البصمة المبتورة: تواطؤ الصمت وخيانة الشكل
_______________________________
ينتمي القاص العراقي ماجد غالب إلى أولئك الذين يتخذون من التكثيف أداة لاختراق المعنى، ومن المفارقة وسيلة لإعادة مساءلة العالم. في نصه "معاهدة"، لا يسرد غالب حدثًا بقدر ما يقترح جرحًا سياسيًا ضاغطًا، ويستدعي قارئًا يتجاوز دور المتلقي إلى دور الشاهد المتورّط في تأويل الغياب بقدر الحضور. إذ لا يفتح النص أفقه أمام القراءة التقليدية، بل يبني شبكة دلالية تتكشّف عبر الإيماءة والاختزال، ويتطلب من قارئه أن يعيد بناء العلاقات بين الأفعال المبعثرة ضمن أربع جمل شديدة الاقتصاد، مشبعة بالرمزية والتوتر.
-
تبدأ المفارقة منذ العنوان: "معاهدة"، وهو مصطلح يفترض توازنًا وندية وتبادلية، لكن الجمل التي تليه تفكك هذا الافتراض تباعًا. "صافحوه" قد توحي للوهلة الأولى بالقبول أو الاحترام، لكن الفعل التالي، "استعاروا بصمته"، ينقلنا إلى خيانة صامتة، فالبصمة هنا لا تُأخذ بموافقته، بل تُستعار، أي تُستعمل دون ملكية حقيقية، وهي إشارة بليغة إلى المصادرة الرمزية للذات والهوية والإرادة.
أما "أغرقوها بالحبر"، فهي العبارة التي تفجّر المفارقة السياسية في عمقها: فالحبر، رمز الوثائق والاتفاقيات والقرارات، يصبح أداةً لغمر الصمت، لتثبيته، أو ربما لتزويره. الجملة الأخيرة، "احتفظوا بها مبتورة"، لا تُنهي الحدث بل تُعيد تفسيره بأثر رجعي: المعاهدة لم تكن تعاقدًا بل استلابًا، والبصمة لم تكن إثبات هوية بل نزعًا لها. هكذا، تتحول المصافحة من إيماءة اتفاق إلى فخ محكم، وتتحول البصمة من إثبات شخصي إلى دليل ضد الذات.
-
المفارقة الجمالية تتعزز عبر هذا التنقل بين الأفعال، في مشهد لا يُروى فيه ما حدث، بل يُكشف فيه ما لم يُقل، حيث المسكوت عنه يتجاوز ما يُصرَّح به، وتصبح اللغة نفسها جزءًا من المؤامرة. فكل كلمة تؤدي وظيفة مزدوجة: تُبقي على ظاهر المعاهدة، وتكشف باطن المصادرة. النص لا يترك للقارئ لحظة استراحة أو تعاطف، بل يورطه في هذا اللعب الرمزي القاسي، ليواجه أسئلة لا يجيب عنها بل يتركها معلقة في الهواء.
-
فإلى أي مدى يستطيع القاص ماجد غالب أن يحمّل هذا الشكل المكثف كل هذا الاتهام الرمزي دون أن يسقط في المباشرة؟ وهل يمتلك القارئ الشجاعة الكافية ليعترف بأنه في مرات كثيرة قد صافح، وصمت، ووقّع، ثم نسي يده مبتورة؟