[align=justify]يجلس كديك جريح استنزفته المعارك ، الجو البارد، خيب آماله،وأتى على غير ما توقع..وبدا له الشاطئ الرحب في صورة بائسة لم يعهدها من قبل، بل كان يومه برمته بائسا بلا حدود.
في الليل، وهو يتقلب أرق في سريره الدافئ ، وقع أسيرا لتداعيات تحررت من ذاكرة كاد الصدأ يطالها، وحاصرته عبارة محزونة، قالها بأسى زلزل داخله على نحو غريب: " كيف يمكن للمرء أن يضع قيدا من فولاذ على مشاعره.." رغم الألم الذي سببته له هذه العبارة ، إلا أنه كان يجدها ملاذا من قيد الخوف الذي كبله وألزمه الصمت ، إذ كان يجد في القيد بعدا إنسانيا رحيما للآخر! وأحيانا كان يقنع نفسه بأنه ليس بحاجة لأي ملاذ ، ما دام ذالك العشق الأخير الذي هجس بأن الأيام تعاقبه على ارتكابه ، ظل حبيسا بين الضلوع..!
انسل من سريره في محاولة يائسة بتهدئة أعصابه.. وبدا ليله بلا حدود تطغى ظلمته على مكامنه، يهرب من ماض ليس ببعيد إلى ذكرى مؤلمة تنقض عليه بقيود العجز والانكسار.
يجلس الآن في هذا الأصيل الخريفي العبق برائحة البحر ،يتلفع بأحزانه ، يحاول مداواة جراحه ولملمة نفسه .. هو البحار ، سيد المغامرات ،قاهر اللجج ..يجلس الآن منزويا مستكينا..!!
تتعاقب على نضده فناجين القهوة السوداء ، وهذه المرة قدمها له بنفسه صاحب المقهى " ميخائيل " الذي يعتد بكل صاحب ذوق رفيع ، فلا أحد على هذا الشاطئ الكئيب يطلب هذا النوع من القهوة إلا هذا البحار المنعزل( أو القعيد كما يحب أن يوصفه ) وكاتب ضامر يأتي من آخر المدينة ليلملم جراحة بقلمه في أيام الخريف.لذلك فهو يحتفظ ببنها في كيس من الورق السميك محكم الإغلاق.كان هذا الفنجان الثالث الذي قدم له ، منذ أن جلس منزويا كعادته عن أنظار وفضول رواد هذا المقهى الشاطئي الصغير،وهو على ذلك منذ ثلاثة أشهر ، منذ أن قرر على نحو مفاجئ العدول عن ركوب البحر . وهو يترك كل يوم لنصف ساعة ننضده ، ليتمشى على الشاطئ ، وفي الأثناء يحدق في السماء من جهة الشرق لبضع دقائق ،في حالة انتظار غريبة..! وحينما سأله ميخائيل ، عما يحدق، أجابه البحار : " أنتظر طائرا من الشرق .." وقبل أن يهم اليوم بممارسة هذا الطقس ، وقف بباب المقهى فتى بملابس رثة ، يتقادح الشرر من عينيه ، يلبس على رأسه قبعة بيضاء ممزوقة من الأمام ، استحال لونها إلى رمادي ، وفي يده يحمل حجرا ، حيث صرخ بحدة في وجه أحد الصيادين القريبين من الباب :" متى ستكون رجلا وتفي بوعدك يا ابن ( ..) "
لم يعره الصياد انتباها بينما تقدم الفتى بعض الخطوات ، وتابع بنفس الحدة : " إن لم تدفع العشرة شواقل خاصتي الآن ، سأعلمك كيف تفي بوعودك .."
رد الصياد بحنق :" أغرب عن وجهي أيها الصرصور وإلا قسما سحقتك .."
يعرف الجميع قصة هذا الفتى مع هذا الصياد ، إذ رتق الفتى شبكة الصياد ، لقاء عشرة شواقل ، وأنكرها عليه الأخير، غير أن الفتى لم يتوان عن المطالبة بحقه ، ولكن اليوم تبدو المطالبة على نحو مختلف ، الأمر الذي دفع البحار بأن ينادي على الفتى ، ويدفع له العشرة شواقل.. أمسك الفتى بقطعة النقد ... نظر مليا في وجه البحار الممتقع ..ثم التف بجسده النحيل تجاه الشاطئ ، وبكل عزم طوحها ، لتغص في مياهه الراكدة ، والتفت إلى البحار بشموخ ، وقال بهدوء : " ربما تحصل عليها حينما تقرر العودة إلى البحر ، أما أنا فلست بدجاجة ، ولا أتلحف الخوف ، بل أعرف كيف أكون ديكا .."التفت في هذه الأثناء إلى الصياد ، وتابع بنفس النبرة : " وأنيخ الدجاجة.."
كان الصياد يجلس على كرسيه ككتلة من الأسمنت ، غير أنه حينما سمع العبارة التي خرجت من بين شفاه الفتى بنبرة تهكم، وعرف بأنه ألمقصود بالدجاجة ، قام عن كرسيه متأهبا لعراك ، بيد أن الفتى لم يمنحه هذه الفرصة ، إذ ضربه بالحجر ، حتى فج رأسه ، وفر هاربا ... جأر الصياد خلف الفتى بوجه مدرج بالدم ، ولم يحرك الآخرون ساكنا ، كأن الأمر لم يحدث.. بينما خرج البحار متكدرا ، تألمه عبارات الفتى ، وأحس حقا بأنه دجاجة ، لا يملك حق الدفاع حتى عن مشاعره .. سار باتجاه الشاطئ ، حدق بالسماء الملبدة بالغيوم .. لم تمكنه سيجارته التي سحقها في الأرض من تهدئته ، لذلك أشعل ثانية ، وراح ينظر إلى الأفق الشرقي ، شعر بأن السماء ستنهمر مطرا..في هذه اللحظة التي كظم فيها غيظه خال له أن طائرا يحلق تائها بين كتل الغيوم السوداء..سحب نفسا عميقا من سيجارته ، وبدا في حالة إعياء شديد حينما أغمض عينيه ، على مقلتين دامعتين.. [/align]