كولين تيريز
ترجمة: نجوان نورالدين
قد تعد تجربة قراءة القرآن بهدف اكتساب الفهم المبدئي لرسالة القرآن أمراً مثبطاً للهمة بالنسبة إلى القارئ الغربي غير المسلم وغير الملم باللغة العربية، الأمر الذي قد يترك انطباعاً أولياً سيئاً على أقل تقدير.
من هنا، فإن الأفكار والتصورات المسبقة بشأن القرآن ودوره في الإسلام وأهميته بالنسبة إلى المسلمين أصبحت أمراً لا مفر منه وبخاصة مع صورة الإسلام والعالم الإسلامي التي تقدمها وسائل الإعلام الحديثة. إلا، أن هذا الأمر قد لا يكون في حد ذاته سيئاً، إذ قد يدفع هذا الناس إلى دراسة القرآن بأنفسهم وعدم الإعتماد على كل ما يقال.
على كل حال، حتى لو تمتع المرء بالشجاعة والرغبة في التخلي عن تصوراته السابقة ووضعها جانباً واكتشاف الحقائق بنفسه، لا يخفف من حدة المواجهة الأولى لأي أجنبي مع القرآن؛ فالقرآن كتاب صعب القراءة، وإذا توقع القارئ الغربي أنه سيبحر خلال الكتاب من الغلاف إلى الغلاف ويستخلص الرسالة المتضمنة في القرآن بسهولة، فسوف يصاب بلا شك بخيبة أمل كبيرة. حيث إن هناك العديد من العوائق التي تصعب الوصول إلى قلب القرآن ومعانيه الخفية. وعلى الرغم من أن الوصول إلى هذه النفائس والمعاني ليس مستحيلاً، فإن النظرة الأولى إلى القرآن تعطي الإنطباع وكأن هناك خطة خفية لمنع الأشخاص غير المستعدين لفهم تلك المعاني من الحصول عليها في المقام الأول.
بالطبع، لا يوجد تاكيد أكثر من آيات القرآن نفسها لتخبرنا أن القرآن قد أرسل لهداية "العالمين"، ومن هنا فإن رسالته مفتوحة ومتاحة للجميع في كل الأماكن والأزمنة. وعلى كل حال، فإن الأشخاص الذين ينظرون إلى القرآن من خلال وجهات نظر مختلفة فكرياً أو عقائدياً، يجب أن يتوقعوا الحصول على معان مختلفة: حيث يحصل المرء من القرآن مثل ما يأتي له به، ويشمل هذا المفهوم الأفكار المكونة سابقاً عن صحته وإمكانية الثقة به. ومن المفاهيم الخاطئة التي كثيراً ما يحملها القارئ للقرآن لأول مرة في عقله الباطن، هو أن القرآن في الأصل يخاطب هؤلاء الذين آمنوا بالفعل بالله، وهؤلاء الذين تأكدوا بالفعل من حقيقة رسالة محمد (ص)، أو على الأقل يعتقدون باحتمالية أن يكون رسول الله، وفي هذا الصدد، يقول القرآن نفسه الآتي: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدًى للمتّقين. الّذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصّلاة وممّا رزقناهم ينفقون. والّذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون)[البقرة: 2- 4].
وإذا حاولنا وضع الأفكار المكوّنة مستبقاً عن الإسلام والقرآن جانباً، وإذا أخذنا في الحسبان أن القرآن ذو معنى فحسب لهؤلاء الذين يؤمنون بالله والرسول (ص)، فستكون العقبة التالية التي يجب علينا تخطيها هي صعوبة اللغة. لابد وأن الكاتب والمؤرخ الأسكتلندي الشهير توماس كارلايل، الذي كتب عن بطولة وكاريزما محمد (ص) من خلال أكثر الكلمات اللامعة والمنمقة، إنه قد واجه بعض الصعوبات في فهم الرسالة المكتوبة التي جاء بها محمد (ص)، حيث وصف هذا الكاتب الشهير القرآن بما يلي:
"مزيج من الكلمات المحيرة المتعبة... فهو مليء بالتكرار والتفاصيل والاستطرادات المملة والمتشابكة وبالفجاجة والجفاء، أي باختصار بالغباء غير المحتمل".
وسيكون من السهل علينا تفهم هذا الإنتقاد عند معرفة أنه لابد قد أعيق بالصعوبة التي توجه كل من لا يجيد العربية: فقد قرأ الرجل ترجمة القرآن بلغته، بل قد يكون قد قرأ ترجمة من ترجمة أخرى حتى وصل القرآن إلى لغته الأم.
أما الصعوبة الثالثة التي يواجهها القارئ الغربي أو الأجنبي للقرآن، فتكمن في صعوبة شكل القرآن أو بنيته. وفي الحقيقة، فإن من السهل دحض مثل تلك الاتهامات أو الإنتقادات المتعلقة بصعوبة لغة القرآن وبخاصة عندما تأتي هذه الإنتقادات من أناس لا يعلمون كيف يقرآون اللغة العربية الأصيلة. وما لا شك فيه أن هذه الفئة من الأشخاص سيكون من الصعب عليها أيضاً فهم كيفية تقسيم القرآن؛ في الحقيقة، إنَّ أكثر الإنتقادات شهرةً من الإنتقادات التي يتهم بها الذين يعادون القرآن ذلك الكتاب الكريم، تتمحور حول البنية الشكلية للقرآن.
إن الأجزاء والآيات المختلفة من القرآن الكريم تبدو وكأنها جمعت معاً هذا الترتيب بهدف معين خفي. حيث لا تتوحد أيٌ من السور الـ 114 التي تكوّن القرآن الكريم في الأماكن أو الأشخاص التي تختلف بسرعة وبطريقة مفاجئة من حين إلى آخر؛ بحيث قد يصعب على القارئ المعتبر القرآن قصة موحدة على تتبع الأحداث. وباختصار، قد يرى القارئ للقرآن لأول مرة أنه عبارة عن مجموعة من الآيات التي ترتبط بعضها ببعضها الآخر بشكل متبادل ظاهرياً، لكنها تختلف عن القصص السردية المعتادة.