منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
غير مقروء 12-01-2008, 09:28 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
رياض سمير أحمد أبو بكر
أقلامي
 
إحصائية العضو







رياض سمير أحمد أبو بكر غير متصل


افتراضي الجزء الثالث/ رسالة عبر بريد الظلام( قصة حقيقية)

تكملة
رجع رمزي ليزاول عمله وأكمل مشوار الحياة الصعب لأنه علم أن أبناء عمه يرددون ويهددون بأنهم سيلغون معنى الحياة لديه، وأن هناك إشارة حمراء أُشعلت في حياته منذرةً بتوقفه عن كل شيء، كان يخاف كل حدث وكل خبر، ويسقط قلبه أرضاً حينما يرى سيارة بمواصفات سيارات أبناء عمه خاصة سيارة سامي الشرس، فقرر السفر خارج البلاد إلى أوروبا، لكنه تردد بعد أن أكملَ إجراءات السفر، ذلك لأنه لم يرِد الذهاب دون براءته، ولم يقبل بأن يترك أهله وحيدين في مواجهة ذاك السيل الجارف من القهر.
بعد ذلك بدأ رمزي يشعر بغدر الأقارب، بين الوعود البائدة، واللعب بعقولهم، وأقرباؤه خارج البلدة في القرية التي سكنها أهله تخلوا عنهم كذلك، وبدءوا يكيدون للأسرة بالاتفاق مع أبناء ساجد، وقد سرقوا من أسرة ماجد ما تبقى لديها من مال زهيد لتقتات به، وأخرجوها من البيت الذي هو ملك لهم، ما أضطر الأسرة الضعيفة إلى الرحيل إلى قرية أخرى في نفس المحافظة، وهكذا يتم الرحيل من مكان إلى آخر دون سؤال أو جواب لتساؤلات رمزي واخوته.
ما زاد من حدة الأمور هو اتهام أهل القاتل عاهد وزوجته لرمزي، حيث أرسلت زوجة عاهد وشقيقه سائد مرسالاً إلى زوجة ساجد دلال ليخبروها ببراءة ابنهم القاتل وأن رمزي هو السبب، وقد قاموا بذلك لاستغلال الموقف وتبرئة الخال عاهد، واتهام رمزي للثني على ما سمعوه من الناس وعن أبناء ساجد، وقد كان لذلك أثر كبير على نفس رمزي، وأحزنه كثيراً بسبب أنه فقد رجلاً وفي ذات الوقت لم يعر أهل القاتل لذلك اهتماماً ويحاولون جعل القتيل قتيليْن.
لقد أجرى رمزي العديد من الاتصالات والوساطات للحصول على أمه، وقد كان ذلك، وقام بتوزيع الحلوى لدى سماعه نبأ عودة أمه، وقال في ذاته: لا أود العودة بقدر لملمة أسرتنا وجمع شتاتنا.
بعد أن رجعت أم رمزي لاخوته قرر الذهاب من رام الله إلى جنين لرؤيتها لأول مرة بعد عام على حدوث الكارثة، كان لقاءً أشبه بالتراجيديا، حيث لم يتمالك رمزي نفسه وأجهش بالبكاء بين يدي أمه، وبكت هي الأخرى بحرقة على ما نابهما.
بعد حوالي شهر وسنة ذهب رمزي ليزور أسرته لعلمه أن تهديداً جاء لشقيقه الأكبر ليترك قرينته بالقوة، لذا ذهب رمزي لصهرهم لحل الأزمة، فقال له أقرباء قرينة أخيه: أنتم مظلومون وقد ظلمكم المجتمع، وقد كان أقاربكم المقربون سبباً لذلك، لكننا لا نقف في وجه المجتمع مع أنه ظالم، لذا ستنتهي العلاقة التي بيننا، ما كان لذلك أثر حاد في قلوب وعقول وأرواح الأسرة.
كان رمزي يشعر أن أمه تغيرت وأن أقوالها وطباعها غير معتادة، وذلك كما توقع من قلبٍ رقيق كقلب أمه، فقد كانت تردد كثيراً أن رمزي ابنها هو المتهم في القتل والتحريض، وأن خاله عاهد بريء وأن لأهلها ثأراً عند حفيدهم رمزي، الكلمات التي كانت توجهها أم رمزي لابنها كانت بمثابة المنجل الذي قطع عنقه.
في الليلة التي كان يقضيها رمزي مع أسرته وفي الغد كان موعد الرجوع إلى رام الله، فوجئ في منتصف تلك الليلة وفي البيت الذي لا تدخله الشمس ولا الهواء بحركة في المطبخ، فلم يكترث كثيراً، لكنه تلفت فوق فراشه وإلا بأمه تحمل سكيناً وتود طعنه به: أماه لا تترددي، أريحيني من هذا العذاب، فلم تعد لي حياة، أماه افتحي قلبي وانظري من بداخله، ولا تكترثي للدماء، فبكت الأم وسقط السكين من يدها وهي تقول لرمزي: يجب أن يموت واحد منكم.
سافر رمزي في الصباح وهو يرتشف الأحزان مما رأت مقلتاه، وسمعت أذناه، وقد غادرت أمه البيت في ذلك الصباح، وأخبره أشقاؤه أنه كان وداعاً غريباً حيث غادرت الأم وهي فاقدة الوعي غير مدركة لما تفعل وما تقول وقد كان في استقبالها أخوها، فقال رمزي باكياً:

يا قلبُ قفْ، ما عاد نبْضك مُجدِيــا إني أرى الأجداثَ تخطف مَجدِيــا
ولم يرَ رمزي أمه منذ ذلك اليوم من العام2004م، حيث جُنّت بعدها وأضحت تبيت في أزقة الشوارع وأروقة السوق، وتتسول لقمة العيش من البسطات بعد أن كانت أماً مدللة، وساءت صحتها وسقطت أسنانها، ولم يكن هناك من ينقذ الأم أو يساعد الأبناء في الحصول عليها، وباتت جثةً هامدة.
بدأ رمزي يبحث بعد ذلك بشكل جدي عن رجال الخير والإصلاح وذلك بعد التخاذل الذي بدا من أقربائه، ومنْعهم لرجال البلدة من غير الأقارب بالتدخل لحل الأزمة، فذهب إلى جنوب فلسطين في الخليل في حين كانت الجريمة بشمالها ليكون دخيلاً على أكبر رجال العشائر في فلسطين قاطبة، فسافر إلى هناك من رام الله وسط فلسطين حيث يعمل، وفي ليلة يومٍ بادر كان رمزي يبحث به عن عميد الإصلاح على مستوى الدولة، كان المطر يغرقه والريح تعصف به، ينغمس داخل أحزانه، ووجهه متجمد من البرد، فلم يجد ذاك الرجل وقالت له أسرة الرجل أنه سيعود في اليوم التالي، ما اضطر رمزي للمبيت في مسجدٍ قريب من هناك، كان يحتضن الأرض في المسجد علّ حرارتها تنقذه.
التقى رمزي بالرجل وأخبره بما جرى وبأنه دخيلٌ عليه ولهذا دلالة هامة لدى رجال القانون العشائري، لكن الرجل قال لرمزي: من لا يقف معه أقرباؤه بالدم، ماذا سأعمل له أنا؟!، وقد خرج رمزي من عند الرجل وهو خائب، وتوجه إلى قرًى في نفس المحافظة واهتدى إلى رجل من كبار زعماء الإصلاح، وربط كوفيته وقام الرجل بدوره بحلها، وفي ذلك إشارة إلى أنه سيقوم بحل عقدة رمزي، لذا أحضر رمزي سياراتٍ بالأجرة لتأمين الطريق من الخليل إلى إلى المحكمة في جنين، وقد كان ذلك وبتكلفة مالية مرتفعة، لكن هذا الوفد باء الفشل حيث أخبرته مجموعة من أقرباء رمزي بأن الحل وشيك ولا داعي لتدخل أطراف خارجية وقد وعدوا الوفد بالاتصال بهم عند الحل، لكن على العكس لم يقم الأقرباء بالحل بل وبّخوا ماجد والد رمزي على إحضاره للغرباء كما كانوا يذكرون.
وقد أرسل رمزي وفداً آخر للقاء أبناء عمه والتحدث معهم بشأن القضية، وقد كان ذلك الوفد من فصائل المقاومة الفلسطينية لكنه أيضاً باء بالفشل، وقد توجه إلى أكثر من وزير، من وزير الداخلية والاتصالات ووزير دولة في ذاك الحين وعدد من النواب في البرلمان، وكل ذلك دون أن يقدموا أدنى مساعدة للأسرة المغلوبة على أمرها، وعندما تبدل وزير الداخلية اتجه رمزي إلى الجديد، وقام بدوره بالاتصال مع قائد شرطة فلسطين وقائد أحد الأجهزة الأمنية، وأيضا دون تقدمٍ يُذكر على سير القضية، وكأن هذه الدنيا خلا فيها من يساند رمزي واخوته.
عندما قال زهدي لرمزي أن الثاني أمسك العم ساجد لكي يقوم خاله عاهد بالقتل وأنه عند طعنه قال ساجد لابن أخيه: قتلتني، وأمسك ساجد بوجه رمزي وجرحه حيث سال دم رمزي بين يديه، وسط هذا الافتراء تذكر رمزي أن دماً في يومٍ ما سال من وجه عمه على وجهه وقال رمزي لنفسه : متى كان هذا؟، فتذكر أنه قبل الحادث بأشهر كان عمه ساجد خارجاً من البيت بعد أن حلق ذقنه وكان دمٌ قليل ينزف منه ولدى تقبيل رمزي لعمه وصل دمه إلى وجه رمزي حيث قبّله بحرارة بعد أن مرّت أيام دون لقائهما وقد وجّه العم ابن أخيه كيف يحافظ على مستقبله.
أما أميرة عمة رمزي -شقيقة ماجد وساجد-، فقد طالبت بأن يقتل رمزي ثأراً لمقتل شقيقها ساجد، مع أنها كانت تحب رمزي كثيراً؛ تعجب رمزي مما سمعه عن عمته التي لم تعد تثق به واعتبرته مشتركاً في الجريمة، لكن في ليلة من الليالي المظلمة جاء منام للعمة أميرة تلك، حيث رأت نفسها أمام عيادة طبيب تود الدخول للعلاج، لكن امرأة تركت طفلاً صغيراً على الكرسي، ثم جاءت قابلة وغرست إبرة في عنق الطفل وذهبت، فنظرت أميرة وإلا بدماء الطفل تغرقه فاقتربت لتحمله لكنها خافت وهربت ونظرت خلفها وإلا بأناس يلحقون بها ويقولون: هي.. هي من قتلته، فأسرعت وإلا بالشرطة أمامها فأفاقت من نومها وهي تصرخ: بريئة .... بريئة، فبعد أن رأت عمة رمزي هذا المنام المزعج بحثََت عن تفسير لذلك، فعلمت إن رمزي بريء واقتنعت ببراءته من خلال ذلك الحلم.

***********************************************
كان يعز على أسرة ماجد ما آل إليه بيتها حيث اقترحت إحدى قريبات دلال بهدمه وجعله ساحة لتوسيع بيت ساجد، كما أن بيت شقيق رمزي الأكبر استخدمه أبناء عمه كما لو أنه مُلك لهم، وقد بيع كل ما في البيتين من أدوات وتم استعمالها من قبل أفراد أسرة ساجد الفقيد، حتى الدجاجات التي كان يلهو بها أخوة رمزي الصغار قام بعض الجيران بأخذها كسداد لدينٍ للبقالة التي كانت بجوارهم.
ومن عجيب الزمان أيضاً أن أبناء ساجد حاولوا طرد جدهم وجدتهم والدي الفقيد، ودعوهما للرحيل عن البلدة واللحاق بأسرة ماجد، وقد كانوا يضربون جدهم علناً أمام الناس دون تدخل أحد لحماية الكاهل المسن من الأيدي الجائرة، ولقد حاول بعضهم مراراً أن يحرق بيت الجد بهدف التخلص منه بسبب وقوفه في صف أسرة ابنه ماجد.
لم يعد يذكر رمزي أحدٌ، حتى أعز أصدقائه باتوا يخافون بأن يضحي أبناء ساجد على دراية بعلاقتهم برمزي، وقد اجتمع كبار رجال العائلة عشية الانتخابات البلدية وأعلنوا بأن ماجد شقيق الفقيد وأسرته ليسوا من العائلة والحمولة وكل هذا لكي لا يضحي من العار عليهم عدم إنصاف أبنائهم وطردهم من البلدة.
كان رمزي يحب الطبيعة والأزهار التي تكسو الحرش في بلدته، وكان يحب صيد الطيور البرية ويهواها، كان يسرح وخياله عبر أشجار الزيتون والصنوبر واللوز والتين والصبار، منذ الصغر ورمزي يحب الحياة البرية حباً جنونياً حتى كاد يعرف أبناء البلدة جميعها بذلك، كان رمزي يكبر ويكبر لكن لم يستغن يوماً عن اللعب في تراب الحرش والركض خلف العصافير ووضع المصائد لها، كلما كان يحزن أو يفرح كلما كان يخرج ويقف بوجه الحرش يبكي أو يفتخر بنجاحه، وكم كانت تساور رمزي الشكوك بأن يوماً سيخرجه من حضن الطبيعة، لذا كان يقف دوماً عند مغيب الشمس ويهمس في أذن الغابات قائلاً: يا ترى هل ستذكرني هذه الأشجار إن تفرقنا في يومٍ ما، هل يحبني هذا الحرش كما أحبه؟، ماذا لو أجبرتُ على الرحيل عنك يا وطني؟.
فقال رمزي بعد رحيله عن الحرش مناجياً:
يا أيها الحــرشُ العليلُ ألم تزلْ تتذكرُ الشِعرَ الجمـيلَ مَع القُبلْ؟

خــذني لذكرك مـرةً أطأ السما لك أنحني دونَ اختلاجٍ أو خَجلْ
قلـبي إليـك مرتلٌ أشـــعارَه دون انتقــاءٍ للكلامِ وللجُملْ
يا غائباً عـن ناظـري و معلمي رغمَ النوى درسَ الحياةِ بـلا كللْ

إن الجمالَ بطـرفِ عينكَ ساكنٌ في قلبِ واديكَ الجميلِ و في الجَبلْ
موتي بأرضـك جلُّ آمـالِ الغدِ عيشي لأجلك باعثٌ بعضَ الأملْ
لو كنـت أكتب دمعتي بقـصيدتي لرأيت قلـبيَ خارجاً عبر المُـقلْ
لا تبكِ،كلُّ عشيقِ حرشٍ أو نـدى وصديق أرضٍ مكرهاً عنـها رَحلْ
ولعلم أبناء العم ساجد بوطنية وحب رمزي للأرض ونصرته لقضيته القومية والوطنية حاولوا أن يخبروا البعض بأن مقتل أبيهم كان مخططاً بين رمزي وبين خاله عاهد وجنود الاحتلال وذلك لزعزعة الثقة بصاحب الأخلاق الوطنية.
لم تكن المرة الأولى التي يشهد رمزي بها ظلماً عنيفاً، فقد كانت حبيبته قد ظلمته، وهي أول حب في حياته، حيث تعرّف رمزي إلى فتاة في الجامعة، وكانت زميلة له في الكلية، وعرضت عليه حبها لكنه رفض بسبب إدراكه لوضع أسرته المأساوي، لكن تلك الفتاة الجميلة أصرت على عدم تركه، وقد غرق رمزي في بحر حبها وكان مخلصاً لها يبيت ويصحو على صورتها في ذاكرته ووجدانه، وعلّمت تلك الفتاة رمزي أن قيمة الحياة تكمن في الإنسان لا في المادة والمال، وقبلت به حبيباً رغم علمها بحاله ووضعه المادي، لكن بعد حين جاءت لتخبره بأن الزمن زمن المال ولذا قررت الزواج من قريبٍ لها ذي مالٍ ونسب وجاه، وتركته وحيداً يصارع الموت وأثبتت له قيمة المال في زمن المال بعد أن أرته عكس ذلك.
تلك حبيبة رمزي التي وأدت أحلامه حيث تركته صيفاً، وأسرع رمزي إلى بلدته ليخرج إلى حرشه العزيز ويبكيها هناك، حيث أُغمي عليه من شدة الحزن واغرورقت عيونه بدمعها المنهال، هكذا لم تنصفه الحياة وظلمته تضاريس الزمن.
عندما كانت الأسرة التي انحدر منها رمزي على متن عربة للرحيل بين قرية وأخرى، كان رمزي في الجامعة يسجّل للالتحاق ببرنامج الدراسات العليا إصراراً منه على الحياة، وبدأ دراسته بتفوق بغية الحصول على شهادة الماجستير ومن ثم الدكتوراه، ولم يدرك زملاؤه ما يقاسيه بسبب أن مظهره كان يوحي بأن جل اهتمامه بالدراسة والتفوق، وبما أن رسالة رمزي لم تصل إلى الناس كي يقرءوا ظلماً متربصاً بالفقراء، فقد عاود هوايته بكتابة الشعر، وتعلم قواعده التي لم يكن يدركها في محاولاته الأولى في الصغر، وبدأ يرسم القوافي ويكتب الشعر الموزون، وأصرّ على ذلك بالرغم من عدم تشجيع بعض النقاد الأكاديميين له في البداية، وفي غضون أشهر تنقل رمزي تنقلاتٍ نوعية في مجال الأدب، حيث كتب القصص القصيرة والخواطر والشعر في الصحف المحلية وصحف عربية وأخرى عربية تصدر في دول أجنبية، وقد قرأ رسائله من خلال الشعر العديد من أهل البلدة عبر الصحف، وكذلك لم يترك حيزاً في مجال الدفاع عن قضيته الاجتماعية التي اعتبرتها شبيهة بقضيته الوطنية، حيث كتب ضد الفوضى وابتزاز الأمن وظهر في عدة لقاءات تلفزيونية، فقد كتب قصيدة في صحيفة" القدس " بعنوان "أحزان" ، وقام بوصف معاناته من خلالها، فقال رمزي يرثي حاله:
*********************************************
تغطي البـحرَ أمـــواجٌ ومــاءُ البحـرِ أحـزاني
سفــيناً عمـتُ في الدنيا ودمـعُ العـينِ قبطــاني
حيــاتي سهـلُ مأسـاةٍ طغـت فيه كــوديانِ
وأحـــلامي كعصـفورٍ أســـيرٍ عنـد ثعـبانِ
ويمــحو حلــمَ أجدادي زمــانٌ كــافرٌ زانـي
وفقــري ما لــه حـلٌّ سيبـــقى طـولَ أزماني
نحيــبٌ دقّ أبـــوابي وليــلٌ غال أحـــضاني
ســــديمٌ حطّ في قلبي وصـاغ الظلمُ أشـجاني
كفــاني صمـت أيــامٍ وصــبري كــان إيماني
يموجُ المـوتُ في قلبي وكـظمُ الغيـظِ عـاداني
تبيــتُ الآهُ في عـــيني وعيــني مثـلُ بركـانِ
فأرضُ العدلِ قد زالتْ وبـاتَ العــدل وحـداني
وبحـرُ الأرضِ أصـفادٌ تــلاها ســربُ مرجان
رمتــني قصــتي الثكلى ونـورُ الشمسِ راعاني
وليــلي مـثل أشـعاري غطــاءُ المـوتِ سجّـاني
فأرضــي جلّ أفكــاري ومــنها نبـض شـرياني
ففــيها ريـعُ مــيلادي وأوراقــي وأغـصاني
هنا حُــرشٌ هنـا صخرٌ هــنا أطـرافُ نيـسانِ
هنـــا دقـاتُ أجـــراسٍ هـــنا أصـواتُ آذانِ
هنا طـــيرٌ يغـــذينا أناشـــيداً لحــــسّانِ
فـــراقُ الأرضِ أعيـاني فــراقُ الأرضِ أردانـي
قتــيلاً غــيرَ ذي عيشٍ رحـيلُ الأرضِ أفناني
غيابُ الأرضِ عن عيني غيـــابٌ كان أعـماني
وأمـــي نابـــهـا غــدرٌ ظــلامٌ راعَ وجــداني
سأبكــيها مَع الأقــصى سأبــكي كلَّ ألحــاني
وبيـــتي قيد أغــرابٍ أحاطـــــــــــوه بنـــيرانِ
وزالــــوا كلّ أصحابي صــديقٌ يسـبقُ الثـاني
تخلـــوا كلهم عـــني بدعـــوى أنــيَ الجاني
وذاك القـــومُ يا قومـي يعيـــشون بأوطــاني
وأضـــحوا مثلَ حـكامٍ فصــارَ الغربُ سـجاني
فأمشــي دون أنــاتٍ غــريبٌ دون أشـجاني
لماذا صـــرتُ ذا قهــرٍ وقهــري عـاد نـاداني
بــلادي صــار يغزوها عــدوٌ مثــل شـيطانِ
عــداءٌ عاش في قــومي يصــلّـون لســلطانِ
ولا قـــــولٌ يغذيني وقـولُ الحــقِّ يرعانـي
لغــــاتُ العربِ آفاقٌ لغــاتٌ دون أقـــرانِ
ولـــكن جاءها غــربٌ عـــدوٌ ضـد قــرآنِ
حروف الحقّ ألغــــوها وصــار الظلــم إنساني
لماذا النـاسُ قد حاروا كأضــــدادٍ كـألوان؟
هنــا أبنــاءُ ذي قـهرٍ هنــا أحفادُ قــحطانِ
هنا الأطــعامُ قد ترمى هـــنا أوطـانُ جوعانِ
كبير الســنِّ من عمري وجســمي ناحـلٌ حاني
يريـــني الدهرُ أســرابا صروفا كــان أعطـاني
أنا والحـــزن قـد عشنا صغــيراً كنـت، رباني
أيضــحي كلُّ ذي قـلبٍ حقـــيراً غــير إنسانِ
سأنســـى ظلمَ مأسـاتي وأحــيا رغــمَ أحزاني
**********************************************
حتى أشقاء رمزي من خلفه واصلوا تعليمهم وحصلوا على درجات ممتازة في الثانوية العامة وفي الجامعات، حتى بات لهم أقرباء خارج البلدة حيث تزوجت شقيقة رمزي.
انشغال رمزي بالحزن والهمّ لم يمنعه من التقدم ودقة الملاحظة، ففي مجال العمل لاحظ وجود أخطاء سابقة وأصرّ على دق أبوابها بالرغم من المتاعب التي ستواجهه إذا حصل ذلك، وقام باكتشاف اختلاس أموال من المؤسسة التي عمل بها بقيمة خمسين ألف دينار أردني، حيث بقي رمزي وراء الجاني وهو زميل له، وقد هدد هذا رمزي بالقتل ورشاه بالمال بهدف السكوت والصمت إزاء ما اكتشفته، لكن الجاني أُجبر على الاعتراف بسبب إصرار رمزي على ذلك، فهرب إلى أمريكا ما دعا المؤسسة إلى توجيه رسالة شكر لرمزي بسبب اكتشافه لجريمة الاختلاس.

***********************
كتب الزمان أحرفَ القهر على جبين رمزي، وصدح الغرابُ فوق أعشاش الحسون في حدائق بلدته الزاهية، يعيش رمزي فوق جفنيّ القدر، يتسلق فوق عتبات الزمن، ويتحدى عقباتِ الحياة، ويتألم بين أهداب الوقت من ليالٍ باتها محدّقاً في ظلام واقعه الحزين.
لم يقف أبناء عمّه ساجد عند حدّ هدر دماه، بل تعدوا ذلك ليتقاسموا فنّ الجرم في وضح النهار، فهم يودون ألا يقتلوا رمزي بأيديهم، لذا دفعوا برجل من ذوي السوابق ليطارد رمزي في كلّ مكان بهدف أن تسيلَ دماه التي لم يزرْها الخبث، ولم تتعود سوى الطهارةِ والإيمان.
في يومٍ من الأيام وقت الغروب، خرج رمزي من باب جامعته في رام الله، فارتطم به رجلٌ في الطريق، ما كان من رمزي إلا أن قدّم اعتذاراً للرجل، لكن ذاك الرجل الموجَّه صرخ بوجه رمزي:
انتبه، أليس لك أعينٌ ترى بها.
رمزي: آسف، مع أنك أنت من ارتطم بي.
الرجل ذو الوجه السمين: يبدو أنك تافه وجاهل.
رمزي: لا تجتز حدود الأدب يا هذا.
انقض الرجل على رمزي الذي كان صلباً بالرغم من نحافته، وتشاجرا، لكن الرجل أخرج آلةً حادة من جيبه، فردّها رمزي، وصرخ: آه، هرب الرجل وبقي رمزي ينزف من يده، حيث جُرحت بآلة الرجل، لكن الشرطة لحقت بالرجل السمين وأمسكت به، وذهب رمزي إلى الطبيب لتلقي العلاج، وبعد أن أُجريت ليده اليسرى عملية جراحية بعد جرحها، دُعي رمزي إلى مقر شرطة المدينة، فعرف حينئذٍ أن ضرْبه كان بتخطيطٍ من ابن عمه سامي.
ألقت الشرطة القبض على سامي، ولم يقِم في السجن سوى يومين حيث خرج بفعلِ فاعل، ولم يكترث أحدٌ من العائلة بجرح رمزي، وقتئذٍ شعر أنه في حاجة ماسة لحماية نفسه والدفاع عنها خاصة وأن أبناء عمّه ساجد لن يتركوه حتى في رام الله.
بدأ رمزي تدريبه على فنونِ القتال، وتغيرت معالم جسده، إذ أصبح ذا متنٍ سميك، وصدرٍ متسع، وقامةٍ قوية صلبة، وقام بشراء مسدسٍ للحماية، بالرغم من تأثره بذلك بسبب كون السلاح مخالفة قانونية، لكن غياب العدالة أجبرت رمزي على أن يعتبر نفسه في إطار شريعة الغاب.
اتفق أبناء عمّ رمزي مع ثلاثة رجال على القيام بمهمة قتله مقابل خمسمائة دينار أردني للواحد منهم، وبوعود بإخراجهم من الحبس إذا أُلقي القبض عليهم بعد التنفيذ.
كان رمزي يتسوق بعد خروجه من العمل، ولدى مروره بأزقة حي مظلم ضيق في أطراف المدينة وبعيداً عن مرأى الناس، هاجمه الرجال الثلاثة المأجورون من قِبل أبناء عمه، لكن أولئك فوجئوا بشراسة رمزي، والذي أطاح بهم، وترك آثار ضربه في وجوههم، ما استدعى أبناء عمّه أن يدرسوا أمر قتله بدقة أكثر معتبرين أنهم في مواجهة شخص غير ابن عمهم الذي ألفوه ضعيفاً.
ثلاثة أعوام مرت على طرد أسرة رمزي من البلدة، وفشلت محاولات أبناء عمه في قتله مع أن تلك المحاولات كانت مستمرة، تراكم الغيظُ في قلوبهم نتيجة التقدم والنجاح الباهر الذي أحرزه في حياته.
كان رمزي يشعر بآلام حادة في جسده، لكنه لم يأبه بها، حتى جاءه يوم وأُغمي عليه وهو على كرسي العمل، وقام زملاؤه بنقله إلى المشفى، وهناك كانت الكارثة باكتشاف مرض عضال في كبدِ رمزي.
لم يمهل المرض رمزي طويلاً حتى تآكل جسده، وأصبح في حالة حرجة، كان أفراد أسرته لا يفارقونه، يقبّلون جبينه ويدعون له بالشفاء.
بينما كان رمزي في وضعٍ خطر جداً، التف أشقاؤه وشقيقاته وأبوه حوله، فقال رمزي: كنت أحلم بمستقبل لكم جميعاً، كنت أحلم بأن أعوّضكم عن فقر السنين التي عانيتموها في البلدة، وأن أمنحَكم كل نجاحٍ وطموح لكي لا تشعروا بمرارة حالكم خارج البلدة، كنت….وكنت…وكنت.
قال شقيق رمزي الصغير: ستعيش لتشتري لي دراجة هوائية، ونأكل الحلوى تحت أشجار الحرش.
همست شقيقته: كنت أشعر أننا فقدنا بيتاً وأرضاً وحديقةً خضراء…. والآن أدركت أنك يا أخي أغلى من ذاك كله… سنرجع…لا تقلق.
انتصف الليل في غرفة المشفى ولم يرق النوم أو العودة لأحد من الأشقاء.
انحنى ماجد والد رمزي مقبِّلاً جبين ابنه وعيناه تذرفان قطراتِ الدمع الساخن على وجه ابنه الأصفر: يا بنيّ…لا تخف ما دمت تسكن داخل قلبي، سأزوّجك في الغد القريب وأعمل لك عرساً يغيظ الأعداء كلهم.
في الصباح دخل الطبيب كي يكشف على رمزي، فأخبر أسرته أنه قد فارق الحياة في الساعة الثالثة صباحاً، قسوةٌ تشتد على رجال الزمن المرّ، وحرقةٌ تقاسم الحياة معناها، ألمٌ يحتسيه القلب صباحاً، ونارٌ تحترق داخل العمر ليضحي القلب رماداً يتطاير فرق أنين الوقت.
هناك يمطر التاريخ عداوة البشر، وهنا يكتب الليل تفاصيل نجومه المتوهجة، ويرسم الموج لونَ الماء الرطب في وجه الضباب، ولن يتوب العدلُ عن الغياب.
علمت أم رمزي الذي توفي في ريع شبابه بالخبر، فقامت تطلق الزغاريد قائلةً: أخذنا ثأرنا…. ثم تبكي تارة وتمزق شعرها…، عقلٌ أماته الزمن القاتل ليبقى الحقد الدفين بين شذرات الريف، ولتنضب العبارات البريئة في زمن التوقف عند محطات الكراهية.
لم يعد للدمع مكانٌ وسط العاصفة، ولم يعد للرياح وجلٌ من هزائم الصمت، لم يبق في عنق الحياة معنًى لما دقت به ضربات القلب الظريف، تعملق أقزام البغض فوق عمالقة الثلج الأبيض، قطراتٌ من الندى فوق جثمان رمزي دقّت مساماتِ الليل للخروج إلى حياة الصبح، فارقت روح رمزي لتترك شجناً في كل وادٍ بريءٍ من تعاريج الزمن.






 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الجزء الأول/ رسالة عبر بريد الظلام( قصة حقيقية) رياض سمير أحمد أبو بكر منتدى القصة القصيرة 2 12-01-2008 10:06 PM
الجزء الثاني/ رسالة عبر بريد الظلام( قصة حقيقية) رياض سمير أحمد أبو بكر منتدى القصة القصيرة 0 12-01-2008 09:24 PM
لزومية الملك الضرير - بقلم : إدوارد فرنسيس إدوارد فرنسيس منتدى البلاغة والنقد والمقال الأدبي 0 08-03-2007 04:38 PM
لزومية الملك الضرير - بقلم : إدوارد فرنسيس إدوارد فرنسيس منتدى البلاغة والنقد والمقال الأدبي 1 03-02-2007 10:40 AM
ثالث اثنين الميكانو و فلسفة ؟! سرمد السرمدي منتدى القصة القصيرة 0 13-02-2006 11:06 PM

الساعة الآن 05:53 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط