دخلت الى غرفتها ،أخرجت قلما رصاصيا وورقة بيضاء كبيرة ، وضعتها على الطاولة وتركت العنان لقلمها في رسم خطوط سوداء من حياتها القاتمة بمداد من نزيفها الذي ما زال يقطر منذ أول يوم من زواجها لحد الآن .و مرت الأيام طوالا متلاحقة وكأنها كانت تحس انهاعاشت معه أجيالاً وأجيالاً .و خرجت من شفتيها إبتسامة صفراء وهي تجهض أجنة عاشت بأحشائها طوال هذه الفترة . ابتعدت قليلا ثم ارتمت على كرسي وذابت في خطوط اللوحة ، إنها المرة الأولى التي تجرد فيها كل شيء كل شيء وتسميه باسمه .
لوحة ثلجية قاتمة كخطوط حياتها الزوجية يلفها الضباب والثلج ، أرض كبيرة جوفاء تتوسطها شجرة مائلة عارية من كل شيء تتقاذفها العواصف من كل صوب ، تناثرت أوراقها الجافة قالت في ألم ( الى متى سيكون صمودك أيتها الشجرة )؟؟
وبجانب الشجرة رجلأ يرتدي جلباباً و بيده عصا وباليد الثانية يمسك بحبل ربط به نعجة راكعة على أقدامها تهب مذعورة كلما زأر ..أنهمرت الدموع من عينيها وهي تعترف لأول مرة على ورقة العمر بأنها لم تكن أكثر من نعجة يسوسها سياسة الدواب سيدها .ثم انفجرت لتنتفض من هول المنظر وصرخت من أعطاك هذا الحق ( أكنت أنا النعجة البلهاء )؟ أين هي صلة القرابة ؟ كم أكرهك وأكره نفسي وأكره من كان السبب في ارتباطي بك فأنا لا اصدق ما يكون منك أن يصدر عن وغد مهما توغل في اللإنسانية و غاص في مسالك الوحوش الكاسرة. كلمات صرختها و عاصفة ألمت بها فهزت كيانها و ارتجفت كورقة في مهب الرياح وعادت بذاكرتها الى الوراء بعيدا ، وانفجر صراخها ثانية وهي تصيح بملء فمها ( يا أبله... يا أبله.... يا أبله ) كلمات تعالت كدوي المدافع فدوت في أذنيها بألفاظ لم تكن تقولها و لا تتلفظ بها و راحت أصداؤها تتعالى في مسامعها ... وكانت المرة الأولى التي تأتي فيها بما أتت و راحت تمج مرارة تغلي في عروقها و صدحت بكلمات ..... ( أنت لم تحبني يوماً فلم الزواج مني فهل تعمدت عذابي....؟؟؟) لمَ أنا من دون كل النساء ؟؟ ألأنني قريبتك و إبنة خالتك أ وهذا جزاء الإحسان والقربى...... يا هذا...؟؟
لكم كان الموت أخف وطأة و لف حبل الجلاد على العنق أقل مرارة من عيش لا تنتهي عذاباته و جلاد لا يفتر عن ممارسة كل أنواع الأذى و الإيلام
و ها هي حكايتكما على لسان أبناء الحي ترددها ألألسن و تتناقلها الشفاه و لا تفتر حكايتها و لا يمل المتدحث منها .
هل كان اختياره اختيارا لزوجة أم أنه كان يبحث كما يردد في عاميته عن حبـّة بطيخ متباهيا بما يقول ( أحمرُ يا بطيخ ) فهو لم يقبل أن تكون أحوالها خفية عنه بل تخير ما يريد تخيره فجاءت موافقة لهواه.
لكم كان الموت أخف وطأة و لف حبل الجلاد على العنق أقل مرارة من عيش لا تنتهي عذاباته و جلاد لا يفتر عن ممارسة كل أنواع الأذى و الإيلام.
حاولت جاهدة أن تعلل نفسها فلعلها أتت بأخطاء لم تتنبه لها و لربما كان سلوك زوجها قد جاء ردة فعل لما كانت قد أتت و فعلت فأحست بقليل من الإرتياح بات يداعب كيانها .
مالت برأسها الى الوراء وقالت يا الهي ، ما ذنب هذين الطفلين أن يأتيا الى هنا !!!!!!! قدرهما أن يموت والدهم وتتخلى عنهما والدتهم ويأتون الى بيت عمهم الذي لا يعرف البسمة طوال حياته ، أبعد هذا العمر سأكون أما لأطفال ليسوا لي !!!!! هل سيكونا نعاجا مثلي ؟؟؟ لا لا لن يكون هذا أبدا ، سأحميهم بكل ما أوتيت من قوة ..سأمزق هذا الحبل ولن أركع مطلقا.
و لكنهامالبثت أن أفاقت من أحلام يقظتها و ذكرت حقيقة أمرها ثم بكت وتنهدت و رمت برأسها إلى الخلف لتصرخ بأعلى صوتها ما بال هذين الطفلين و ما الذي جنياه ليكون هذامصيرهما؟
تململت في جلستها وراحت بأطراف أناملها تلملم دموعها ، نظرت الى النعجة نظرة أخيرة وقالت ( لو لم تكن لينة لما عصرت ) حملت اللوحة ورمتها في الهواء ورمت معها كل ما أودعتها فيها .
بتمنى تعجبكم
تحياتي