الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديات الحوارية العامة > منتدى الحوار الفكري العام

منتدى الحوار الفكري العام الثقافة ديوان الأقلاميين..فلنتحاور هنا حول المعرفة..ولنفد المنتدى بكل ما هو جديد ومنوع.

 

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 24-04-2007, 01:14 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
محمود ابو اسعد
أقلامي
 
الصورة الرمزية محمود ابو اسعد
 

 

 
إحصائية العضو







محمود ابو اسعد غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى محمود ابو اسعد

افتراضي هل انسدّ طريق التسوية؟

هل انسدّ طريق التسوية؟


فيصل حوراني*


انقضت ثلاثة عقود منذ صادق المجلس الوطني الفلسطيني بما يشبه الإجماع على برنامج النقاط العشر الشهير. وقد أشّرت المصادقة على هذا البرنامج إلى أن غالبية الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات جاهزة للبحث عن تسوية للصراع مع الحركة الصهيونية وإسرائيل دون التشبّث باستعادة فلسطين كاملة. ولئن اشتمل البرنامج المُقرّ في العام 1974 على عبارات عَدّت استعادة جزء من أرض الوطن خطوة نحو استعادة الأرض كلها فلم يَبْدُ الميلُ إلى التسوية واضحاً بتمامه، فإن منظمة التحرير انهمكت منذ ذلك الوقت في الجهود التي تستهدف التوصل إلى تسوية صارفةً النظر عن هذه العبارات. ثم جاء قرار المجلس الوطني في العام 1991 بالتوجه إلى مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط، فتوج قرارات كثيرة مهدت له بين 1974 و1991، وجهر بالموافقة على تسوية مع إسرائيل يشكل قرار مجلس الأمن الدولي 242 قوامها. وبهذا، ظهر العزم الفلسطيني على القبول بالتسوية التي يستعيد الفلسطينيون بموجبها أرض الضفة الغربية وقطاع غزة وحدها بأجلى صورة.

معنى هذا أن عقداً ونصف عقد انقضيا منذ انهمكت منظمة التحرير الفلسطينية في مفاوضات مباشرة مع حكومة إسرائيل، فانضافا إلى عقد ونصف عقد آخرين انقضيا قبل ذلك منذ باشرت المنظمة مسعاها المثابر وانهمكت في الاتصالات غير المباشرة. بدأ التفاوض المباشر مع مؤتمر مدريد ثم انتقل إلى واشنطن، ورعاه كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي أو روسيا، وراقبته الأمم المتحدة، واهتمت به دول وأطراف كثيرة. ثم ولج هذا التفاوض عطفة أوسلو. وأفضى هذا كلّه إلى اتفاق المبادئ الفلسطيني الإسرائيلي ثم إلى الاتفاقات الأخرى التي تبعته. غير أن التسوية التي شكلت الاتفاقات المبرمة مدخلاً لتحديد بنودها لم تتحقق، بالرغم من أن التنازلات التي قدمها الجانب الفلسطيني شملت كل ما يمكن أن يتنازل عنه أي فلسطيني متطلع إلى التسوية وأي إسرائيلي راغب حقاً في التوصل إليها. ولا يلوح في الأُفق بعد هذه المفاوضات والتنازلات الفلسطينية كلها إمكان تحقيق تسوية تعيد إلى الفلسطينيين ما انتهوا إلى المطالبة به وحده.

فهل يتوجب على المعنيين بالأمر أن يستخلصوا في ضوء هذا أن طريق التسوية مسدود، أو هل يتوجب عليهم أن يبدلوا السياسة والسلوك اللذين اتُّبعا حتى الآن؟ وما الذي سيترتب على استمرار السياسة الراهنة: المراوحة في المكان أم مزيد من التراجع؟ هل ما زال بالإمكان صياغة سياسة جديدة تفضي إلى تسوية مقبولة، أو أن ما آل إليه الحال لا يبيح التفاؤل؟ وهل يعيد توالي الفشل الاعتبار لسياسة الرفض؟ وهل بالإمكان حقاً العودة إلى موقف الرفض، وهل تؤدي العودة إليه إلى نتيجة؟ ومع استحكام المأزق يمكن أن ينداح ما لا عدّ له من الأسئلة. وهي جميعها أسئلة مترابطة تنطلق من مصدر واحد: غياب فرصة التسوية واضطراد معاناة الشعب الفلسطيني. وسؤال الأسئلة بعد توالي الفشل صار هو هذا: هل تأذن طبيعة الصراع بالوصول إلى تسوية مستقرة. وهو السؤال الذي يجدر وضعه في صياغة أخرى: هل توجد هوامش مشتركة بين الحركة الوطنية الفلسطينية العازمة على إقامة دولة مستقلة للشعب الفلسطيني فوق أرضه وبين الحركة الصهيونية ودولتها إسرائيل التي لا تكف عن قضم هذه الأرض والتي سرّعت وتيرة القضم بعد اتفاق المبادئ المسمى أيضاً اتفاق أوسلو؟

مقالتنا هذه تتوخى ملامسة هذه الأسئلة والحثّ على التفكير فيها وإبراز الحاجة إلى تلمّس الإجابة التي ترسمها العوامل الواقعية وليس الرغبات أو الأوهام.

عامل حاسم التأثير

لم يعرف تاريخ البشرية صراعاً بين طرفين استمر إلى الأبد. فلكل صراع نهاية يبلغها في صورة أو أخرى. وبالتبسيط الذي تبيحه الحاجة إلى الإيجاز يمكن أن نجمل النهايات المحتملة في صور أربع: أن يُفنى طرف ثالث الطرفين المتصارعين كليهما؛ أن يتدخل الطرف الثالث فيرغم المتصارعين على وقف صراعهما؛ أن يُفني أحد المتصارعين الآخر؛ أن تتحقق أرضية مشتركة تدفع المتصارعين إلى عقد تسوية بينهما. أما حين يتعذر إفناء أحد أو إرغام أحد على ما يكره، فإن أمد الصراع يطول وتتعاقب على ساحته الأجيال ولا يتوقف إلا حين يتوفر الظرف الذي ينهيه بتسوية مقبولة من طرفيه.

والواقع أن الصراع على أرض فلسطين بين شعبها العربي وبين مستوطنيها اليهود قد أزمن. لم يُزمن هذا الصراع لأنه استمر مدّة طويلة، فقط، بل لأن العوامل التي أنشأته بقيت كما كانت منذ البداية محتدمة وواصلت تأجيج الصراع بالرغم من انقضاء المدّة الطويلة؛ بقي الطمع في قضم الأرض وإلغاءِ الوجود الوطني للشعب الفلسطيني وكذلك بقي السلوكُ العدواني، بل لقد زاد الطمع واستفحل السلوك العدواني بمضيّ الوقت. وفي المقابل، بقيت مقاومة الشعب الفلسطيني. ومن الحق أن محاولات كثيرة جرت لإنهاء هذا الصراع وتواترت في واحدة أو أخرى من صور إنهاء الصراعات. وإذا كان من غير الجائز الحكم على ما فات دون أخذ عوامل الصراع كلها في الحسبان، فقد يجوز أن نفعل هذا من أجل تمييز دور عاملٍ بعينه، هو العامل الخارجي. فلو أن الصراع اقتصر على شعب فلسطين ومستوطنيها اليهود لربما أمكنت تسويته منذ زمن طويل، خصوصاً أن فلسطين لم تشهد شيئاً متواتراً في تاريخها الطويل بمقدار ما شهدت توافد جماعات وأقوام متعددين عليها.

غير أن العامل الخارجي في هذا الصراع بالذات ظل على الدوام طاغي التأثير. تأتّى ذلك لأسباب كثيرة. ففلسطين تشغل مركز القلب في المنطقة التي تتركز فيها مصالح أطراف عديدة وتتصارع. والحركة الصهيونية صاحبة مشروع الاستيطان اليهودي في فلسطين حركة عالمية ربطت نفسها بمصالح طرف دولي أو غيره. والشعب الفلسطيني جزء من المحيط العربي الشاسع، يؤثر مصيره في هذا المحيط ويتأثر هو به. والتشابك الذي يصعب استقصاء خيوطه كلها بين المحلي والإقليمي والدولي في الصراع على أرض فلسطين فعل فعله في جعل هذا الصراع يُزمن ويمتدّ أمده مع امتداد صراع الدول المتعددة على نطاق العالم بأسره.

لا حاجة للإسهاب في عرض ما فعلته بريطانيا ولماذا فعلته. فهي التي وفّر احتلالها فلسطين فرصة تحقيق المشروع الصهيوني. وهي التي استثمرت هذا المشروع وما أجّجه من صراع لتوطيد مكانتها في المنطقة وصيانة مصالحها الاستعمارية وتوسيعها فيها وفي غيرها. وهي التي لم تُعْنَ في أي وقت عناية جدّية بتحقيق تسوية مستقرة بين العرب واليهود. فأي تسوية للصراع كان من شأنها أن توقف نمو الكيان الصهيوني الناشيء في البلاد دون أن يبلغ حدّ الهيمنة عليها. وكان من شأن تحجيم الكيان الصهيوني أن يُقلل فعاليته فتنخفض قدرتُه على خدمة مصالح بريطانيا. ولا حاجة أيضاً للإسهاب في عرض الموقف الأمريكي. فالولايات المتحدة، وهي وارثة الوجود الاستعماري البريطاني، فعلت الشيء ذاته، حتى لو اختلفت أشكال التعبير عن الفعل.

أما الاتحاد السوفياتي، الدولة التي شملت عقيدتها مناهضة الصهيونية بغير لبس، فقد افتقر في الفترة التي تأسس فيها الكيان الصهيوني في فلسطين إلى الحضور الذي يمكّنه من لعب دور يُعتدّ به. وحين أخذت مكانة الاتحاد السوفياتي في البروز وحين امتلك القنبلة الذرية التي وضعته على واحدة من قمم توازن القوى العالمي، كانت إسرائيل قد نشأت وضمنت حماية دول الغرب العظمى وغير العظمى لها. ثم اقتضى الأمر انقضاء سنوات عديدة قبل أن يتحقق للاتحاد السوفياتي في المنطقة حضورٌ يُعتدّ به. وإذا كان الاتحاد السوفياتي قد ناصر العرب في صراعهم مع الصهيونية والاستعمار والاستعمار الجديد، فليس سراً أن غالبية الأطراف العربية وبضمنها الفلسطيني جارت الغرب الرأسمالي، نصير الصهيونية، في معاداة الاتحاد السوفياتي. وبين مضارّ كثيرة، قلّلت هذه المعاداة فرصة الاستفادة من المناصرة السوفياتية، وضيقت فرصة الاتحاد السوفياتي للتأثير في صياغة تسوية متوازنة للصراع. وأخطر ما جرى في هذا المجال هو رفض الجانب الفلسطيني كلّ تسوية عرضها الاتحاد السوفياتي أو أسهم في صياغتها أو تبناها. ولعلّ هذا الرفض المتواتر منذ ما قبل 1948 كان بين الأسباب التي صاغت لبّ الرؤية السوفياتية وأثّرت على الدوام في صياغة مواقف الدولة الاشتراكية العظمى: الصراع على أرض فلسطين يشكل عاملاً يمنع استقرار العلاقة بين الغرب الرأسمالي وبين الأنظمة والقوى العربية المتطامنة إزاء هذا الغرب والتي تدفعها مصالحها إلى الارتباط به. فإذا لم يمكن حمل الأطراف المنهمكة في الصراع إلى عقد تسوية متوازنة تُحجّمُ دور الصهيونية وإسرائيل في خدمة الغرب، فمن الضروري العمل على الحيلولة دون استسلام العرب للمشيئة الإسرائيلية، ومنع عقد تسوية تُقوّي إسرائيل وتعزّز نفوذ الغرب الاستعماري في المنطقة.

وبصرف النظر عن أي تعبيرات منافقة أو مضلّلة أو ساذجة، بقي الغرب هو المستفيد الأول، ليس من مجّرد وجود إسرائيل، وحده، بل من الصراع الذي احتدم بسببه والتوتر الذي اقترن بالصراع، أيضاً. ولقد كانت استفادة الغرب من هذا كلّه واسعة ومتعددة الوجه. ومنذ حضر الاتحاد السوفياتي في المنطقة، اشتدت حاجة الغرب الرأسمالي لتقوية إسرائيل وزيادة قدرتها على صيانة المصالح الغربية. وبرزت على وجه الخصوص حاجة هذا الغرب لإسرائيل مطرقةً لضرب أي عرب يتوجهون إلى التعاون مع الاتحاد السوفياتي، ولتحويل المنطقة إلى ساحة من ساحات استنزاف الدولة الاشتراكية. فكان من الطبيعي مع احتدام الحرب الباردة وبروز المنطقة واحدةً من ساحاتها الساخنة أن يشتد التوتر وتغيض فرص التوصل إلى تسوية.

قناعة منقوصة

بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الأنظمة الاشتراكية في شرق أوروبا وخضوع بلدان ما كان الاتحاد السوفياتي لأنظمة تماليء الغرب، نشأ وضع جديد اتسعت فيه فرصة الهيمنة الأميركية الكاملة على المنطقة، وتعززت قوة إسرائيل، عززها الوضع العام الناشيء بما هو لصالحها، كما عززها دفق اليهود الأصحاح والمزوّرين الذين هجروا بلدانهم التي كانت اشتراكية وقدموا إلى إسرائيل. ولكي يزيد الطين الفلسطيني بلّة، اختارت القيادة العراقية، أو لنقل إن حاكم العراق الرئيس صدام حسين اختار هذا الوقت بالذات ليقتحم الكويت. فكان من بين نتائج ذلك أن توفرت ذرائع جديدة لإحكام الهيمنة الأميركية على العرب جميعهم، وإخراج العراق من حساب القوى التي يمكن أن تردع إسرائيل، وتدمير هذا البلد ذي القدرات الواعدة تدميراً لا يبيح أن تقوم له قائمة في أي مدى منظور. وبمقدار ما يتصل الأمر بمسألة التسوية، أنشأ الوضع المستجد مفهوماً لها اختصت الولايات المتحدة ولفيفها بتبنّيه: فرض الحلّ لصالح إسرائيل خطوة خطوة ودفع العرب، وبضمنهم الفلسطينيون، إلى القبول بالأمر الواقع وتلبية حاجات إسرائيل السياسية والأمنية والاقتصادية أولاً بأول، وتسمية ما ينجز في هذا المجال تسوية.

الوضع الجديد هذا حفز قناعة فلسطينية كانت بداياتها قد تشكلت منذ روّجها الرئيس المصري أنور السادات وهو يتوجه إلى تسويته المنفردة مع إسرائيل: الحل عند الغرب، وزمام المبادرة صار بكامله في يد الولايات المتحدة. ولأن الولايات المتحدة بثّت فيما هي ماضية في تدمير العراق وتعميم هيمنتها على دنيا العرب أحاديثّ متواترة عن اعتزامها تحقيق تسوية للصراع العربي الإسرائيلي، فقد أضاف ناس هذه القناعة إليها قناعتهم بأن التسوية قادمة حقاً. وظن هؤلاء أن حصول الفلسطينيين على حصة مناسبة لا يقتضيهم سوى استرضاء الإدارة الأمريكية والاستجابة لما تمليه من شروط أو تعلنه من طلبات وتطييب ما تفعله في دنيا العرب أو الكفّ عن انتقاده.

استندت هذه القناعة إلى وجه واحد من وجوه الحقيقة التي مَثُلتْ للعيان بعد هزيمة المعسكر الاشتراكي وأهملت وجوهها الأخرى كلّها. فلئن كان صحيحاً أن مصير المنطقة وغيرها من مناطق أخرى في العالم قد ارتُهن إلى مشيئة قطب واحد تتزعمه الولايات المتحدة، فإن هذا لا يعني أن تبادر هذه الولايات المتحدة إلى إنصاف أي عرب، فلسطينيين أو غيرهم. لقد أهمل المفتونون برؤيتهم الرغبية تقصّي ما تريده الولايات المتحدة حقاً أو تفحص طبيعة التسوية التي تزعم أنها عازمة على إنجازها وطبيعة الوضع الناشيء وما ينطوي عليه من احتمالات، وما إلى ذلك مما لا يهمله حصيف.

وبالقناعة المنقوصة والتفاؤل الزائد، ذهبت القيادة الفلسطينية بعيداً في سعيها لاسترضاء الولايات المتحدة، وقدمت لها ترضية بعد ترضية، دون مقابل. وإلى هذا، غالت هذه القيادة في تقديرها لحاجة إسرائيل إلى تسوية، كما غالت في تقديرها لما يريده ما سُمّي معسكر السلام الإسرائيلي. لم تدرس القيادة طبيعة هذا المعسكر، ولم تهتم بالتمييز بين الصهيوني وبين غير الصهيوني من قواه. وبإفراطها في عرض التنازلات أو تقديمها، ظنت القيادة أنها تُيسّر ما تصورته سعي هذا المعسكر إلى تسوية متوازنة. والمدهش أن المفتونين بما لاح لهم من أمل التسوية لم يستحضروا ما أظهره تاريخ الصهيونية كلّه: تُقَدّمُ للمعتدي تنازلاً فيتهمك بأنك لم تقدم ما فيه الكفاية ويقول هل من مزيد!

في هذا الجو، حضر الفلسطينيون حضورهم المنقوص في مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط في العام 1991. وبعد مراسم الافتتاح، انتقال الجميع إلى واشنطن. وهناك، بدأت المفاوضات الرسمية المباشرة بين وفدين إسرائيلي وفلسطيني. لكن مفاوضات واشنطن التي رعاها الأميركيون لم تُفضِ حتى إلى الاتفاق على جدول الأعمال. ولأن الذين أحلّوا رغبتهم محلّ الوقائع لم يستخلصوا العبرة المناسبة فما أسهل ما استدرجهم ثعالب الصهيونية، شمعون بيريس وأمثاله، إلى أوسلو ومفاوضاته التي دارت في السرّ. وجاء اتفاق المبادئ، وجاءت التنازلات التي قُدمّت دفعة واحدة: وقف الانتفاضة التي لولاها لتلاشت م.ت.ف. في الظروف التي وصفناها أعلاه، ونبذُ العنف بإطلاقه وليس الإرهاب وحده، والموافقة على أن تصير المفاوضات هي وحدها وسيلة التوصل إلى تسوية. وجاء الاعتراف الكامل بإسرائيل وما يوصف بأنه حقوق لها، والتعهدُ بوقف التحريض ضدها، وتعديلُ المواثيق الفلسطينية لتنسجم مع الاعتراف والتعهد. وإلى هذا، قدّم مفاوض أوسلو الفلسطيني أخطر تنازلاته حين وافق على إرجاء البحث، مجرد البحث، في موضوعات التسوية النهائية والقبول بمرحلةٍ وصفت بأنها انتقالية لا يحصل الفلسطينيون خلالها على أي من حقوقهم الوطنية ولا يحق لهم أن يطلبوا حتى مجرد التفاوض بشأنها.

بما تنازل عنه وبما قبل به، وضع الجانب الفلسطيني نفسه في وضع غريب هو بالضبط الوضع الذي استهدفت إسرائيل جرّه إليه: قدّم كل ما هو مطلوب منه من تنازلات، وتعهد تنحية الضغوط المؤثرة على محتلّ وطنه، ورهن مصير التسوية المنشودة إلى مفاوضات لا يملك هو فيها إلا حججه الكلامية، فيما بقي للمحتل كلّ ما كان بحوزته وظفر بالمزيد. ووقَعَ فلسطينيون نافذون في ما هو أخطر وجاراهم كثيرون. فشهدنا مع السعي المتعثر لتطبيق أوسلو ما هو مقصود وما هو غير مقصود من نشاط أدّى إلى توهين علاقات الجانب الفلسطيني بالأطراف العربية المتشددة في وجه إسرائيل. هذا السلوك لم يَعْنِِ فقط التخلّي عن أسلحة في اليد، بل عنى أيضاً رَفْدَ الجانب الإسرائيلي بعوامل قوة إضافية وإطلاق يديه كي يفتك بما بقي لدى الفلسطينيين ومؤيدي مطالبهم. وبتبهيت العلاقة مع القوى المتشددة، أضاف الفلسطينيون عاملاً آخر يوهن قدرتهم على المساومة فيقلل بالتالي فرص التسوية.

من يركن إلى من

لم يمض وقت طويل بعد التوقيع على اتفاق المبادئ حتى برز المأزق الذي انطوى الاتفاق ذاته على بوادره. فالتسوية لا تتم إلا بين طرفين توازنت قواهما أو هي متجهة نحو التوازن. وفي حالة إسرائيل الصهيونية، استند تعطيلها المتواتر قبل الاتفاق لأي تسوية إلى حقيقة تفوقها في القوة متعددة الأشكال والمصادر، خصوصاً قوتها العسكرية وقوة الدعم الذي توفره لها الأطراف الخارجية المستفيدة من وجودها. أما أمل الفلسطينيين في الوصول إلى تسوية فاستند إلى اضطراد مقاومتهم للاحتلال، المقاومة التي مثّلت الانتفاضة أحدث تجلياتها، كما استند إلى عدالة مطالبهم وواقعيتها وتأييد معظم أعضاء المجتمع الدولي لها، وإلى التضامن العربي، والدعم متعدد الأشكال الذي كان يوفّره الاتحاد السوفياتي والصين الشعبية وبقية الدول الاشتراكية والأطراف الأخرى المناهضة للاستعمار والإمبريالية. وحين عُقد اتفاق المبادئ، كانت إسرائيل ما تزال تتمتع بعناصر قوتها وقد أضيف إليها للتو ما جنته من انجلاء الحرب الباردة عن هزيمة المعسكر الاشتراكي. أما الجانب الفلسطيني فكان قد خسر ما كان يوفره له وجود هذا المعسكر كما خسر قوة التضامن العربي. وبوقف الانتفاضة، خسر هذا الجانب الكثير من قوته الخاصة أيضاً.

وبهذا، على الجانبين، غاضت في واقع الأمر فرصة عقد تسوية، وصار الأمل الذي روّج له الأوسلويون معادلاً للوهم.

لقد تنسّم فلسطينيو أوسلو بين أشياء أخرى أمثولة التسوية المصرية الإسرائيلية، التسوية الوحيدة التي عقدتها إسرائيل قبل أوسلو مع طرف عربي وقُدّرَ لها بعض الاستقرار. وفي استخلاصهم لعبر هذه التسوية، انتبه هؤلاء إلى جانب واحد منها وأهملوا ما عداه؛ فتنتهم حقيقة أن إسرائيل انسحبت من كل شبر احتلته في أرض مصر، وغاب عنهم ما حصلت عليه هي وما حصلت عليه الولايات المتحدة مقابل هذا الانسحاب. فهذه التسوية انعقدت بتأثير نتائج حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 التي أظهرت أن الفجوة الكبيرة بين قوة العرب العسكرية والقوة الإسرائيلية راحت تضيق. وقد كان لدى الرئيس السادات ما يقايض به إسرائيل: إخراج مصر كلية من حساب القوة العربية العسكرية التي قد تواجه إسرائيل، واستكمال نقل نظامها من موقع العداء للإمبريالية مساندة إسرائيل إلى موقع الصديق، وفتح أبواب مصر الكبيرة وأسواقها لكل راغب في نهب خيراتها وكدّ مواطنيها، أي نقل مصر إلى وضع تعجز فيه عن لعب أي دور فعال في مجال إرغام إسرائيل على الانسحاب من أي أرض عربية أخرى، خصوصاً أرض الفلسطينيين، والرضى بتجريد سيناء من السلاح دون تحديدٍ للمدّة التي ستظل فيها هذه البقعة الكبيرة من أرض مصر منطقة عازلة تبعد جيش مصر بما يزيد عن مئتى كيلو متر عن حدودها المحاذية لحدود السيطرة الإسرائيلية.

ولم يقرأ فلسطينيو أوسلو السلوك الأميركي قراءة سديدة، أو لنقل إنهم لم يستقصوا أبعاده بكاملها. التقط هؤلاء حقيقة أن الولايات المتحدة لعبت دوراً حاسم التأثير حتى أمكن إبرام التسوية المصرية الإسرائيلية، فتصوّروا أنها ستلعب الدور ذاته لإبرام التسوية التي ينشدونها. ونسي هؤلاء أن ما أثار حمية الولايات المتحدة حين تعلق الأمر بمصر تجسّد في الفرصة التي لاحت لإخراج أكبر قوّة عربية من ساحة العداء لها هي بثمن لا يضرّ بأمن إسرائيل بل يزيده مناعة. وأغفل الجانب الفلسطيني حقيقة أن الولايات المتحدة لن تسهم في تمكين الفلسطينيين من إقامة دولتهم المستقلة حقاً وإدارة حياتهم فيها بحريّة، لأن الدولة الفلسطينية المتمتعة بالاستقلال والحرية لا تقوم إلا إذا تخلّت إسرائيل عن مكاسب إقليمية مهمة لأمنها العسكري والسياسي والاقتصادي، ما سيُنقِصُ عناصر تفوقها. ولو قامت دولة فلسطينية حرّة ذات سيادة وحُجّمت قدرة إسرائيل على العدوان، فما من شيء يمنع أن تتحول هذه الدولة إلى قاعدة من قواعد العداء للإمبريالية، حتى لو توخى مؤسسوها غير هذا. وواقع الأمر أن الولايات المتحدة ظلت تعلن جهاراً نهاراً أنها موكلة بإبقاء إسرائيل متفوقة في جميع المجالات، وليس المجال العسكري وحده، على جيرانها العرب مجتمعين. وهذا هو ما يضمن للولايات المتحدة إبقاء حكام إسرائيل وغالبية جمهورها مشدودين إلى صخرة وجودهم الأميركية. إذ ما الذي يمكن أن يستبقي الإسرائيليين في الحظيرة ويقنعهم بتكبّد عناء خدمة المصالح الأميركية لو لم تضمن الولايات المتحدة دوام تفوقهم ومستوى المعيشة الذي يمتعون به وتعدهم بالمزيد.

هناك من رأوا أن الولايات المتحدة قد تختار الركون إلى العرب بدل إسرائيل إذا أظهر العرب ما يكفي من الولاء لها. وما أكثر الذين فتنتهم هذه الرؤية وبنوا عليها سياسات! غاب عن بصر هؤلاء وبصيرتهم أن الولايات المتحدة حظيت، بتأثير وجود إسرائيل كما بدونه، بولاء عرب الثروات وحتى بتطامنهم إزاء نهبها لثرواتهم. وهل يجوز لأحد أن ينسى ما أُنفِق من أموال عربية لصالح الولايات المتحدة ولفيفها في الحرب الباردة وما جُنّد من جهود عربية لإيذاء مناهضي السياسة الأميركية والسياسة الإسرائيلية العرب أو لإفسادهم. ثم إن إسرائيل أُهّلت لدور في خدمة الولايات المتحدة ولفيفها ليس بين الأطراف العربية من هو قادر على أدائه أو مؤهل لإتقان القيام به. فلماذا تُحِلّ الولايات المتحدة الخانع لها محل من يخدمها بكفاءة.

والمدهش أن التعويل على الولايات المتحدة لحمل إسرائيل على القبول بتسوية متوازنة قد استمر حتى بعد أن أظهر السلوك الأميركي ذاته أن المعولين عليها واهمون. وبين الأمثلة الكثيرة ساطعة الدلالة، قدّم السلوك الأميركي في كامب ديفيد العام 2000 ما يكفي وحده لتبديد أيّ وهم. فقد عرض رئيس حكومة إسرائيل إيهود براك بنود تسويته التي تبنتها الولايات المتحدة. وصبّ الرئيس الأميركي بيل كلينتون أقسى الضغوط على الوفد الفلسطيني المفاوض كي يقبل قبض الريح الذي عرضه براك. وحين رفض ياسر عرفات ومحمود عباس وآخرون في الوفد الفلسطيني أن يقبلوا المطامع الإسرائيلية المعروضة تحت عنوان "تسوية"، قدّم الرئيس الأميركي شيئاً من عنده، فاتضح أن شهاب الدين الأميركي ليس أحسن من أخيه الإسرائيلي. وفشلت قمة كامب ديفيد. وعنى هذا أن مسلسل فشل المفاوضات المتعاقبة لعقد التسوية قد بلغ تمامه. وفي كامب ديفيد، أدرك ياسر عرفات وناس فريقه أنهم إزاء إملاءات ظالمة تتستر بما يوصف كذباً بأنه تسوية.

التوسع يبعد فرصة التسوية

لم يكن غريباً، إذن، أن تتجدد الانتفاضة الفلسطينية بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد هذه. بل إن الأمر كان سيبدو غريباً لو أن الانتفاضة لم تتجدد. ففي السنوات السبع التي امتدّت منذ التوقيع على اتفاق المبادئ، توجّب على الجانب الفلسطيني أن يشهد الختل الإسرائيلي المسلّح بالقوة ويتلقى الإملاءات الظالمة. وما أكثر ما كان على المفاوض الفلسطيني، وهو يكابد ختل نظرائه الإسرائيليين وصلفهم، أن يستحضر خبرة عقود الصراع السابقة. فقد اتبعت الحركة الصهيونية ثم إسرائيل منهجاً لم يتبدل ولم يتوقف بل ظل هو هو ذاته قبل اتفاق المبادئ وبعده: قضم أرض الفلسطينيين قطعةً بعد قطعة، والاستحواذ على أملاكهم، والعمل على إبادتهم جسدياً كلما أمكن ذلك وسياسياً في كل الأحوال. ومع المثابرة على هذا النهج، لم تغب عن الخطاب الدعائي الصهيوني الإسرائيلي في أي وقت المزاعمُ الطناّنة: توفير المأوى الآمن للمضطهدين من اليهود، إقامة معقل للحضارة المعاصرة وواحة للديمقراطية وسط محيط همجي، السعي لتحقيق السلام، ناهيكم بالإدعاء الكبير حول تنفيذ وعد إله إسرائيل لشعبه المختار، وما إلى ذلك من المزاعم التي أريد لها أن تستر أشدّ الأفكار تخلفاً وأحطّ الأطماع وأشنع السلوك. ومما لا شك فيه أن هناك من استحضر أيضاً معرفته بدوافع السلوك الأميركي وأهدافه: الحاجة إلى إسرائيل قادرة على البطش، والعمل على تخذيل العرب، وحملهم على القبول بالأمر الواقع الذي تخلقه إسرائيل بالقوة.

نبتت الانتفاضة الجديدة من التوق الدائم إلى استعادة الحرية والحقوق مثل كل انتفاضة سابقة. غير أن ضيق الجمهور وقادته بنهج التفاوض العقيم الذي لا تدعمه ضغوط ماديّة على محتلّ الأرض هو الذي وسم هذه الانتفاضة بالزخم القوي الذي ميزها منذ البداية، وهو الذي حوّلها بسرعة إلى استخدام ما هو متيسر من الأسلحة واتباع ما هو مشروع وما هو غير مشروع أيضاً من وسائل العنف. وعنى هذا التحوّل، بصرف النظر عما انطوى عليه من أخطاء، إعادة الاعتبار للقاعدة البسيطة: التفاوض الذي لا تسنده ضغوط موجعة للمحتلّ ليس سوى ثرثرة وتضييع وقت ولن يفضي إلى التسوية المتوخاة. ولأن إسرائيل لا تكتفي بالثرثرة وحدها بل تقرنها باستخدام أفتك الأسلحة وأحطّ الوسائل لخلق مزيد من الحقائق المواتية لرغبتها في التوسع، فإن ما ضاع أثناء التفاوض العقيم لم يكن هو الوقت وحده، بل المزيد من الأرض والأملاك ومصادر الرزق الأخرى والحقوق والحريات والحيوات. وكلما تيسر للدولة المعتدية أن تحتاز على مكاسب جديدة أو تلحق بالفلسطينيين أذى أشدّ كلما نأَتْ فرصة تحقيق التسوية بدل أن تقترب.

أوجعت الانتفاضة إسرائيل وكبدتها خسائر اقتصادية وسياسية وبشرية ملموسة. لكن دولة العدوان لم تصر بغير حولٍ ولم تنثن عن نهجها الذي يستبعد أي تسوية تعيد للشعب الفلسطيني ما ضمنته له الشرعية الدولية، أي التسوية المقبولة والتي يمكن أن تستقر. وبوجود جسم الحركة الوطنية الفلسطينية الرئيس والكتلة الأكبر من جمهورها في حقل رماية مكشوف في متناول أسلحة إسرائيل، ومع وفرة ما لدى إسرائيل من أدوات البطش، وبتخاذل القادرين من العرب، وبالتغطية المباشرة التي وفرتها الولايات المتحدة لإسرائيل، وبغياب المعادل الدولي لقوة الولايات المتحدة ونفوذها، وبانشغال العالم في الهموم التي أنبتها التفردُ الأميركي، صبّت إسرائيل أفتك أسلحتها على الجانب الفلسطيني جمهوراً وكوادر وقادة، وأفرطت في استخدام القوة. وكما جرى الأمر في كل مرة منذ بداية الصراع، استخدمت إسرائيل قوتها العسكرية المتفوقة لإحباط فعالية المقاومة الفلسطينية، وواصلت في الوقت ذاته قضم مزيد من الأرض والممتلكات وخلق وقائع جديدة. وفي المحصلة، واصلت إسرائيل تحقيق حلّها المنفرد واستبعدت التسوية. أما الولايات المتحدة ولفيفها فقدّما الحماية اللازمة.

هنا، يجدر أن نناقش فكرتين متعارضتين احتدم الجدل حولهما في الساحة الفلسطينية مع استحكام مأزق التسوية. فقد رأى فريقٌ من الفلسطينيين أن طريق التسوية كان مفتوحاً لو لم يَسُدْ هذه الانتفاضة العنفُ الذي ميّزها، خصوصاً العنف الذي لا يمكن اعتباره عنفاً مشروعاً. ورأى فريق آخر أن ممارسة العنف، المشروع منه وغير المشروع، كان من شأنه أن يُشكل عامل ضغط على إسرائيل وغيرها فيدفع باتجاه إبراز الحاجة إلى التسوية ويعزز هذا الاتجاه. فهل صارت إسرائيل تحت ضغط الانتفاضة أقرب حقاً إلى القبول بالتسوية المتوازنة أو أبعد؟

الحقيقة أن إسرائيل قد أجابت بنفسها على هذا السؤال. وكما حدث في كل وقت، جاءت الإجابة على نحوين: أغلبية أعلنت عزمها على المضيّ في خلق الوقائع وإملاء الحل المنفرد، وأقلية قالت بأنه لا يجوز إغلاق باب التسوية. ويجدر أن نلاحظ هنا أن الحل المنفرد هو هذا الذي ثابرت الحركة الصهيونية ثم إسرائيل على تحقيقه طيلة الوقت منذ بداية الصراع. وقوام هذا الحلّ ماثلٌ في التوسع واستغلال أيّ ظرف لتحقيق المزيد منه وتجنّب أن ينشأ ظرف يوجب التراجع. وقد طورت الحركة الصهيونية وإسرائيل خبرة واسعة في مجال إحباط المقاومة الفلسطينية واحتواء الضغوط العربية والدولية، وركنتا في هذا المجال إلى صخرة الوجود الدولية التي كان مركزها بريطانياً ثم صار أميركياً وقد يصير في المستقبل أي شيء آخر. ووطّد التوسعيون النفس على احتمال ما يمكن أن تلحقه المقاومة والضغوط بإسرائيل من خسائر ثمناً لما تحتاز عليه بالعدوان. هذا كله، دون أن يكفُ هؤلاء في أي وقت عن شقشقة الكلام على السلام والتسوية وما إلى ذلك مما تطلقه الحاجة إلى احتواء الضغوط.

هل فات الأوان؟

لا يعني هذا أن إسرائيل محصنة كلية ضدّ التراجع؛ فواقع الأمر أنها أرغمت على التراجع غير مرة حين اتبع الجانب العربي السياسة الملائمة. فقد تراجعت إسرائيل عن احتلالها أرض قطاع غزة وسيناء في العام 1956 إبان العدوان الثلاثي على مصر، تراجعت دون شروط. وتراجعت إسرائيل أيضاً دون شروط عن جنوب لبنان. واللافت للنظر أن إسرائيل لم تطلب في أي من الحالتين عقد تسوية مع الطرف الذي انسحبت من أرضه. فالظرف الذي أرغمت فيه إسرائيل على التراجع لم يكن يسمح لها بأن تحصل على تسوية ملائمة لها. أما انسحاب إسرائيل الثاني من سيناء فقد تم بموجب التسوية التي أبرمت بين إسرائيل ومصر والتي حصلت إسرائيل بموجبها على المكاسب التي أشرنا لبعضها، وبضمنها الظفر بالوضع الذي يطلق يدها في أرض الفلسطينيين دون أن تتمكن مصر من ضرب هذه اليد.

وإذا كان من الصحيح تماماً أن مطامع إسرائيل في أرض فلسطين مختلفة عن مطامعها في أي أرضٍ عربية أخرى، فمن الصحيح أيضاً أنها اضطرت إلى نوع من التراجع في فلسطين ذاتها، ففككت مستوطناتها في قطاع غزة وأبعدت جنودها عن دُوره. ومما لا شك فيه أن لكل تراجع إسرائيلي أسباباً عدّة بينها السياسة التي اتبعها الجانب العربي المعنيّ بالأمر. وكلّما كانت هذه السياسة أصوب كلّما جاء التراجع أعمق. والسياسة تصير أصوب بمقدار ما تنجح في أمرين معاً: مقاومة الاحتلال بكل الوسائل المشروعة المتيسرة وخلق الجو الذي يوهن قدرة حماة إسرائيل على حمايتها. وفي العام 1956، نجحت القيادة المصرية في المزج بين المقاومة وبين تجنيد الضغوط الدولية لصالحها، لم تمالئ قيادة جمال عبد الناصر وهو يعمل على تحرير سيناء وقطاع غزة الولايات المتحدة بل استندت إلى المناصرة السوفياتية فنجحت في إرغام بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على سحب قواتها العسكرية التي اعتدت على قطاع غزة وسيناء وقناة السويس. وفي جنوب لبنان، ثابر مقاومو الاحتلال على المقاومة دون أن يلجأوا إلى استرضاء أحد من حماة إسرائيل، لا الولايات ولا غيرها، فظفروا بتحرير أرضهم.

فإذا جاء التراجع الأخير في غزة منقوصاً بحيث لم يحررها من هيمنة إسرائيل على معظم مقدراتها، فلأن السياسة الفلسطينية التي واجهت إسرائيل امتزج فيها ما هو خاطيء وما هو صائب، ولم يكن غريباً، إذن، أن يجيء الجني منقوصاً وشائهاً. والضغط الذي صبته الانتفاضة على إسرائيل شوهته أخطاء متزامنة فأنقصت فعاليته، أخطاءٌ في السياسة وأخطاءٌ في الممارسة. وهذه هي الأخطاء التي لابدّ من معالجتها إذا أريد أن تُكفّ إسرائيل عن تطبيق حلّها المنفرد وتُرغَم على الاستجابة لدواعي التسوية.

وأول ما ينبغي تصحيحه هو هذا التعدد الماثل على ساحة النشاط العام الفلسطينية، التعدد الذي تتعدد معه السياسات وأشكال الممارسة وتتناقض فيبطل واحدها تأثير غيره. في هذا السياق لا مناص من التوقف عن ممارسة الأعمال التي لا يجيزها أي قانون ولا تستسيغها البشرية المعاصرة. وإذا أمكن لأحد أن يغضّ الطرف عن الدوافع المبدئية والأخلاقية التي توجب الكفّ عن مثل هذه الأعمال، فلا يجوز إهمال الدافع العملي. ذلك أن هذه الأعمال إن أوجعت المحتل فقد سلحته بالذرائع التي يتوخاها للإمعان في البطش وتسويغ جرائمه. وهذه الأعمال هي التي حالت حتى الآن دون أن يتحول الاستنكار العالمي لجرائم إسرائيل إلى حركة عارمة لدعم المقاومة الفلسطينية. ولا مناص أيضاً من مراجعة التجربة التي اقترنت باتفاق أوسلو وتنحية ما بثته من أوهام. وأغلب الظن أن مراجعة سديدة لهذه التجربة ستظهر خطأ التعويل على الولايات المتحدة وخطأ الاعتقاد بأنها ستدفع فعلاً في اتجاه تسوية متوازنة إذا استرضاها الجانب الفلسطيني. وقد ينبغي التذكير بأن الذين اتبعوا سياسة استرضاء حماة إسرائيل أو تهيبوا تحدّيهم لم يجنوا في أي وقت سوى الخيبة. كما قد ينبغي التذكير بأن الذين قاوموا سياسة إسرائيل العدوانية وتحدّوا حماتها جنوا مكاسب في كل مرة أحسنوا فيها السلوك واتبعوا سياسة صائبة.

بكلمات وجيزة: لا يمكن القول بأن فرصة التوصل إلى تسوية متوازنة متوفرةٌ الآن، والأقرب إلى الصواب الاعتقاد بأنها بعيدة. غير أن هذا القول لا يوجب الكفّ عن السعي إلى التسوية المنشودة ولا يسوّغ العودة إلى الرفض. والكفّ عن السعي يكاد يعادل في الوضع الماثل إعلان وفاة؛ والعودة إلى ما تواتر فشله على مدى عقود الصراع كلّها ليست سوى حماقة ضارّة. وما من شيء يمنع الاحتفاظ بالتوجه إلى التسوية مع معالجة أخطاء السياسة وأخطاء الممارسة، القديم من الأخطاء والمستجد. وإذا كان اللين وحده استسلاماً والشدّة وحدها مغامرة، فما أعظم حاجة الساحة الفلسطينية إلى المزج بينهما وإتقان تقدير النسب التي لا بد من أن تتبدل مع تبدل الظروف!

أن يظل طريق التسوية مفتوحاً يعني في المقام الأول إحباط الحل الإسرائيلي المنفرد أو عرقلة جهود إسرائيل لاستكماله. أما الأمل بتحقق التسوية فهو مرهون بتوفر ثلاثة عوامل: تبدّل في طبيعة المشروع الصهيوني يوقف النهم إلى التوسع، فبهذا التبدل وحده يمكن الأمل بوجود هوامش مشتركة تُبنى عليها تسوية. وتبدّل في الوضع العربي يخترق طوق الهيمنة الأميركية عليه. وتبدل في الوضع الدولي ينهي حالة تفرد القطب الواحد فيه. وإذا كان من المؤكد أن التبدلات المطلوبة لن تتم في وقت قريب، فليس من الحصافة إغفال المؤشرات التي تتوالى فتدل على أنها قادمة في وقت لن يطول أمده كثيراً. والسياسة الحصيفة هي السياسة التي تتشبث بنهج التسوية لتخفيف الأذى، وتجد لمنظمة التحرير مكاناً وسط التيارات التي تدفع باتجاه هذه التبدلات، وتصلح الشأن الفلسطيني الداخلي لتجعله قادراً على استثمارها.

وأصعب الأسئلة وأشدّها عسراً هو هذا السؤال: هل ما زال في اليد أن ينشيء الموكلون بقيادة الشعب الفلسطيني السياسة الحصيفة اللازمة؟ وهو سؤال موجه لكل من يتصدى للقيادة أيا ما كان عليه موقعه، في السلطة أم في المعارضة أم بين بين. وأغلب الظن أن الإجابة الإيجابية لن تتوفر إلا إذا توافق الجميع على برنامج مشترك للعمل الوطني. واتفقوا على أن تُتداول السلطة التي تدير العمل لتنفيذه وفق ما تختاره الأغلبية. فإذا لم يحدث التوافق على برنامج ولم تتأكد رغبةُ الجميع في الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، فلا مناص من توقع كوارث جديدة.

* كاتب من فلسطين






 
رد مع اقتباس
 

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تخريج أسانيد التفسير ناجح أسامة سلهب المنتدى الإسلامي 3 15-01-2007 01:39 AM
طريق السعادة نجلاء حمد المنتدى الإسلامي 4 01-11-2006 12:51 AM
( سارطة ) طريق أمريكية ( جديدة ) للعراق . جاسم الرصيف جاسم الرصيف منتدى الحوار الفكري العام 1 02-09-2006 07:31 PM
الرأسمالية على طريق الانهيار أحمد الحلواني المنتدى الإسلامي 6 26-05-2006 10:36 PM
مواضيع عن الفن (والعلاج عن طريق الفن) عبود سلمان منتدى الفنون والتصميم والتصوير الفوتوجرافي 1 26-04-2006 12:55 PM

الساعة الآن 09:53 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط