أخي الفاضل د.حقي إسماعيل
حياك الله
من هم جنود اللـه الأشد بأسا في الأرض ؟
المجاهدون
لذا يلزم عند الحديث عن الجهاد البدء بالفرد ودوره وأشكال هذا الدور قبل الحديث –الذي لا غنى عنه-عن حرب وجيش ومدافع.
قبل الحديث عن جهاد الخارج تبدأ فاعلية المواطن المسلم في الداخل، في تأسيس وضمان نظام
سياسي عادل وشوري(بكسر الياء) يمكن أن يجاهد أعداء الخارج؛ لذا فلا تنفصل الفاعلية السياسية
للمسلم في الداخل عنها في الخارج، فقبل المجاهد يجب أن يكون هناك المواطن الحاضر الفاعل الشاهد على الجماعة المسلمة وعلى العالمين (لتكونوا شهداء على الناس)
فالشهود يسبق.. الشهادة!
الإسلام قائم على حاكمية الله أي كونه تعالى مصدر الشريعة، والأمة صاحبة الشريعة، ونظام الإدارة السياسية الممارس والمنفذ لهذه الشريعة في الجانب القانوني والتنفيذي/الإداري، وعلى ذلك فإن الوجه الآخر للبيعة هو المسؤولية السياسية لأفراد النظام السياسي، فسلطتهم ليست مطلقة بل مقيدة بالشرع والشورى؛ وبذا يصبح عدم الالتزام بالشرع وترك الأخذ بالشورى واقتراف الظلم موجبًا للمسؤولية السياسية للنظام ومبررًا لعزله، واسترداد الأمة ولايتها مرة أخرى لتعهد بإدارتها إلى غيره.
إن موضوع "الجهاد" و"الخروج" متداخلين في الواقع العملي، ولا يمكن فهم أي منهما بمعزل عن الآخر.
فالجهاد وظيفته إقامة الدين وحفظه وإزالة الشرك ومواجهة أي عدوان يستهدف الشريعة أو أي اعتداء على الدولة الإسلامية ونظامها من جانب أي قوة خارجية، وهي ذات الأهداف التي يتم "الخروج" من أجلها لكن في مواجهة نظام الحكم الداخلي حال استبداده وتركه الشورى.
إن حفظ الدين كأول مقاصد الشرع هو غاية كل من الجهاد والخروج، كما أن كليهما أمر بالمعروف ونهي عن المنكر. والأصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه فرض كفاية أي إن الأمة كلها مكلفة بإقامته، لكنه إذا التزم كل واحد بذلك لم يتفرغ الناس لمصالح دنياهم؛ لذا يصبح واجبًا في حق الدولة خاصة في الأمور النظامية ويسقط عن الأفراد إلا في الأمور الفردية اللازمة لضبط علاقاتهم، فإذا قصرت الدولة أصبح واجبًا على كل فرد؛ وبذا تصان الأمة من عوامل الانهيار الذي هو نتيجة حتمية للانحراف عن الشرع.
والجهاد فرض كفاية عند جمهور الفقهاء، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وإذا لم يقم به من فيه كفاية أثم الجميع، وهو واجب على الكافة إذا دخل العدو ديار المسلمين، كما أن مراقبة النظام وتقويمه فرض كفاية يقوم به أهل الاجتهاد وأهل الحل والعقد الذين لهم حق نقض بيعة الحاكم وعزله إذا أخل بالشريعة الإسلامية، فإذا لم يفعلوا وأضحى العمل بالشريعة موضع تهديد أصبح الامتناع عن طاعة الحاكم واجبًا على كل أفراد الأمة.
جهاد مسلح.. أم لا شيء؟!
وإذا كان الجهاد المسلح قد صار في أحيان كثيرة متعذراً نظرًا لطبيعة الاستعمار الجديد الهيكلية، كما أضحى الخروج المسلح أيضًا صعباً في أقطار إسلامية عديدة لقوة الدولة وبطشها في مواجهة المجتمع، فإن الجهاد والخروج لا يَسقطان كواجب على الأمة، بل يأخذان شكلاً مختلفًا يتفق والواقع الراهن الذي تمر به الأمة الإسلامية، والذي لم يسبق له مثيل في تاريخها، ألا وهو الشكل الهيكلي، أي الذي يجعل تحرير الأبنية والمؤسسات والهياكل هو ساحة الجهاد الأولى ومجال الخروج بهدف استعادة سلطان الأمة وحاكمية الشريعة الإسلامية.
لقد أصبحت ساحة التنمية هي أقرب وأول ساحات العمل الجهادي، وساحة المجتمع هي ساحة استعادة الشرعية الإسلامية، فالتنمية يلزم أن تكون عملية تحرر شامل وتغيير بنائي اجتماعي واقتصادي وسياسي متكامل ذات أبعاد قطرية وقومية تقوم على تعبئة الإمكانات وتوظيفها بأفضل ما يمكن لتحقيق استقلال الأمة، مع بلورة آليات للتنمية لا تقتفي بالضرورة أثر النمط الغربي، بل تعتمد على القدرات الذاتية وتتسق مع البناء الاجتماعي والثقافي، وتعتمد على الإنسان وتحدد بدقة مجالات الدولة ومجالات الجماعة كي يتم التوزيع الواعي للأعمال الحضارية، فالجهاد في مجتمعات إسلامية عديدة ينبغي أن يكون تربويًّا وإعلاميًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا، وهو ما يتطلب نفيرًا عامًا "يحضر" فيه المجتمع بعد أن غابت أو عجزت النظم السياسية.
أما الخروج فإن الشكل الذي يجب أن يطرح له ويتم تأصيله فكريًا وبلورة آلياته واقعيًا هو ما يسمى "الدفاع الشرعي العام" في كتابات إسلامية، و"العصيان المدني" في الكتابات الغربية. فإذا كان العنف ـ كوسيلة لتغيير أنظم الحكم المخترقة التابعة ـ غير مطروح في أقطار إسلامية كثيرة لأسباب داخلية وعوامل خارجية فإن "اللاعنف" قد يصبح في لحظة تاريخية ما سلاحاً متاحاً في تحقيق التغيير، ومن هنا تصبح الانتفاضة نموذجاً فعالاً للتغيير في كل أرض ومكان، و"المقاطعة" أداة بسيطة للتعامل الفردي الراشد مع النظام العالمي الرأسمالي الذي اخترق الحدود وصولاً لاختيارات الفرد الاستهلاكية اليومية.
وتقوم فكرة "الدفاع الشرعي العام" على حرمان النظام السياسي غير الشرعي من المساندة والتأييد لإهداره الشرعية الإسلامية، فالامتناع عن المشاركة في أمر غير شرعي نتيجة طبيعية لإخلال الحاكم بواجباته وفي مقدمتها الالتزام بإقامة شريعة الله، والنظام الإسلامي يقوم على الالتزامات، فإذا أسقط الحاكم واجبه سقط واجب الرعية في طاعته ونصرته، وهو الامتناع الذي يأخذ صورًا عديدة كالاحتجاج الرمزي وعدم التعاون الجماعي والاعتصامات والإضرابات والمقاطعات الاقتصادية وغيرها من "أسلحة اللاعنف".
وتنقسم أساليب عدم التعاون إلى ثلاثة مستويات:
- أساليب عدم التعاون الاجتماعي: وتتضمن المقاطعات الاجتماعية.
- أساليب عدم التعاون الاقتصادي: وتتضمن المقاطعات الاقتصادية والإضرابات.
- أساليب عدم التعاون السياسي: ويطلق عليها أيضًا المقاطعة السياسية.
وحين يرفض المجتمع التعاون مع النظام ومع الهياكل الاقتصاديةويصر على العصيان والمقاومة غير العنيفة، فإنه يحرم هذا النظام الخارج عن الشريعة من الدعم الذي تحتاجه أي حكومة أو نظام ويفقده عناصر قوته، وهو ما يؤدي في النهاية إلى سقوطه حتى وإن لجأ للقمع في مواجهة هذه الحركة المجتمعية الشاملة؛ إذ لم يصمد أي نظام في مواجهتها إذا أحسنت إدارة اللاعنف، واستخدمت الآليات المختلفة بشكل جيد، مع ملاحظة أن وجود نظام بديل أو حكومة ظل من الرموز الاجتماعية والسياسية يصبح أمرًا لازمًا كي يمكن استبدال النظام المتهاوي، ولا تحدث عند سقوطه فوضى شاملة.
ولما كان تحرير الأبنية المختلفة من التبعية يستلزم مشاركة الجماهير في جهود التنمية بشكل فعال، في حين تعد آلية الامتناع والعصيان أهم أدوات مقاومة استبداد الأنظمة العملية داخليًا، فإن التوفيق بين الآليتين يجب أن يدار بشكل منظم من جانب القوى الاجتماعية؛ بحيث يتم دعم قطاعات اقتصادية وسياسية معينة لدفع استقلالها وتطورها، في حين تتم مقاطعة قطاعات أخرى وحرمانها من المساندة والتأييد لإضعافها مع انتقاء لدرجات الدعم ودرجات الامتناع في كل موقف حسب المصلحة الشرعية وبلورة أشكال مجتمعية تحتية موازية وجديدة تحقق للمجتمع تماسكه وتكفل له القدرة على الاستمرار في الجهاد والخروج الهيكليين.
المرأة فاعل رئيسي
ويعد هذا السياق مناسباً لمناقشة ودعم دور وجهاد المرأة في المجتمع الإسلامي المعاصر، فإذا كان هناك إجماع على وجوب الجهاد على المرأة عند دخول العدو دار الإسلام والنفير العام، بل ذهب البعض إلى أنها تقاتل حينئذ بغير إذن زوجها. وإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبًا على كل مؤمنة بنص الآية: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) (التوبة: 72)،
فإن المرأة في ظل الظروف الراهنة للأمة يجب عليها وجوب عين الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في شتى مستوياته ومنها الخروج، وكذلك الجهاد بمستوياته وأدواته المختلفة، وهو الأمر الذي أغفلته كثير من الكتابات المعاصرة عن المرأة، والتي اكتفت إما بالسرد التاريخي لدور المرأة في مجتمع الرسول، أو التخريج الفقهي لحكم جهادها دون تنزيل الحكم على واقع المرأة المسلمة في ظل التحديات التي تواجه الأمة. واقتصر تحليل دور المرأة في "الخروج" على تناول وقائع مشاركة السيدة عائشة في موقعة الجمل والخروج على علي بن أبي طالب رضي الله عنهما وعلى آل البيت والصحابة أجمعين، في حين ظل طرح حكم جهاد المرأة يدور في إطار فرضية الكفاية دون التفات إلى أن فريضة الكفاية لا تنفي مشاركة النساء وفق القدرة والرغبة في القتال المسلح والخدمات الإنسانية والطبية العسكرية كما حدث على عهد رسول الله، وهو ما يتطلب قيام الدولة بتوفير التدريب العسكري على فنون الحرب المختلفة للقادرات الراغبات، إلى جانب توفيرها لتدريب عام على الدفاع المدني للكافة كي تكون كل امرأة مؤهلة ومستعدة إذا ما أضحى الجهاد فرض عين وتهددت الدولة الإسلامية، وهو حال العديد من البقاع الإسلامية اليوم.
أما في حالة عدم توفر شروط القوة اللازمة للجهاد المسلح ووجوب الجهاد الهيكلي فإن النساء يلتزمن بالمشاركة في جهود التنمية في شتى المجالات، كل واحدة على قدر جهدها ووسعها وقدرتها، وتقديرها لظروفها، مع الوعي بأن هذا ليس عملا اختياريًّا أو تطوعيًّا بل هو جهاد اللحظة الراهنة، جهاد حقيقة لا مجازاً.