|
|
|
|||||||
| منتدى الأقلام الأدبية الواعدة هنا نحتضن محاولات الأقلام الواعدة في مختلف الفنون الأدبية من شعر وقص وخاطرة ونثر، ونساهم في صقل تجربتها. |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع |
التقييم:
|
انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 | |||||
|
صاحب اانظارات السميكة
صاحب النظارات السميكة (مع احترامي لقصة صاحب البذلة البنية) السيد محمود رجل في العقد الرابع من عمرة طويل القامة نسبيا أصلع الشعر،بشرته السمراء وشعره الأسود تكسبانه ملامح عربية أكثر من تلك التي تكسبه إياها بدلته البنية ونظاراته السميكة التي تختفي خلفها عيناه الدقيقتان وابتسامته التي تكشف عن أسنان أكل الزمان عليها ومات . تؤكد أن هذا الرجل كان من مدمني التبغ في فترة من فترات ذاك العمر ،و كذلك حذاؤه البني الذي تعلوه طبقة لا بأس بها من غبار الطريق وقاذورات المجمع اللزجة لتؤكد أن هذا الشخص يخفي حس الأناقة . ولكن يبدو أن هموم الحياة جعلته يتخلى عن هذه الميزة وربما لم تكن هموم الحياة السبب بل هو حب فاشل أو عشق كاذب جعله في حالة انهيار دائمة فلم يعد يكلف نفسه عناء النظر في اختراع عتيق يدعى المرآة . في كل صباح يقف إلى جانب المجمع ينتظر باغتباط حافلة المؤسسة التي يعمل فيها وإحدى يديه تمسك بالأخرى لتشكلا بدورهما حاملا طبيعيا لأمتعته المتناثرة ضمن مغلف بلاستيكي وكعادته الدائمة يعدل نظارته التي تنحرف كل لحظة لشدة ثقلها . في ذلك اليوم كان على السيد محمود أن ينتظم في الطابور الطويل حتى يحصل على فرصة في ركوب إحدى الحافلات التي تمكنه من الوصول إلى منطقة عمله وذلك لان الحافلة التي تواعده كل صباح لتنقله إلى مكان عمله ثم تعيده إلى المكان نفسه قد أخلت بوعدها مما دفع السيد محمود راغما أن يستنجد بإحدى حافلات المجمع لعلها توصله إلى عمله دونما تأخير،ربما كانت هذه أول مرة منذ ما يقارب السنوات العشر يدخل فيها السيد محمود إلى عالم المجمع أي منذ أن حصل على وظيفته هذه،كان عالما جديدا يتعرف عليه. فالباعة تملأ أصواتهم المكان فلا تدع لصوت آخر حق العبور في الأجواء والبضائع المكدسة على الأرض هنا وهناك , مهلا إنها ليست بضائع إنها امرأة عجوز قد تلحفت بالهواء وصنعت ما يشبه الشرنقة بجسدها النحيل في حين تركت يدها طليقة علها تجمع لها بعض النقود التي تزيد من عمرها يوما قبل أن تموت جوعا وفي زاوية أخرى من ذلك المكان ينتشر صغار يبيعون طفولتهم مع أقراص العلكة وآخرون يتعلقون بأطراف الثياب يرجون من هذا وتلك أن يتعطفوا عليهم بقرش يمكنهم من متابعة دراسة يعدهم بها أهلهم إن استطاعوا أن يجمعوا المال وأصحاب محال ينظرون إلى أرجاء المجمع كأنهم يراقبون شيئا ما في حين أن سائقي الحافلات قد انشغل بعضهم في إيصال الركاب إلى الأماكن المحددة ضمن خط السير في حين انشغل الآخرون بالأحاديث التي غالبا ما كانت تشعل المشاجرات .في هذا المجتمع وجد السيد محمود نفسه وفي صدره ضيق يكاد يخنق أفكاره ونظراته تتعلق في الهواء ثم تلقي نظرة إلى المجمع أملا منه أن يكون في مجرد حلم . يبدأ هذا المشهد من باب المجمع الفرعي مشهد طفل صغير لم يستطع شعره الأشقر ولا عيناه الخضراوان أن تشرحا صدر من ينظر إليه . كانت ثيابه الرثة و وجهه الذي اتشح ببقايا أوساخ سوداء وصلت إلى ثيابه وحذائه الأقرب إلى البابوبج كفيلة بالايحاء بأن تدرك أن هذا الصبي من ضحايا الحرمان والفقر . هذا الصبي غريب حقا فنظراته التي تلاحق خيالات في السماء ثم تهبط إلى الأرض فتغفوا في أحضان مشاجرة بين سكان هذا المجمع وتصحوا في بداية أخرى ثم تعود لتسلط تركيزها على تلك المرأة التي تقف أمامه وأخيرا تعود لتلتصق في الأرض في استراحة قبل أن تبدأ جولتها الثانية . هذا المشهد المتحرك كانت كاميرا السيد محمود قد التقطته وإثارت فيه شعورا غريبا ممزوجا بالشفقة والضحك شعورا لا يستطيع أن يصرح عنه لأنه لا يشعر بشيء . بالأصح هو يشعر أن هذا المشهد لا يعنيه أن هذا العالم ليس عالمه كأنها رحلة إلى المريخ وبعد دقائق سيعود للأرض هذا هو الشعور الذي كان يراوده شعور عدم الانتماء وشعور الانتماء اللذان يتنازعان في عقله قبل قلبه . بدأ ذلك المشهد يقترب أكثر من السيد محمود وتلك الكاميرا السميكة التي يحتاج إلى تعديلها بين الفينة والأخرى ما زالت ترصد الأحداث وأخيرا توقف المشهد! لقد وقف إلى جانب الطابور الذي يقف به كانت هذه المرأة التي تبعها الصبي والتي تحمل علبة كولا وتتحرك بطريقة غير موزونة وكلماتها تخرج بعد عناء ذات وجه دائري وعيناها الفارتان من لا شيء تختبئان خلف نظاراتها الدائرية تخفيان جمالا لا بأس به ،بنطال القماش المطاطي الذي كسا جسمها بالاشتراك مع قميص مربع أحمر يوحي أنها من أؤلئك الذين يعيشون تحت الصفر بدرجات وشعرها الأحمر المجعد يشكو من أن المشط لم يزره منذ عقود في هذا المنظر الغريب الذي ظهرت به هذه المرأة ودون احترام لقانون الطابور اندست في داخل الحافلة وطلبت من ذلك الصبي أن يتبعها انقاد الصبي دون أن يبدي أي حركة سوى ملامح الحزن التي بدت أوضح الآن،السيد محمود ليس من أولئك الذين يؤكل حقهم على مرأى عينهم لذلك كان من الطبيعي أن ينتفض على المرأة ويدعوها إلى النزول وكاد يفعل ذلك لولا ذلك الحزن الذي تألق بقوة على وجه الصبي فاخرس ثورته . لم يكن السيد محمود بحاجة لكي ينتظر طويلا بعد أن غاب المشهد الذي كان يراقبه فقد ركب الحافلة سريعا وشاء القدر أن يجتمع المشهدان معا مشهد الصبي مطأطىء الرأس يجلس إلى جانب تلك المرأة ومشهد السيد محمود الذي اندس بين مجموعة الركاب الخمسة في المقعد الأخير كان الموقع ملائما لكي تلتقط كاميراته الأحداث من جديد انطلقت الحافلة كالمجنون لا تعرف المطبات ولا الحفر وأخذت رؤوس الركاب ترتطم بسقف الحافلة تارة وتارة تكاد جباههم تسجد على ارضها وبين هذا وذاك تبقى نظرات السيد محمود مركزة على منظر المرأة والصبي إنها تلصق وجهها بنافذة الحافلة لم تكلمه منذ أن ركبا الحافلة ما هذا الحزن الذي يقيم على وجهك أيها الفتى . هناك في الحافلات ما يسمي (الكنترول) وان تم تصنيفه كمهنة يمكن اعتباره مساعد سائق الحافلة يجمع الأجر من الركاب ويساعد السائق في معرفة أين سينزل كل منهم ،وهذا ما كان يقوم به كنترول حافلتنا جاء يجمع الأجور حتى توقف عند مقعدهم طلب الأجر فلم تجبه , شدد عليها ولم تسمعه ثم عاد إلى معلمه ليقول "هذه المرأة المجنونة مش راضية تدفع الأجر" صعق السيد محمود هذه المرأة مجنونة لا يبدو عليها كذلك , ماتعاني منه فقط ضعف بسيط في السيطرة على أفعالها ما أسوأ أخلاق البشر أيحب هذا أن تنعت أخته بالمجنونة حقا إنهم كما قال صديقه حثالة المجتمع هذا ما أضن ثم عاد الكنترول في محاولة أخرى ,طلب من الصبي أن ينبهها حاول الفتى لم ترد وقال له "هذه أمك مش راضية تدفع المصاريف وعمالها بتشرب علبة كولا أنا بورجيها" وهذه الصفعة الثانية على خد محمود الطفل يجلس مع أمه هذه إذا أمه يا لهذا الطفل الصغير الذي تعلق بأمه على الرغم من أنها تعاني اضطرابا في أعصابها ولمح بسرعة منظر والدته العجوز وهي ترقد في دار للمسنين كيف أخذت تبكي في آخر مرة زارها فيها وكيف عانقته بطريقة جعلته يجفل لدقائق انه لم يكلف نفسه عناء سؤال أمه ماذا يبكيها منذ ما يقارب الأربعة أشهر قالت له أنها اشتاقت له لم يصدقها انه كلام الأمهات اللاتي يضحكن به على أولادهم كي يكثروا من زيارتهن ترى هل تشعر أم الصبي بنفس مشاعر أمي هل هذه المشاعر تخرج عن سيطرة العقل ؟؟؟؟؟؟؟نظر إلى الطفل فوجده قد غرق في خجله ويحاول كبح جماح نظراته أن تصعد إلى الأعلى،أحس السيد محمود أن هناك شيئا في جسده قد فقد لا يدري ما هو لكنه يحس بنقص شديد يدفعه ليحلق بنظراته في كل شيء كالطير المذبوح . توقفت الحافلة لتلتقط بعض الركاب من على الطريق لكنها مليئة ولا يوجد مكان فارغ ليجلس فيه احد ، هذه ليست بالمعضلة فدائما الكنترول عنه حل لمثل هذه المشاكل المستعصية أشار للصبي بالوقوف واجلس الراكب الجديد مكانه وطلب منه أن يجلس في مقدمة الحافلة وما زال وجه أمه ملتصقا بزجاج النافذة ...بعد فترة أفاقت أمه من نومها اليقظ وتلفتت حولها فلم تجد صغيرها وبدت كدجاجة أضاعت أفراخها لقد بحثت عنه في كل مكان حولها حتى تحت الكرسي في علبة الكولا ثم بدأت تصرخ :"أين ابني أين ذهبتم بابني؟" لم يستطع احد كبح جماحها الثائر ثم تلفتت فجأة إلى الراكب الجار وقالت له :"لماذا تجلس هنا أين ذهبت بابني اخرج من هنا وأعيد لي ابني "، ولم تهدأ إلا عندما وجدت ابنها يلوح لها من مقدمة الحافلة وهكذا هدأت وابتسمت له في حين غفت في عينيه مرة أخرى الأحزان . هذا المشهد جعل السيد محمود يتعرى أمام نفسه أن يدرك ما هو هذا العالم الذي يقطن إلى الجانب منه بل ما هو هذا العالم الذي يعيشه، إن تلك المناظر الذي اعتاد عليها منذ عشرة سنين كافية لان تنسيه ما هي الحقيقة المرة التي تختبئ خلف القشور . حقيقة أناس كل يوم يعيشون معاناة ولا ينتظرون منه أن يعايشهم ثم هو يصفق لمن يثور فيقول أن هؤلاء الحثالة من البشر هم سبب تخلف البلاد ولم نعط أنفسنا الحق في عكس الحقيقة ونقول أن الفقر هو سبب وجود مثل هذه الحثالة ثم ماذا ،ما هذه العلاقات المبهرجة الذي يعيشها ما هي تلك العلاقة التي تربطه بأمه انه لم يرها منذ شهرين وان ماتت ربما سيكون منشغلا في عمله ويكون في حاجة لان يجتره عمله ما هي تلك العاطفة الغريبة التي أودعها الله في قلب الأم...لم يمض الكثير عندما جاء الصبي إلى مقعد أمه ليقول لها لقد وصلنا ،نزل الاثنان واختفى المشهد ولكنه لم يمت فقد بقى السيد محمود معلقا نظراته بهذه العينة من سكان المجمع ثم أزال نظارته عن عينه ومسح عنها بخار الدموع الذي علق بها ثم دسها في جيب بدلته لقد بدأ يرى الأمور بشكل أوضح.!!
آخر تعديل مردوك الشامي يوم 12-11-2005 في 12:49 PM.
|
|||||
|
|
|