منتديات مجلة أقلام - المصحة
منتديات مجلة أقلام

منتديات مجلة أقلام (http://montada.aklaam.net/index.php)
-   منتدى القصة القصيرة (http://montada.aklaam.net/forumdisplay.php?f=5)
-   -   المصحة (http://montada.aklaam.net/showthread.php?t=41236)

محمد الطيب 11-11-2010 02:47 AM

المصحة
 

مصحة مريم

عماد شاب في مستقبل العمر يعيش وحيدا مع أمه المقعدة بالبيت . يرعاها ويسهر على راحتها .
تزورهم من حين إلى آخر أخته رفقة زوجها وطفليهما .
يتضايق كثيرا من تواجد الطفلين بالبيت . كلما عاد إلى غرفته عثر على لوازمه وأوراقه وبعض كتبه متناثرة في كل مكان .
دائما يحلو للطفلين العبث بمحتويات خزانة كتبه ورفوفها . ولا يجرؤ أحد على التفوه ببنت شفة .
يتخيل أحيانا أن أخته تستمتع بتجاوزات طفليها ...
يحترم أخته التي يعتبرها بمثابة أمه وهي في العقد الرابع من عمرها . بينما هويقف على عتبة العقد الثاني .
التحق منذ أشهر بالتعليم الجامعي كلية الطب .
طالب مجد ومواظب . من عادته في دراسته التنافس على الرتب الأولى في نتائج الفصل .
غايته في دراسته تحقيق حلم والده المرحوم : طبيب متخصص في أمراض القلب ، وهي الأمراض التي تقاسي أمه من آلامها منذ زمن طويل .
تدحرج عبر السنوات الجامعية ، يقطع مراحلها بتوفق وثبات ،وخلال السنة الأخيرة اشتد المرض على والدته ، لم ينفع معه علاج ففارقت الحياة .

كانت أمه رفيقته ومؤنسته بالبيت ، وأمله في الحياة ، يعيش لها ويكد ويثابر من أجلها .
حزن على فراقها .
صاح وبكى وتألم .
وانزوى بغرفته في حالة يرثى لها .
قضى أياما لا يرغب في مقابلة أحد ، وليست لديه شهية طعام أو شراب ، ولا يفكر في دراسة ولا حتى في متع الحياة .

التهمته أحاسيس الندم والحسرة على تقصيره تجاه أبيه وأمه .
أخذ يردد مع نفسه :
- ما الذي قدمته لوالدي طوال حياته ؟
- وبماذا ساعدت والدتي العجوزالمقعدة المنهكة غير إثقال كاهلها برغبات وطلبات ، ما ثبت أنها ادخرت جهدا لتلبيتها ؟
- هل كنت أعتبر في نظرهما فاشلا عاجزا عن نفعهما ومساعدتهما ؟
- وما قيمة الحياة بدونهما ؟
تناسلت الاستفهامات وتواردت على مخيلته ، ولا ردود ...
أخته تتمزق حسرة وأسفا على حاله ، ولا تستطيع ثنيه عما هو فيه .
طال غيابه عن حلقات الجامعة فقرر أستاذه المشرف على بحثه وبعض زملائه زيارته بالبيت .

وجدوه منزويا في ركن مظلم ، جاثيا مهموما يتفحص بنظرات ذابلة مائدة الطعام دون أن يلمسها .
سلموا فلم يأبه بمن حضر . كلموه ...
فأجابت أخته : مكتئب معتكف ، واجم ، ممتنع عن تناول الاكل والشرب ، لم يفارق هذا المكان منذ أزيد من أسبوع ...
فتوجه إليه أستاذه
- جئنا لزيارتك ، أطلت الغياب ... ، واعدتنا في لقاء التعزية باستئناف دراستك سريعا ... ، ما الذي حدث ؟
التفت إليه بعين مثقلة ونظرات يائسة ومحيا شاحب ، ورد بصوت خافت :
أجدني مسؤولا بالتقصير والتفريط ... وسكت هنيهة وكأنه ينتقي الكلمات ويعدها ... أو يبحث عنها ولا يجدها ، ثم قال :
- انتظرت مساعدتي طويلا .... ولم .... ولم تقو على المقاومة والاستمرار ... وأجهش في غمغمة طغت على مخارج حروفه .
- عادل ... ناداه أستاذه بصوت حازم وقوي :
ألا تؤمن بعدالة الحق في خلقه ؟
وألست متيقنا بحتمية الآجال ؟
وهل تتوهم أن تدخلك كان سيطيل عمرا أو سيؤجل أجلا ؟
- أستغفر ربي ... لست قاصدا الاعتراض على قضاء الله وقدره ، ولكني غير قادر على استيعاب ما حدث ، ولا مستطيعا تحمل وخيم نتائج تصرفي وإهمالي وتقصيري .
- أتتذكر ياعادل ...
إنك حدثتني مرار بأنك مدين لإحسان والدك ، ورعاية وتكفل والدتك ، وإنك تعمل وتجد لتتمكن من رد جميل صنعهما بك ، وتسهم في التخفيف من أوجاع المرحومة والدتك .
- هز راسه مومئا .. أي نعم ..
- " إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى " نتضرع إلى الله أن يكتب لك الثواب والأجر بنيتك ، وأن يوفقك لإتمام ما عزمت عليه من أجلهما .
أنت لا زلت مدينا كما كنت أو أكثر ، وهما الآن في أمس الحاجة إليك ، فلا تتخلى عنهما ، وإلا ستتعتبر خيانة منك لأمانتك وعهدك .
ثم التفت إليه أحد أصدقائه وقال :
- لقد كنت في سباق مع الزمن .
- نعم سابقته فكان أسرع مني .
ومد نحوه يده قائلا :
انهض واستعد لترافقنا إلى حلقة اليوم بمدرج الجامعة .
طأطأ رأسه وأصاخ قليلا وردد : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
- سأبقى معك لمرافقتك .
استمهل زميله بعض الوقت
أعد نفسه وارتدى ملابسه وتناولا قليلا من الطعام وانصرفا .
استقبله زملاؤه بترحيب ومشاركة ومواساة .
ومع الأيام تعود على الدراسة والجامعة واستأنف نشاطه بنهم وشره .
أحوال أمه وأنينها وصوتها لا زالت تتردد في ذهنه باستمرار . وكلما هم بالتقاعس أو شعر بالتعب إلا وتناديه بصوتها المألوف - ثابر واستمر ، إننا في انتظار نتائجك .
لم يطق البقاء منفردا ببيت أمه الذي يذكره بحركاتها وأحاديثها وآمالها وآلامها وتشييعها ، فأحكم إغلاق أبوابه وانتقل ليعيش بين زملائه بالحي الجامعي .
وبعد تخرجه صمم على القيام بعمل يكون له ولأبيه وأمه صدقة جارية ، وعلما ينتفع به ، ودعاء مستجابا .

ففتح بيت أمه مريم وجهزه مصحة لأمراض القلب ، وأطلق عليها اسمها "مريم"
ثم أعلن مجانية الفحص والعلاج لكل مرضى القلب المسنين إكراما لوالدته ، وذكرى لحلم والده الذي تحقق على يديه
زاره عجزة مسنون على فترات متباعدة .لم يكن عددهم في مستوى توقعاته وطموحه . ففكر في دعم المصحة بوسيلة تعمم خبرها وتيسر آليات حديثة تستجيب لحاجة نزلائها .
بعد استشارات ولقاءات وزيارات كون مع زملائه وأساتذته الأطباء والأساتدة ، جمعية أطلقواعليها -
جمعية دعم ومؤازرة مرضى القلب المسنين - . توزعت مهام أعضائها بين توفير الموارد المالية والمادية ، وتنظيم حملات نشر وإعلام ، والإعداد والاستعداد لاستقبال العدد المتزايد من المرضى والزوار .
وبذلك عرفت مصحة مريم إقبالا منقطع النظير ، وكلما كثر عدد المرضى المعالجين بدون مقابل ، ازدادت سعادة عماد وبدت غبطته وبهجته .



الساعة الآن 10:13 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط