الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 13-07-2007, 11:51 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
عبد الله عويس
أقلامي
 
إحصائية العضو







عبد الله عويس غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى عبد الله عويس إرسال رسالة عبر Yahoo إلى عبد الله عويس

افتراضي قصة من الشيشان

أخذ قرص الشمس يتلاشي شيئًا فشيئًا حتي اختفي وراء تلك الجبال التي تحيط بقريتنا من جهاتها الأربع.. وكانت أسراب من الطيور تنهي فاصلاً من طيرانها فوق سماء قريتنا كما اعتادت أن تفعل في هذا الوقت كل مساء.. وعندما ارتفعت أصوات المآذن لم يكن هناك أي أثر لطائر في السماء، وأخذ الظلام يمتد رويدًا.. رويدًا..أخذت أنظر إلي الجبال المرتفعة التي تحيط بالقرية.. هذه الجبال التي كنت أحسبها وأنا صغير أطراف الكون الإلهي، ولم أكن أدرك كيف أن أبي ذهب خلفها ذات شتاء ولم يعد بعدُ.. إنني عندما أنظر إليها الآن أشعر بكثير من الرهبة والغموض، كما أشعر كم كنت ساذجًا وأنا صغير



وعندما انتظمت الصفوف وراء الإمام في مسجدنا المتهدم الجدران أخذ يدعو ويقول: اللهم الطف بنا.. اللهم انصرنا علي أعدائنا.. اللهم أهلك الروس الذين اعتدوا علينا.. وأخذت جموع المصلين الذين تكاثروا في هذا اليوم بالذات تردد بصوت عال: آمين.. آمين.. لدرجة أني لم أرددها معهم لظني أن صوتي ليس له معني في وسط هذا الجمع العظيم، وخيل إليّ ساعتها أن جدران المسجد المتصدعة تردد هي أيضًا هذه الكلمات: آمين.. آمين..


وبعد صلاة الفجر في اليوم التالي علمت أنهم سيأخذوننا بعيدًا.. بعيدًا.. خلف الجبال التي تحيط ببلدتنا من جهاتها الأربع؟ وقبل أن أسأل: ولماذا؟ جاءني الرد: سنذهب الآن لأن الروس قادمون. عندما قالوا لنا نفس الكلمات منذ بضع سنوات: الروس قادمون.. تخيلت أن الروس هؤلاء نوع من الذئاب البرية التي تسكن الجبال، ولكن علي كل حال فأنا أشعر بالضيق الشديد عندما يقال لي: سنمضي وراء الجبال، حتي إنه عندما كنت أدعي لأية رحلة قبل دخولي المدرسة إلي مكان ما خلف هذه الجبال كنت أفضل الموت علي أن أذهب إلي ما وراء العالم.
أما الآن فإن طالبًا بالمدرسة الابتدائية لابد أن يكون قد حدث له تطور في عقله كما يقولون لي دائمًا.. المهم ، فمع أني أدركت أن بلدتنا هذه ليست هي كل العالم، ولكني أصبحت أعتبر ما وراء هذه الجبال ما هي إلا زوائد لا فائدة منها.. إنني أتذكر تمامًا أن هؤلاء الروس يأتون كل مرة من هذه المنطقة بالتحديد.. أقصد من وراء هذه الجبال. وما أن علمت بهذا الخبر المؤلم حتي وجدتني أنطلق مسرعًا إلي أمي لأخبرها به.. «الروس قادمون.. وسنهرب خلف الجبال يا أماه».. وقبل أن أقول أي شيء كانت حقائب السفر المتراصة قد أخبرتني أن أمي تعرف ما سأقوله لها، فأخرست صوتي، وكأن أمي قد أدركت الأمر فربتت علي ظهري ربتة مازلت أشعر وكأن ملمسها الحاني لايزال علي ظهري حتي الآن.
لقد كنت - حتي هذا الوقت- غير متأكد من فكرة الرحيل هذه، غير أن منظر هذه الحقائب المتراصة علي بعضها البعض وقد وضعني أمام هذا الواقع المؤلم.. الرحيل.. وشعرت بالأسي الشديد.. وبعد قليل.. كنا أمام مسجد القرية، لقد كان جمعًا هائلاً وكأن القرية كلها قد اجتمعت عن بكرة أبيها للرحيل معنا، وكانت هناك مجموعة من الرجال يحملون البنادق ويرتدون زيًا موحدًا غريب الشكل.. كما كانوا يرتدون خوذات مكتوبًا عليها حروف بلغة غريبة كنت أري كتابات تشبهها علي جدران مسجد القرية.. وكان هؤلاء الرجال هم الذين ينظمون الجموع الكبيرة التي تجمعت للرحيل وكان فيهم رجال لهم ملامح غريبة لم أر مثلها في قريتنا من قبل. وقُسم الناس إلي مجموعات، وكانت كل مجموعة تتكون من حوالي عشرين فردًا، ويصحبها أحد حملة البنادق هؤلاء. وفوجئت أن حامل البندقية الذي يصحبنا من هؤلاء الذين لم أر لهم شبهًا في قريتنا ومع أني كنت أكره كل من هو آتي من وراء الجبال.. تلك البقعة التي يقولون: إن الروس هؤلاء يأتون منها، إلا أنني شعرت بالطمأنينة لتواجد هذا الرجل معنا.. إن وجهه من تلك الوجوه التي كأنها تشع فيمن حولها النور والأمان.. حتي أن أمي قالت لي: إنني أتمني أن أراك شابًا فتيّا كهذا الشجاع.. تحمل البندقية، وتحمي الوطن من ذئاب البشر هؤلاء..


وبعد أن بدأ الضباب ينحسر قليلاً كنا قد بدأنا التحرك إلي الناحية المقابلة للجهة التي يأتي منها هؤلاء الروس.. عندما طلبت من أمي أن تريني أحد هؤلاء الروس أجابتني أن هؤلاء لا ينبغي أن تراهم إلا وهم داخل الأقفاص لأنهم خطرون كالذئاب.. ساعتها تذكرت هذا الصياد الذي دخل قريتنا وقد وضع ذئبًا كان قد اصطاده داخل قفص حديدي وجاء يرينا إياه نحن بصفتنا من صغار هذه القرية الطيبة، كما تذكرت هذا العصفور الجميل الذي كنت أقتنيه داخل قفص فضي أهدته لي جدتي. وساعتها قلت في نفسي: إن الذئاب الشرسة كانت أحق بهذا القفص من العصفور الوديع الذي كنت أحبسه دون ذنب داخله، ولكن لا.. ليس في هذا القفص بالتحديد.. فهم لا يستحقون قفصًا فضيا..
كانت مجموعتنا مكونة في معظمها من العجزة بمن فيهم جدتي.. ذلك فيما عدا أمي ، وأخي الذي يقولون: إنه أكبر مني ولم أقتنع أنا بهذا يومًا ما ، كما كانت هناك امرأة شابة تحمل طفلاً رضيعًا ، أما شباب القرية الذين كنت آنس بهم كثيرًا، فكأنهم قد ابتلعتهم الأرض..
في بداية الطريق كنت خائفًا نوعًا ما.. خاصة أنني أعلم أنه في مثل هذه الرحلات تبتلع الأرض بعضًا من أعضائها الذين لا يقوون علي تحمل مشاقها، كما أن هناك الذين يسقطون بدون حركة بعد أن نسمع صوتًا غريبًا يشبه الرعد، ونري أجسامًا نيرانية تسقط هنا وهناك وكأنها الصواعق ، وأقسم لكم أنني في رحلتي السابقة قد شاهدت بأم عيني هذه الأشياء المرعبة.. ولكن عندما توسطت الشمس السماء أصبحت هناك ألفة قوية بيني وبين حامل البندقية الغريب الذي جعلوه في مجموعتنا..كان شابًا ليس في رأسه شعرة بيضاء، وكان مفتول العضلات حتي أنه ربما لو دفع بيديه جدران المسجد المتصدعة لتفتتت إربًا.. إربًا.... وكانت لحيته السوداء تُكسبه مزيدًا من الهيبة والوقار، وكان وجهه كما أسلفت يشع النور حتي إنه لو وضع في السماء في تلك الليلة التي لا يظهر فيها القمر لأنارت السماء أكثر مما تنير في ليلة التمام.. لا أعرف لماذا أنا وأخي بالتحديد هما اللذان خصهما بالحديث دونًا عن بقية القافلة، اللهم إلا بضع كلمات كان يقولها بين الحين والحين للآخرين علي استحياء.. مثل: أسرعوا قليلاً.. لا تقلقوا فالله معنا. أما أكثر الكلمات التي كانت تثير قلقي فهي الكلمة الوحيدة التي كان يصيح بها فينا بصوت زاعق عندما يري شيئًا ما في السماء، ويقول: «انبطحوا أرضًا»..
عندما سألت حامل البندقية عما إذا كان من خلف الجبال كهؤلاء الروس ابتسم في وجهي ، وربت علي ظهري قائلاً : إنني حقًا من وراء جبال قريتكم ، ولكنني من بلاد بعيدة .. من بلاد النبي ، وعندما شاع هذا الخبر في القافلة رأيته علي أشد ما يكون من الحياء وهو يمنع بعض العجزة المصرين علي تقبيل يديه ..

لقد كان يومًا فظيعًا.. ذلك اليوم.. وبينما كنت أسير بجواره نظر للسماء.. وصرخ بأعلي صوته بتلك الكلمة الكريهة: «انبطحوا أرضًا».. وبعد قليل ظهرت العديد من الطائرات.. تلك التي يصاحبها صوت الرعد الذي يرهبني بشدة ، لقد كانت تلقي بكرات من النار هنا وهناك، واشتد بي الهلع ، ثم لم أتذكر شيئًا..
لم أشعر بعدها إلا وحامل البندقية يربت علي ظهري وعندما استيقظت كان البرد شديدًا حتي إن قطعًا صغيرة من الثلج كانت ملتصقة بمعطفي ، وكعادته.. أخذني حامل البندقية ، وسخّن دلوًا من الماء وصبه علي يدي ووجهي .. ثم أخذنا نصلي .. وبعد أن أشرقت الشمس .. تحركنا مبتعدين عن المكان ..


لقد كان يومًا مختلفًا عن بقية الأيام ، إنه اليوم الذي تبتلع فيه الأرض بعضًا من أعضاء مثل هذه الرحلات المخيفة.. وكانت القافلة مختلفة هي الأخري ، فقد نقص عددها بصورة كبيرة ، كما أنها خلت من أمي، ومن ساق أخي.. كأن الأرض ابتلعتها هي الأخري!! وأخبرني حامل البندقية ساعتها -والدموع في عينيه- أن أحدًا لم تبتلعه الأرض ، ولكنهم ينعمون الآن في السماء..
لم يكن أخي وحده هو من ابتلعت الأرض ساقه.. أقصد.. صعدت إلي السماء.. لقد كانت القافلة ملأي بالجرحي ، وكانت رائحة الدماء تنبعث منها.. لقد كنا نعاني ونحن نسير في الصحراء معاناة شديدة ولم يكن قد أصابنا شيء ، فكيف تكون حالنا إذا أضفت إلي أن معظم قافلتنا الذين هم من العجزة.. قد أصبحوا أيضًا من الجرحي!!
وبالرغم من أننا لم نسمع بعد ذلك أثرًا لأصوات الرعد هذه لأننا تقريبًا أصبحنا في أمان من هؤلاء الروس - كما أخبرني حامل البندقية - إلا أننا كنا نفقد كل حين واحدًا من هؤلاء الجرحي. ولأنني رأيت ذلك كثيرًا.. فقد أصبحت خبيرًا في معرفة العلامات التي تظهر علي وجوه هؤلاء الذين يتركوننا ، وينعمون بعيدًا عنا في السماء.. إن وجوههم تمتقع ويتحول لونها إلي اللون الأزرق الشاحب ، ويصبحون غير قادرين علي الكلام اللهم إلا بعض الكلمات التي أحيانًا ما يتمتمون بها.. ولم أكن أعرف ما هذه الكلمات التي ينطقونها والتي يصبحون أكثر راحة وطمأنينة بعد أن يقولوها.. حقًا.. تمنيت أن أعرفها لكي أتمتم بها أنا أيضًا عندما أموت. لقد ظهرت هذه العلامات التي تحدثت عنها علي وجه أخي، وبالرغم من حزني الشديد لأني سأفقده.. إلا أنني كنت أغبطه علي أنه سينعم في السماء وسيقابل هناك أمي كما أخبرني حامل البندقية.. والحقيقة أنني لم أبك عليه كثيرًا كما فعلت يوم فارقتني أمي، ربما لأن منظر هذا الموت أصبح مألوفًا عندي كمنظر الطيور التي كانت تحلق فوق سماء قريتنا، وربما أيضًا لأنه تخلص من هذا الكابوس الذي يسمونه رحلة الهروب.


كان حامل البندقية يتحسس يديه بينما كان أخي يمتقع وجهه وتظهر عليه بوادر الرحيل، وبالرغم من أنه كان يئن من الألم.. إلا أنه لما سكنت حركته ارتسمت علي وجهه ابتسامة غريبة قال لي صاحب البندقية: إن فيها الدليل علي سعادته بحياته الجديدة التي كتبها الله له..
وبالرغم من هذه الدماء التي تغطي جسد أخي الطاهر وتخبرك مدي المعاناة التي تحملها هذا الصغير المسجي علي التراب، فإن من يري ابتسامته هذه فلابد أن يحسده علي هذه الروحانية والاطمئنان اللذين يبدوان عليه. وبعد أن طلع علينا الفجر ما يقرب من سبع أو ثمان مرات.. أخبرني حامل البندقية أننا اقتربنا من المكان الذي سنبقي فيه حتي يطرد المجاهدون هؤلاء الروس.. وعندما سألته عن معني كلمة «المجاهدين» هذه.. قال لي صديقي حامل البندقية الذي جاء من بلاد النبي: إن لهذه الكلمة نظيرًا في قاموسك اللغوي أيها الصديق ألا وهو «حملة البنادق» شريطة أن يكونوا مؤمنين وذوي أخلاق.. وكان المكان الذي جعلونا نقيم فيه لا يصلح للمعيشة مطلقًا، وما أدراك بصحراء جرداء من الجليد.. تلك التي أفضل أن أمشي حافيًا علي النار، ولا أسير عليها بهذا الحذاء الذي أصبح وكأنه أقدم عمرًا من هؤلاء العجزة اللاتي يملأن المكان، إنه ليس عدلاً - كما قلت ساعتها - أن يكون هناك أناس ينعمون في السماء، بينما الآخرون يعيشون في مثل هذه الصحراء التي أظن أن نار جهنم ليست أسوأ حالة منها.
أما قافلتنا التي كانت تربو علي العشرين، فلم يبق منها إلا أنا وحامل البندقية وجارتنا العجوز التي كانت تعنفني كثيرًا عندما ألعب الكرة أمام منزلها المتهالك في قريتنا، ربما كانت تخشي أن أصدم الكرة في تلك الجدران المتصدعة فتنهار علي رأسها.. لقد تعجبت بشدة.. كيف أنها تحملت هذه الرحلة البالغة المشقة ولكنها سرعان ما ماتت هي الأخري في موطننا الجديد.
كانت القوافل التي خرجت من قريتنا تتوافد يومًا بعد يوم، وبالرغم من أن كل قافلة كانت تضم ما يقارب العشرين فردًا إلا أن العديد من القوافل لم يكن فيها إلا فردان أو ثلاثة، أما القوافل المحظوظة فكانت تلك التي تصل بنصف عددها.. إن من يهرب من الصواعق التي تلقي بها الطائرات ربما لا يستطيع تحمل صقيع الصحراء هذا.. وعندما أدار حامل الندقية مذياعه.. كان مذيع الأخبار يفتخر كيف أن جنود الروس البواسل تمكنوا من قتل معظم أفراد قافلة تضم مقاتلين شيشان يحملون مدافع الكلاشينكوف وقذائف الهاون، وأفهمني صديقي حامل البندقية أنهم يقصدون بهذه القافلة قافلة العجزة التي كنت فردًا من أفرادها.. تلك القافلة التي كانت معزولة من السلاح.
وضحكت عندما تراءي بمخيلتي منظر جدتي العجوز التي كانت بالكاد قادرة علي حمل عكازها الخشبي، وكيف أنها أصبحت أخيرًا من المقاتلين الذين يحملون علي ظهورهم هذا الكلاشينكوف الثقيل. كانت أيامًا صعبة تلك التي مكثناها في هذا المكان الآمن كما يقولون.. وفي هذا المكان يكثر حملة البنادق الذين عندما وصلنا كانوا ينصبون الخيام التي سنبيت فيها، وقال لي صديقي حامل البندقية إنه يمكنني أن أعتبره من الآن أبا لي، وساعتها أحسست بالفخر الشديد لأنني أصبحت ابنًا لرجل طيب، وأهم من ذلك أن لديه بندقية.
وبالرغم من أن الشتاء كان قارسًا في هذا العراء، إلا أنني كنت سعيدًا، خاصة عندما كان يأخذني حامل البندقية معه في جمع الحطب.. كما أنني أقسم لكم أنني حملت أحيانًا بندقيته عندما كان يقطع الأخشاب.
وبعد أن نفد الطعام كان أحيانًا ما يخرج حملة البنادق إلي الصيد، وكنت كثيرًا ما أمضي معهم، وكان صديقي يطلب مني دائمًا أن أنبهه إذا ما رأيت حيوانًا هنا أو هناك.
وأذكر يوم طلبت منه أن أستعمل بندقيته في صيد أحد الأرانب لأنني كما قلت له أحق بصيده لأنني الذي رأيته بعيني هاتين، ولكن بدلاً من أن تصيب طلقة البندقية ذلك الأرنب البري كادت تصيب أحد الطيور المحلقة في السماء!!


وبسبب أنني أصبحت كثير الخروج مع حملة البنادق كنت عندما أتشاجر مع الصبية في المخيم فإنهم سرعان ما يتراجعون عندما كنت أهددهم بأنني من المقاتلين ولديّ بندقية قد أستعملها معهم إذا اقتضت الضرورة، كما أن هؤلاء العجزة كانوا يدعون أحيانًا لي أثناء تناول الطعام عندما يعرفون أن هذه اللحوم التي يأكلونها في بطونهم ما هي إلا نتاج طلقات بندقيتي التي لا تخطئ أبدا.
كانت الأيام تمضي بسرعة البرق في هذا المكان الذي أحببته وسأتذكره دائمًا بالخير رغم برد الشتاء القارس الذي عانيناه كثيرًا.
لقد أصبحت أشجع من ذي قبل كما قالوا لي، كما أنني أصبحت أكثر جرأة عندما سمعت عواء الذئاب، كما ارتفعت منزلتي وسط الصغار في ذلك المعسكر، وربما لأن صديقي حامل البندقية كان كثيرا ما يصحبني معه في رحلات الصيد..
ومضت الأيام وراء الأيام، وأقبل فصل الربيع، وأصبح الطقس رائعًا لدرجة لا توصف، وكم كانت متعتنا عندما تبزغ الشمس بقرصها الذهبي الذي لم نره منذ أقبل الشتاء.
وأخيرًا.. ها هو قد ذاب الجليد الذي كم عانيت عندما كنت أضطر للسير عليه بهذا الحذاء البالي الذي لا فرق بين أن ترتديه أو تنطلق حافي القدمين.
وكان حملة البنادق يتناقصون بشكل كبير عندما أقبل فصل الصيف وكأنهم يذوبون مع جليد الشتاء!!
وحكي لي صديقي حامل البندقية كيف أنهم عندما يذوب الجليد وتورق الأشجار يصبحون أكثر قدرة علي مراوغة الروس والتغلب عليهم.
وقال لي: إن الله إذا أعانهم علي الانتصار فسأكون قادرًا علي العودة إلي هذه القرية التي تحيطها الجبال بعد أن يكون الروس قد فروا منها.
وبينما كنت مستغرقًا في النوم ذات ليلة من تلك الليالي التي يحلو للمرء أن ينام فيها أحسست بأن أحدا يقبّلني علي جبهتي.
ولما أشرقت الشمس كان حامل البندقية قد ذهب هو الآخر مع من ذهب، وبكيت كثيرا كما لم أبك في يوم من الأيام.. لقد كان هو الوحيد الذي تربطني به أواصر الأبوة والصداقة معا في هذه الحياة.
وأصبحت الأيام تمر ببطء.. لم أعد أخرج للصيد، كما لم يعد الفتية الذين أتشاجر معهم يرهبونني كما كان في سالف الأيام. بل إنني في الحقيقة لم أتشاجر مع أحد منهم منذ أن رحل هذا الصديق.
وبعد ما يقارب الشهر من رحيل حامل البندقية كانت الشائعات تسري في مخيمنا أن الروس قد تراجعوا، وأننا عن قريب عائدون إلي قرانا.
لقد صدق ظن حامل البندقية ورحل الروس بعد أن تخلي عنهم الجليد.. رحلوا، وقد انهمرت عليهم اللعنات من ألسن العجزة الذين شردوهم من ديارهم.. ها هم قد فروا أخيرًا كما كانت تفر الذئاب عندما تسمع طلقات بنادقنا أثناء رحلات الصيد..
ولم تكن رحلة العودة بنفس مشقة رحلة الذهاب.. لقد كانت أيسر منها نوعًا ما.. كما أنها استغرقت وقتًا أقل، وعلي الرغم من ذلك فكم كانت هي رحلة حزينة بالنسبة لي.
وعندما مررت علي قبر أخي، علي مقربة منه قبر أمي العزيزة انهمرت الدموع الغزيرة من عيني وأخذت أقرأ لهم بعض الأدعية التي تعلمتها من حامل البندقية.
لقد أصبحت تلك الصحراء التي لم يكن يكسوها غير الجليد وقد تحولت إلي اللون الأخضر الذي أحبه كثيرًا.. وعندما لاحت لنا من بعيد الجبال التي تحيط بقريتنا كان منظرها أكثر بهاءً وشموخًا في ثوبها الأخضر الرائع الذي ارتدته بعد صبر ومعاناة!
واغرورقت عيناي بالدموع ونحن علي مشارف القرية عندما تذكرت كيف هأنذا قد عدت إليها وحيدًا، لقد فقدت في هذه الرحلة أمي وأخي وجدتي العجوز، حتي ذلك الرجل الذي عوضني الله به فلقد ذهب هو الآخر ولم أعرف إلي أين.. تري..هل صعد معهم لينعم في السماء؟! أم أنه لايزال حيًا علي هذه الأرض؟
وعندما دخلت قريتنا كانت مظاهر الخراب والدمار تبدو علي كل شيء فيها.. كان معظم البيوت قد تحول إلي أطلال، ولم يبق منه إلا القليل الذي يناسب تمامًا عدد من بقوا علي قيد الحياة في هذه البقعة المنكوبة.
ولم يثر شيء في القرية انتباهي سوي ذلك البناء الجديد المقام إلي جوار الأطلال التي كانت مسجدًا تقام فيه الصلوات يوما ما!! إنه البناء الوحيد الذي لايزال علي حاله وسط غابة من الأطلال والخراب.
وكانت الشمس موشكة علي الغروب، وكانت بضعة طيور تحلق في السماء فوق ذلك البناء الجديد.
وعندما سألت عن ذلك البناء أخبرني أحدهم أنه قبر لرجل يقال: إنه من بلاد النبي سافر الآلاف من الأميال لكي يدافع عن بلادنا. وأضاف قائلاً: لقد ترك معي هذه البندقية وأوصاني أن أعطيها لفتي وحيد.. يسكن هناك.. هناك في هذه الدار.. هناك.. وأشار إلي دارنا.

يناير 2000






 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
البطل شامل باسييف في ذمة الله ...!! على مثله فلتبكِ البواكي..!! نايف ذوابه المنتدى الإسلامي 5 17-07-2006 10:03 PM

الساعة الآن 04:34 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط