أمريكا: بين جنون العظمة و جنون بوش
عبد الحق بوقلقول/ الجزائر 22/2/1427
22/03/2006
موقع (الإسلام اليوم)
ما معنى أن تمر ثلاث سنوات كاملة على بدء الحرب على العراق، و تسقط العاصمة في ظرف وجيز جداً، ثم يعلن الرئيس بوش نهاية العمليات العسكرية في الأول من أيار/مايو 2003 في هذا البلد، ليعود الرئيس نفسه قبل أيام، و يعلن لنا أن القوات الأمريكية بدأت عملية هي الأكبر منذ بداية الحرب من غير أن يلحظ، لا هو و لا كبار محللي السياسة الأمريكية من الكتّاب الغربيين -و بعض الشرقيين أيضاً- أن هذا يمثل تناقضاً صارخاً ما كان يحق لرئيس دولة هي الأقوى عالمياً -بلا خلاف- أن يقع فيه؟!
قبل ثلاث سنوات من الآن، و حينما كان بعض المحللين يجتهدون في سبيل أن يقنعوا الإدارة البيضاوية بعدم جدوى حربها على العراق ، وأن مشروع "حرية العراق" قد يكون كفيلاً بأن يقبر -إلى الأبد- كل طموحات و أحلام عصابة المحافظين الجدد الماسكة بدواليب صناعة القرار في واشنطن، كتب واحد من أشهر الصحفيين في العالم، و الذين تتسابق الصحف العربية في سبيل ترجمة ما تجود به قريحته منذ سنوات طويلة، و يتعلق الأمر هنا بالمسمى (توماس فريدمان)، مقالاً بعنوان: "قصة الأفيال التي طارت ثم سقطت" حشد فيه كل المسوّغات العقلية و الأخلاقية التي تدحض أطروحات المعسكر المناهض للحرب، قبل أن يكتشف هو نفسه -من غير أن يعترف طبعاً بذلك- أنه كان قد أخطأ التقدير، و تسرع في استباق الحكم؛ لأن الكل يجمع الآن على أن مفهوم الحرب الاستباقية التي أبدعتها مخيلة الفكر المتصهين في الولايات المتحدة -هي بلا شك- أخطر ما توصلت إليه عقليات تجار الحروب على مر التاريخ.
ففي الوقت الذي أعلن فيه الرئيس الانتقالي للعراق، جلال الطالباني بداية أشغال أول جلسة للبرلمان المنتخب حديثا ، و حينما كانت الفضائيات، أو بالأحرى المحطات الدعائية التي لا تزال معتمدة هناك، تنقل صور تلك الجلسة، بدأت قوات الاحتلال الأمريكي، و معها بضع مئات مما يُسمّى بالقوات العراقية عملية قيل إنها الأكبر منذ سقوط نظام البعث في التاسع من أبريل 2003، على محيط مدينة سامراء، و يمكننا هنا أن نلحظ أن هذا التوازي الغريب بين الشق العسكري و السياسي من العملية الأمريكية في المنطقة لا يدلّ في الواقع إلا على أن كل ما يسوّقه لنا الإعلام لحد الساعة -و منذ ثلاث سنين- لا يعدو أن يكون تهريجاً، و أن ما يحدث الآن هو بكل بساطة، الحرص الأمريكي على العمل بكل جدية في سبيل تهيئة أنجع سبل الخروج من المستنقع العراقي، فضلاً على أنه بات واضحاً الآن أن مراكز (الثينك تانكس) في واشنطن تكون قد توصلت إلى أن أحسن طرق تحقيق هذا المطلب سوف تمر –بالضرورة- عبر الدفع بالمنطقة كلها نحو شفير الحرب الأهلية الشاملة؛ لأن ما وقع مؤخراً-وإن اختلفت التسميات- هو دلائل مباشرة على أن الكل يدفع في سبيل وقوع المحظور.
و في صدد الحديث عما تحقق على الأرض العراقية، كتبت يومية (وول ستريت جورنال) في طبعتها الأوروبية تقول: "بعد ثلاث سنوات من سقوط نظام صدام، صار واضحاً اليوم أن الحدود العرقية بين إقاليم العراق بدأت تأخذ ملامح جدية". و الجريدة في هذا الإطار، تلمح إلى الإفرازات التي أوجدتها الحوادث الخطيرة التي تلت ما وقع في الثاني و العشرين من شهر شباط/فبراير الماضي في سامراء و التفجيرات التي حدثت هناك، و أوجدت بعدها موجة من الصدامات الأهلية غير المسبوقة و الملوّحة بنذر الكارثة قبل أن تواصل بقولها: "ففي الشمال هنالك الأكراد الذين يشكلون ما نسبته بين 15 و 20%، و الذين يتمتعون حالياً بهيكل تنظيمي يضمن الاستقلال الذاتي لإقليمهم، زيادة على أن الدستور العراقي الجديد يمنحهم حق تشكيل قوة عسكرية خاصة بهم ، و تحرراً كبيراً من قرارات الحكومة المركزية، و أما عند الطائفة الشيعية التي تشكل ما لا يقل عن نسبة 60% من مجموع السكان، فالميليشيات "الخاصة" و الشخصيات الدينية تعملان في سبيل أن يُصبغ المجتمع العراقي بالصبغة الإسلامية الشيعية، ثم إن معظم هذه الشخصيات تسعى لأجل أن يُمنح الجنوب الغني بالمصادر البترولية، ميزة الحكم الذاتي اقتداء بالأكراد، و بين الطائفتين يمكننا أن نجد الطائفة العربية السنية التي تمثل ما بين 18 إلى 20% من مجموع العراقيين، محاصرة في منطقة ضيقة في الوسط فقيرة اقتصادياً، و تشكل في ذات الوقت، الملجأ المفضل للمتمردين"، و في سبيل تعزيز فرضية توجه العراق نحو الحرب الأهلية تقول الجريدة: "إن قيام عائلات عديدة من بين العراقيين بتغيير مقار سكنها، و السفر نحو المناطق التي لا تحس فيها بالعزلة الطائفية لهو دليل كافٍ على أن الحالة تتجه نحو الصدام الكامل، أو على رأي النائب الكردي محمود عثمان: لقد تزايد عدد العراقيين المقتنعين بأن التعايش بين طوائف المجتمع العراقي أضحى مستحيلاً، و هذا ملخصه أن البلاد سائرة نحو الانقسام وفق اعتبارات طائفية داخل نظامي فيدرالي". و الحقيقة أن لهذا الطرح ما يعززه؛ فعدد كبير من المسؤولين العراقيين- على ما يبدو- يعملون في سبيل وقوع المحظور، و لعل في تصريحات إياد علاوي الأخيرة خير دليل على ذلك؛ فالرجل أقر بأن ما يقع في العراق هو حرب أهلية بكل ما للكلمة من معنى، على الرغم من أن الأمريكيين ذاتهم الذين هم -بلا شك- أكبر المستفيدين من وقوع مثل هذا الأمر، لم يقولوا ذلك صراحة، و إن لم يخفوا في المقابل أيضاً حرصهم على أن يدفعوا بالأرض العراقية نحوه؛ لأن هذا هو الحل الأنجع و الوصفة السحرية التي سيكون في مقدورها أن تجعل خروج قوات الاحتلال من العراق أمراً تفرضه الاعتبارات الإنسانية، أوَلَمْ يقل رامسفيلد مؤخراً بصريح العبارة: إن أمريكا لن تتدخل في حال نشوب الحرب الأهلية ؟!
صحيح أن أحاديث قليلة جداً تناولت موضوع حرص واشنطن على أن تندلع المواجهة الشاملة بين مختلف مكونات النسيج المجتمعي العراقي، و لكن التطورات الأخيرة في هذا البلد الجريح لا تذهب إلاّ في سبيل تعزيز هذه الفرضية، حتى و إن زعم رامسفيلد بأن العراق "حقق تقدماً، و سجل قفزات في ميدان الديموقراطية" ، و هذا هو ملخص ما كتبه هذا الأخير في المقال الذي أوردته جريدة (الواشنطن بوست) في العشرين من شهر آذار/مارس الحالي تحت عنوان : "ما حققناه في العراق" حيث كتب يقول: "إن الذين شككوا في جدوى العمل الذي قمنا به في العراق ينطلقون في الواقع من نفس المنطق الذي ينطلق منه زعيم الإرهابيين هناك(أبو مصعب الزرقاوي)، و أتباعه و سوف يثبت التاريخ أن العراق الحالي يتطور و يتقدم؛ فالتاريخ لا يمكن أن يكون مجرد عناوين صحفية يومية، و إنما هو صورة أشمل و أكثر عمقاً تتشكل مع الوقت" و حتى لو صدقنا هذه التفسيرات التي يسوقها عرّاب الحرب في واشنطن، و سلمنا جدلاً أن التاريخ لا يمكن أن يُكتب بصيغة الحاضر مثلما يقول مالك بن نبي، فإننا سنكون مضطرين-على عكس ما يتمنى رامسفيلد- إلى ملاحظة أن عملية " تحرير" العراق هذه استلزمت وفاة ما لا يقل عن المليون و نصف المليون عراقي منذ إعلان الحصار في العام 1990، ثم إن هذا الرقم لم يكن كفيلاً بتحقيق "الحرية"، و اقتضى الأمر أن يُقتل مائة ألف عراقي آخر -وفق أرقام رسمية- لحد الساعة فضلاً على أن كل المؤشرات الميدانية لا تذهب سوى إلى التأكيد على أن هذا الرقم لا يزال مرشحاً للارتفاع أو التضاعف، على رأي أكثر المتابعين للقضية تشاؤماً.
إن صقور الحرب الأمريكيين لا يلاحظون، أو بالأحرى، لا يستطيعون أن يلحظوا أنهم وقعوا منذ البداية في أتون خلط خطير من التوهّمات. لقد خلطوا بين مفهوم الحرب في حد ذاتها كأداة و وسيلة تحفظ كيان الدول، و تشرعها كل الأعراف الدبلوماسية على مر العصور، و بين مشاعرهم المتشائمة أكثر من اللازم؛ فحينما قرروا قبل ثلاث سنوات من الآن أنه يتعين عليهم أن يبادروا إلى إسقاط نظام صدام حسين، ما كانوا يدركون وقتها أن هذه المغامرة سوف تجر عليهم تبعات لا حصر لها، و أنها سوف تضع كل ما حققته الحضارة الأمريكية في القرن العشرين على المحك؛ لأن الواقع يثبت أن العالم بأسره بات يتوجس اليوم خيفة من هذه الدولة "العظمى" التي صارت تشكل أكبر تهديد للسلم و الأمن الدوليين، بعد أن كان يُفترض أنها الحكَم في كل مأزق و نزاع يهدد ما سُمّي سذاجة "المجموعة الدولية". لقد حققت الولايات المتحدة ما سعت إلى تفاديه و جرّت على نفسها مشكلات كانت في غنى عنها، و لا شك في أن التعاطف الدولي الذي احتشد حولها بعد هجمات سبتمبر صار اليوم حلماً جميلاً؛ لأن كل العالم اليوم أضحى يدرك أن ما وقع في ذلك اليوم كان مجرد ردة فعل طبيعية على سلسلة لا متناهية من الأكاذيب الأمريكية حيكت على مر العقود الأخيرة.
إن الخلط الممنهج بين الوسائل و الغايات الذي سقطت فيه العقول الأمريكية يثبت اليوم أن كل ما قيل وقتها عن النوايا الطيبة لم يكن في الواقع غير يافطات بألوان زاهية، فهل تعتقدون أنه لا يزال هنالك في هذا العالم أي شخص يؤمن بأن ما فعلته أمريكا و تفعله حالياً، ليس له من دافع غير تحقيق الديموقراطية و تحرير العراقيين؟ لقد تلعثم جورج بوش نفسه قبل يومين حينما سأله الصحفيون عن واقع هذا المشروع الذي أسال الكثير من الحبر الأمريكي و الدم العراقي، و أنهك موازين الخزانة الفيدرالية. لقد حار الرجل و لم يجدْ جواباً لسؤال صار الشغل الشاغل لعموم الأمريكيين المتذمرين من هذه العنجهية الملتصقة برأس ساكن البيت الأبيض؛ لأنه لم يجد جواباً للوضعية غير قوله: "إن أمر انسحاب القوات الأمريكية متروك لرؤساء الولايات المتحدة القادمين". و إن لم يسأله واحد من الصحفيين عن معنى قوله في بداية الحرب أن هذه الأخيرة سوف تكون خاطفة، و لن تتعدى مجرد أسابيع قليلة؛ فالحقيقة أن كل الذين حضروا ذلك المؤتمر الصحفي في البيت الأبيض كانوا يدركون أن الرئيس قد يتلعثم مرة أخرى.
فهل عرفت القوى العظمى على مرّ التاريخ إخفاقاً أكثر خزياً من هذا؟