بينما هم يرمقون بأعينهم المندهشة أحداث ذاك المسلسل تركت أعصابهم مشدودة لمعرفة نهاية ذاك الحدث المروع،وقررت الاعتزال والاعتكاف بغرفتي أسرعت راكضة على رؤوس أصابعي خشية البرد وأقفلت بابي على نفسي وأشعلت مدفأتي الكهربائية الصغيرة وأقفلت النور وأصبح لا يضيء الغرفة سوى شعاع المدفأة الأحمر فركضت مسرعة لسريري وتدثرت تحت فراشي وقبضت يديّ،ضممت قدميّ،وأصممت أذني ّواقشعر جسدي خشية البرد وصوت الرعد وقصف أمطار كادت أن تكسر زجاج نافذتي بقوتها فكأنها لآلئ أو أحجار كريمة تبكيها الغيوم على حيّنا الصغير فتنساب برقة بين جروح الأرض المشققة بلسما يروي عطشها وعطش من في جوفها وتتلوى كالأفاعي الصغيرة وتطرق زجاج نافذتي بكل قواها وكأن معها سر سرمدي أرسلها الرب لتوصله إلي ، فشدني فضول ساقني قسر إرادتي لكي أفتح النافذة وأرى السماء وهي تنتحب وأجيب تلك القطرات الصارخة الغاضبة فما رفعت رأسي حتى عكست المدفأة أشعتها الحمراء على شعري واختلط الأحمر الناري بالكستنائي البني وأطرقت أنظر تلك الظفيرة المجدولة المنسدلة على وسادتي ولونها الذي انصبغ بلون النار يشدّه عيوني فتراكضت أفكار مخيلتي لتري عيوني بخيالها ظفيرتي بحبل نار يلتهب بلون الجمر ينساب أمام ناظريّ.......وفي حين كانت مآقي عيوني ترمق ذاك الشلال الناري كانت أذناي تستمعان لأصوات قطرات المطر وهي تصافح الحجر وأوراق الشجر وسطوح المنازل تهلل وتسبح وتستغفر وتكبر،متغنية بقدرة خالق البشر وتنشد لحن الكون الخالد ويأتي البرق يضيء عتمة ليل قاتم كأنه سيف استله فارس فأضاء العتمة وكأنه باب فتح ظلام الليل لبرهة وسد, ويتبعه رعد ليكمل سيمفونية ربانية من عند خالق البرية ليصدح بقوته ويقصف بهديره ليوقظ أفكاري ويسحب مخيلتي ويجرني للواقع ويذكرني برسالة الأمطار فتابعت مسيري نحو نافذتي الصغيرة وأقبلت عليها أفتحها رويدا رويدا أنظر السماء وهي تباكي الأرض ومافتئت أنظرها حتى غادرت الغيوم وجفت دموعها وذهبت مودعة كبد السماء الذي احتلته طوال ليلة سكوب باكية وتوارت الغيوم كاشفة بعض من ذاك السحر حتى جاء القمر ليبدد نقاب الظلام ويضفي على السحر رونقا ملائكيا فضيا ، وأثناء تحديقي لذاك الفارس الذي امتطى السماء واتخذ من نجومها لجاما ماسيا يزيده روعة وبهاء وكأنه منجل قد صيغ من فضة وإذ بعيوني تلمح شيئا يلمع ويبرق, قريبا........ بعيدا لم أستطع التمييز في بداية الأمر ونظرت لحديقة المنزل وإذ بها مضيئة مشرقة وكأن فوانيس الفردوس علقت على أوراقها فبدت كشجرة عيد بعثها الله هدية وتمايلت أغصانها ثملة وفاح شذا عطر فواح كأنه ريح المسك أو العنبر أو البخور نشرته ملائكة الرحمة في الأرجاء وسرعان ما كشف القمر وشاح السر الجميل كعادته ،إنها قطرات المطر تعكس أشعة القمر ملاعبة له وإنها الأرض نفثت شذا ترابها الذي غسلته دموع السماء والمطر فأبدع بجمال المنظر خالق البشر ففتحت نافذتي على مصراعيها وشرعت أحدق وأنظر بكل سرور وغبطة وجاء القمر بنوره الممتد ليسلل أشعته من بين رموشي مغازلا لها مداعبا خداي المحمران من نار المدفأة يمحو احمرارهما آمرا الريح لتصفعهما وتمسح بيدها الباردة جفوني طاردة النوم والنعاس اللذان امتلكاني في بداية ليلتي وأبقى ساهرة طوال أمسيتي أحدق بمشهد لن يمحى من مخيلتي ، انه مشهد"ليلة شتائية ماطــرة" .