2
فشخصية الأمة الإسلامية لا تتقبل الميوعة والتأثر بغيرها، وهي متميزة تميزاً واضحاً عن غيرها ولا تحتمل التمازج والتخالط والتشارك في المفاهيم، قال تعالى: {صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ} (البقرة138) والصبغة كما قال المفسرون هي دين الإسلام الذي فطر الله الناس عليه، والذي يظهر أثره على صاحبه كالصبغ في الثوب؛ لأنه دين الفطرة والتوحيد.
وهذا الدين جاء للبشرية جميعها وجاء ليظهر على جميع الملل والأديان الأخرى، قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } (الأعراف158)، وقال جل من قائل: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } (التوبة33).
وشخصية الأمة الإسلامية هي شخصية خير وعدل، فلا يجوز أن تتلوث بشخصيات الأمم الأخرى لكي لا تفقد صفات العدل والخيرية والوسطية، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} (البقرة 143).
وعلى البشرية أن تدرك حقيقة أن الإسلام إنما هو آخر دين بعثه الله لها، وأن محمداً صلّى الله عليه وسلّم هو آخر نبي أرسله الله لها وعلى البشرية أن تفهم هذا وتعمل وفقاً له، قال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (أل عمران 85)، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} (يونس57)، وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} (النساء174)، فالبرهان هو النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم وهو حجة على البشرية والنور هو القرآن الذي ينير حياتها.
ثانياً: الثابت والمتغير في كلا الحضارتين: تختلف الحضارة الغربية عن الحضارة الإسلامية من حيث أن الأولى فيها مساحة كبيرة من المفاهيم المتغيرة والمتبدلة، وأن هذا التغير والتبدل إنما يخضع للأمزجة والأهواء، ولأصحاب المصالح والثروات، لذلك تتغير القوانين والأحكام لتخدم مصالح الرأسماليين والطبقات الأرستقراطية في البلدان الغربية، بينما في الحضارة الإسلامية لا يوجد تغيير ولا تبديل، فالثابت صفة دائمية في الإسلام في عقائده وأحكامه، وأصوله وفروعه، وكلياته وجزئياته، قال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً}(النساء65)، وقال سبحانه: {أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً}(الأنعام114)، وقال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}(البقرة208).
فهذه النصوص القرآنية الكريمة توجب على المسلمين الرجوع إلى الكتاب والسنة رجوعاً تاماً في كل شيء، وعليهم أن لا يجدوا حرجاً في ذلك، بل وأن يسلموا تسليماً مطلقاً بكل ما ورد في الأدلة الشرعية، فالله سبحانه هو الحكم والحاكم، فلا يجوز التحاكم إلى غيره، ويجب الدخول في الإسلام دخولاً شاملاً بكافة شرائعه وأحكامه ومعالجاته، وإلا فيخشى من الوقوع في حبال الشيطان واتباع خطواته والعياذ بالله.
فمن أجل الحفاظ على قوة الشخصية الإسلامية ونقائها وبقائها فعالة مؤثرة، على المسلمين الالتزام الصارم بكل ما أتانا به الله سبحانه، قال تعالى:{فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ}(هود14) فهذا هو الشعار الذي يجب أن نرفعه وهو أن ندعو (الآخر) للاستجابة لهذا الدين مع يقيننا واعتقادنا به بشكل لا يتطرق إليه شك أو ارتياب، والإعلان على رؤوس الأشهاد بأننا مسلمون اعتقاداً وعملاً وإيماناً وسلوكاً.
لذلك كان لا بد من أجل الحفاظ على شخصية الأمة الإسلامية وهويتها من وجود دولة إسلامية حقيقية تضع الإسلام موضع التطبيق، وتحمل رسالته إلى العالم عن طريق الجهاد. {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً}(الفتح28).