![]() |
الفقه اللغوي الجديد / اولياته واشكالاته
الفقه اللغوي الجديد
اولياته واشكالاته يوسف سامي اليوسف فصلية الكرمل العدد 6 / ربيع 1982 ينحصر مبتدأ هذا المقال, وكذلك بغيته المحورية, في محاولة العرض لأعتى الاشكالات التي سوف يتعسّر على الفقه الجديد أن ينمو ويتطور قبل أن يهدم حصانتها ويذلل جموحها واني لأقول العرض, ولا أقول التصدي, لان الفقه الجديد ما انفك, على الحقيقة, في الطموح والمتاق, بل لعله ما برح نطفة في رحم المستقبل. وفي تخميني أن في الميسور حشد مجمل الاشكالات الفقهية في فسحة واحدة ووحيدة هي علم الحرف, وهو ما قد كان مجالا لنشاط الصوفيين طوال الأحقاب الإسلامية, ولكن من مواقع الغيبيات لا من مواقع التفلسف. ولعل ما يستتب في لباب قناعتي الشخصية أن علم الحرف المفلسف ليس في ميسوره إقصاء ميدانه عن علم الحرب المصوّف, فكلا العلمين لا ينزع الا الى هدف واحد: استكناه المضمر المخبوء في سرائر الحروف, أو استجلاؤها لتبوح بما تكتمه بصرامة عن النظرة المسطحة. ولعل الشارط الجواني الأول, الذي ينبغي له أن يسبق أي مجهود يبذل في هذا المضمار الشريف اللطيف, أن يتحدد على هذا النحو: إن فقيها مُحدِثا ما لا يسعه قط أن ينجز في هذا الحقل الصخري أي شيء ذي بال, ما لم يكن مأهولا في ماهيته الباطنية الخاصة بضرب من الهجاس اعتدت أن اسميه هجاس العمائق والنائيات, وهو صنف من عشق لا يؤتاه الاّ الأنباه والألباء, أو قل الا الممسوسون بوجدان الأقاصي والمخبؤات. ولهذا حصرا يلتقي علم الحرف الفلسفي, وهو ما لم يولد بعد, وعلم الحرف الصوفي, وهو ما انقرض لأنه لم يعد يقبل بالتشاكل وعصرنا المتآكل الرث. بيد أن هذا المقال, وكل مقال آخر على غراره, لا ينبغي له الا أن يستغل المناسبة للتوكيد على أوليات الفقه اللغوي الجديد, اقصد البدئي الذي ينبجس منه تيار الفقه ويصدر عنه صدور الثاني عن الأول. ولعل من شأن المبادئ الاولية التالية أن تشغل فسحة جد واسعة في رقعة معظم الشأن: أولا_ إن اللغة, بداهة لا حصافة, هي من منجزات العقل, ومما أقحمه الروح على الوجود منذ انبجاسه مترنحا من فؤاد الطبيعة الطفلي المخضل. ولعلني لا أريد بالعقل ذلك الظاهريّ وحده, أقصد لا الذهن ولا الوعي وحدهما, وإنما ابتغي في المقام الأول العقل الباطني الخبيء, وهو ما يعمل _ناشطا حينا ومترهلا حينا آخر_ في جملة الجماعة والأفراد, ولكن دون أن ينتبه احد لفاعليته المكتومة, اقله في الأحقاب التراثية, إلا بعد ما يكون قد أنجز غرضه الواحد وحقق إرادته الظافرة, وهي التي لا يعقوها _حين تكون في إبان عرام برهتها الذكرية الشّابة_ أي عائق بإطلاق. فما أحسب أن البدائيين العرب, في الأزمنة الممعنة في الغبور, قد كانوا يعقلون باطنهم ويستوعونه _باطنهم الكلي الجماعي_ يوم راح ينقل اللغة العربية من مقام اللفظة الثنائية الحروف إلى مقام اللفظة الثلاثية, وما أحسب أن أحدا منهم قد خطط لهذه النُقْلة المستطيرة الفاقعة. ومهما يكن الأمر في قلب ماهيته فان اللغة من منجزات العقل, بلا أدنى مماراة. بيد أن المبدأ الاولاني البدهي ليس بالشيء الثانوي, كما يبدو للوهلة الأولى, بل انه _لامراء_ المفهوم الأسّي أو المبدئي الذي لا دلالة له قبل هذه الدلالة: إنّ اللغة مبنية على غرار العقل نفسه, تماما كأي شيء آخر أنجزه العقل في مشروعه الكلي الطويل. ومهما أشدد على أهمية هذه الدلالة, وكذلك على أهمية موقعها الرابض في صلب المبدأ الفقهي وجذره فإنني لن أفيها حقها من التشديد. وليس في وسعي ها هنا الا أن اشدد التوكيد على ما فحواه أن فقه اللغة لن يتطور أي تطور جوهري, حتى ولو قيد أنملة, من دون أن يتحكم هذا المبدأ البسيط بجملة حركة الفقيه, أو جملة زحفه باتجاه صميم الحق اللغوي. إن اللغة مبنية على غرار العقل, وان العقل لا يمكن استيعاؤه ناصعا جاهرا بمعزل عن اللغة, وانه لمن المتعذر باطلاق أن تُستوعى اللغة على مبعدة أو حَيْدة من علم العقل, ولا سيما من مبدأ المسار القوسي للعقل والحق معا. والى أن يتمكن هذا المبدأ الصغير من التحكم بالفقه الجديد سوف يظل هذا الفقه يراوح في مكانه, مقصرا عن اضافة أي جديد جوهري إلى ما أنجزه الفقه اللغوي التراثي. وفي لباب قناعتي التامة ما تحريره أن هذا المبدأ البدهي الأسيّ الاولاني هو _على الحصر والتحديد_ ما افلت من شبكة الفقهاء, أكانوا في التراثيين الاوائل أم في التراثيين المحدثين, مما ترتب عليه انقطاع الفقه التراثي قبل أن ينجز إمكاناته الثرية ويبلغ تخومه القصوى, مثلما سفر عنه بلادة واضحة في قلب حركة الفقه المحدث في القرن الميلادي العشرين. وحين أنقد الفقه اللغوي التراثي سوف أحاول أن أبين كيف أثر غياب هذا المبدأ البدهي على حراك الفقه, فعرقل حتى الآن, وربما حتى القرن الآتي, حركة تنسيق المعجم العربي, وكيف استطاع هذا الغائب الأصلي أن يشل نصف إرادة ابن فارس _أجرأ محاولة فقهية حتى الآن_ ويسم جهوده بميسم الابتسار. ثم إن غياب هذا المفهوم الأسّ الناظم لحركة كل فقه يزحف باتجاه رحم اللغة وجذر الدهر, هو ما جعل الفقه التراثي المحدث يراوح في المكان دون تقدم ملموس, على الرغم من جهود قرن أو بعض القرن. فلقد نشر جورجي زيدان اول كتاب فقهي له في ثمانينيات القرن التاسع عشر, ولست لأظنّه اول من تصدى لهذا العلم في المحدثين, إذ ربما سبقه إلى مثل هذا الحقل بعض من مثقفين جِلة كاليازجي أو سواه. وعلى أية حال, فان الجهود لم تنقطع حتى اليوم, ولكن دون أن تفضي الى أي شأو مأمول, بل دون أن تضيف أية انجازات ذات شان يمكن الاعتداد به, اللهم الا أن تسفر جهود الشيخ العلايلي عن كنز نفيس. ثانيا_ ههنا ينتقل البحث خطوة جديدة لا تقل أهمية عن المبدأ اللأسّي الاولاني, بل هي إن لم تكن استمرارا له فانها تخارجُه الأوضح ومدلوله الأول. فما دامت اللغة ثمرة العقل المصوغة على هيئته وغراره, والحاملة لهويته عينها _ إذ لا عقل من دون لغة, ولا لغة من دون عقل, بل لا حضارة ولا تاريخ من دون لغة, مما يعني أن اللغة أس الوجود الإنساني بما هو وجود إنساني, اقصد بما هو وجود في العقل ولأجل العقل, وجود ينماز انميازا كيفيا عن الوجود الآخر, الوجود الذي لم يجاهد طويلا لكي يصير روحا خالصا, وهو الوجود في الغريزة ومن خلال الغريزة_ ما دام هذا هو جوهر الشأن, كان لا بد من التنبه إلى صور العقل الكبرى وتفرعاتها الفرقية (الفردية), من حيث هي المنبجسات الأصلية التي ينبثق منها الحق اللغوي, وكان لا محيد, كذلك, عن التنبه إلى هذه الصور في الحيث الذي يجعل من اللغة النسخة المماهية لهذه الصور تمام المماهاة, مما يعني أن أنساق اللغة هي دقائق صور العقل الأولانية, على الحصر والتحديد. ... حتى ليمكن الإيمان بأن علم اللغة هو بالضبط علم الدقة, بل علم اللامتناهي في الاستدقاق, أو في الانمياز عما سواه. فان من أهم المبادئ المتحكمة بحراك العقل, بما هو عقل, ومن أكثرها اولانية في زحفه صوب بؤرة الحق الكوني, هذا المبدأ: "إما الفرق وإما التيه". وهو من أوائل المبادئ التي يدرسها قادة الفكر الصوفي. لماذا انتقلت الكينونة اللغوية من اللفظة ذات الحرف الواحد إلى اللفظة الثنائية الحروف والثلاثية الحروف ... الخ ؟ ببساطة, لأن المعطى, لأن معطيات الكون (الطبيعة والمعاش) أوسع بإطلاق من أن تلمها بضعة وعشرون صوتا أو حرفا. فكان لا بد من اتحادات, من توالجات (من كيمياء), بين الحروف, تماما كما تتلاقى الكائنات وتتقارب لتتحد وتتوالج لكيما تنجز المجمل الكوني الواسع المنداح. إن لغة تتألف من بضع وعشرين لفظة لأنها تتألف من بضعة وعشرين حرفا, لهي بالضرورة القصوى عاجزة مطلق العجز عن احتواء المستدق, بل حتى عن استيعاء ما فوق المستدق بكثير. وبعد ذلك فانها لن تعانق إلا المشاعر العريضة في الوجدان البشري: فالحاء, مثلا حرف الحرارة والحركة, وهما محسوسان اولانيان عريضان, والخاء حرف الطراء المخضل الملموس باليد, والقاف حرف القطع المسموع بثقل شديد. إذن, أين استطارة الجوانية البشرية, واين شراء العقل بالدقائق والتفاصيل ؟ لهذا, ولهذا حصرا, جاءت الكيمياء اللغوية, أو قل صارت الأصوات الحيوانية لغة نزحت إلى الداخل حتى القرارة الأسيّة. وكل ذلك إنما تم بفضل صورة الاختراق, بفضل فاعلية الافتراع أو الافتراق. ومن الغرائب حقا أن لا ينتبه الفقهاء, بتاتا تقريبا, إلى أن العقل إنما صيغ في الكون وعلى هيئة الكون, وإنما هو يعبد البقاء وكل ما يديم, بل كل ما يدوم, وأنه لدائري وكروي وقوسي وأفقي وعمودي, تماما على هيئة الطبيعة وغرارها, وعلى شاكلة الموجودات ومثالها, والاهم من ذلك أن الفقه اللغوي برمته لم ينتبه قط إلى أن اللغة نفسها إنما صيغت على مثال صور الكينونة قبل سواها من صور العقل والطبيعة. فحين يستوعي المرء هذا المبدأ فان من شانه أن يندفع تلقائيا إلى مماهاة صور الطبيعة وصور العقل وأنساق اللغة. ثالثا_ لعل من شان الاكتفاء بمقولة الصورة أن يقلص اللغة والحياة معا, وان يختزلهما ويسجنهما في مجموعة من القوالب الشديدة الضيق, وربما الشديدة الخساسة, أو اقله الابتسار, مع أن اللغة, كالحياة سواء بسواء, أوسع من أن تحاصر فتحصر, إذ هي لا تطيق سجنا ولا قيودا البتة, مما يعني أنها اندياح دائم وسرمدي. وفي تخميني أن علماء النفس المحدثين, لو لم يدأبوا على ازدراء الفلسفة والعبارة الفلسفية, لقالوا بان الأوديبية, وكذلك عقدة الخصاء, إن هي _في أس ماهي, اقصد في مستواها التجريدي الذهني_ الا نكوص العقل وإحجامه عن تمييز الفروق. ها هنا, لا بد لي من العودة كرة ثانية إلى التوكيد على مبدأ الصوفية (الذي أراه أعمق وأهم من مبدأهم القائل بوحدة الوجود): "إما الفرق وإما التيه". هذا ما أكده الشيخ الأكبر, ابن عربي الحاتمي, وما شدد عليه النفري قبل الحاتمي. وبذلك استطاعت الصوفية اللاعقلانية أن تكون أول من تمكن من الكشف عن محتويات العقل وسننه المؤلفة لماهيته السرمدية المطلقة, وذلك تماما على نقيض ما يراه المتفيهقون والمتلمظون بقشور الأفكار. "إما الفرق وإما التيه". هذه الكلمات القليلة الكم هي عندي المحور الاجرائي لحركة الفقه الجديد, والمبدأ المتحكم بفاعلية الفقيه الواحد وجملة توجهاته. ولعل كتاب "الفروق في اللغة" لأبي هلال العسكري, أن يكون اول انتباه حصيف لمعضلة "الفرق أو التيه" هذه, وإن يكن قوام جهده غير منصب الا على لحاء اللغة أو سطحها, الأمر الذي لا يعني البتة أنني انكر عليه قوة حضور استبصاراته وفذاذتها. إن هذا الكتاب لا بد له من أن يكون ينبوعا _ولو صغيرا_ للفقه الجديد. الاكتفاء بمبدأ الفرق مرفوض هو الآخر, إذ الاختراق عناق في الحين الواحد. ولا يعني الاكتفاء بهذا المبدأ الجبار الا أمرا واحدا: انتشال فقه اللغة العربية من هاوية الهوية للتطويح به في هاوية جديدة, هاوية الفرقية (الفردية) التي من دونها لا يكون الا التيه, والتي بها وحدها, أو إن أخذت على حدتها, لن يكون الا التبعثر والفوضى المطلقة, نعم, إن الاكتفاء بالفرقية من دون وحدة الوجود لن يحمل إلى العقل سوى الخاووس. وهذا هو بالضبط ما قضى الشيخ الأكبر جل عمره في سبيل شرحه وتبيانه. فالحق لا يكمن الا في الجمع بين المبدأين المتعارضين المتحدين في الكينونة الواحدة. وها هنا لا بد من التحذير, بل والمبالغة في التحذير, من مغبة ارتماء الفقه العربي الجديد في شباك علوم اللغة في أوروبا وأمريكا. فالفقه العربي الجديد لن يتمكن قط من أن يفيد إفادة ذات شان من علوم اللغات الأجنبية, وما ذاك الا لان هذه العلوم محكومة بمبدأ الفرق دون مبدأ الهوية, والا لأن اللغة العربية تملك باطنيتها الخاصة التي لن يسبرها الا العقل العربي نفسه. وبالمناسبة فقط, ينبغي التحذير من مغبة وقوع الفقيه الجديد في حبائل علم النفس الأورو_أمريكي. ففضلا عن أن هذا العلم الأخير لن يفيد كثيرا, وربما ولا قليلا, فان أضراره ستكون أكثر من أن تحصى, إذ يكفي هذا العلم منقصة انه يضع الجزئي مكان الكلي ويحسب تخارجا واحدا من تخارجات الصورة الكونية هو جملة الصورة وشموليتها. ولهذا, دعني أخوّل نفسي حق الزعم بان فقه العربية الجديد لا يملك قط أن ينبثق الا من مصدرين تراثيين بالدرجة الأولى: الفلسفة الصوفية بِسمْتها العقلاني, والفقه اللغوي التراثي الفذ. يتبع .. .. |
رد: الفقه اللغوي الجديد / اولياته واشكالاته
دعنا نأخذ مثالا فقهيا يشرح مبدأ ابن عربي: فرق ولا تجمع, واجمع ولا تفرق ! أو فلنقل: اجمع وفرّق في آن معا. (وهذا المبدأ هو ما ينبغي أن يصير محور الفاعلية الفقهية الجديدة) دعنا نأخذ هاتين الكلمتين: الوعد والوغد.
انهما تفترقان تماما في القلب وتتحدان في الأطراف, في المبتدأ والمنتهى. كلتا اللفظتين تحتقب صورة الامتداد, من خلال حرف الواو, الذي هو ثاني رموز الكينونة بعد الألف, والكينونة ديمومة, امتداد. وكلتا اللفظتين تحتقب صورة الدائرة, صورة الاكتمال, من خلال حرف الدال. ها هنا مقام الجمع بين اللفظتين. أما مقام التفاصل فمكانته العين, عين الكلمة, منتصفها, قلبها نفسه. وفي تقديري أن ما جعل مقام التفرد يستوطن القلب لا الأطراف هو أن حرف العلة, أقصد الواو الذي يتصدر كلتا اللفظتين, إنما هو مقحم عليهما كلتيهما إقحاما, وفي أطوار لغوية وحضارية عالية نسبيا. ولكن كيف تحدد الفرق بين الوعد والوغد. مع الواو يبدأ الامتداد, أما العين فللظهور, وأما الغين فللغياب أو التواري, ووظيفة الدال أن تقفل الدائرة في اللفظتين كلتيهما. ولكن الوعد امتداد واضح المدة أو المضمون, أو قل معلوم الأجل والمحتوى, وانجازه, أو إضمار انجازه, أو حلول حينه, هو اكتمال الطرفين والتقاؤهما, طرف البدء وطرف الانتهاء. حددت لي موعدا, هذا هو الأول, وأنجزته, أو حان حينه, هذا هو الثاني, وبالأول والثاني كليهما (بالاب والابن) يكتمل الوجود, ويكتمل الكون, وتدور الدائرة. أما الوغد _في أصلها الأقدم_ فهو من يلحق الشر خفية بمن أساء إليه سابقا, إذ هكذا تقول بعض المعاجم العربية. لقد أساء واحد إلى آخر, فقام هذا الآخر بالرد (والرد نفسه دائري, والرد لفظة تتألف من مقلوب الدر), ولكنه أنجز الرد خفية, غدرا, في غيبة عن وعي الأول, أو في منأى عن البينونة, بحيث يمكن القول بان الوغد هو الغادر, الى حد ما, والفرق بينهما أن في الوغد واو الامتداد, وفي الغدر راء الشدة والحركة والسكون. في الوعد والوغد كلتيهما امتداد, ابتداء وانتهاء, دائرة مفتوحة وإقفال للدائرة (مفتاحها الواو وقفلها الدال), هذا هو مقام الجمع. وفي كلتيهما تواطؤ, أو تصاقب, كما يحلو للتراثيين من الفقهاء أن يقولوا, تواطؤ في الحرفين الصانعين لمقام الجمع. بيد أن احداهما من مملكة الظهور, واخراهما من مملكة التواري. وها هنا نواجه مقام الفردية أو الفرقية, المقام الذي به تصير الكلمة مفردة وتنجو من الاصطباغ بصبغة ما ليس إياها. ولهذا تنافرتا على وجه الحصر في الحرف الصانع للفرقية, للتفرد أو التفرق. وهذا يؤكد أن الحروف نقاط الهجوم بالنسبة الى العقل, أو قل هي كائنات من ارادة وقوة, بل وحدات تجريدية تحتقب استطاعات من مملكة الما وراء المحايثة. وفي قناعتي التامة أنه ما كان لمقام أن يحل في عين الكلمة ها هنا الا لأن الواو إقحام لا أصالة. فاحدى الكلمتين أصلها الغد وثانيتهما أصلها العد. والغد غياب دائري (الايام تدور, الساعات تدور, الزمن يدور), أما العد فوضوح دائري. وهذا يعني أن العقل البشري إنما يفكر على نسق, ولكن دون أن يهمل تفاصل الآناء على هذا النسق. وما من أحد في تاريخ منطقتنا قد استطاع أن يستوعي هذه الفكرة بقدر ما رسخها الشيخ الأكبر, لؤلؤة الثقافة العربية, أو كنزنا الذي لا بد من اكتشافه. إذن, اجمع ولا تفرق, وفرق ولا تجمع. وخلاصة هذا المبدأ هي امتزاج الهوية, أو الجمع, والفرق في صيغة واحدة. وهو يعني: اجمع وفرق في آن واحد. ولما كانت اللغة لا تجمع ولا تفرق الا من خلال الحروف (الأمر الذي من شأنه أن يحيل فقه اللغة الى علم الحروف, أقصد بجواهرها المباطنة), كان فقه اللغة العربية, بايجاز, امتلاك العقل لهذه القدرة القادرة على استبار الفحوى المحقوب في داخل الحروف من خلال تحليل التعالقات الراسخة بين حروف اللفظة الواحدة, أي على قراءة الفردية من خلال قسمات سحنتها, الشيء الذي يمكن تسميته بالقبض على اللُّوَيْن في جوف أحادية الصباغ الساجمة لنسق يتجاوز الفردية ويحتويها, ولكن دون أن يقضي على خصوصيتها وتفردها, تماما كما كانت العشيرة البدائية تلون الفرد بلونها الروحي العام, وتصون له, في الوقت نفسه, هويته الشخصية الفردية. وهذا يعني جهرة أن ليس في الميسور التضحية بالهوية على مذبح الفرق, إذ من شأن هذه التضحية أن تطوح بفقه اللغة في أشداق الفردية الشديدة الاتساع. فمثلما يصح القول بمبدأ "إما الفرق وإما التيه" كذلك يصح القول بمبدأ فحواه إما الجمع وإما نثار الفوضى. والفوضى, لامرية, من مشاكلة التيه حصرا. فحين كان الشيخ الأكبر ينافح بكل ضراوة وبسالة دون مبدأ وحدة الوجود, إنما كان ينافح دفاعا عن جوهر العقل بالذات, لكي يحول دون سقوطه في الخاووس والفصام, وحين أكد على آنة الفرقية انما حال بين العقل وبين الانغماس, أو الانطفاء, في متاهة العماء. وما لم ينبثق الفقه الجديد من هنا, من هذا المنبثق حصرا, فانه لن يكون جديدا قط, ولن يتشكل الا وكأنه يحيا قبل ظهور "الفتوحات المكية". تلك الآلاف المؤلفة من الصفحات التي ما دبجت الا لكي تشرح وتبسط أول واكبر أس من آساس العقل, أو قل ماهية العقل التي من دونها لا عقل البتة, أعني مفهوم وحدة الهوية والتفرد (التفرق). إن من اكبر مثالب ابن فارس, أو الفقيه الأكثر اقتحامية بين الفقهاء التراثيين طرا, أنه أوغل في ميدان رد الكثرة الى الوحدة _ وهذا هو بالضبط "مقاييس اللغة", بل وهذا هو بالضبط مبطن الثقافة العربية _ ولكن ابن فارس لم يحفل بالفروق حتى ولو قليلا. ويحق المذهب عينه على ابن جني, وان يكن هذا الجهبذ قد حب مسألة الفرقيات (الفرعيات) بشيء من الاهتمام أكثر من سلفه. أما الفقه الجديد _وهو ما ينبغي أن يتفاغم والإنصاف _ فما من مهمة بين مهماته. وما من إشكال بين إشكالاته الأعسر, اكبر من تعيين الفروق الصانعة للفرديات. وذلكم هو علم الحرف على الحصر والقطع, ولكن علم الحرف من دون سمْته الصوفي, أقصد بالضبط من دون الايمان بامكانية استحضار ارواح الحروف والتناسم وإياها, اللهم الا أن يكون ذلك من قبيل المجاز. وها هنا على وجه الضبط, أي حين يصير حراكيّ المبْطِنِ, حيويّ الطبع, يتوق بنهم الى العمائق والاقاصي, الى الماوراء الممعن في الاندياح, سوف يتمكن الفقه الجديد, لا من تجاوز الفقه التراثي وكفى, بل ومن إحراز كل ما يستحقه من شرف ورفعة, وإلا فلست لأراه شيئا ذا بال. ازدلاف الفرقيات (الفرديات أو الفرعيات) الى الوحدة, وانبثاث الوحدة من فرقياتها, أو مجاليها الشارحة لها والباسطة لفحواها, ذلكم هو بالضبط جماع فقه اللغة وجوهره الصميمي, وذلكم هو على وجه الدقة جوهر العقل والوجود كليهما. ففي مقام الثبات ترى الوحدات, أو الكثرة المتكثرة دواما في الانسجام الساجم, أو قل ترى الصباغ الأحادي المزاج وهو يلون مجموعة متباينة من الآناء المتمايزة المتنافرة الطافرة من سديم الاشتراك. وفي مقام الحراك ترى الوحدة وهي تنشطر وتطفر لويناتها لتنحل في الفروق المتباينة, بل والمتغايرة في الفرديات التي يغوص كل منها في لوينه الخاص المؤسس لفرقيته. .. |
رد: الفقه اللغوي الجديد / اولياته واشكالاته
فقه اللغة العربية, إذن, إن هو على الضبط والحصر, الا هذا القبض على اللوينات الذهنية المستدقة جد الاستدقاق, أو ابراز الباطن (والباطن جوهر العقل) في المعجم, ونقله من مقام التواري والاستتار إلى حيز الشعور أو الادراك.
فهو, لهذا, إغناء معرفتنا بالعقل وبفاعليته وحركته المستسرة, واثراء استيعائنا لقوانا الجوانية اللامرئية, أو للطاقة البشرية العاملة بصمت في بطن كل عمل بشري. وهذا, بلا أدنى ريب, سفر في الراقات التحتانية لعمائق النفس البشرية, ابتغاء الانارة والاستنارة, إذ كل معرفة إنما هي ايلاج النور في غير المنار. والسفر في العمائق, أو البحث عن السري, عن الخفايا المكنونة, هو عين الأرضية النفسية لعالم النفس شخصيا, وكذلك للصوفي بما هو عالم نفس وعالم وجود, بل وللفيزيائي المنقب عن أسرار محجوبة في المادة, وكذلك للكاتب الذي يرغب في اكتشاف عوالم جديدة وهتك حجب لم تهتك من قبل. هذا يعني أن فقه اللغة ليس شيئا آخر قبل فقه أوليات النفس, وصور العقل, وأدق الشعيرات المترافدة لتصب في مساق واحد يؤلف حركة الذهن. فما دام اللغة من إنتاج النفس فإنها بالضرورة مبنية على غرار النفس ومأهولة بأصباغها, وما استدق من خفاياها وظلالها. ولهذا يسعنا, دونما أي عسر, أن نشدد على ما فحواه أن أسرار النفس هي أسرار اللغة, أو أن أسرار النفس وأسرار اللغة في هوية واحدة ممعنة في التماهي. وهذا يعني أن فقه اللغة هو فقه النفس عينه, إذ كلاهما, كلا الفقهين, يدعم الآخر ويوضحه ولا يتكامل الا به. وما دامت اللغة, أو الحامل الأوحد للتذهن, تتألف من حروف, كان لا بد ابتغاء التعرف على أدق لوينات الذهن وظلاله, من تحليل المبادئ الصورية الينبوعية التي تشحن كل حرف بذاته. بيد أن هذا ليس بكاف على الاطلاق, إذ لا بد من استيعاء الصيغة المؤلفة من حرفين امتزجا فكوّنا صورة معينة بانتظار حرف ثالث ينتج الثلاثيّ عن اتحاده بهما. هي ذي بلاد الكيمياء والاسرار, انسانها لا هم له قبل الاسراء والعروج الى مصدر المصادر, الى ينبوع الينابيع كلها, الى بؤرة النور السرمدي الأولاني, الى مركز الدائرة الكونية برمتها, الى المطلق المتعالي نفسه. ولكن ثقافتها قد تركت للمستشرقين يتفيهقون بها على هواهم, وكذلك لبعض من أبنائها العاقين. نعم هي ذي بلاد الكيمياء, بل وبلاد السيمياء أيضا, هي الكيمياء مرفوعة الى أفق التصويف. والكيمياء, أو السيمياء, كانت جزءا من علوم الأسرار, ربما منذ ما قبل بناء الأهرام وبرج بابل وسد مأرب, فليس من ممحوض الصدف أن تشتق يونان كلمة "الكيمياء" من "كمت" من اسم مصر نفسها, اسمها الفرعوني. وليس من ممحوض الصدف كذلك أن يكون جابر بن حيان, الكيميائي المشهور (من القرن الثامن الميلادي), اول من وسم بوسم "الصوفي" في النصوص العربية المكتوبة. ثمة آصرة رحم وصلة قربى بين الكيمياء وأسرار النفس البشرية, أدناه أن استحالات المادة واصطباغاتها هي عين استحالات النفس واصطباغاتها تماما, إذ قلما يملك الإنسان أن يحوّل نفسه دون أن يحوّل الأشياء. والكيمياء كما عرفها جابر نفسه: "اعطاء المواد أصباغا لم تكن لها من قبل". وعلم الحرف هو بالضبط اعطاء الأصوات الطبيعية معاني روحية ما كانت لها يوم كانت أصواتا طبيعية وحسب. وفوق ذلك فإن تلوين المواد هو عين التلوين الصوفي للنفس . ولفظة "التلوين" عزيزة على الصوفي, وهي توافق الآية الكريمة: "كل يوم هو في شان". يتبع .. بالرغم من أن النص مكتوب ربيع العام 1981 , الا انه لا يزال متقدما بل فريدا في سياق لغة بديعة الصنعة . لا بد من نقله حرفيا قبل التبحر في كثافته ولطيف معدنه اللغوي الصوفي . ولا بد من نقله بأناة وعلى مراحل كي يختمر في النفس التواقة لاكتشاف كنهه / كنهها اللغوي القديم بل العتيق . .. |
رد: الفقه اللغوي الجديد / اولياته واشكالاته
إذن, لا ينبغي للفقيه المحدث أن تغيب عن باله هذه الحقيقة الجوهرية: إن دائرتنا الثقافية هي دائرة الكيمياء, ودائرة الصوفية التي طورت علم الكيمياء وتطورت به, بالضبط انبثاقا من شدة إحساس إنساننا الباطني بوطأة الزمن, أو بوجدان الموت (وهذا الوجدان هو الباقي لحضارتنا عبر القرون الستين الأخيرة), ثم أن اللغة العربية لم تتطور قط الا انبثاقا من هذا الروح الذي افرز الكيمياء والصوفية كليهما.
ومثل هذه الحقيقة الجوهرية لا تدل على شيء قبل هذه الآنة الجذرية: لن يملك الفقه اللغويّ أيّ تطور نوعي دون أن يرى العلاقات بين حروف الكلمة الواحدة من حيث هي تفاعل كيميائي بين هذه الحروف. فكما تتفاعل الحموض والمعادن كيما تسفر عن صيغة جديدة, كذلك تتفاعل الحروف فيما بينها كي تنتج الكلمة, الصيغة الصوتية التي لم يكن لها في الطبيعة أيّ وجود, والتي يستحيل أن توجد قبل التحام الحروف التي هي بالأصل خامات طبيعية, تماما كخامات الكيمياء. وهنا يستعاد التشديد على أهمية الثقافة المصرية القديمة من حيث هي الرحم الذي اطلع مجمل ثقافات دائرتنا الحضارية, ولكن دون أن يفوتنا التشديد على أن روح منطقتنا التفاعلي الباطني منذ العصور الابتدائية الوثنية هو روح صوفي استسراري كانت الثقافة المصرية القديمة نفسها من مبدعاته, أو قل من أضخم منجزاته. ولما كانت الحضارة العالمية برمتها مجرد هامش للثقافة الفرعونية, أو قل هي سليلتها الشرعية, فان عالمنا برمته, وتاريخ البشرية جملة, مدين لباطنية إنسان منطقتنا ونزعته الرامية الى الدمج والتوحيد, نزعة التضام التي أراها الرد الباطني المنطقي على الموت, إذ التضام هو التماسك, والتماسك نقيض التفسخ, نقيض التلاشي. ولما كانت البغية النهائية للكيمياء هي الأخذ بالمواد الخسيسة الى البرهة الذهبية أقصد تحويلها من الخساسة الى النفاسة, بحيث يرمز ذلك الى تحويل النفس من الظلمانية الى النورانية, من الترابية الى الروحانية (إذ كل ما ابدعته حضارتنا عبر القرون الستين الأخيرة إن هو الا رمز نفسي وحسب, ورمز ذو صلة بالخسة والرفعة وحسب, بحيث يغدو القول مع علم النفس المعاصر بان الفرعون لم يكن سوى رمز للقضيب الخيالي, وكذلك الهرم والبرج, قولا لا يخرج عن نطاق الهذاء, لأن هذه الرموز ليست سوى رموز وثنية. فبينما نرى علم النفس المعاصر وهو يفهم (....) رمزا للقضيب, فان ابن عربي يفهم القضيب رمزا (....). ولم تخفق المسيحية في منطقتنا الا لأنها هبطت (بالاله) الى مستوى الإنسان, مع أن المسيحية من ابداع منطقتنا, ولم ينجح الاسلام الا لأنه ارتفع بالانسان الى مستوى (الاله). الخسيس ينبغي ان يصعد الى مستوى النفيس, لا العكس, والنفيس ما له نفس, روح, والخسيس ما خسّ, نقص, بسبب غياب النفس عن صيغته), لما كانت الغاية الختامية للكيمياء, أو قل للسيمياء, هي العروج بالوضيع الى أفق الرفيع, فقد جاءت اللغة المنبثقة من الروح نفسه, الروح السيميائي الصوفي, بمثابة نقلة تطرأ على الأصوات, الحروف, ابتغاء حملها من دائرة الطبيعة الخام الخسيسة والعروج بها الى دائرة الباطن, دائرة الروح النفيسة أو قل الدائرة المجاورة لينبوع الينابيع, للاله المتعالي باطلاق, المفارق الى الأبد. وفي قناعتي أن الفقه الجديد سوف يخسر الكثير, ما لم يستوعب هذه النقطة الانبثاقية والمحورية في الحين نفسه. إن اللغة, إن اللفظة نفسها, ليست شيئا آخر, في أسها الماهوي الفلسفي الرفيع, سوى تحويل الصوت الحيواني الطبيعي المنبهم والمعدوم الروح الى البؤرة النورانية المضاءة, حيث يغتسل بالنور ويتزكى, كيما يبلغ آن البرارة, بحيث يصلح لاستضافة معاني الله واشراقاته, أو قل بحيث يكتسب أهلية مجاورة العالم الأسنى المبرر الذاكي. وهذا يعني ان الحرف مستودع المعنى, أو نقطة الكون التي يهجم منها العقل. ومن دون هذه النقلة, نقلة الحرف من الظلمانية والترابية والعجمية الحيوانية, الى نورانية اللطائف الخالصة من كل كثافة حيوانية وانبهام طبيعي, والناجية من "الفسق الجرمي", على حد عبارة الشيخ الأكبر, فإن اللغة سوف يتعذر عليها ان تقوم باطلاق. فلئن كانت اللغة قد انبجست من الطبيعة على هيئة أصوات حيوانية في مستهل الأمر, أو قل في أس الدهر, فإنها استحالت في الزمان, في التاريخ, الى روح, الى كيان نفيس(أي كيان ذي نفس), كيان يسكنه الباطن الروحي المفارق للطبيعة, حتى وإن يكن من نتاجها. وبذلك لم يكن الزمان, التاريخ, سوى النزوح العظيم من الخارج الى الداخل, من الطبيعة الى العقل, من الترابية غير الواعية بأغراضها الى الروح الواعي بأغراضه. ولهذا كان شعار الصوفية العربية على الدوام قولهم: " العالم في الترقي". وهذا يعني أن روح منطقتنا يحركه الشوق الى معانقة المطلق المتعالي المفارق الى الأبد, وأن الوجود ليس شيئا آخر سوى مستقبل خالد وأبدي, وأن الحروف (اللغة) ليست أي شيء _في كليتها_ سوى هوية هذا الزحف السرمدي نحو الخالد المطلق, إذ من دون الحروف سوف نخسر العقل, وسوف نرجع من جديد الى حيث كنا, الى أس الدهر, يوم لم يكن ثمة سوى الترابية والعجمة الحيوانية. وهذا يعني أن كل ما اغتنى به الروح من أنوار عبر الزمان, وكل الذي كسبه في زحفه صوب الالوهة (إذ لا بغية للعقل الا التأله), انما تم بفضل تطوير الإنسان للحروف, ذلك التطوير الذي كان يجري على محورين اثنين: محور استخلاص الحرف من مادة طبيعية خام الى مادة مُرَوْحَنة, معقلنة, مسكونة بالنفس والنفاسة, ومحور تزويج الحروف بعضها ببعض تزويجا كيميائيا بغية تركيب صيغ هي عقلية باطلاق, اعني ان لا وجود لها في الطبيعة قط, تماما كما يركب الكيميائي صيغا مادية جديدة ليس لها أي وجود في العالم الطبيعي المستعجم, وان يكن قد استقى عناصرها من المواد الغفل الناعمة في عذريتها الطبيعية. يتبع .. صار ضروريا ان نتوقف لتثبيت نقاط استناد النص الراقي , وإضافة ما يجب من نقاط لبناء نص موازي أو مراقب أو مرافق له . .. |
رد: الفقه اللغوي الجديد / اولياته واشكالاته
لنسجل نقاط الاستناد التالية :
يربط الباحث المتعمق يوسف سامي اليوسف ما بين علمي الحرف , الصوفي الغيبي والفقهي الفلسفي , في اشتراكهما في هدف واحد سماه: استكناه المضمر المخبوء في سرائر الحروف, أو استجلاؤها لتبوح بما تكتمه بصرامة عن النظرة المسطحة. ويقول أن علم الحرف الصوفي انقرض , وعلم الحرف الفلسفي لم يولد بعد . ويضع ما يفترضه مبادئ اولية : _ إن اللغة هي منجزات العقل . ولعله لا يريد العقل الظاهري وحده , يقصد لا الذهن ولا الوعي وحدهما , وإنما يبتغي في المقام الأول العقل الباطني الخبيء , في جملة الجماعة والأفراد . (( إنّ اللغة مبنية على غرار العقل نفسه )) وهذا المبدأ هو ما أفلت من شبكة الفقهاء . _ لا عقل من دون لغة , ولا لغة من دون عقل , مما يعني أن اللغة أس الوجود الإنساني بما هو وجود إنساني . لماذا انتقلت الكينونة اللغوية من اللفظة ذات الحرف الواحد إلى اللفظة الثنائية الحروف والثلاثية الحروف ... الخ ؟ فكان لا بد من اتحادات, من توالجات (من كيمياء), بين الحروف, تماما كما تتلاقى الكائنات وتتقارب لتتحد وتتوالج لكيما تنجز المجمل الكوني الواسع المنداح. _ اللغة كالحياة سواء بسواء , أوسع من أن تحاصر فتحصر , إذ هي لا تطيق سجنا ولا قيودا البتة , مما يعني أنها اندياح دائم وسرمدي . "إما الفرق وإما التيه" . هذه الكلمات القليلة الكم هي عندي المحور الإجرائي لحركة الفقه الجديد, والمبدأ المتحكم بفاعلية الفقيه الواحد وجملة توجهاته . فقه اللغة العربية الجديد لا يملك قط أن ينبثق إلا من مصدرين تراثيين بالدرجة الأولى : الفلسفة الصوفية بسمتها العقلاني , والفقه اللغوي التراثي الفذ . فقه اللغة العربية, إذن, إن هو على الضبط والحصر, الا هذا القبض على اللوينات الذهنية المستدقة جد الاستدقاق, أو ابراز الباطن (والباطن جوهر العقل) في المعجم, ونقله من مقام التواري والاستتار إلى حيز الشعور أو الادراك. لا بد من استيعاء الصيغة المؤلفة من حرفين امتزجا فكوّنا صورة معينة بانتظار حرف ثالث ينتج الثلاثيّ عن اتحاده بهما. وعلم الحرف هو بالضبط اعطاء الأصوات الطبيعية معاني روحية ما كانت لها يوم كانت أصواتا طبيعية وحسب. لن يملك الفقه اللغويّ أيّ تطور نوعي دون أن يرى العلاقات بين حروف الكلمة الواحدة من حيث هي تفاعل كيميائي بين هذه الحروف. إذن, لا ينبغي للفقيه المحدث أن تغيب عن باله هذه الحقيقة الجوهرية: إن دائرتنا الثقافية هي دائرة الكيمياء, ودائرة الصوفية التي طورت علم الكيمياء وتطورت به, بالضبط انبثاقا من شدة إحساس إنساننا الباطني بوطأة الزمن, أو بوجدان الموت (وهذا الوجدان هو الباقي لحضارتنا عبر القرون الستين الأخيرة), ثم أن اللغة العربية لم تتطور قط الا انبثاقا من هذا الروح الذي افرز الكيمياء والصوفية كليهما. ومثل هذه الحقيقة الجوهرية لا تدل على شيء قبل هذه الآنة الجذرية: لن يملك الفقه اللغويّ أيّ تطور نوعي دون أن يرى العلاقات بين حروف الكلمة الواحدة من حيث هي تفاعل كيميائي بين هذه الحروف. وهنا يستعاد التشديد على أهمية الثقافة المصرية القديمة من حيث هي الرحم الذي اطلع مجمل ثقافات دائرتنا الحضارية فلئن كانت اللغة قد انبجست من الطبيعة على هيئة أصوات حيوانية في مستهل الأمر, أو قل في أس الدهر, فإنها استحالت في الزمان, في التاريخ, الى روح, الى كيان نفيس(أي كيان ذي نفس), كيان يسكنه الباطن الروحي المفارق للطبيعة, حتى وإن يكن من نتاجها. وبذلك لم يكن الزمان, التاريخ, سوى النزوح العظيم من الخارج الى الداخل, من الطبيعة الى العقل, من الترابية غير الواعية بأغراضها الى الروح الواعي بأغراضه. ولهذا كان شعار الصوفية العربية على الدوام قولهم: " العالم في الترقي". .. |
رد: الفقه اللغوي الجديد / اولياته واشكالاته
لا بد من تسجيل نقاط لبناء نص مستقبلي موازي : يقول الباحث اليوسف ما حرفيته : (( وهنا يستعاد التشديد على أهمية الثقافة المصرية القديمة من حيث هي الرحم الذي اطلع مجمل ثقافات دائرتنا الحضارية )) هنا لا بد لنا من التوقف مليا , فاللغة الهيروغليفية إذا جاز لنا التعبير , أو في حقيقة الأمر , (الحروف اللغوية الهيروغليفية) , لا يمكن لها أن تكون "الرحم" لمجمل ثقافات دائرتنا الحضارية . من الأكيد أن تدفق سيل الحضارة كان من مصر (أثينا السمراء) إلى أثينا ومنها إلى أوروبا كلها , ومن أثينا إلى بغداد أيضا . ولكن لو أخذنا بمعايير الباحث اليوسف نفسه , لأسقطنا بدء السيل الثقافي الحضاري عن مصر التي تكشف لنا حروفها اللغوية الهيروغليفية , سطحية عمقها الفلسفي , وطغيان الطبيعة عليها , واستحالة قيام اتحاد كيميائي اوسيميائي فيما بينها كما هو حال اللغة العربية وحروفها . لذلك علينا أن نبحث عن الحاضنة الطبيعية والثقافية والحضارية المولدة لكل ما تلاها , وهي ما نعتقده انه في بيئة اليمن وبلاد عسير في جنوب غرب جزيرة العرب ومقابله الجغرافي بلاد الحبشة ومنها صعد السيل الحضاري القادم من اليمن عبر النيل إلى مصر فأثينا . ويبقى علم الآثار المرجع الوحيد والحاسم للتحقق من طريق الحضارة العالمي الأول . أما نحن فنرى في حاضرنا , ما يكفي من الدلالات في جغرافية اللغات العالمية , واللغات السامية أو تحديدا اللغة العربية الحالية المستمرة بلا انقطاع منذ أكثر من ألفي عام مدونة وفق خريطة اللقى الأثرية , ليس أولها "شاهدة قبر امرؤ القيس" أو كما يعرف "بنقش النمارة" في القرن الثالث للميلاد في "حرّة الصفاة" في حوران السورية اليوم , بل كما أشار الدكتور الصليبي في حواراتنا الممتدة معه , إلى القرن الأول بعد الميلاد في سفر أعمال الرسل . نرى أن جغرافية اليمن الطبيعية القديمة , اليمن الحالي وبلاد عسير , والتي قدمت بإجماع الآراء اللغة العربية الحالية , هي الجغرافية المنبع لسيل الحضارة المتدفق , بلا أدنى شك . ومن تلك البيئة الجغرافية بتنوعها وغناها يجب علينا أن نبحث عن الأديان التوحيدية التي اكتملت رسالاتها في الإسلام ولغتها بالعربية الجنوبية لغة القرآن . وهو ما يقدمه لنا الدكتور الصليبي عبر كتبه وحواراتنا معه على أنها الحقيقية التاريخية التي تنتظر علم الآثار لتثبيتها . اللغة العربية الحالية والمستمرة منذ ألفي عام مثبته , وهي لذلك تعود بجذورها إلى زمن أطول في جغرافية بلاد اليمن المثبته . ويأتي النص القرآني ليثبت جغرافيتها وسموها الفلسفي وعمقها التوحيدي . ثم يوثق لجغرافية وأزمنة كل ما سبق من قصص عيسى ومريم والنصارى وبنو إسرائيل , أي الإنجيل والتوراة والزبور , على أن أحداث قصصها كانت في تلك الجغرافية , جغرافية البيت الإبراهيمي التوحيدي . ما نريد قوله .. أن اللغة العربية تثبت أن الفكر الإنساني التوحيدي واللغوي والمتقدم على كل ما عداه تجسده اليوم حروف وجذر اللغة العربية الحالية التي بين أيدينا والتي حفظها لنا القرآن الكريم نقية . وفي تلك الجغرافية , جغرافية بلاد اليمن القديمة , امتدادا إلى جوار أرض بكة , حيث قام البيت التوحيدي الأول واستمر حتى اكتملت الرسالة واللغة والتوحيد والمعرفة , نضجت وتطورت بل ولدت وتخلّقت حروف اللغة العربية ثم اندمجت وتلاقت واتحدت لتحدث الثنائيات الصوتية قبل ان يدخل عليها الحرف الثالث الفلسفي فيحولها إلى جذر للكلمات التي صارت اللغة التوحيدية الإنسانية الأعلى , تسمى اليوم اللغة العربية , وهي في حقيقة تسميتها , اللغة القرآن روحها عربية . لا بد من تأكيد القول على ان الهيروغليفية ليسن لغة بل حروف لغوية , تختزن عبر عمر الحضارة الفرعونية كله , الرمزية الكهنوتية , التي اقتصرت على الموت والحياة من بعد الموت , ولكونها عجزت عن التحول إلى لغة عجزت الديانة الفرعونية بالتالي عن التحول إلى لاهوتيات تقود إلى التوحيد إلا في استثناء جاء ليثبت القاعدة لا لينفيها . سنتابع الباحث اليوسف في بحثه عن تخلّق الحرف الأول وولادته واكتماله في الأبجدية العربية . وسنتابع معه تشكل الثنائيات البدئية كيماويا أو سيميائيا . وسنتابع معه ولادة الجذر اللغوي العربي الفلسفي الأول . ولكن لا بد لنا ان نتوقف هنا عند رأيه في تشكل الثنائيات اللغوية : (( لن يملك الفقه اللغويّ أيّ تطور نوعي دون أن يرى العلاقات بين حروف الكلمة الواحدة من حيث هي تفاعل كيميائي بين هذه الحروف )) . كانت مرحلة اتحاد الحروف اللغوية الأولى في ثنائيات صوتيه تعبيرية , اتحاد عاريين متكاملين , لينجبا الثالث , كاتحاد الرجل بالأنثى . وليس الأمر مجرد اتحاد كيماوي ينتج مركبا ثالثا جديدا في فضاء الكيمياء . لقد رأت المتصوفة في النقطة , اللغة كلها . ففي الكيمياء تحفظ المادة فلا تفنى ولا تخلق من عدم . وفي الصوفية , يتسامى المخلوق إلى ماهية الخالق , فكل من يصعد يتجه إلى لقاء . والفضائين السيميائي والصوفي يفترضان قدرة اتصال المخلوق بالخالق بالعقل , أو قدرة الأدنى مرتبة على الارتقاء إلى أعلى , من الخسيس إلى النفيس ومن الترابي إلى الروحاني . ويعتقدان بالدائرة المكتملة . في حين ان اللغة العربية شجرة خالدة تنمو , وحروف تؤرخ للعقل الإنساني ونموه الأفقي والعمودي , في جغرافيتها , وترتقي بالإنسان العاقل إلى عوالم الفهم والإدراك والطمأنينة , بعيدا عن عوالم القلق والخوف والغموض . فـ ( قاف ) العطش القلق , و ( خاء ) الخوف الخواء , و ( حاء ) الحيرة , يقابلها ( عين ) العقل والفهم والإدراك والطمأنينة . بوابات العقل الإنساني , العربي هنا , الأذن التي تسمع كل الوقت , والعين التي ترى اغلب الوقت , والحلم الذي يلح بعض الوقت . ومنها جاءت الحروف الأولى , "حروف الغريزة" . ثم كانت حواس الإحساس بمادة العالم بوابات الحروف التالية , "حروف التساؤل" . ثم كانت الأسئلة بوابات تكاثر الحروف المشتركة بالهيئة إلى تعددية تعكس تعددية الآراء , "حروف الفلسفة". ما ابسط وأصعب السؤال عن أول الحروف التي نطقها الإنسان , ودوافعه الغريزية والعاقلة لفعل ذلك . كانت الثنائيات الحرفية ثنائيات صوتية تختزن اللفظة الانفعالية أو الجملة الكثيفة في حرفين لحالة مشتركة واضحة الدلالات للجماعة . لعل أول الثنائيات اللغوية الصوتية العاقلة , ثنائية اتحاد الرجل بالمرأة , ولفظة الذروة لكليهما , آه , التي تجمع رمزية الذكورة والأنوثة ومدّهما . بل لعلها صرخات الولادة والوليد , آآ. أو صرخة رفض الموت , لا . للحديث بقية .. .. |
رد: الفقه اللغوي الجديد / اولياته واشكالاته
من أين نبدأ..
هناك وبالتأكيد عدة بدايات للتاريخ, وسيحمل المستقبل في طياته احتمالات جدّية وحقيقية لبدايات مختلفة. إلى أين سنصل.. هناك وبالتأكيد احتمالات لا نهاية لها, وخيارات لا أفق لها, في المستقبل القادم بقوة, وبلا أدنى شك أو تردد. من الثابت الوحيد على سطح الأرض, مسرح الحياة, نبدأ. من الإنسان.. من الإنسان الذي أحس بعظمة الخلق واتسعت آفاقه وأحس بفطرته وغريزته أنه العنصر الفعال في عالم واسع وعلى أرض طيبة. نظر بعيون عقله وقلبه معا, وبايجابية غنى الحياة من حوله, فرأى: في سواد الليل, اتساع الكون.. في تعدد أنواع الحياة من حوله, أبجدية الخلق.. في غرائبية عالم أحلامه, ملعبا واسعا لخيول عقله وتفكيره.. صارع بايجابية من أجل البقاء على قيد الحياة.. وصارعت معه الطبيعة الخيّرة من حوله, ليبقى على قيد الحياة.. كان هذا الإنسان البدائي, إنسانا كاملا, وخلقا تاما.. كان يقطع الأشجار لا ليدمر الطبيعة, وإنما ليزرع الأرض ويبني البيت.. كان يشعل النار ليطهو طعامه ويتدفأ, لا ليحرق ما حوله ومن حوله.. كان يصطاد ليأكل, لا ليقتل.. كان إنسانا: (( قويا وايجابيا وسعيدا)). _ قويا, لأنه استمر وتقدم.. _ ايجابيا, لأنه بنى وعمّر.. _ سعيدا, لأنه رسم بفرح على جدران كهوفه الأولى, الحياة بلا أي تزييف, وكتب تاريخه بكل وضوح الحياة من حوله, وبكل صفاء قلبه وعقله.. رسم.. الحيوانات التي يحب لحمها ويحتاجه.. رسم النار, التي غيّرت له حياته.. رسم الأمل, عندما لوّن لوحته.. لم يرسم.. الموت, لأنه لم يكن يخيفه.. جسد المرأة, لأنه كان يحترم بفطرته الولادة.. ما لم يكن يراه, لأنه كان مطمئنا.. هكذا كنّا جميعا.. نحن "البشر", أنا "الإنسان".. على امتداد الأرض التي كانت منبسطة وقتها, لم تكن كروية ولم تكن تدور ولم تكن معلقة في الفضاء.. وعبر الآف طويلة من السنين.. لم تكن يوما الأرض خالية خربة, كما تقول التوراة, اليوم الأرض اقرب إلى الخلو والخراب.. كان الإنسان الواحد يعبّر عن البشر جميعا.. وكانت البشرية كلها تتكلم لغة واحدة. في ما يعرف اليوم.. بأرض العراق وبلاد الشام وجوارها.. إيران وبلاد بحر قزوين وتركيا.. وأرض مصر والسودان وجوارها.. ليبيا القديمة وإثيوبيا.. وأرض الجزيرة العربية وجوارها.. من هذه الجغرافية نبدأ.. الجغرافيا التي لا تزال وستبقى, مركز اهتمام العالم كلّه.. جغرافية الأديان السماوية الثلاث, الأخيرة والباقية.. في هذه الجغرافيا.. وعلى امتداد العالم القديم.. والعالم كلّه.. كان هناك شيئا تغيّر في الإنسان إلى الأبد.. ضاعت ملامح فرديته في ملامح جماعته.. وحددت له اللغة التي صارت غنيّة وتتطور سريعا, معالمه ومعارفه.. وآفاقه. صار له تاريخ محدد, وأسم محدد, وانتماء محدد. وعمليا.. لم يعد للإنسان الفرد, من وجود.. من إنسان هذه الجغرافيا, نبدأ.. في صيغته الجديدة, جماعة بشرية تتحرك عبر "الوعي النفسي الجمعي".. ((وبلغة واحدة)).. .. _________________ |
رد: الفقه اللغوي الجديد / اولياته واشكالاته
(1) _____________________ (2)
ا ................................. ا .. مفرد. ب ت ث ......................... ك ل .. ثنائي. ج ح خ ........................... ب ت ث .. ثلاثي. د ذ ............................... د ذ .. ثنائي. ر ز .............................. رز .. ثنائي. ط ظ ............................. ط ظ .. ثنائي. ض ص .......................... ض ص .. ثنائي. س ش ............................ س ش .. ثنائي. ع غ ............................. ف ق .. ثنائي. ف ق ............................ ن .. مفرد. ك ل ............................ ج ح خ .. ثلاثي. م ................................ ع غ .. ثنائي. ن ................................ م .. مفرد. ه ................................. و .. مفرد. و ................................ ي .. مفرد. ي ................................ ه .. مفرد. -------------------------------------- في الترتيب (1) لحروف اللغة العربية.. تنقسم حروف الأبجدية العربية إلى ثلاث مجموعات: _ الأولى مفردة: تتكون من ستة أحرف. _ الثانية ثنائية: تتكون من ثمانية أحرف, تختلف فيما بينها, بالتنقيط (الصفر), بنقطة أو نقطتين أو ثلاث نقاط, والهمزة كما هو حال الفرق بين الكاف واللام. _ الثالثة ثلاثية: تتكون من حرفين, تأخذ شكل واحد وتختلف بموقع النقطة ووجودها, أو عدد النقاط وموقعها, كما هو حال (ب, ت, ث ). من الواضح أن هذا الترتيب اعتمده أجدادنا العرب القدماء, للأحرف المتشابهة الثنائية والثلاثية, من موقع "لفظها" داخل الفم أو على الشفتين. بمعنى.. الحروف المفردة تلفظ داخل جغرافية الفم من مكان مختلف لا تتشارك به مع البقية, الواو مثلا يتعلق بجغرافية الشفتين وبحركة متميزة, لا يدخل بها اللسان. في حين النون, يلفظ بحركة معقدة من الشفتين ورأس اللسان, الذي يحدد بداية الحرف ونهايته. الدال والزال, يلفظان من مدخل الفم, من جغرافية واحدة, ويتحدد لفظهما المختلف من حركة اللسان. الباء والتاء والثاء, تلفظ من بحركة تراجعية من الشفتين إلى مدخل الفم ليشارك اللسان في لفظ حرف الثاء بشكل مباشر. وهكذا.. في الترتيب (2) لحروف اللغة العربية نلاحظ: _ أبسط حرف هو (الألف), يقابله في الأعداد الرقم واحد.. _ أعقد حرف هو (الهاء).. لحرف الهاء في اللغة العربية ثلاث كتابات مختلفة, في أول الكلمة وفي وسطها وفي أخرها.. ولحرف الهاء جمالية تخصه لوحده في كتابته في أول الكلام.. ويمكن أن يكتب حرف الهاء فوق السطر وتحت السطر.. _ ترتفع فوق السطر بالإضافة إلى (الألف) حرفي (اللام) و (الكاف), فقط.. _ ثاني أجمل حروف اللغة العربية وأكثرها (غموضا), هو (النون).. (( ولذلك تقول المتصوفة المسلمين, الكثير في حرف النون.. )) إذا.. علاقة شكل الحرف بالتوحيد, يمكن أن أشير لها بالكلمتين: أسم الجلالة, الله .. والفعل, كن.. تبدو الأحرف ((الألف واللام والهاء)), وكأنها صيغت في شكلها ولفظها, "بانتظار الإسلام", والشكل المعلن والواضح والذي يمكن لفظة مباشرة, والواحد, لأسم الجلالة, الله. لنلاحظ ان اليهودية لا تلفظ اسم الخالق ولا تعرف له لفظا, في حين تضيع المسيحية في تحديد الله الواحد, ولذلك تتعدد أسماء الله.. لتتراجع بقية (الأسماء) إلى حجمها الطبيعي, (صفات) الذات الإلهية, الواحدة المفردة, وهذا القول في صفات الله, لا يعني أن الله هكذا, (جبار) مثلا.. بل هي صفات ((وضعت للإنسان في لغته العربية)), لتقع في نفسه عند لفظها أو سماعها, موقعا توحيدا رحمانيا لطيفا.. ولا يمكن لهذه الصفات أن تدل على الذات الإلهية, من حيث صنعة الخالق, ومادته, وإرادته, وموجبات الخالق في خلقه للكون والإنسان.. فحرف الهاء في اسم الجلالة, الله.. يشير في لفظه إلى المدى والاتساع, ويقودك اللفظ إلى رفع رأسك تلقائيا إلى السماء. كأن تشير إلى خالقك بفطرتك وتدل عليه, باتجاه نظر عينيك, لا من حيث أنه في مكان بذاته وهو أعلى منك.. وإنما.. من حيث أنك تعرف بفطرتك الأولى, صغر خلقك في عظيم صنائع يدي خالقك التي تحيط بك أينما توجهت بعينيك.. حرف العين.. لفظه يدل على الرؤية, ولفظه يشير إلى أهم حواس الإنسان, في مسيره ومسيرته على الأرض, العين, والبصر.. وشكل كتابة حرف العين ( ع ), تدل على الإنسان الواقف والمنحني إلى الأمام, في وضع المشاهدة والتدقيق والاهتمام, و "عينه" هي مركزه وأعلى جسده.. والعين يبدأ بها (عقل), وهو أداة الاطمئنان إلى الله, ومعرفة العدل ولو رآه الإنسان في عينه, ظلما.. معرفة الله وتوحيده فطرة في الإنسان, وإرادة الله في خلقه.. لا الحرف ولا العقل ولا العين.. تقود الإنسان المفرد إلى معرفة الله, فرديا, وفق محدودية وبساطة هذا الأدوات, في لانهائية وعظمة واتساع الخلق.. فعل الإيمان, العاقل والصحيح هو فعل ( جماعي), والإيمان (الفردي) هو فعل طيب , ولكنه بفرديته يقود إلى (متاهة) الإنسان في اتساع الكون.. ليس الإيمان طريقا إلى (معرفة الله), الإيمان طريق إلى (توحيد الله), و (تنزيهه), والاطمئنان إلى عدله المطلق, ومعرفة الإنسان لنفسه أولا.. لذلك ضاعت اغلب المتصوفة العرب في متاهات الشخصي والمادي.. بالعودة إلى الحروف.. النون.. الحرف الذي ألهب خيال وأشعل قلوب, المتصوفة.. في طريقة كتابة حرف النون ( ن ).. تكمن دلالة ذات بعدين اثنين: الأول, النون الدائرة التي ( لن ) تكتمل, معرفة الإنسان لن تكتمل, وعليه أن يقف عند حدود الطمأنينة والتسليم بالعدل. الثاني, في سعي الإنسان المؤمن إلى اكتمال (( دائرة المعرفة )) في صنعة الله في خلقه في الفعل ( كن ), سيقع في متاهة الدائرة التي لا بداية لها ولا نهاية. .. _________________ |
رد: الفقه اللغوي الجديد / اولياته واشكالاته
نقاط استناد:
إذا.. الوعي النفسي الجمعي العربي: تجسد في الجذر الثلاثي الفلسفي للغة العربية, وقبل ذلك بالجذر الثنائي اللفظي / الصوتي, وفي البدء في شكل الحرف العربي, ودلالات هذا الشكل, ولفظه.. واختزن نزعة هذا الإنسان العربي, الفطرية والعاقلة والإرادية, إلى التوحيد, وتوقه إلى المعرفة في أمور الأرض والسماء والخلق والحياة والموت وما بعد الموت.. ورفضه للتراث الديني / الإنساني / الوثني, المحيط به.. _ اللغة: بمقدار ما هي اللغة أساسية في الأديان السماوية, بمقدار ما هي الأديان أساسية في حياة الإنسان... وبمقدار ما هي الحرية صفة ملازمة للفكر, بمقدار ما هي اللغة "أساس الفكر" وطريقة "صناعته" و "صياغته" و "ولادته"... لا بد من القول بـ: الثابت الأول: الإنسان.. الثنائية / الثابت: الجغرافية / اللغة.. في حركة الإنسان في الجغرافية, وبفعل تطور التفكير العاقل والواعي والإرادي والطبيعي, تراكم في الذاكرة الجمعية الواعية للإنسان / الجماعة.. كم هائل من مخزون من الأصوات والمشاهدات والمشاعر البشرية والأحاسيس والاختلاجات الوجدانية والقلبية.. دفع هذا الإنسان في "لحظة قدره" في أماكن متعددة ومتباعدة إلى إطلاق الأصوات البدائية للتعبير عن, الخوف والألم والفرح والحزن والجوع والشبع والحب والكره والليل والنهار والشمس والقمر والموت والحياة.. ليذهب في وعيه في جغرافيته على امتداد العالم القديم إلى تطوير الفلسفة / الدين, الذي يقول بالثنائيات في كل شيء, وصولا إلى الديانات البدائية.. ولكن قبل ذلك.. راقب الإنسان البالغ والعاقل, ولادة الطفل وآلام المرأة في الولادة, وروعة الخلق البشري, وظهور جسد صغير من جسد كبير, واهتم وتابع بانتباه ودهشة, لا تزال تلازمنا جميعا, عملية نمو الطفل الصغير وطعامه وأصواته الأولى ثم انتصابه على قدميه وخطواته الأولى المتعثرة البسيطة.. فاتجه الذكر إلى تأليه الإنسان, تأليه نفسه, وتطوير عبادة, الأم / الطفل .. كان التطور الطبيعي "تبادليا" بين اللغة والفكر, تطور الفكر الإنساني دفع باتجاه تطوير اللغة, وتطوير اللغة دفع بالفكر الإنساني إلى آفاق جديدة.. كيف ولد هذا الحرف العربي الجميل..؟؟ ولادة اللغة, هي ولادة الحرف.. وولادة الحرف, عملية فكرية ذهنية واعية وفردية, من قلب الوعي النفسي الجمعي.. . . في الكتابات المعاصرة للغات.. نميز ثلاث أساليب في الكتابة: في حركة القلم على الورقة البيضاء, في نقل الفكر إلى نص, بحروف اللغات, للجالس يكتب حرا بإرادته, ما يجول في خاطره, ويختلج في صدره, ويراه بعين عقله وقلبه.. _ من اليمين إلى اليسار, من الخارج إلى الداخل, باتجاه الصدر والقلب والعين والعقل.. اللغة العربية. اللغة التي تقول أن الإنسان تعود اليه الأشياء, (بنفعها و ضررها) مثلا, المتلقي.. لغة توحيدية.. _ من اليسار إلى اليمين, من الداخل إلى الخارج, من الصدر والقلب والعين والعقل.. اللغات الغربية. اللغات التي تقول, بأن الإنسان مركز الأشياء, ومحركها الأول, ومصدر الأفعال.. لغات مشتبهة.. _ من الأعلى إلى الأسفل, من المجهول إلى المعلوم.. لغات شرق آسيا. لغات وثنية.. لا يمكن فصل اللغة, عن طريقة كتابتها, من زاوية الوعي النفسي الجمعي لشعوب هذه اللغة, في كونها الوعاء الذي يصنعونه ليتلقوا فيه الطعام والشراب والمعرفة, والنعمة / الهداية.. الحرف / الوعاء.. هو المدخل لتحليل البعد الفلسفي الفطري, في النظرة القادمة إلى الحرف العربي.. أيضا.. في أساليب الكتابة.. يظهر جليا الوعي النفسي الجمعي العربي "توحيديا" في ما يلي: _ لا تكتب اللغة العربية ولم تكتب يوما بحروف منفصلة.. ميل فطري جمعي للتوحيد. _ يمكن ان تكتب اللغات الغربية بحروف متصلة وحروف منفصلة.. ميل فطري جمعي للاشتباه. _ تكتب لغات شرق آسيا بحروف منفصلة.. ميل فطري جمعي إنساني / وثني.. الأهم.. _ حروف اللغة العربية الرئيسية هي: (( ستة عشر حرفا رئيسيا فقط )) .. ثم جاء "التنقيط" ليزيد عددها إلى (( ثماني وعشرين حرفا )) .. وهي اللغة الأقل حروفا والأكثف أبجدية, عبر الجغرافيا والزمن.. إذا هي اللغة الأقوى على الإطلاق بشريا.. وهذه الصياغة أعقد من أن تكون "مجرد" فعل فطري جمعي ايجابي عربي, يقف عند حدود الإرادة الحرّة للعرب وسمو الفكر التوحيدي في توق أنفسهم الصافية إلى المعرفة وإحساسهم الجماعي بالله الواحد القريب.. في بيئتهم وجغرافيتهم. . . الحرف / الوعاء.. هو المدخل لتحليل البعد الفلسفي الفطري, في النظرة القادمة إلى الحرف العربي.. _ ب ت ث .. الباء هو الحرف الأسهل لفظا والأكثر بدائية, ثم جاء "التنقيط غير المعلن", ليضع لهذا اللفظ / الحرف, هويته البدائية, فهو الوعاء البسيط الذي وضعت تحته النار / النقطة, فانتقل الإنسان من الطعام النّيء إلى الطعام الأكثر جودة والمطهو.. ليأتي حرف التاء, مضاعفا للنار / النقطة, وليرفعها إلى أعلى الوعاء ناقلا الشكل من البسيط المادي إلى المعقد العقلي.. لتصبح التاء حرف التفكير, ثم انتقل الحرف إلى الشكل الأعقد فعلا وهو الثاء, ليضفي على الحرف / الوعاء جمالية الشكل واللفظ واكتمال التكوين الصوتي.. _ ج ح خ .. الجيم يشير إلى الإنسان / المرأة الحامل.. وأيضا الجيم هو ابسط الحروف الثلاث لفظا, لذلك اعتبرت هنا اللفظ هو المدخل لترتيب الحروف, في حين اعتبرت التنقيط هو الدلالة التي تشير إلى تطور هذه الحروف / الأوعية, من الوعاء البدائي البسيط, إلى الوعاء العقلي المعقد, إلى الوعاء اللفظي الغني... الحرف أداة مادية, الحرف أداة عقلية, الحرف أداة تعبير... الحاء يشير إلى الطفل / الإنسان, الذي يتجه إلى العقل باكتمال المدرك.. الخاء يشير إلى اكتمال الإنسان بعقله, فاستحق النقطة المفردة في مكانها الطبيعي. _ ع غ .. العين حرف البلوغ الفكري والرؤية .. ويشير الغين إلى اكتمال البلوغ والعقل باللغة. بالرغم من أنني لا أريد الوقوع في الفخ الصوفي في اعتماد مفردة بعينها مفتاحا وبرهانا وركيزة.. ولكنني تحببا فقط أشير إلى .. كلمة "بلوغ" حرف العين غايته.. تبدأ كلمة "بلوغ" بحرف الباء الوعاء الأبسط, وتنتهي بحرف "غايتها" الغين.. سأكتفي هنا بهذا العبور السريع.. الحرف / التنقيط.. الفعل اللغوي الكامن في الحرف العربي .. د ذ ر ز ط ظ ص ض س ش سأكتفي هنا بالإشارة إلى أن التنقيط أخذ هذه الحروف من اللفظ البسيط إلى اللفظ المعقد.. وحوّلها من أشكال / أوعية, بسيطة وبدائية إلى أدوات / حروف, عقل وتفكير ثم أدوات / حروف, لغة.. لذلك يصح فعلا تعريف اللغة العربية بأنها: اسم وفعل وحرف.. هناك احتمالات لا نهاية لها للكيفية والمنهج الذي اعتمده أجدادنا لخلق هذا اللفظ بهذا الشكل, ورسم الحرف اللفظ, حرفا, ثم تطويره.. للاستئناس فقط.. الدال: وضعية الإنسان الحزين والمفكر والمتأمل والمتعب.. والإنسان الذي يفكر فيرسم على الأرض أمامه دائرة. الراء: أداة الحصاد الأولى, السيف, الكف في حالة العطاء.. ط: شكل معقد ومكون من جزئين منفصلين, كتابة معقدة.. ص: امتداد لفكرة ال (ط) والإعلان عن تخفيف تعقيد كتابته منفصلا, واكتمال تكوينه.. س: الحرف المتحرك, حرف جمالية الكتابة القادمة.. ظاهرة مختلفة.. _ ف ق هذا الحرف / الثنائية, ولد معقدا, فهو حرف متأخر في الأبجدية, التي أعيد ترتيبها مستقبلا وبعد اكتمالها وفق موسيقية عربية معينة, وليس وفق تاريخ الخلق / النزول.. وسارت العرب على هذا النهج في ترتيب آيات القرآن أيضا.. الفاء, ف: تكوين معقد ومنقط.. الدائرة الممتدة بسطحية المنتهية بمحاولة التسامي, ثم وكأنها عجزة أن تلحق باللام والكاف.. جاء القاف, ليصحح هذا العجز, فأوقف التسامي إلى أعلى واتسع إلى أسفل والتصق بالمادة الأولى التراب والأرض, وقال بضرورة الغوص في أعماق الإنسان وليس في متاهات السماء.. _ الواو .. يقول لنا أن البداية العقلية إذا كانت دائرة فستقود الإنسان المفكر نزولا إلى حد ما .. الواو حرف العطف, أكثر حروف اللغة العربية أهمية لاكتمال الفكرة.. _ ثم جاء حرف الميم.. مفردا مستقلا ليعطينا النتيجة النهاية لأهم تطوير فكري فلسفي بدائي عربي.. إذا بدأ العقل بدائرة مكتملة, فسيكون مصيره إلى الأعماق إلى الأسفل.. _ واكتمل المشهد السابق كله بحرف " النون " , ن .. الوعاء الفلسفي الأهم, والحرف التوحيدي بالكامل, ورفض نهائي وحاسم للدائرة / الكمال , على الأرض وفي الإنسان.. _ الياء , ي .. الحرف الأخير والأكثر تعقيدا والقادم متأخرا ليختم الأبجدية بالقول: من اين تبدأ ستنتهي إلى مستوى أدنى على السطر, الالتفاف لا يقود إلى نتيجة.. ولذلك يأتي هذا الحرف الطيب في أول الكلام دافعا بالقول إلى الأمام بسرعة وسهولة ويسر.. جاء هذا الحرف مولودا وحيدا بين الحروف بنقطتين / نارين, .. هذا الاستدلال شخصي, وهو انطباع أولي.. دراسة الحروف تحتاج إلى أخصائيين في اللغة وعلم النفس العربي الإسلامي, والصوتيات واللغات القديمة.. وهذا البحث يحتاج إلى الوقت والى فريق عمل مختص, وجهد سنوات.. (( مقتطفات من محاولة أولى للغوص بقراءة متأنية وفردية لقصة الحرف العربي )) انتهى .. .. نعود تاليا لنص الباحث يوسف سامي اليوسف . .. |
| الساعة الآن 10:17 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط