أثر جدتي ، كان الليل قد أوغل فتداخلت الشارات و صارت الرموز تتذبذب أمام ناظري ، فكأني تحت شجرة ضرو متوسدا حذائي ضائعا في غربتي و خوائي ، يتدفق في سمعي ممزوجا بندى الليل و دخان المشاهب و صور الصرعى دوي الطبل يعربد على إيقاعه النهد الطروب معلنا تمرده على البلدة ، يبشر بالثورة على القمع و التبخيس

خليف محفوظ
مرحبا بك وانت تطوف بنا في دهاليز الشرق المعتمة والمتشعبة , كنت دليلا حاذقا ومرشدا جميلا متمكن من حرفته . لقد رأيت في قصتك الجميلة عدة مواضيع بل مجموعة قصص صيغت بأنامل متمكن
حريف , وما أجتزأته اعلاه الا قصة قصيرة تحمل كل شروط النجاح .
شكرا لك ودمت بعز وسعادة
الأديب المبدع حافظ خليل الهيتي تحية عميقة
نعم يا صديقي إنها بعض من دهاليز الشرق بسحره و غموضه و عتماته .
لك كل الشكر على هذه القراءة ، و على تلك الفقرة المنتقاة بعناية .
تحيتي و تقديري.






 
رد مع اقتباس
قديم 04-09-2008, 04:05 AM   رقم المشاركة : 11
معلومات العضو
خليف محفوظ
أقلامي
 
الصورة الرمزية خليف محفوظ
 

 

 
إحصائية العضو







خليف محفوظ غير متصل


افتراضي رد: الخواء

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عادل العجيمي مشاهدة المشاركة
الصديق المبدع/أ خليف
بقدر ماجذبتني نحو هذا الجو الصوفي من خلال تطوافك الرائع عبر مشاهد الحضرة التي تتفق آلياتها في معظم البلدان العربية بقدر ما آلمتني تلك النهاية
إنه الصراع الأبدي بين العلم والغيبيات والذي تناوله بشكل آخر أحد عمالقة فن القصة يحيي حقي في رائعته قنديل أم هاشم
المبدع الجميل لقد استفدت وأنت تبدع لنا هذه القصة بتقنيات السينما حيث رصدت الأحداث وتجولت بين المشاهد القصصية كأفضل مخرج
لك كل محبتيوإعجابي
عادل العجيمي قاص مصري
الأديب المبدع عادل العجيمي مرحبا بك في أقلام ، ستجد فيها ان شاء الله رفقة أخيارا ، نحن سعداء بانضمامك إلينا .
ولك مني خالص الشكر على هذه القراءة القيمة. قنديل أم هاشم ، طالما سمعت به لكني للأسف لم أقرأه ، و ها أنت تحثني و تشوقني لقراءته ، فشكرا تارة أخرى.
تحيتي و تقديري.






 
رد مع اقتباس
قديم 05-09-2008, 12:36 AM   رقم المشاركة : 12
معلومات العضو
محمد عبد الحكيم كليب
أقلامي
 
إحصائية العضو







محمد عبد الحكيم كليب غير متصل


افتراضي رد: الخواء

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خليف محفوظ مشاهدة المشاركة
حديث العرافة زاد المسألة تعقيدا، و صار موضوع الساعة في المقهى و الحوانيت و المدرسة: الاغتيالات الغامضة الواقعة مؤخرا مردها إلى سخط سيدي لخضر على البلدة، فهو يسلط عليها وحشا أسود يربض بالنواحي، يداهمها ليلا، يتهددها بالفناء. و كانت أحاديث المقهى تلخص لي الفوضى التي أحدثها كلام العرافة:
ـ و ماذا فعلنا حتى يسخط علينا سيدي لخضر؟ إننا نعيش كما كنا منذ قرون، نساعد المحتاج، نخرج العشور، نأوي عابر السبيل، ليس في بلدتنا حانة أو ماخور.
ـ و الله ما يغضبه إلا شطارة أمثالك. إنك تتكلم عن الظاهر، و لكن لا علم لك بما يجري خلف الأبواب ، أو ما يدور في النفوس. إنه يشرف علينا من خلوته و يعلم كل ذلك، و لابد أنه رأى ما يغضبه.
ـ صحيح، و قتله للإمام لم يكن خبط عشواء، لطالما سمعتم ذلكم الإمام يعرض بأوليائنا الصالحين.
ـ و السعيد المسكين ابن حمودة جابر العظام ماذا فعل؟
ـ الله يعلم هو الآخر ماذا كنا نجهل عنه.
ـ الرأي ما أشارت به "لالة كلثوم"، يجب إرضاء سيدي لخضر بزردة كبيرة و في أقرب وقت.

************************
و جاء مساء الخميس الموعود. البلدة مدعوة للخروج إلى الزردة، الدعوة شبه إجبارية، لا أحد يتخلف في بيته، الكل يشهد الحضرة و يبتهل إليه لعله يرفع غضبه و يمسك وحشه. و المتخلف عن الموعد عاق مارق، يتعرض لعقوبة الجماعة بالنبذ و العزلة إلى أن يهجر البلدة أو يتوب.
و تحركت البلدة عن بكرة أبيها، يلبسون أزهى ما لديهم، يغلقون بيوتهم و يأخذون طريقهم إلى الخلوة في قلب الجبل.
وقفت مع عمر إلى النافذة، رأينا الدروب تصعد إلى الخلوة حافلة بسلاسل بشرية لا تنقطع. بدا المشهد أخاذا بثياب القرويات ذات الألوان البراقة، الأحمر على الأصفر على الأبيض على خضرة الجبل على لازورد السماء و البحر ، في حين كانت نقرات الدف و نغمات الزرنة تتناهى إلينا متنائية متلاشية.
ـ يا له من صعود مثير إلى خلوة سيدك لخضر!
ـ إنه الصعود إلى ما فوق الواقع، إلى المطهر من أوحال الدنيا و النفس.
ـ إن كان هناك ما يتطهرون منه فهو هذه الخرافات المعششة في أذهانهم.
ثم و هو يضحك:
ـ أتراهم يتوصلون إلى اتفاق مع سيدك لخضر فيمسك عنهم كلبه و يدعهم يتفرغون لأشغالهم ؟
لم أبال باستفزازه، فهو يعتقد أني خرافي مثلهم و أن دخولي الجامعة لم يفدني شيئا، فقلت ممعنا في إغاظته:
ـ احفظ لسانك قبل أن يمسخك ثعلبا ثم يسلطك على دجاج القرية.
و قذفته بمعطفه:
ـ خذه معك، سيبرد الطقس في الليل، و لن يكون لنا فراش ننام فيه.
ـ و من قال لك إني ذاهب معك إلى تلك المهزلة؟!
ـ و لكنهم سيعتبرون ذلك تعاليا منك و استخفافا بهم، و قد شرحت لك عرف الجماعة.
ـ عرف الجماعة! قد يلغيه سيدهم لخضرهذا المساء.
ـ هيا نذهب على سبيل الفرجة.
ـ لدي ما يشغلني هنا.
لم ألح عليه أكثر.
حملت معطفي، و تسمّت طريقي إلى الخلوة. كنت مجذوبا إلى الخلوة بقوة خفية، نداء الطفولة الضائعة في دهاليزي أيام كانت جدتي تصطحبني إلى وعدة سيدي معمر، تدفعني من خلف الستار إلى كبراء الحضرة ليمسحوا على رأسي و يدعوا لي بالنجاح، وجه العرافة كلثوم ذو الثلالة البارزة في ذقنها كزبيبة سوداء تحيط بها شعيرات طويلة مسبسبة كعرف الحية، تقرأصحن حنائها على وجوه القرية العائذين بها تكشف لهم قاتل الإمام و ابن الشيخ حمودة... أرى في ما أرى سوادا مقبلا، و حشا أغبر، يجوس القرية يفسد الزرع و الضرع، يطلع عليكم من البر و البحر...
و لاحت لي البطحاء منبسطة كالسرير في حضن الجبل، ينتصب فيها ضريح سيدي لخضر ناصع البياض تعلوه راية خضراء، يغرق في الصنوبر و السرو ، إلى جانبه نصبت خيمة لكبراء البلدة ، و على المدخل علق إزار اجتمعت خلفه النسوة، و انتشر الأطفال و الرجال ، تبعثروا في المكان، في الظل، على الأغصان، فوق الصخور الملساء. عج المكان بالحركة و الألوان، و طفح البشر في الوجوه المطمئنة إلى عناية سيدي لخضر.
كانت روحي تضج بروائح الغابة، بالصمغ السائل، و الأوراق المتحللة، و الزهور البرية ممزوجة بعطر الطفولة. كأني ماأزال أمسك بثوب جدتي و هي تشق بي الجموع، تلاحقني بوصاياها: لا تتلفظ بقول السوء، إنه يسمعك ، ابق بجواري سأدخلك إلى الحضرة ليدعوا لك بالنجاح ، انظر إلى هذه الصخرة حيث ترتسم الحوافر ، إنه حوافر حصان سيدنا علي حين مر من هنا يجاهد الكفار...
و أنهى المكلفون بذبح القرابين مهمتهم، و نشروا الجلود فوق الصخور ، سبعة كباش و عجل أسود.
و نشطت النسوة يعددن العشاء الكبير فانتشرت رائحة المقلي و المشوي و دسم المرق و فوران الكسكس فوق القدور الضخمة تختلط بالمدائح و بخار الجاوي و هرج الصبية، و المساء يخيم على مهل تحدوه ريح رخاء، و سيدي لخضر يبسط رضاه على الجميع، و القلوب خالصة النية تتفادى إغضابه بما قد يراودها من وساوس، فلانت الأفعال و طابت الأقوال، فلاتسمع إلاّ همسا و قولا كريما.
و نادى مناد بعد صلاة المغرب جماعة في البطحاء:
ـ تحلقوا عشرة، عشرة يرحمكم الله.
و شغل المولد الكهربائي فأزهر الضريح بالأنوار، و نشط الخدم المتطوعون يهرولون بجفون الكسكس المكللة بأطراف اللحم إلى الحلقات المنتشرة كمخيم عسكري. أما أعيان البلدة و كبراؤها فكان عشاؤهم في الخيمة الكبيرة من كبد العجل الأسود، أما أكباد الكباش فللنساء الحوامل فلا يلدن إلاّ مباركا موسوما بعناية سيدي لخضر.
بعد العشاء اتجه موكب النساء إلى مغارة الخلوة فأوقدن الشموع، ثم دقت طبول الحضرة تعلن بداية ليل طويل ، تهليل و رقص و سحق للجسد حتي يطلق إسار الروح فتعرج إلى العوالم الرحبة... تدفق الطبل يهز جذور الغابة، و ناحت أشواق التعساء إلى الخلاص ، تدفقوا في الرحبة يرفسون، يتضورون.و كأني أشد ثوب جدتي أتطلع ذاهلا إلى الشيخ حمودة المنكوب، حاسر الرأس، طويل الوجه ،ذاهل العينين ، يلف حول نفسه في حركة لولبية تعتصر من أعماقه زمازم ودمادم تقذف على ساحل الشدقين رذاذا وزبدا . وإذ بلغ ذروة الهيجان جيء له بسفودين أطفأهما في فمه ليخر هامدا فيسحب إلى ناحية ويدثر .
وكانت نار مزهرة أشرف عليها متطوعون يحمون في لهيبها المناجل و المشاهب . و تساقطوا كثيرا، تعالت آهاتهم تهتك حدود الصبر ، بينما المشاهب و المناجل في غدو و رواح بين النار و الرحبة.
ودخلت النسوة يحللن شعورهن ، لا أحد منتبه لأحد ، كل انتظم في مداره يرفس في تيه وجوده ، يسحق الجسد و يمحقه . و أطل نهد صبية كانت في شغل عنه ، في حركة جذب دائري يقودها شعرها المسترسل . و كان النهد يتحرر ، ينطلق غير آبه بأحد ، فإذا ألقت رأسها إلى الوراء طفر يعانق السماء ، و إذا تأود الخصر تراجع متحفزا كرأس الهر.
حينما خر النهد صريعا افتقدت أثر جدتي ، كان الليل قد أوغل فتداخلت الشارات و صارت الرموز تتذبذب أمام ناظري ، فكأني تحت شجرة ضرو متوسدا حذائي ضائعا في غربتي و خوائي ، يتدفق في سمعي ممزوجا بندى الليل و دخان المشاهب و صور الصرعى دوي الطبل يعربد على إيقاعه النهد الطروب معلنا تمرده على البلدة ، يبشر بالثورة على القمع و التبخيس ، ينتصب في وجهي . و أمد يدي فتصدها السفافيد.
- أأنت هنا يا أستاذ ؟! كنت على يقين أني سألقاك هنا ، إنك تسايرهم في خرافاتهم ، وهم لا يفتأون يثنون عليك ، أنت علمتنا أن نجهر بآرائنا ، فما حضورك و تكورك تحت تحت هذه الضروية ؟ أكنت تخاف أن يعاقبوك بالعزلة و النبذ ؟ لن تعدم من يقف إلى جانبك ، سأبدد عزلتك ، أنا تلميذتك ، ألم تعرفني ؟! لقد تفجرت ينابيعي ، انظر إلى بساتيني ، رماني و كرزي ، وردي و خمائلي ، أنا زهرة الحياة يبغون إذواءها ، ما جئت هنا إلا لأعبر مثلهم ، لكن ليس عما يعبرون ، إنهم ينشدون الفناء في سيدي لخضر ثم يسقطون صرعى مكبوتاتهم ، و أنا أنشد الخصب و النماء ، مزقت طوق صدري و أنا في تمام وعيي ، ثم رفعت إليه نهدي ، نبع الحياة الذي يريدون طمسه ، قم ندخل إلى الرحبة و نعبر ، سأقودك ، لا تتعثر ،،، انظر ،،، ما تزال الرحبة تعج ، و الطبل يدوي ، و الصرعى يتساقطون ، ،، هنا وسط الرحبة، لا أحد في وعيه ، كل يسبح في محيطات لا وعيه، هيا ، في قمة وعينا سيتدفق نهر الحياة في حضرة سيدي لخضر...

*******************************
في الصباح لم يعد رأسي المثقل بصخب الطبل قادر ا على التمييز خيل إلي أن ما عشته البارحة كان سفرا غريبا في الزمن السحيق، لكن المؤكد عندي أن الجموع تفرقت وهي مطمئنة إلى رضا سيدي لخضر الذي سيمسك عنها وحشه. و بينما كنا نقترب من البلدة في أرتال معوجة سرت في الصفوف الأمامية همهمة تحولت إلى لغط و ذعر، ثم إلى كلمة تنتقل من فم إلى أذن:" قتيل آخر في الساحة المركزية للبلدة ." و اندفعنا نتدفق في الساحة، كان المشهد مروعا: صديقي الطبيب عمر مشنوق بحبل على تمثال الحرية وسط الساحة ، العنق ملوية، العينان جاحظتان ، الأطراف تتدلى. ساد صمت مطبق، وجم الناس، العيون وحدها كانت تتكلم: هذا الذي تخلف عن حضور الزردة، أراد أن ينكر سلطان سيدي لخضر فجاء البرهان سريعا. رأيت العيون ترجمه وهو معلق، لا أحد يمد يده ليفك عنه الحبل. أخذوا ينسلون إلى بيوتهم في صمت و يغلقون عليهم الأبواب. وبقيت وحدي أحدق فيه معلقا بين جدتي و تلميذتي.
الأستاذ خليف
نص واقعي جميل يضرب بجذوره في أصقاع وطننا العربي حسرة وألماً على خرافات ما زالت تعشش في رؤوس الكثير منا .. ولا أدري إلى متى سنظل نعيش في تلك الترهات .
والأقسى والأمر أن تلك البدع أضرت بالإسلام كثيراً .
دمت بخير مبدعاً ، وكل عام وأنت بخير .






 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 04:48 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط