![]() |
الصوت المسجور أو قراءة في قصيدة " واد النمل " للشاعر التونسي جمال الصليعي
على ضفاف النص الأول ” وادي النمل ”
قبل ركوب صهوة الغوص في لجج النص و النزول إلى قيعان أبحره اقتفاء لآثار فتنة القول فيه و قول الفتنة ، لنتمشّى على ضفافه كي نحيط به بدءا من خارجه ، ثم بعد ذلك نأتي القصائد من أبوابها أي بعد التمعّن في أسوارها ، إذ للأسوار دلالاتها و انعكاساتها على جوف المتن ، فالنص امرأة مغناج يعكس ظاهرها ما بداخلها و يدلّ عليه ، و أسوار النص بداياته و نهاياته التي ضمّنها قوله : أ، ب …. أو هكذا قيل تلك بدايات الأشياء لم تأخذ بعد نجوم الكون مواقعها ********* أ، ب …. أوة هكذا قيل تلك نهايات الأشياء قد تركت بعد …. مجرات الكون مواقعها نص دائري ، منغلق على ذاته ، محدّد ببداية من نفس جنس النهاية ” أ، ب ” . حرفان هما البدء و المنتهى ، يكتنفان النص من أقصاه إلى أقصاه ، عالم شعري مقيم في اللغة ( النص ) ومن اللغة انبثق ( بداية النص ) و إلى اللغة مردّه ( نهاية النص ) ، ” أ ، ب ” الحرفان الأولان للحروف الهجائية ، فهما نطفة الطين الذي يسوّى منه الكلام ، و قد تصدّرا بداية النص الشعري كما كانا نقطة نهايته ، فالنص محفوف باللغة التي مثّلت الإناء الحاوي للمتن ، و المتن كان في عالم الأجناس شعرا ، و الشعر لغة ، فكل الأشياء هنا متلبّسة باللغة ، فاللغة عالم النص منه خلقت ، و إليه تعود في حركة دائرية محكومة بجدلية العود على البدء . و تقوقع النص على ذاته يرفع الحجاب عن انطوائية متلبّسة بالذات الشاعرة ، الذات المنغلقة على ذاتها ، و المتسمّرة في نقطة اللغة .لا فاللغة ها هنا هي الرحم و القبر ، و هي الكائن الناسل من لغة البدء، و السائر إلى لغة المنتهى على متن اللغة الباعثة لفعل القول الشعري . ذات شاعرة من اللغة نحتت ، و باللغة تلوذ على مذهب الحلزون ، و مما يذكي دائرية النص و انغلاقيته و ضبابيته معا الليل الأليل المحيط بالنص البداية و النص النهاية ، ففي لحظة تشكّل العالم النصي كان الزمان ليلا ” لم تأخذ بعد نجوم الكون مواقعها ” و في خاتمته كان كذلك ” قد تركت بعد مجرات الكون مواقعها ” فمن الليل إلى الليل ، يقبع النص بين فكّي ظلمتين ، ظلمة البداية و ظلمة النهاية ، فالذات لشاعرة / النص في رحلة من اللغة إلى اللغة بين حلكتين ، إنه رحيل على فلك اللغة من ليل الإبتداء إلى ليل الإنتهاء في عالم لغوي محدّد بلغة البدء و لغة الإنتهاء . أسوار النص من طين اللغة قدّت ، بلفها الليل بأجنحته من كافة أقطارها . النص / الشاعر في قطيعة مع الآخر المغاير القابع خارج الأسوار أي خارج أسوار الكائن اللغوي / الشاعر / اللغة . فالذات / النص قابعة في قلعتها / اللغة بمنأى عمّا يدور حولها و كأنها خارج العالم و فوق أسواره ، و دائرية النص آنفة الذكر توحي بعدمية كل ما يوجد خارج القلعة / النص أو الذات النص على مذهب الكوجيتو الدّيكارتي ، فكل شيء خارج الذات الشاعرة / النص يحمل على العدم إذ الذات الشاعرة / النص هي الوجود و ما سواها هو العدم بعينه . فالوجود إذن كامن في الذات الشاعرة لا خارجها ، و وجودها بالتالي وجود نصي بالضرورة ، و هذه إحالة على استقالة الذات الشاعرة / النص من الراهن و الآتي على حدّ سواء لأنها خارج الزمان ، وفي عمق زمانها / النص / وجودها المنحدر من اللغة و إلى اللغة يوجّه وجهه و على متنها يسير . النص / الشاعر عالم لغوي محدّد بحدود لغوية تعمّق تجذّر النص / الشاعر في تربة الكلام / اللغة ، بعبارة أخرى و على سبيل الإختزال ، الشاعر بما تحويه ذاكرنه من أيام منصرمة و أعمال باتت في حكم الرسم الدارس ، هو لغة تعيش داخل زمانها النصي الجزء الثاني من # الصوت المسجور # -------------------------------------------------------------------------------- وادي النمل : في البدء كانت الكلمة ، وكان الماء للغة النفخة الأولى ، و للماء سحر التكوين ، صلب الوجود من الكلمة قدّ ، و ترائبه من الماء نحتت ، و من بين متاخمة الحرف للقطرة على أديم المودّة و السكينة يبزغ الوجود خلقا سويّا ربّما ... أو لعله ينبجس ثوبا نقيّا ... أو شبّه لنا ، ربّما ، تلك هي نواميس الطوفان ، و كذا طقوس الكلمة . الخلق سليل الكلمة ، و في رحمها كان ، حرفان اثنان * ك ، ن * قال تعالى في محكم تنزيله من سورة يس : # وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون # . حرفان على وجه الأمر يردان ، بهما ينتقل الوجود من طور الغيب إلى طور الشهادة ، و بهما يكون الكون و الكينونة و الكائن و الكيان ، و كذلك فعل * أ، ب * أو * أب * ، فبداية الخليقة ترجع لآدم فهو أب البشرية جمعاء ، و في الأدبيات المسيحية الله هو الأب و منه الكون كان ، فكل شيء كان خلقا لغويّا من قبل أن يكتسب كنهه و ماهيته : أ، ب ....... أو هكذا قيل تلك بدايات الأشياء لم تأخذ بعد ، نجوم الكون مواقعها الماء صنو اللغة في بثّ الحيا ة على الأرض و في الأرحام أو هكذا قيل على مذهب الصليعي المعلّق بين الريبة و اليقين ، فلعل القوم قومه سراب قوم ، قوم بالريبة وجودهم تلبّس ، و بالشك في امكانية الفعل تسربل ، إذ الشاعر المتتبع لبداية نزولهم من الماء إلى اليابسة بالشك تدثّر، و كذلك انبلاج وجودهم حسبه بالزيف تغنّج # أو هكذا قيل # ، كلمات قليلات حاملات في الأحشاء الريبة ، تشكّك في الخلق و النزول و البناء . الناس من ماء مهين نسلوا و قوم الشاعر على ماء الطوفان لاحوا ، فماء الصلب و ماء الطوفان كلاهما للأخيار وعاء ، و كلهم في فلك الكلمة يسبحون على مذهب المحنة و الإمتحان ، تلك هي فلسفة الطوفان في القرآن و كذا بداية الأكوان فالماء و اللغة في مرتبة الصلب و الترائب من الوجود سواء الوجود الفيزيائي أو الوجود النصّي الذي نحن بصدده . تلك هي إذن فلسفة البعث القائم على اللغة و الماء سواء بسواء ، فالطوفان تنقية للوجود من الشوائب و الرزايا ، و خلق من بعد خلق لطيّبي الألسنة و السجايا # أو هكذا قيل # . فماء يحيي و ماء يميت ، وقول يبعث و قول للأجداث يحيل . كما الفعل يجزي ، و القعود يجلب الوعيد ، تلك قناعات الناجين على لوح الهجرات بعيد الماء الأول المبشرين في قولهم بالعمل و البناء لما نزلوا : قال الناجون على لوح الهجرات بعيد الماء الأول هذا ، واد ذو زرع تعمره الحكمة و الملكات سنمدّ الوشم على كتفيه و نؤسس ثانية نشأتنا الأخرى من هذا الباب للعالم دخلوا ، و على هذا الوعد بعيد الماء الأول من على لوح الهجرات لليابسة نزلوا ، أو هكذا شبّه لهم و لنا نحن القرّاء ، فالبداية - بداية النص - توحي بالبدء و الإبتداء قولا و وصفا : 1- قولا : # نؤسس ثانية نشأتنا الأخرى # 2- وصفا : # لم تأخذ بعد نجوم الكون مواقعها # كل ما يحيط بنا في بداية النص يشي بالبدء و البعث و البناء ، هذا ظاهر النص - نص الوجود الفيزيائي - بعبارة أخرى هذا ما يبشر به الوجود النصي ّ - فالزمان في أوّل النص زمان بدء # لم تأخذ بعد نجوم الكون مواقعها # و زمان فعل ، و المكان كذلك ساحة تنبئ بالتشييد ، فعلامات الكون علامات تشكّل ، و الوجود في لحظة تكوّن ، و الناس من عمق التحدّي بعثوا ، وللبناء ندبوا ، إنهم جاؤوا على لوح الهجرات للتأسيس ، و على ألسنتهم أينعت البشائر ، فنشأتهم حسبهم أعقبت لحظة سابقة طالها الطوفان ، و الطوفان في القرآن نطفة الخلق لخلق جديد ، معه الأرض لخصبها تستعيد ، ومن سواعد البناء تستزيد ، لعلها بذلك تكفكف عبرة الماضي - النشأة المنصرمة - فتندمل الجراح باعادة الفعل - النشأة الأخرى - على مذهب النملة لا على مذهب سيزيف ، حتى زمن الأحداث كان قرينة دالة حسب النص طبعا على الفعل إذ الزمن في الأدبيات الوجودية ثلاثة أزمان غروب ثم ليل يعقبه فجر ، فالغروب زمن النزول # لم تأخذ بعد نجوم الكون مواقعها # و الليل زمن الهدأة و السكينة و التفكّر ، و الفجر زمن الفعل و البناء و التشييد كما أنّ لفعل الهجرة في أدبياتنا الإسلامية سنن التجاوز و بشائر التشييد و بذور الإبتداء ، و لكن للشاعر رؤيته و رؤياه التي تنبئ بعكس ذلك و تدلّ عليه ، لخّصها في قوله المشحون بالسخرية و المبطّن بالتّشكيك # أو هكذا قيل # فالريبة المفتتحة للنص توحي بنهايته وتكشف عن خباياها قبل البدء ، فلعل الناس سراب ناس حسبه ، و لعل البدء أضغاث بدء عنده و ربما الناجون ظلال ناجين، |
مشاركة: الصوت المسجور أو قراءة في قصيدة " واد النمل " للشاعر التونسي جمال الصليعي
شكرا استاذي الرائع فوزي الديماسي
وكأنني امام صديقي الاستاذ عبد الواحد لؤلؤة حيث قال يوما في حوار اجريته معاه لصحيفة العرب اللندنية( ان العربي مصاب بعقدة الخواجا) ولكني مع هذا اشاكسه واعود لمقولة تودوروف( ان النص نزهة يقوم بها القاريْ) او هكذا على ما اذكر..هل هناك اسماء في ذاكرتك ياسيدي عن شعراء العراق بعيدا عن الرواد؟؟ |
مشاركة: الصوت المسجور أو قراءة في قصيدة " واد النمل " للشاعر التونسي جمال الصليعي
شكرا على المرور من هنا يا سلام
|
| الساعة الآن 11:01 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط