الانحناء للعاصفة: قراءة في مفارقة الخضوع والتحول
ومضة: (تيار) للقاص المغربي: عبد الرحيم التدلاوي
___________________________________
هل يمكن للإنسان أن يعيد تشكيل العالم على مقاسه؟ أم أن التيار أقوى، فيعيد تشكيله هو؟
-
عبد الرحيم التدلاوي، قاص مغربي يتقن فن التقاط لحظة التحول الحاسمة في ومضاته، حيث تتقاطع التجربة الإنسانية مع الحكمة المكثفة. في نصه «تيار»، يبني المشهد على مفارقة بسيطة الشكل عميقة المعنى: "مرارا حاول أن يفصل العالم على هواه.. عانده المقص"، قبل أن يختتم بقلب المعادلة: "فصل نفسه على هوى العالم". هنا يتحول فعل السيطرة إلى فعل تكيّف، في انزياح لغوي يجمع بين الحرفة المادية (القص) والفعل الوجودي (التطويع).
-
القارئ يجد نفسه أمام نص يبدو للوهلة الأولى بسيطًا، لكنه يفتح فضاءً تأويليًا واسعًا. البياض بين محاولات القص الأولى ولحظة الاستسلام يتيح له التفكير في مدى قدرة الفرد على مقاومة التيار الجمعي. هل هذا التحول هزيمة أم حكمة؟ المفارقة في القفلة تدفع القارئ إلى إعادة قراءة النص كله من زاوية مختلفة، حيث يصبح الفعل الأخير ليس مجرد خضوع، بل ربما استراتيجية للبقاء.
-
البنية السردية تقوم على ثنائية الفعل ورد الفعل: ( إرادة تشكيل العالم - مقاومة الأداة -قلب الفعل على الذات). الزمن مضغوط لكنه يوحي بتكرار المحاولة قبل لحظة القرار النهائي. المكان غائب لكنه موحى به في فضاء العمل اليدوي/المجازي، والشخصية تتحول من فاعل متحكم إلى متلقٍ للتشكيل. القفلة تخلق أثرًا فلسفيًا، إذ تنقل النص من مستوى الحكي المباشر إلى مستوى الحكمة التأملية، حيث الانحناء أمام التيار قد يكون شكلاً آخر من أشكال النجاة.
-
فهل كتب القاص نصه ليقول إن الانسجام مع العالم هو السبيل الوحيد للبقاء، أم ليحذر من فقدان الذات في سبيل التكيف؟ وهل القارئ، وهو يتأمل ارتداد المقص، يرى في القفلة حكمة للتعامل مع الواقع، أم إعلان هزيمة أمام قوة التيار؟