|
|
|
|||||||
| منتدى نصرة فلسطين والقدس وقضايا أمتنا العربية منتدى مخصص لطرح المواضيع المتنوعة عن كل ما يتعلق بالقدس الشريف والقضية الفلسطينية وقضايا الأمة العربية . |
![]() |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 | |||
|
دماء على عتبات " جنين " د. مصطفى عطية جمعة قال عصام : - أعدي ماءً ساخنًا لي كي أستحم يا أمي ؟ الأم باستغراب : أول مرة تستحم يوم الخميس ، عادتك أن تستحم الجمعة . صمت عصام ، كان ينظر للسماء عبر النافذة ، هتف : - السماء صافية اليوم ، وكأن الملائكة ترفرف بأجنحتها بين النجوم . - عصام ، لم ترد عليّ ؟ صرخت الأم فيه ، وأردفت : - عصام " بدك تموت يا عصام " ؟ كان قد سبقها ، فوضع إناء الماء فوق موقد الغاز ، وراح يعدّ ملابسه بتمهل . الأم ترقبه بصمت ، تخاطب قلبها : " كأنه على موعد مع … " الوساوس السوداء تزاحم رأسها ، وكأن قوة غير معلومة تدفعها للسكوت . دخل الحمام ، وسمعتْ الأم رذاذ الماء ، ثم خرج ، كان وجهه بهيًا كالشمس . * * * قالت الأم لأخت " عصام " التي جاءت لزيارتها ، فهي متزوجة من أحد شباب مخيم جنين، وتسكن بالقرب من أمها : - أماه ، عصام حدثني من أيام أنه رأى نفسه مع الشهداء في ثلاث ليالٍ متتالية . انقبض قلب الأم ، وهتفت : - لم يخبرني ، ولكنه كان يعد نفسه وكأنه ذاهب لعرس يا ابنتي . - أماه ، حاولت أن أثنيه عما يفكر فيها ، ولكنه قال لي : يا أختي أنتِ موضع سري أنا أريد أن أستشهد ، لا أريد أن أصاب بجراح أو أن أتعذب . * * * أنهى عصام استحمامه ، وتعطر ، ثم تسحب من البيت ، لم تشعر به الأم ، كان يعرف طريقه جيدًا ، سار بين أزقة مخيم جنين ، وكأنه يودعها ، يتأمل البيوت التي بنيت في أماكن الخيام ، كان معه أحد الشباب يرافقه في تسلله ، قال عصام له : - لا أتصور أن تلك البيوت كانت خيامًا يومًا ما منذ هزيمة ( 1948 ) ، كان أبي يرحمه الله يقول لي : لقد وعدونا أن نعود إلى بلدنا " لد العوادين " خلال أسابيع ، ثم تطور الوعد إلى أشهر ، ثم إلى سنوات . قال صديقه بحرقة : - والله يا عصام ، كلما شاهدت حال أطفالنا تنتابني الحسرة ، انظر إليهم وهم يلعبون بين طرقات المخيم الضيقة ، ومياه المجاري تجري في قناة صغيرة ، إنهم يحملون المرض ، ويلعبون ، هل محكوم علينا أن نتربى ونعيش لاجئين في ديارنا ؟ عصام وكأنه يواصل ذكرياته : - أتعلم يا أخي ، أننا كنا نسكن في قرية لد العوادين ، ثم رحلنا مع هجمات اليهود إلى العفولة الغربية ، ثم رحلنا إلى حيفا بعدما سقطت في حرب 1948 ، إلى عكا ، كان أبي رحمه الله دائمًا يحكي لي قصة الخروج من " حيفا " … - احكها لي . - كان أبي مع أعمامي وجدي في حيفا ، عندما علموا بهجوم اليهود على المدينة ، حاولوا الدفاع عنها ، ولكن قوة اليهود ، وتخاذل العرب وتفككهم عجل بسقوط المدينة ، أسرع أبي وأعمامي إلى شاطئ البحر ، حيث ركبوا سفينة إلى " عكا " . - أسوأ شيء عند الإنسان أن يغادر الأرض التي تربى فيها ولو مرة واحدة . - ونحن غادرناها مرات ومرات . كانا قد وصلا إلى مسجد المخيم ، أمسك عصام بندقيته ، واتخذ مكانه بين صفوف المجاهدين ، كان اليهود يحاصرون المخيم ، يريدون اقتحامه ، رأى الدماء تتطاير من الصدور ، تتفجر بقوة ، هانت الدنيا ، بيوت المخيم وأزقتها تتخاتل أمام عينيه ، لم يصدق أنه يقاتل هؤلاء الذين يقولون إنهم الأقوى في العالم ، كانوا يفرون كالجرذان من أمام المجاهدين ، يتحصنون في دباباتهم . " الله أكبر ، الله أكبر " ردد نداء الصلاة ، في سره ، خفت صوت إطلاق النار ، الدبابات تنسحب إلى الخلف ، اصطف المجاهدون ، قال القائد موجهًا كلامه لهم : - إخواني ، وفقكم الله ، أنتم برصاصاتكم توجهون أعتى قوة في الكبر والغرور ، انظروا إليهم وهم يفرون من أمامنا . - وماذا يجب علينا فعله يا أخي الآن ؟ قالها أحد المجاهدين بحماس . قال القائد : - مجموعة تذهب للصلاة في مسجد المخيم ، حتى تطمئن أهالينا بأن العدو قد تراجع ، وآخرون يبقون هنا للحراسة . * * * تحكي الأم لابنتها بحنو : - منذ أيام قليلة ، جاءني ، وقال : لقد شاهدت شريط فيديو عن أفغانستان يا أمي ، كان المجاهدون الأفغان يقاتلون قوى الشيوعية الكافرة بكل إخلاص ، عندما كنت أنظر إليهم، كنت أحس كأنهم من الصحابة الكرام . - ………… - وقال أيضًا : إن هذا الشهيد في أفغانستان لا يملك إلا روحه ، ولا يحفظ من القرآن إلا سورًا قصيرة ، ومع ذلك فإن إيمانه يزلزل الجبال . - وماذا قال أيضًا يا أمي ؟ دموع الأم ، وكلماتها تتقطع على لسانها : - سألني : ما الأفضل يا أمي ؟ أن أموت هكذا بدون هدف أم أن أموت شهيدًا ؟ قلتُ له: أي موت يا بني ؟ أنت شاب في الثامنة عشر .. قال : كل نفس ذائقة الموت ، سواء في شبابها أم في شيخوختها . * * * ذهب عصام إلى الصلاة في مسجد المخيم ، سار مع صديقه الذي لازمه منذ خرج للجهاد، قال عصام : - لقد خرجت من بيتنا اليوم وأنا عازم على الشهادة . فلا أحد يثنيني عنها . - لماذا اليوم بالتحديد ؟ - لأنني سأنتقم لجدي وأبي ، هل تعلم أنهم بعدما وصلوا إلى عكا ، بالسفن كما قلتُ لك، ونزلوا إلى الشاطئ ، ثم ركبوا الحمير إلى " الناصرة " ، وبقوا فيها ، آملين في أمان ، ولكن اليهود لاحقوهم ، كان أبي يقول لي : إن الأطفال كانت تموت عطشًا على صدور أمهاتهم ، واغتصب اليهود بعض بناتنا . - وهل استقروا في الناصرة ؟ - لا ، سقطت الناصرة ، فهربوا إلى قرية سالم ، التي هي مخيم جنين الآن . دخلا المسجد ، صليا بخشوع ، كأن عصام يصافح الملائكة في صلاته . * * * عقب الصلاة ، عاد الاثنان إلى المجاهدين خارج المخيم ، كانت دبابات اليهود تقترب ثانية، ووراءها المصفحات العسكرية . قال القائد : يا شباب الجهاد ، الثبات .. الثبات . عصام : وأنا أولهم ، دعوني ، سأجعل نيران بندقيتي نارًا عليهم . راح يتبادل النيران بقوة ، ويقفز من موضع إلى موضع ، واليهود يطلقون النار عشوائيًا في كل اتجاه ، اليهود يصابون وهم في مصفحاتهم … ، أرادوا التقدم ، تقدموا قليلاً ، تراجع المجاهدون بعض الشيء إلى الوراء ، صرخ عصام : - لا .. لن تتقدموا . خرج فاتحًا صدره ، شاهرًا بندقيته ، النيران كالرذاذ منها ، نحو اليهود ، صوب اليهود من دباباتهم نيرانهم نحو الصدر الذي يواجههم بإيمانه . الدماء تتفجر من صدر عصام ، يتلفظ الشهادتين . * * * تقول الحاجة لمن جاؤوا يعزونها في استشهاد ابنها : - عقبال أولادكم ، لقد شعرت أن قلبي قد بردت ناره قليلاً ، وانتقم عصام لجده وأبيه الذين حرموا من أرضهم . سألها أحد الصحافيين : وماذا تتمنين يا أم عصام ؟ - أتمنى أن أعود إلى قريتنا " لد العوادين " وأدفن هناك . - حدثينا عن عصام الشهيد ، متى ولد ؟ - ولد في 1 / 1 / 1970 .. شهق المراسل : عقب مذابح أيلول الأسود في الأردن . - نعم يا ولدي ، كانت قلوبنا تتقطع ، ونحن نرى المنظمة تحارب عربًا مسلمين ، وتترك المعتدي الغاشم على أرضنا . - عجيبة هذه المفارقة . - لقد نذرت ألا يكون أحد من أولادي مقاتلاً ضد عربي مسلم . - هل درس عصام ؟ - عصام زينة شباب الحي ، كان في الثانوية العامة ، وكان يستعد لامتحان التوجيهية قبل أن تقوم الانتفاضة . - وترك المدرسة … - لم يتركها ، وإنما لم يهدأ يومًا عن ضرب اليهود بالحجارة ثم بالرصاص . * * * سأل المراسل الصحفي شقيق " عصام " واسمه " محمود " : - أين كنت يا محمود عندما استشهد عصام يوم 25 / 2 / 1988م . - كنت في " نابلس " مع جارنا المريض الذي كان يعالج في مستشفى المدينة هناك . - وماذا رأيت عندما رجعت ؟ - رأيت الانتفاضة شديدة ، وثائرة ضد زيارة " جورج شولتز " وزير خارجية أمريكا، جاء يريد أن ينهي الانتفاضة ، بأي وسيلة ، راح مصر ، وراح الأردن .. ، وراح تل أبيب ، كان يبتسم ابتسامة مصطنعة أمام العدسات ، بينما " شيمون بيريز " بجواره والغيظ بادٍ في وجهه . - نعم ، لم يتوقعوا أن تكون الثورة والتحرير من الداخل ، و" شولتز " لم يكن يريد أن يسمع شيئًا عن الشرق الأوسط حتى تنتهي ولاية ريجان ، لأن الرحلة في الطائرة تستغرق ساعات طويلة ، وهو لا يريد السفر والتعب على متن الطائرات . - لقد جاء غصبًا عنه ، فالمسألة أكبر منهم كلهم ، إن شعبنا يعد العدة أن تستمر الثورة سنوات وسنوات … - وعصام ؟ - جذوة من وقود الثورة التي ستكون وبالاً على الأعداء . * * * كتب المراسل الصحفي : " إن هؤلاء الشهداء ليسوا إلا بشرًا مثلنا ، نقابلهم في كل مكان من أرض الإسلام ، ولكنهم يمتازون عنا بسمة واحدة ، ألا وهي : حب الموت ، واحتقار الدنيا … " وكتب أيضًا : " إن هؤلاء الشهداء لهم أحلام وآلام دنيوية مثلنا ، ولكنهم ارتقوا عنها ، ليحلقوا إلى السماء ، ما حلموا إلا بوطن كريم ، غير ملوث بالصهاينة " |
|||
|
![]() |
|
|