السلام عليكم،
الأستاذ عبد الحافظ بخيت متولي
أهلا بك في أقلام،
الموضوع ذو شجون،
عندما تتصفح المواقع باللغة الإنجليزية مثلا تجد حملة ضخمة على اللغة العربية..
المؤسف حقا أن كثيرا من أبناء الضاد ينخرطون فيها وتلمس منهم حقدا أكبر من حقد
أعدائنا الغرباء... هذه الحملات مبنية على جهلٍ بالضاد مضحكٍ مبكٍ، بعض الأمثلة:
يصر بعض المستشرقين على اعتبار اللغة العربية المستعملة اليوم لغة أخرى غير لغة القرآن
على شاكلة الإنجليزية ( القديمة/ الوسطى / الحديثة) ... طلبت ذات يوم من أحد القائمين
على بعض المواقع توضيحا لما ورد في هذا الشأن - وهو عربي لا يعرف من لغته إلا ما يقرأه في الصحافة- فقال .. دخلت في العربية آلاف المفردات الجديدة وهذا يجعلها لغة أخرى، قلت ويحك أتعلم كم كلمة تدخل الإنجليزية كل سنة : 25,000 ومع هذا لا يعتبر الإنجليز والأمريكان لغتهم لغة أخرى جديدة كل عام، فرد بأقبح من قوله الأول :في " العربية القديمة" تستعمل /ما/ للنفي وهي لا تستعمل الآن .. ولا داعي للتعليق.
... من الأمور التي يحاولون أيضا التضخيم والتهويل فيها علاقة اللفصحى باللهجات المحلية ، فهم يريدون أن يثبتوا بأي طريقة أن هذه اللهجات لغات تفرعت من الفصحى واستقلت عنها كما انبثقت الفرنسية والإسبانية والإيطالية.. من اللاتينية، وهذا قول لا تجد له أي أساس علمي،
فاللهجات العربية الحديثة تبقى لهجات بأي منظور رأيناه منها .. وهي لغة عربية فاسدة النطق والإعراب، أما مفرداتها، تراكيبها، فتبقى عربية إلى حد بعيد، لذا يفهم الأميون بسهولة ويسر ما يقال
على المنابر، ويتابعون القنوات الإخبارية، والدروس الدينية،
أما اللاتينية فلو درست كل اللغات المنبثقة منها لما فهمت شيئا منها ولما استطعت أن تقرأ سطرا أو سطرين من النصوص المكتوبة بها،
.. وللقوم في ذلك سخافات وسخافات، قرأت لبعض المستشرقين " اللهجة الفلانية تغير صيغة الفعل الفصيح، فالفعل الفصيح / أكد / يصبح / وكّد/ (هكذا
)
ولا عذر لهؤلاء بجهلهم فالجاهل لا يلبس ثياب العالم وعليه أن يكعم لسانه لا أن يتصدى لما لا يعلم فيجزم جزم من يعلم.
.. ومن هذه الطرائف أنني رأيت لبعضهم شيئا يسمى " قاموس اللغة الفنيقية" فلما فتحته وجدت محتواه المفردات العربية التي تستعملها اللهجة الفلانية،
لا شك أن الفنيقية والعربية تشتركان في كثير من الألفاظ، لكنها لغة مختلفة لها دارسوها والمتصدون لها من العلماء، أما أن يأخذوا بل يسرقوا المفردات العربية ليقولوا هذه ليست عربية .. هذه فينيقية فهذا جهل وشطط فيه من سوء النية ما فيه.
... ليس المراد من هذه الإشارة التعصب للهجات وغير ذلك، فالتعصب لها ضار والتعصب عليها كذلك،
إنما علينا أن ننقحها ونقربها إلى الفصحى ولا بأس إن قلت نستفيد منها أيضا
فكثير من المفردات المستعملة في الكلام العامي المنطوق أفصح من المفردات المستعملة في اللغة الكتابية أو مثلها في الفصاحة ... وهذه مشكلة أخرى مردها إلى الجهل أيضا، تجد القائمين على تعليم الصبيان أو إعداد برامجهم يوجهونهم مثلا : لا تقل نوء هذه عامية قل مطر، لا تقل طاح قل سقط، لا تقل زَنقة قل زقاق، لا تقل سبولة قل سنبلة ..إلخ رَغم أن كل هذا من الفصيح، فيستقر في عقول الناس أن هذه عامية لا علاقة لها بالفصحى ويقل ارتباطهم بلغتهم لغة الضاد،
... هناك أيضا بقايا من اللهجات القديمة الفصحى بقيت في ألسنة العامة مثل الكشكشة والعنعنة، أو مثل
كسر التاء في المضارع تِعلمُ .. الخ وهذه لا بأس ببقائها،
أما ضعف المناهج التعليمية وتخبطها، ووقف وظيفة المساجد التعليمة فأمر تجدر الإشارة إليه: كان الصبية يقرأون في الجوامع فتقوى ألسنتهم بالضاد ويعظم استعدادهم للتبحر في اللغة حتى إذا التحقوا
بالمدارس وجدوا السخافات في انتظارهم، دروس على شاكلة " ذهبت أمي إلى السوق"
( وكنا نضيف ساخرين من هذا الهراء الذي لم تتقبله حتى عقولنا الصغيرة " وقعد أبي في البيت" )
فكبحوا تقدمهم
وأعادوهم إلى نقطة الصفر، فكيف وقد جردوا اليوم المسجد من وظيفته وأبقوا على برامجهم الهزيلة المتخبطة.
بوركتم.