![]() |
الحمى
عشاء باذخ حضرته زوجتي هاته الليلة ، و على ضوء الشموع ، أكلنا باستمتاع ، و تبادلنا اللقمة و النكات و الابتسام ؛ و حين فرغنا ، رقصنا على أنغام موسيقى شعبية حتى تعبنا، و ارتفعت أسنة اللهب في جسدينا. قفزنا إلى الفراش و افترسناه افتراسا. و نمنا. كانت تلتصق بي ، و كلما تزحزحت أمسكت بي بقوة ؛ خلت نفسي قلعة حصينة ذات أسوار عالية من الحجر ، و هي بداخلها تلهو و تلعب في أمان ، غير أن ريح الشك أحدثت ثلما اتسع مع مدار الوقت ، فصار ثقبا واسعا ،بعدها تصدع ثم انهار كل شيء ، لم أجد من مفر إلا حملها على ظهري و الذهاب بها إلى منزل أبيها ، قلت له : _ خذ أمانتك .. و بلطف : _أشكرك على هديتك الثقيلة .. و باعتراف : _ لا أستطيع حمايتها. و إذ رأيت وجهه قد تكدر ، و من عينيه برزت الأسئلة حادة ، و بانت على ملامحه آثار الاستغراب و الشقاء ، و على وجه الزوجه التوسل ، عدلت عن الذهاب إلى ذاك المنزل ، و عرجت بها إلى منزلنا العامر بالمحبة ، و طرحتها على فراش المتعة و نمنا . لما استدرت جهتها و أردت وضع يدي على ظهرها ، لامست الفراغ ؛ أصبت بدهشة خلو المكان ، و لما فتحت عيني ، وجدتها واقفة كعلامة تعجب ، تلبس البياض ، و على وجهها ملامح الغضب ، رمتني بإصبع اتهام مسنن ، ثم تبخرت. و من مكانها برزت أمي ذات اللباس الأخضر ، و قد وضعت على رأسها طرحة بيضاء ناصعة ، حدجتني بنظرات معاتبة ، فقلت لها : _ أمي ، لا أريد الزواج ، إنه مسؤولية ثقيلة. و قبل أن أتم كلامي تلاشت هي الأخرى و تركت بين يدي الحيرة الأبدية. لم يخرجني منها سوى صراخ طفل آت من الغرفة المجاورة ، ذهبت لأستقصي الأمر ، فوجدت زوجتي تحضنه ، تريد أن تلقمه ثديها لإسكاته. و إذ رأتني مدته إلي قائلة : _لقد ارتفعت حرارته ، و أخاف عليه من الموت .. ثم أضافت بحزم : _ علينا أن نحمله إلى المستشفى. نزلنا سريعا ، و أشرت لسيارة أجرة ، أخبرت السائق أننا ننوي الذهاب إلى المستشفى لعلاج طفلنا الموشك على الموت. نظر إلي السائق باستغراب ، و قد دارت بذهنه خواطر غير سارة ، و قال ، بعد أن حدجني : _ عن أي طفل تتحدث ؟ ! و بتذمر : _ لا وجود لطفل هنا. علمت أني في ورطة ، فأجبته : عذرا سيدي ، أصاب بالحمى أحيانا ، فأهلوس .. رجاء احملني إلى منزلي. و حين فتحت الباب وجدت زوجتي واقفة بانتظاري و في يدها باقة ورد بمناسبة عيد ميلادي السبعين ، و مائدة مليئة بشهي الطعام. |
رد: الحمى
هلوسة الحمي-حولتها المعالجة الفنية الي دراما انسانية ممزوجة بالعواطف والعواصف والإنفعالات المشوقة الي المتابعة الشيقة التي كنت اتمني ان تستمر ليطول استمتاعي بقدرتك علي التحول التقني من حدث عجيب الي أخر مبهر الأمر الذي يظهر قدرتك الفنية علي القص المؤثر.
دام لنا عطاؤك. مع عاطر تحياتي. |
رد: الحمى
اقتباس:
أشكرك على تعليقك القيم ، أثلج صدري ، و أبعد عني الاضطراب. سعيد بتقبلك النص. بوركت مودتي |
رد: الحمى
بشدة أغبط من يمتلك هذا الأسلوب المبهر في القص.
كما أستمتعت بقراءة هذه الهلوسة الرائعة , أود من نقاد أقلام تفصيل وتشريح جسد هذه القصة فحتما تحليلاتهم ستضيف متعة وإستفادة أكبر للقارئ. شكرا لك أستاذ عبدالرحيم التدلاوي , خالص تقديري وتحياتي. |
رد: الحمى
اقتباس:
أشكرك بحرارة على تعليقك الدافئ ، و على إشادتك المشجعة. أرجو أن أظل عند حسن ظنك بي. بوركت. رمضان مبارك ، و كل رمضان و أنت بألف خير. مودتي |
رد: الحمى
أخي المكرم الأستاذ الفاضل / عبد الرحيم التدلاوي نص كتب باحترافية عالية ..! وحمتك أصابتنا بحمى مماثلة ، فما عدنا نعرف في أي الأجزاء من نصك كنت هاذيا ، وفي أيها خرجت من حمى الهذيان .. نص جد ماتع .. أعتذر عن التأخير والتقصير .. فأنا في هذا الشهر شبه حاضرة .. ! سأثبت النص لجودته ، وحبكته المدهشة .. وقد أعود له برد يليق أخي بإذن الله .. فإن لم أستطع في القريب العاجل ، فالعذر منك أستاذي مسبقا .. إلا أن لي عودة إن شاء الله ، وإن تأخرت .. تحيتي وتقديري .. |
رد: الحمى
ربما وجب عليّ احضار هدية بمناسبة عيد الميلاد
تقبل هذه الورود أخي عبد الرحيم ألى حين صحوة أن شاء الله أعود https://fbcdn-sphotos-d-a.akamaihd.n...49963647_n.jpg |
رد: الحمى
اقتباس:
أشكرك على تثبيت نصي المتواضع ، لقد شرفتني بذلك. تفاعلك القيم ، أثلج صدري. و عذرك مقبول ، و بصمتك الحالية شافية. بارك الله فيك. مودتي و تقديري |
رد: الحمى
اقتباس:
شكرا لك على الهدية الجميلة ، بقلب رحب قبلتها ، لقد أعادت إلي شبابي . بوركت. دمت بروعة. مودتي |
رد: الحمى
اقتباس:
يا أهلاً وسهلاً بالإبداع .. هذا النص يُقرأ من الأسفل إلى الأعلى يا أ. عبد الرحيم ، حماك الله .. نص جميل حقيقةً ، بدأ بعشاء فاخر ، وعلاقة حميمة بين الشخصيتين ، الزوجين . ثم ينتقل السرد إلة فجوة الشك ، وخروج أنيق إلى فضاءات أوسع للسرد ، رحلة الحياة .. حقيقةً هذا النص يستحق أن يثبت ، ويستحق منّا كل إشادة . شكراً لك مبدعنا القاص عبد الرحيم التدلاوي . |
رد: الحمى
راقني النص جدا
فكرته ليست مكررة ، ومصاغ بطريقة فنية عدا إن غاية النص إنسانية سامية تسليط الضوء على ضعف الإنسان ومعاناته في الحياة والكبر شيء نبيل شعرت أني قرأت شيئا يلفت النظر لأهمية مراعاة تلك المرحلة وبأسلوب شيق ورجوت أن يقرأه ابن وحفيد رائع هذا التقمص لشيخ في السبعين نابه ما نابه من صروف الدهر دمت بعافية أخي عبدالرحيم. |
رد: الحمى
اقتباس:
من دواعي سروري أن ينال نصي رضاك. ممتن لك طيب الإشادة. وددت لو تحظى بقية نصوصي ، و خاصة الصفرية ، بالتفاتة منك. شكرا لك مودتي |
| الساعة الآن 10:18 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط