الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديـات الثقافيـة > المنتدى الإسلامي

المنتدى الإسلامي هنا نناقش قضايا العصر في منظور الشرع ونحاول تكوين مرجع ديني للمهتمين..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-01-2022, 12:24 PM   رقم المشاركة : 13
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣




حول مضمون الآية:


إن الإيمان بالغيب هو الجواب لأسئلة تدور حول ما لا تدركه الحواس. إن ما لا تراه العين، ولا يصل إلى السمع هو عالم، أو فلنقل عوالم لا نشك في وجودها، لكننا لا نملك تفسير كنهها بعقولنا المحدودة، ومعارفنا التي تعجز عن استشراف ما لا يخضع للتجربة. إن العلاقة بين المشاهد والمحس، بين الجسد والروح، تحتاج لمصدر موثوق يدلنا عليها. وما أجهل من يقصرون الوجود على ما يرونه موجوداً أمامهم، وينكرون ما لا يختبرونه بحواسهم. وما أجهل من يضربون الصفح عن أسئلة تطل برأسهم حول الكون والكائنات، والحياة والموت، والصحة والمرض، والخير والشر، والقضاء والقدر، ومئات الأسئلة التي لا جواب يقيني عليها إلا بالإيمان بالغيب ومن وراءه. إن الإيمان بالغيب يعقد الصلة بين عالمي الغيب والشهادة. وقد شاء الله سبحانه وتعالى أن يريح البشر من الحيرة والتخبط، فأرسل لهم من الرسل من يضعهم على الطريق الذي يصل المحدود بالمطلق.

إن ذروة الغيب وسنامه هو الخالق. وقد بث في الكون دلالات عليه، تثبت وجوده السرمدي الأزلي، فأنت ترى الله حين تتفكر في خلقه، وتتدبر في كونه. وهو وحده عالم الغيب والشهادة، المختص بإدارة الكون بما فيه، وهو وحـده عالم الغيب، كـل الغيب، لا يخفـى عليه شـيء: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ النمل 65، ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ الأنعام 59. وهو لا يُطْلِـعُ على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسـول، يكشـف له جانباً يؤيد به رسـالته، وليكون من أدلـة نبوته عند قومه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا 26 إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا 27الجن. والغيب غيوب. أما الغيب النسبي، فهذا مشترك بين الخلق، وقد يكون الغيب عندك، حاضراً عند غيرك. أنت تعلم ما في جيبك، لكن غيرك لا يعلمه إلا إذا أطلعته عليه. والطبيب قد لا يعلم علة المريض إلا بعد إجراء الأشعة على موضع شكوى المريض. والجن كانوا يعملون بين يدي سليمان (ع) دون أن يعلموا بموته حتى كشفته دابة الأرض: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ سبأ 14. هذا الغيب النسبي يكشف للناس بإحدى الطرق المشروعة، وأولها الوحي الذي أغلق بابه بوفاة محمد صلى الله عليه وسلم. يقول تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ 49هود. ومنها الإلهام والفطنة. أما الطرق غير المشروعة، فمنها التجسس والتلصص، والاستعانة بالجن في كشف المفقودات، واللجوء للسحرة والمشعوذين لمضرة للغير، أو منفعة لا تحل.

وأما الغيب المطلق، فبابه بين يدي الله وحده، يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ 34لقمان، وهذه آية اخْتُلِطَ في فهمها، فقال الأقدمون وكثير من المحدثين: إن الله تفرد في علم هذه الغيوب الخمس، بينما عارضهم طاعنون في الدين بقولهم: بل إن البشر صاروا ينزلون المطر، ويكشفون بالأشعة عما في رحم المرأة، ويرون جنس الجنين. والآية لا تعارض هذا. إن المولى جلت قدرته اختص في الآية بعلم الساعة وحده، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾. هو وحده الذي يعلم هذا. يقول تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِالأحزاب 63، ويقول: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ فصلت 47. أما الغيث، فقال فيه: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ فلم يحصر نزول الغيث فيما ينزله جل وعلا، فلم يأت بأي لفظ جامع مانع، نحو: عنده نزول الغيث، أو: وحده ينزل الغيث. وأما: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ فجاء كذلك بفعل مضارع، يشمله هو وغيره. وأما: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ فجعل الغيب في الرزق والموت مقصـوراً على كل نفس، فأنت لا تعلم عن رزقك حتى يأتيك، ولا تعلـم عن مكـان موتك حتى يقع.
أما من يعلم برزقك وموتك فقد وكل المولى ـ جل وعلا ـ ملكاً بكتابتهما يوم ولدت*. إن قدر رزقك وحياتك مسطور في علم علام الغيوب منذ الأزل، فهو سبحانه المترفع عن الزمان والمكان، وقد كلف ملاكاً بالكتابة في بطاقة ذاكرة عمرك (أو في صبغة الله التي فطرك عليها): جنسك، وأثرك، ورزقك، وأجلك. وما هو غيب بالنسبة إليك، علمه مع الله الملاك المكلف بك، ثم الملائكة المكلفون بإنفاذ أوامر الله في تيسير الرزق لك، ثم الملاك المكلف باسترداد أمانة الله.
* حَدَّثَنَا رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ -وهو الصَّادِقُ المَصْدُوقُ- قالَ: إنَّ أحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذلكَ، ثُمَّ يَكونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذلكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فيُؤْمَرُ بأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، ويُقَالُ له: اكْتُبْ عَمَلَهُ، ورِزْقَهُ، وأَجَلَهُ، وشَقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فيه الرُّوحُ، فإنَّ الرَّجُلَ مِنكُم لَيَعْمَلُ حتَّى ما يَكونُ بيْنَهُ وبيْنَ الجَنَّةِ إلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عليه كِتَابُهُ، فَيَعْمَلُ بعَمَلِ أهْلِ النَّارِ، ويَعْمَلُ حتَّى ما يَكونُ بيْنَهُ وبيْنَ النَّارِ إلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عليه الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ.
الراوي: عبدالله بن مسعود.
متفق عليه: البخاري (3208)، واللفظ له، ومسلم (2643)،باختلاف يسير.

إن الله ـ تعالى اسمه ـ لما أرسل الرسل أزال الشبهات والشكوك عن صدور الخلق، وجعل البشر يعرفونه، فلا يكفر به بعدها إلا جاحد أو جاهل. ومعرفته استوجبت عبادته، وهي سبب خلقه لهم: ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ الذاريات 56، فما أرضَى لوجودهم إلا أن يعترفوا لي بالتفرد بالإِلهية. قد خلق الله الخلق ووضع في تركيبهم فطرة توحيده، لكن الانحراف يأتي من النشأة والتأثر بالبيئة وشطط العقول. ، لذلك كان الأمر بعبادة الله أول ما يدعو إليه كل نبي: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ 2 أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ 3نوح . وابن مريم (ع) حين يبريء ساحته من شرك قومه قال لربه: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ﴾ المائدة 117. والعبادة تعني إظهار الخضوع للمعبود، واعتقاد أنه يملك نفع العابد وضُرّه مِلكاً ذاتياً مستمراً، فالمعبود إله للعابد. وهذا ما استقر في ذهن فرعون وآله، فاستغلوه ضد الله ـ تعالى عن شركهم علواً كبيراً ـ حين قالوا: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ المؤمنون 47. وإن علة الصراع بين الإيمان والكفر هو إفراد الله بالعبادة، مما يتبع هذا من تكاليف. وامتثال شرع الله يزيل من المجتمع المؤمن كل صنوف الهوى واتباع الشهوات. إن توافق المجتمع على الالتزام بالتكاليف الشرعية يدك صروح الطاغوت، فالحكم لله، والأعراض والأموال والأرواح مصانة، لا يمسها أحد إلا بالحق. هذا النظام الرباني لا يُرْضي مَن ينصبون أنفسهم آلهة، ومن يعيشون على فتات موائدهم. لا يرضي من يطمع فيما ليس من حقه، ليستعجل الرزق، أو يسلب غيره ما ليس له. شريعة الغاب هذه ترضي الشيطان الذي آلى على نفسه إلا أن يضل هذا الذي فضله الله عليه. أما عبادة الله بالخضوع له باتباع أوامره والانتهاء بنواهيه فهو وحده المخلص من حبائل الشيطان. ورأس عبادة الله الصلاة، فهي أولى معارج الوصول إليه، وهي الباب الواسع الذي يفتح الأفق الرحيب للقلب فيسمو ويرقى ويمتزج بالملأ الأعلى. هذه الصلة لا تتأتى إلا بالصلاة.

والزكاة قرينة الصلاة في كثير من الآيات، للدلالة على فضل الإنفاق وأهميته للفرد المجتمع. فالإنفاق يفيد المنفق قبل أن يفيد المستحق. إنه اختبار حقيقي لنفس صاحب المال. من يتمسك بماله لا يريد أن يفارقه يجعل عرض الدنيا الفاني أحب إليه من رضى الله. ويفصله عمن حوله من أناس لا يجدون قوت يومهم. هذا الجمود في الشعور يتزايد وينمو كلما طال أمد حجب المال عن مستحقيه حتى يصير أثرة وبخلاً. أما مُخْرِج الزكاة، فهو امرؤ يشعر بمن حوله، ويهتم بمصالح بني أمته. والله في المقابل يبارك له في رزقه، وينميه، فتتحقق له الفائدة الشخصية والسلام النفسي لأنه يقيم شعائر دينه، ويشارك في التكافل المجتمعي. المولى جل وعلا إذاً شرع الزكاة لمصلحة الفرد والجماعة. والرزق هو العَطَاء؛ قال تعالى: ﴿وَمَن رَّزَقْنَٰهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً﴾ النحل 75، ويقول الشاعر:
رُزِقْتَ مَالاً وَلَمْ تُرْزَقْ مَنَافِعَهُ ..... إِنَّ الشَّقِيَّ هُوَ الْمَحْرُومُ مَا رُزِقَا
والرزق نوعان: رزق يطلبُ الإنسانَ حيثما كان ولا يحتاج إلى جهد أو تعب كالميراث، ورزق يطلبه الإنسانُ، وهذا النوع لا يحصل إلا بالسعي والاجتهاد للكسب كالرزق الذي يحصل عليه الإنسان من الزراعة والتجارة والصناعة. ورب العالمين قال في كتابه الكريم: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ آل عمران 14، فبين أن هذه الأصناف من متاع الدنيا الزائلة. والأموال إذاً من شهوة الحياة الدنيا، ولا يبقى منها للآخرة إلا ما يدخره العبد في صفحته من إنفاق لله. وقد ترك لنا الله سبحانه وتعالى أبواب الإنفاق التي نؤجر عليها مفتوحة على مصراعيها، بدءاً من اللقمة يضعها المسلم في فم من يعول، إلى الصدقة يخرجها لوجه الله قلت أو كثرت حسب قدرة المحسن وحاجة المستحق، لكنه وضع قانوناً إلهياً بالحد الأدنى، وهو الزكاة، فوضع مصارفه، وشـروط صرفه، وحدودها. وكأن في قوله: ﴿ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ﴾ قبل ﴿وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ﴾ ليشير إلى أن الصلاة التي هي من الشعائر القلبية، لا يؤديها المرء إلا لإيمانه برب الغيب والشهادة، ولا يؤدي النفقة إلا من يؤمن بمن بيده الرزق، المطلع على الأعمال والنيات جميعاً، وكما جاء الرزق من علم الغيب، يأتي عوض الإنفاق من عالم الغيب والشهادة.

إن الإيمان بالغيب على جملته هو أولاً إيمان بالله تبارك وتعالى، لأنه قمة الغيب، وإن كانت آثاره في كل مكان. والإيمان بالله يستلزم طاعته، وهو أمرنا بعبادته وحده، فلزم أن نستجيب لأمره، ومن رحمته علينا أن علمنا كيف نعبده، فأرسل الرسل وأنزل الكتب ليهدي من يطيع، ويقيم الحجة على من يعصي. والصلاة هي أولى وسائل الاتصال به جل وعلا، وهي في فرعيها: الدعاء، وإقامة الشعيرة، عماد الدين، ومن أقامها أقام الدين، ومن هدمها هدم الدين. هي المعراج لرضى الله ومحبته. لذلك لا تسقط عن المسلم البالغ العاقل الواعي مهما كانت حالته، وأياً كان وضعه. وهو كما يزكي لأداء الصلاة بوقته، فيقتطع من حياته سويعات كل يوم لصلاته، عليه أن ينفق من ماله لله، حسب طاقته. والمؤمن يسعى لتطهير ماله كلما استطاع بالصدقة، ولا يستقل ما يخرجه لله، ولكل نفس قدرتها وسعتها. أما إذا حاز مالاً تجب فيه الزكاة الشرعية، فقد انتقل الأمر بالنسبة له من الاستحباب للوجوب. إن الله تعالى شرع الزكاة ليتكافل الناس، ويعطي القادرُ المحتاجَ بنسبة قدرها ـ جلت حكمته ـ على كل صنف من صنوف الرزق بلغ النصاب. ولأنه سبحانه العليم بعباده، لم يترك لهم تقدير نصيب المستحق من مال الغني، وحذر من يمنع حق مستحقي الزكاة من أموالهم، وشدد على عقوبة الكَنْز، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ 34 يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ 35التوبة. إن الإسلام لا يعادي الأغنياء، ولا يمنع أن تزداد ثروتك دون حدود، ولكن أَخْرِجْ للمجتمع حق الله عليك. أما مَن يُكَدّسون ثرواتهم في خزائنهم، فلا ينفعون الأمة بدوران المال في السوق، وفي كفاية المحتاج ليرقى المجتمع بطبقاته. إن من يخرج زكاة ماله، يحرص على تنميته، ولا يكون ذلك إلا بتشغيله في شأن من شؤون العمل، وفي هذا زيادة له، وزيادة مستمرة في نصيب المحتاجين، وتوظيف للعمالة، علاوة على الفوائد النفسية له وللمستحق للزكاة وللمستفيد بالتشغيل ولأسرهم. ولابد لكل ذي مال أن يدرك أن الرزق من الله، هو المعطي، وهو القادر على المنع. وأنت حين تنفق، إنما تنفق قدراً مما رزقك الله به، هذا الملمح الذي غيبه الشيطان عن ذهن قارون، فقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ القصص 78، ليخسف الله به الأرض بعد أن كفر به، ويرعوي من تمنوا مكانه بالأمس، فيقولون: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ۖ ﴾ القصص 82.






 
رد مع اقتباس
قديم 10-01-2022, 11:50 AM   رقم المشاركة : 14
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ ٤





﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ﴾:

عطفٌ على ﴿ٱلَّذِينَ﴾ قبلَها، ونوع العطف:
- إما أن يكون من باب عَطْفِ بعضِ الصفاتِ على بعض كقوله:
إلى المَلِكِ القَرْمِ وابنِ الهُمامِ ..... وليثِ الكتيبة في المُزْدَحَمْ
وللآخر:
يا لَهْفَ ذُؤابَةَ لِلْحارِثِ الصَّـ ..... ائِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ
يعني: أنهم جامعونَ بين هذه الأوصافِ إن قيل إن المرادَ بهما واحدٌ.
- وإما أن يكونوا غيرهم. ويجوز في هذه الحالة أن يكونَ عطفاً على: ﴿هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ 2﴾ وأن يكونَ مبتدأ خبرُه ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ 5، و ﴿يُؤۡمِنُونَ﴾ صلةٌ وعائدٌ.
﴿بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ﴾: "ما" موصولةٌ اسميةٌ، و ﴿أُنْزِلَ﴾ صلتُها، و ﴿إِلَيۡكَ﴾ متعلِّقٌ بـ ﴿أُنْزِلَ﴾، ومعنى "إلى" هنا انتهاءُ الغاية.
والنزولُ: الوصول والحلولِ من غير اشتراطِ علوٍّ. تقول: نزَلْتُ نزولاً ومَنزلاً. وأنزَلهُ غيره واسْتنزَله بمعنى. ونزَّله تنزيلاً. والتنزيلُ أيضاً: الترتيب. والتنَزُّلُ: النُزول في مُهلة. ونزل القوم إذا أتَوْا مِنًى، قال ابن أحمر:
وافَيْتُ لمَّا أتاني أنَّها نزَلـتْ ..... إنَّ المَنازِل مما تجمَعُ العَجَبا
أي أتَت مِنًى. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ﴾ النجم 13، قالوا: مَرَّةً أخرى. وقوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ الكهف 107، قيل: هو من نزول الناسِ بعضهم على بعض، يقال: ما وجدنا عندَكُم نُزُلاً.

ما هو الإيمان؟:

الإيمانُ في العربية: التصديقُ، وهو من الأمْنِ الذي هو الإقرارُ والطُّمَأنينةُ، وذلك إنما يحصُلُ إذا استقرَّ في القَلْبِ التصديقُ والانقيادُ. وقيل: أصلُ الأَمْنِ طُمأنينةُ النَّفسِ وزوالُ الخَوفِ، وذلك إنما يحصُلُ إذا استقرَّ في القَلْبِ التصديقُ والانقيادُ. وله في اللسان العربي استِعمالانِ:
1) أن يتعدَّى بنَفْسِه، فيكونُ معناه التأمينَ، أي: إعطاءَ الأمانِ، وآمَنْتُه ضِدُّ أخَفْتُه. ومنه قول اللهُ تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ 4قريش.
2) أن يتعدَّى بالباءِ أو اللَّامِ، ومعناها التصديق، نحو قول اللهُ سُبحانَه على لسان إخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ يوسف 17. وجاءتا معاً في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ التوبة 61، ومعناها هاهنا: يصدق بالله استسلاماً وانقياداً ويصدق المؤمنين لأن المشركين قالوا عنه صلى الله عليه وسلم: هو أذن، فرد الله تعالى عليهم بالآية.
وقيل معنى آخر في الإيمان، هو أنَّ المؤمِنَ معناه المصَدِّقُ؛ فالإيمانَ مأخوذٌ مِن الأمانةِ؛ لأنَّ اللهَ ـ َعَزّ وجَلَّ ـ تولى عِلْمَ السَّرائرِ ونِيَّاتِ العَقدِ، وجعل ذلك أمانةً ائتمَنَ كُلَّ مُسلِمٍ عليها، فمن صدَّقَ بقَلْبِه ما أظهرَهَ لسانُه فقد أدَّى الأمانةَ واستوجبَ كريمَ المآبِ إذا مات عليه، ومن كان قَلْبُه على خِلافِ ما أظهر بلسانِه فقد حَمَل وِزْرَ الخيانةِ، واللهُ حَسيبُه.

ومع التصديق ِمعانٍ أُخرى، كالأمْنِ والطُّمَأنينةِ أو الاستسلامِ أو الإقرارِ، فإذا قُرِنَ بالباءِ صار تصديقًا متضَمِّنًا للطُّمَأنينةِ والثَّباتِ والقَرارِ، لا مجرَّدَ تصديقٍ، ولو كان تصديقًا مُطلقًا لكان يُقالُ: آمَنَه، أي: صَدَّقه، لكِنْ "آمن به" مُضَمَّنةٌ معنى الطُّمأنينةِ والاستقرارِ لهذا الشَّيءِ. أما إذا عُدِّيَت باللَّامِ، مِثلُ: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ العنكبوت 26 فمعناه أنَّها تضَمَّنت معنى الاستسلامِ والانقيادِ.

ما الفرق بين الإيمان والتصديق؟:

- الإيمانُ يُطلَقُ في القرآنِ على التصديقِ المحْضِ، كما في آيتي التوبة ويوسف، وكذلك إذا استعمِلَ مقرونًا مع الأعمالِ، كقَولِه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الانشقاق 25، والتين 6، فأمَّا إذا اسـتُعمِلَ مُطلقًـا فالإيمانُ الشَّرعيُّ المطلوبُ لا يكونُ إلَّا اعتقادًا وقَولًا وعَمَلًا.
- معلوم أن الإيمان الشرعي هو الإقرارُ لا مجرَّدُ التصديقِ، والإقرارُ ضِمنَ قَولِ القَلبِ الذي هو التصديقُ، وعمَلِ القَلبِ الذي هو الانقيادُ. والإيمانَ ليس مُرادِفًا لِلَفظِ التصديقِ في المعنى، فإنَّ كُلَّ مُخبٍر عن مشاهَدةٍ أو غيبٍ يقالُ له في اللُّغةِ: صَدَقْتَ، وأمَّا لَفظُ الإيمانِ فلا يُستعمَلُ إلَّا في الخبَرِ عن غائبٍ.
- إن الإيمانَ مُشتَقٌّ من الأمنِ، فإنَّما يُستعمَلُ في خبرٍ يُؤتَمَنُ عليه المخبِرُ؛ كالأمرِ الغائِبِ الذي يؤتَمَنُ عليه المخبِرُ؛ ولهذا لم يوجَدْ قطُّ في القرآنِ وغيرِه لفظُ: آمَنَ له، إلَّا في هذا النَّوعِ. ومعلوم كذلك أن الصدق يقابله الكذب، بينما الإيمان يقابله الكفر.
- لفظَ الإيمانِ في العربية لا يتعدَّى بنَفْسِه، تقول: آمنت به أو له. أما التصديقُ فيتعدَّى بنَفْسِه، تقول: صدقته، ولا يمكِنُ أن تفسير فِعل لازم لا يتعدَّى إلَّا بحرفِ الجَرِّ بفِعلٍ متعَدٍّ ينصِبُ المفعولَ به بنَفْسِه.
- كَلِمةَ: صَدَّقْتُ لا تُعطي معنى كَلِمةُ: آمنتُ، فإنَّ آمنتُ تدُلُّ على طُمأنينةِ بخَبَرِه أكثَرَ مِن صَدَّقتُ. ولهذا لو فُسِّرَ الإيمانُ بـ الإقرار لكان أجوَدَ، لأن الإقرار يتضمن معنى التصديق ويزيد عليه بالقبول والارتياح.

ما المقصود بالإنزال في الآية؟:

الإنزال: الإيصال والإبلاغ، أو نقل الشيء فيكون:
- نزولاً من أعلى إلى أسفل، نحو: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ 193 عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ 194الشعراء.
- أو ألا يلزم أن يكون من الأعلى إلى الأسفل مثل: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ الصافات 177، أي وصل وحل.

والإنزال على الرسل يكون بأشكال متعددة:
- بكلام من وراء حجاب مثل الوحي إلى موسى ـ عليه السلام ـ،
- أو برؤيا النوم كما حدث مع إبراهيم ـ عليه السلام ـ،
- أو بإرسال جبريل كما كان يحدث مع محمد ـ عليه السلام ـ أو بإرسال غيره من الملائكة كما حدث مع لوط ـ عليه السلام ـ،
- أو بالإلقاء في الروع، وشاهده ما ورد في الصحيح من حديث الرسول : "أحْيانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وهو أشَدُّهُ عَلَيَّ، فيُفْصَمُ عَنِّي وقدْ وعَيْتُ عنْه ما قالَ، وأَحْيانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا فيُكَلِّمُنِي فأعِي ما يقولُ"*.
* عن عائشة أم المؤمنين :أنَّ الحارِثَ بنَ هِشامٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْه سَأَلَ رَسولَ اللَّهِ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، كيفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ؟ (الحديث)
رواه الشيخان: البخاري (2 و 3215)، ومسلم (2333).


لم جاء فعل النزول ماضياً والكتاب لَمّا ينزل كله؟:

- قيل: تغليباً للحاضرِ المُنَزَّلِ على ما لم يُنَزَّلُ. ويدل عليه قوله: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ﴾ الأحقاف 30، ولم يسمعوا جميع الكتاب، ولا كان كله منزلاً.
- وقيل: هو كله عند الله في حكم المنزل، كقوله تعالى: ﴿أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ﴾ النحل 1.

ونقول: هذا من أدلتنا على أن القرآن نزل على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان دفعة واحدة، ثم نُزّلَ بعد ذلك بلفظه منجماً.

﴿وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ﴾:

﴿وَمَآ﴾: عطفٌ على "ما" التي قبلَها، و "ما" اسم موصول.

﴿أُنزِلَ﴾: مبني للمفعول، وأنزله الله أو جبريل.
﴿مِن قَبۡلِكَ﴾: متعلِّقٌ بـ ﴿أُنْزِلَ﴾ و ﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية، و "قبل" ظرف زمان يقتضي التقدُّم.
وقريء: {بما أَنْزَلَ إليك} مبنيَّاً للفاعلِ وهو اللهُ تعالى أو جبريلُ، وقُريء أيضاً بتشديد اللام لالتقاء ساكنين إذ أن الفعل في هذه القراءة مجزوم.

ما المقصود بالمُنْزَل؟:

- ﴿بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ﴾ يعني القرآن،
- ﴿وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ﴾ من التوراة والإنجيل وسائر الكتب المنزلة على الأنبياء.
وقوله من قبل: ﴿ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ﴾ كانت على الإطلاق ليدخل فيهم من لم يؤمن قبل الإسلام بالرسالات السابقة عليه. ثم خصص هنا بمن آمن بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك.

من الذين قيل فيهم: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ﴾، أهم غير الأولين أم هم الأولون؟:

على قولين:
1) إنما وسط العاطف كما يوسط بين الصفات في قولك: هو الشجاع والجواد، وفي قوله:
إلى المَلكِ القَرْمِ وابنِ الهُمَامِ ..... ولَيْثِ الكَتِيبةِ في المُزْدَحَمْ
2) فإن أريد بهؤلاء غير أولئك، فقد يدخلون في جملة المتقين أو لا يدخلون:
... أ‌. إن عطفتهم على: ﴿ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ﴾ دخلوا وكانت صفة التقوى مشتملة على الزمرتين من مؤمني أهل الكتاب وغيرهم،
... ب‌. وإن عطفتهم على: ﴿لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ لم يدخلوا، وكأنه قيل: هدى للمتقين، وهدى للذين يؤمنون بما أنزل إليك.

ما قيل في سبب نزول الآية:

قيل: إن الآية نزلت في مؤمني أهل الكتاب، واسـتشـهدوا بالآية: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ آل عمران 199، وقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ 52 وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ 53 أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ 54القصص.
لكن الأولى أن هذه الآيات لعامة المؤمنين لا وصفاً لمؤمني أهل الكتاب، وقد ثبت الثناء على من جمع بين الأمرين من المؤمنين في غير هذه الآية. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ النساء 136، وقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ البقرة 285.

ويدخل في: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ﴾ من دخل في الإسلام من اليهود والنصارى، وإيمان النصارى أكمل من إيمان اليهود لإيمانهم بالتوراة والإنجيل جميعاً: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ البقرة 41.
وهنا ملمح بياني في تقديم: ﴿بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ﴾على: ﴿وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ﴾ لكونه أشرف.

﴿وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ﴾:

﴿وَبِٱلۡأٓخِرَةِ﴾: متعلِّقٌ بـ ﴿يُوقِنُونَ﴾.
الآخرة: تأنيث آخِر المقابل لأوَّل، وهي صفةٌ للدار في الأصلِ جَرَتْ مَجْرى الأسماءِ، وحذف الموصوف، والتقديرُ: الدار الآخرة أو النشأة الآخرة، وقد صُرِّح بهذين الموصوفين في مثل: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ العنكبوت 64، وقوله: ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىءُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلآخِرَةَ﴾ العنكبوت 20.
قوله تعالى: ﴿وَبِٱلۡأٓخِرَةِ﴾: سميت الآخرة لتأخرها عن الدنيا. وقيل للدنيا: دنيا لأنها أدنى من الآخرة.
و ﴿يُوقِنُونَ﴾: خبرٌ عن ﴿هُمۡ﴾. وفي تقديم الجار والمجروراهتمام به كما قُدِّمَ المُنْفَقُ في قوله: ﴿وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ البقرة 3 لذلك.
والإِيقانُ: تحقيقُ الشيء لوضوحِه وسكونِه يقال: يَقِنَ الماءُ إذا سَكَن فظهر ما تحته، وَيَقِنْتُ الأمر بكسر القاف، ويُوقنون مِنْ أَيْقَنَ بمعنى استيقن.
وقريء: {يُؤْقِنُون} بهمز الواو، وعليها قول الشاعر يهمز "المُوقدين":
أَحَبُّ المُؤْقِدينَ إليَّ موسى ..... وجَعْدَةُ إذ أضاءَهُما الوَقودُ

ما هي الملامح البلاغية هنا وفي: ﴿وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ؟:

1) في الجملتين قدم الجار والمجرور على الفعل.
2) في: ﴿وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ﴾ عُطِفَتْ جملةٌ اسميةٌ على الجملةِ الفعليةِ قبلَها فهي صلةٌ أيضاً، ولكنه جاء بالجملة هنا من مبتدأ وخبر: ﴿هُمۡ يُوقِنُونَ﴾ بخلاف: ﴿وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ لأن وصفهم بالإِيقان بالآخرةِ أَوْقَعُ مِنْ وَصْفِهم بالإِنفاق من الرزقِ، فناسَبَ التأكيدَ بمجيء الجملةِ الاسميةِ.
3) كذلك لو جاء بجملة إسمية هناك فقال: "ومِمَّا رَزَقْناهم هم ينفقون"، لوقع تكرار مخل في الضمير.

ما هو اليقين؟:

تحمل كلمة اليقين في العربية أكثر من معنى، فالإيقان واليقين هو العلم عن اسـتدلال. وقيل: هو ما حصلت به الثقة، وثلج به الصدر، أو هو العلم بالشيء بعد أن كان صاحبه شاكاً فيه، أو سمي يقيناً لحصول القطع به وسكون النفس إليه، فكل ما خلا من الشك، وغلب على القلب واستولى عليه يسمى يقيناً. ويقال للموت يقين؛ لأنه لا شك فيه ولا مراء، لقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ الحجر 99، الذي فسر بالموت.

ولليقين اصطلاحاً أكثر من مدلول، من بينها:
- هو الطمأنينة في القلب واستقرار العلم فيه، وله قسمان، هما: العلم التام الذي لا ينافيه شك، والعمل بذلك الشيء وذلك العلم اليقيني الذي يدفع إلى عدم معصية الله علماً تاماً بأنّه هو وحده الخالق المدبّر وأنّه وحده له الأمر والحكم، ولا تجب الطاعة المُطلقة إلا له.
- هو العلم بأنّ حكم الله هو خير الأحكام وأفضلها وأكملها وأصدقها، وأتمها وأعدلها، وأنّ الواجب على كل مكلّفٍ الانقياد له، مع الرضا والتسليم التام بكل الحوادث التي تمر بالمسلم، وذلك تصديقاً لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ المائدة 50.
- هو التصديق الجازم الذي تستقرّ معه النفس وتطمئن.

مراتب اليقين:

ينقسم اليقين إلى ثلاثة مراتب هي:
1) علم اليقين: هو ما حصل عن نظرٍ واستدلالٍ وتدبر وتفكر. وهو العلم الجازم المطابق للواقع الذى لا شك فيه، يقول تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ 5التكاثر.
2) عين اليقين: هو ما حصل عن مشاهدة ومعاينة للشيء المعلوم به. يقول تعالى: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ 7التكاثر.
3) حق اليقين: هو اجتماع الإبصار والمشاهدة مع التفكر والتدبر بعظمة ذلك الشيء، وهو ما كان عن ملابسة ومخالطة، يقول تعالى: ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ 94 إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ 95الواقعة.
ومثاله: العلم بأن في البحر ماء هذا علم اليقين، والوقوع على ساحل البحر والنظر إليه هو عين اليقين، والنزول إليه والاغتسال فيه هو حق اليقين. وأهل الطريق يجعلون علم اليقين في هذا المثال العلم بأنّ الله واحدٌ، واجب الوجود، وأمّا من يصل بالكشف الروحي والخفيّ وتتجلّى عليه الصفات، فهذا عنده عين اليقين وهو صاحب مكاشفة ومشاهدة، ولكنّه ما زال على ساحل البحر، وأمّا الشخص الذي وصل إلى التجلّي الذاتي والمشاهدة الذاتية، فقد وصل إلى حقّ اليقين.

صفات أهل اليقين:

- يؤمنون بالغيب الوارد في آيات الله وأحاديث الرسول: يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
- يوقنون بأن الرزق بيد الله وحده وليس لأحد تدخل في الأرزاق إلا بأمر الله لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ 20 وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ 21 وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ 22الذاريات.
- لا يزيغون عن الحق ولا تتشابه عليهم الأمور والوقائع؛ حيث إنّ اليقين هو العلم الذي لا يشوبه شك، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ البقرة 118.
- يعتقدون بكل ما جاء به الله عن طريق الوحي اعتقاداً جازماً، لذلك فهم لا يراءون ولا ينافقون، ولا تأخذهم في الحق لومة لائم. أهل اليقين هم الذين يُحكِّمون شرع الله تعالى في جميع أمورهم وأعمالهم وتحرّكاتهم ولا يركنون لأهل الباطل ولا يُمارون في الحق، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ المائدة 50.
- يؤمنون بالقرآن الكريم كله، لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ السجدة 24.
- يتفكّرون في ملكوت الله ويؤمنون ويصدّقون بإعجاز الله المتمثل في كونه، قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ 75الأنعام.
- يؤمنون بالقدر خيره وشره، وأنّ النفع والضر بيد الله، وأن لا أحد بيده ذلك سوى الله عز وجل، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ 107يونس.

ما الفرق بين الإيمان واليقين؟:

- الإيمان: تصديق بالقلب وإقرار اللسان وعمل القلب والجوارح، يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ 2الأنفال. أما اليقين فهو العلم وزوال الشك، أو هو سكون النفس مع إثبات الحكم، يقول تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾ النمل 14.
- الإيمان يزيد وينقص، يقول جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ الفتح 4، وقال: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ 124التوبة. أما اليقين فثابت، وإن تعددت درجاته، فهو علم اليقين بالاعتقاد، وعين اليقين بالمشاهدة، وحق اليقين بالتجربة.







 
رد مع اقتباس
قديم 16-01-2022, 12:13 PM   رقم المشاركة : 15
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ ٤





حول مضمون الآية:

ورد العطف في قوله جل وعز: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ﴾ على جملة: ﴿ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ ...﴾ للتفصيل على الجملة. وقد ورد أسلوب التخصيص هذا كثيراً في القرآن، منه: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ على: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ البقرة 98. والعطف في الآيتين عطف صفات لا عطف موصـوفين، فالمتقون هم أصحاب تلك الصفات في الآيتين، ولذلك اســتحقوا اعتـلاء هدى ربهـم، وفلاح الدارين. ويكون مدلول الكلام: إن المتقين هم الذين:
1) ﴿يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ﴾،
2) ﴿وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ﴾،
3) ﴿وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ،
4) و﴿يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ﴾،
5) ﴿وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ


والملمح الجامع لهذه الصفات الخمسة اتحادها بصيغة الفعل المضارع، وفيه دلالة على التجدد والحدوث، وأنها صفات ملازمة لهم، وكل وقت يفعلون ذلك. أما لو جاء بالفعل الماضي فقد يدل على لإقلاعهم عن الفعل، وهذا لا يكون للمتقين.إن من يؤمن بالغيب، فيلتزم بشرع عالم الغيب والشهادة، فيقيم شعائر عبادته وفق ما شرعه، ويشارك في رفع بنيان أمة التوحيد بالجهد والمال، يؤمن بالضرورة بكل ما يجيء من الله تعالى. والذي يميز أمة الإسلام على ما سبقها من أمم أنها الأمة الخاتمة، التي أكمل الله جلت حكمته بها دينه، وأتم نعمته. وكانت الأمم من قبلها يأتيهم الرسول بدعوة إقليمية محدودة بقومه وزمنه، فإذا طال على الناس العهد أرسل الله بعده رسولاً يجدد معهم العهد على عبادة الله وحده، حتى إذا اقترب الوعد الحق، أرسل رب العزة نبي آخر الزمان الذي تتعدى رسالته أمته إلى سائر الأمم، وتغطي رسالته الأرض منذ بعثته إلى أن يشاء الله بالساعة. ولا يصح إسلام المرء إلا بالإيمان بالكتاب. وتعريفه بالكتاب ـ كما ذكرنا في أول السورة ـ يثبت أنه "هو الكتاب". كذلك لا يصح الإسلام إلا بالإيمان بالكتب السابقة عليه. ويثار هنا سؤال: كيف تقولون "هو الكتاب" وتؤمنون بصحف إبراهيم وموسى والتوراة والزابور والإنجيل؟ والجواب يسير: نحن نؤمن أن الله أنزل تلكم الكتب، ولكنها في حكم المعدومة لما لحقها من تحريف شمل: الحذف والإضافة والتبديل والإخفاء. إن ما بين أيدي الناس اليوم من كتب أهل الكتاب إنما هي كتب منحولة، يضيع فيها كلام الله المنزل، فلا تعلم على اليقين إن كانت هذه الجملة أو تلك منزلة أم مؤلفة، مما دخله من باطل. إن الأحبار بعد أنبيائهم بمئات السنين تواضعوا على كتابة كتاب ، جمعوا فيه شذرات مما أنزل لا تخالف أهواءهم، وطعموها بكثير من الباطل ما أنزل الله به من سلطان، أسموه العهد القديم. وكرروا الفعلة في الإنجيل، وأسموه بأناجيل العهد الجديد. نحن نعي هذا، وننزله منزله، فنقول: نحن نؤمن بأن الله أنزل كتباً على أنبيائه إبراهيم وموسى وداود وعيسى عليهم وعلى رسولنا الصلاة والسلام، نؤمن بأصلها، كما نؤمن بأنبياء الله كلهم، وهذا من مقتضيات إسلامنا.

إن إيمان المؤمن بالغيب، كل الغيب، يقيني: يوقن برب العزة والجلال، الذي لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وبملائكته، وكتبه، ورسله، وقدره خيره وشره، وباليوم الآخر. واختصاص الإيقان باليوم الآخر هو الدافع لأن يجتهد المؤمن في عمل الصالحات حتى يزداد إيمانه، فترتفع درجته عند الله يوم العرض عليه. والإيمان باليوم الآخر من الإيمان بالله ووعده، وحسن الثقة بالله تعالى يثبت اليقين ويرسخه. والمؤمن في عهد مع الله يوم اختار هذا الدين، ورضي بمحمد رسولاً: ﴿وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًاالفتح 10، هذا العهد يجعل طاقات المؤمن وقدراته ملكاً لخالقه، فيرجع الفضل لصاحبه، ويتمثل قول القائل:
سـنَمْضي بإذن الله نُوفي بِعَهْدنا ..... مَعَ الله مَهْمَا رَوَّعَتْنَا المخاطِرُ
يُضيء لَنَــا نُورُ اليَقِين سَــبيلَنَا ..... فَتَنْـزاحُ عَنَّـا غُمَّـةٌ وعَوَاثِـــرُ
حسن الثقة بالله كان في أعلى درجاته في قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم حينما حاجه قومه قال لهم: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ 80 وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ 81 الأنعام. وموسى ـ عليه السـلام ـ يقول لقومه حينما خشـوا أدراك فرعون لهم: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ 62الشعراء. وهذا محمد صلى الله عليه وسلم يقول لصاحبه في موقـف لا يثبت فيه إلا نبي، وقد أحدق بهمـا الكفـار لمنعهما من الهجرة: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا التوبة 40، هذا هو علـم اليقيـن، الذي يتمثل به
المؤمنون ليرتقوا إلى مستوى قريب من يقين الأنبياء. وثمة مستوى آخر أورده الله جل وعلا في قصة: ﴿أوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أنَّىَ يُحْيِي هَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أعْلَمُ أنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 259 البقرة، هذا الذي يقال أنه "عزير" أراه الله بعين اليقين كيف يعود حماره إلى الحياة بعد أن أراه أشلاءه ملقاة أمام عينيه.

إن أدلة الإيمان بالله مبثوثة في كونه، بدءاً من جزيء من ذرة، ووصولاً للسماء بما فيها ومن فيها، ولا ينكر آثار الله في خلقه إلا جاحد أو جاهل. وهو أراد أن يوجد الإنسان في الأرض لعبادته، ووضع له طريقين: طريقاً مستقيماً لا عوج فيه، وطريقاً متشعباً تتوزع فيه الأهواء والشهوات. وأخبر أن من سلك طريق الهدى نجا، واستحق مرضاته الله، ونعم في الآخرة بجنته. ومن جعل الشيطان إلهه، وتفرق في ثنايا الضلال، ضل في الآخرة مثلما ضل في الدنيا، واستحق غضب الله وعقابه. وقد أرسل رسله مشاعل للناس، يضيئوا لهم سبيل الفوز. فلم يعد لأحد عذر، فأمره بيده، وسعادة الآخرة رهن عمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وما كان ربك ليظلم أحداً وهو العادل الحكيم. لذلك كان اليقين بالآخرة من صفات المؤمنين، فعيونهم على وعد الله يوم يجمع الأولين والآخرين على صعيد واحد، ويحاسب كلاً على عمله بميزان دقيق لا يفوته شيء، مهما قل ودق: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ 47الأنبياء.






 
رد مع اقتباس
قديم 22-01-2022, 12:20 PM   رقم المشاركة : 16
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ 5





﴿أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ﴾:

كلام مستأنف استئنافاً بيانياً، كأنه قيل: كيف حال هؤلاء الجامعين بين التقوى والإيمان بالغيب، والإتيان بالفرائض، والإيمان بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل من قبله؟ فقيل: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى﴾.
﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾: اسم إشارة يشترك فيه جماعة الذُّكور والإناث، وهو مبني على الكَسْرِ؛ لشبهه بالحرف في الافتقار. وقيل:" أولاء" كلمة معناها الكناية عن جماعة، نحو: "هم"، و "الكاف" للخطاب.
﴿عَلَىٰ هُدٗى﴾: أي رشد وبيان وبصيرة. ومعنى: ﴿عَلَىٰ﴾ كمعنى: "فوق" وهي تكون: اسماً وحرفاً، تقول: عليه مال، فهذا حرف، وكأنه شيء اعتلاه. وقول الشاعر:
غَدَتْ مِنْ عليه تنفُضُ الطَّلَّ بعدما ..... رأتْ حاجبَ الشمسِ استوى فترفَّعا
فهذا اسم لدخول "مِنْ" عليها، كأنه قال: غدت تنفض الطل من فوقه.
ومعنى الاستعلاء في: ﴿عَلَىٰ هُدٗى﴾ بيان لتمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه بحال من استعلى الشيء.
﴿مِّن رَّبِّهِمۡۖ﴾: صفة لـ ﴿هُدٗى﴾.

لِمَ قال: ﴿عَلَىٰ هُدٗى﴾، ولم يقل نحو: "أولئك هم المهتدون"؟:

أولاً: الاستعلاء في: ﴿عَلَىٰ هُدٗى﴾ لتمكنهم من الهدى استعارة تمثيلية مكنية فمَثَلٌ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنَ الهُدى، واسْتِقْرارِهِمْ عَلَيْهِ، وتَمَسُّكِهِمْ بِهِ بِحَيْثُ شُبِّهَتْ حالُهم بِحالِ مَنِ اعْتَلى الشَيْءَ ورَكِبَهُ، ونَحْوُهُ: هو عَلى الحَقِّ وفلان عَلى الباطِلِ، أي أن ذلك امتطى الحق، وهذا جعل الغواية مركباً. وقَدْ صَرَّحُوا بِذَلِكَ في قَوْلِهِمْ: جَعَلَ الغَوايَةَ مَرْكَبًا، وامْتَطى الجَهْلَ، واقْتَعَدَ غارِبَ الهَوى. وأبقى ما يدل على المشبه وهو ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ و﴿هُدٗى﴾ ورمز للمركب الدال على المشبه به ببعض لوازمه وهو: ﴿عَلَىٰ﴾ الدال على الركوب. وكأن استعلاء المهتدي على الهدى يرفعه رفعاً معنوياً، ويعلي قدره. وهذا عكس الضال في: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ سبأ 24، فالمهتدي يمتطي الهدى، فيرتفع عليه وبه، والضال يغرق في الضلال حتى يغيبه فيه، وهذا الاستغراق في الضلال تظهره الآية التالية كذلك: ﴿بَلَىٰ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ البقرة 81. وقد صور تمكن الخطيئة بصاحبها كأنها سياج أو سور يحيط به من كل جانب.

ثانياً: في تنكير ﴿هُدٗى﴾:
1) تبيين أن الهداية تزيد وتنقص،
2) كأنَّهُ قِيلَ: عَلى أيِّ هُدًى، ونَحْوُهُ قول الهُذَلِيِّ:
فَلا وأبِي الطَّيْرُ المُرِبَّةُ بِالضُّحى ..... عَلى خالِدٍ لَقَدْ وقَعْتَ عَلى لَحْمِ
أيْ: لَقَدْ وقَعْتَ عَلى لَحْمٍ عَظِيمٍ.
3) تأكيد تعظيم الهداية ورفع شأنها بإضافتها إلى اسم الجلالة: أنها ﴿مِّن رَّبِّهِمۡۖ﴾.

ثالثاً: في وضع المصـدر موضـع الوصف: فوضـع المصـدر ﴿هُدٗى﴾ موضع الوصف الذي هـو "مهتـدٍ" أو "هادٍ" إشارة الى قوة الاهتداء وتمكن المؤمن من الهداية.

لِمّ تكرر الهدى في الآية الثانية، ثم في هذه الآية؟:

جاء الهدى في الآية الثانية بقوله تعالى: ﴿هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ﴾، وهنا في: ﴿عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ﴾:
1) في الآية الثانية: ﴿هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ﴾، ذكـر هدى القرآن،وهنا هدى من الله، لبيـان أن الهداية إنما هي من الله وكلامه.
2) وأضيف الهدى لله في: ﴿مِّن رَّبِّهِمۡۖ﴾ لأحد أمرين:
- مما فعل بهم من الدلالة على الهدى،
- أو أنه هو من يثيب عليه.

﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾:

﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ﴾: أي أهل هذه الصفة. وأولاء جمع ذاك في المعنى. وهي ابْتِداءٌ، و﴿ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ خَبَرُهُ، و ﴿هُمُ﴾ فَصْلٌ؛ لأنه وقع بين معرفتين، مثل: ﴿أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ﴾ الأعراف 179. ويصح أن يكون: ﴿هُمُ﴾ ابْتِداءٌ، و ﴿ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ خَبَرُهُ، والجملة خَبَرُ ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾.
و﴿ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾: جيء بالتعريف للدلالة على أن المتقين هم الناس أي: أنهم الذين إذا حصلت صفةُ المفلحين فهم هم، كما تقول لصاحبك: هل عرفت الأسد، وما جُبِلَ عليه من فرط الإقدام؟ إن زيداً هو هو.

من هو المفلح؟:

- أفلح فلان يُفلح إفلاحًا وفلاحًا وفَلَحًا. وأصل الفلاح في العربية القطع والشق ومنه سمي الزراع فلاحاً لأنه يشق الأرض، ويقول الراجز:
إّنَّ الحَدِيدَ بِالْحَدِيدِ يُفْلِحُ
أي يشق، ومنه قول بكر النّطاح:
لاَ تَبْعَثَنَّ إِلَى رَبِيعةَ غَيْرَهَا ..... إِنَّ الْحَدِيدَ بِغَيْرِهِ لا يُفْلَحُ
ومنها أتى تسمية مشقوق الشفة السفلى بالأفلح، ومثله المُفْلج.
- كما يعبر بالفلاح عن الفوز، مثل قول لبيد:
لَوْ أَنَّ حَيَّا مُدْرِكُ الفَلاَحِ ..... أَدْرَكَهُ مُلاَعِبُ الرِّمَاحِ
وقول عبيد بن الأبرص:
أَفْلِحْ بما شِئْت فقد يُبْلَغُ بالـ ..... ضَّعْفِ وقد يُخْدَعُ الأَريب
أي: فز واظفر بما شئت من عقل و حمق، فقد يرزق الأحمق و يحرم العاقل.
- والفلاح أيضًا: البقاءُ، ومنه قول لبيد:
نَحُلُّ بِلاَداً كُلُّهَا حُلَّ قَبْلَنَا ..... ونَرْجُو الفَلاَحَ بَعْدَ عَادٍ وَحِمْيَرِ
يريد البقاء، ومنه أيضًا قول نابغة بني ذبيان:
وَكُــلُّ فَتًــى سَتَشْــعَبُهُ شَـعُوبٌ ..... وَإِنْ أَثْــرَى وَإِنْ لاقَــى فَلاحــًا
أي نجاحًا بحاجته وبَقاءً.
- ومنه: حي على الفلاح، معناه: هلموا إلى سبيل الفوز ودخول الجنة.
- ومنه سمي السحور فلاحاً.
والمفلحون على المعنى الأول هم المقطوع لهم بالخير في الدنيا والآخرة، أو أنهم السعداء.

بم تتعلق: ﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾؟:

فيها وجهان:
1) الأول هو أن تتعلق بالذين يؤمنون بالغيب، لأنه لما قيل: ﴿هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ جاء: ﴿ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ﴾ حتى: ﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ رداً على السؤال الافتراضي: ما السبب في اختصاص المتقين بذلك؟.
2) الثاني هو أن تتعلق بالمتقين. والمعنى أن يقال: إن المفلحين هم المتقون. وتكون الآيتان الواقعتان بينهما صفات للمتقين.

لمحات بلاغية في الآيات:

1) في تكرار ﴿أُولَئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ۖوَأُولَئِك﴾ تثبيت اختصاصهم بالهدى والفلاح كذلك، لذا جاء العطف. على عكس قوله: ﴿أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ الأعراف 179، حيث غاب العطف عن أولئك الثانية، لتكون أولئك الثانية تقرير لما في الأولى. وخالف البعض جمهور المفسرين في القول بأنهم فئة واحدة، فرأى أنهم فئتين:
...أ. ﴿أُولَئِكَ﴾ الأولى تخص الذين يبلغهم لأول مرة.
...ب. و ﴿وَأُولَئِكَ﴾ الثانية تخص أولئك الذين آمنوا بما أنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وما أنزل من قبله،
2) في ثبوت ﴿هُمُ﴾ وتكرارها ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ دلالة على أن بعدها خبر لا صفة، وأنه يفيد الحصر أي أن الهدى ينحصر فيهم، وأن الفلاح يختص بهم وحدهم. وجاء التعريف في: ﴿ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ ليؤكد أنهم هم ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ 5﴾.
3) الالتفات في انتقال الكلام من ضمير المتكلم في: ﴿وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ﴾ إلى ضمير الغيبة في: ﴿مِّن رَّبِّهِمۡۖ﴾.
4) قال: ﴿بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ﴾ ولم يأت بالباء في: ﴿وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ﴾ للدلالة على أنه إيمان واحد، إذ لو قال: بما أنزل إليك وبما أنزل من قبلك لأشعر بأنهما إيمانان.
5) ذكر لفظة هم في: ﴿هُمۡ يُوقِنُونَ﴾ ولم يذكرها في: ﴿وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ﴾ لأن وصف إيقانهم بالآخرة أعلى من وصفهم بالإنفاق، فاحتاج الأعلى للتوكيد.
6) قيل أن في تقديم الآخرة وتصدير ﴿هُمۡ﴾ في: ﴿هُمۡ يُوقِنُونَ﴾ تعريض بأهل الكتاب الذين لا يؤمنون بالآخرة على حقيقتها، فكأن إيقانهم هو محض جهل محض وتخييل فارغ، لذا فهم قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ﴾ البقرة 11، وقالوا ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ آل عمران 24. ودل ختم الآيات بـ ﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ بوجوب الإيمان بالكتب السماوية كلها.

مقارنة بين هذه الآيات ومثيلاتها في افتتاحية سورة لقمان:

1. السورتان تتشاركان الافتتاح بالحروف المقطعة نفسها.
2. سورة البقرة تذكر الكتاب، بينما في لقمان تخصص الذكر بآياته: ﴿تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡحَكِيمِ 2﴾، وكأن آية البقرة لأنها تتقدم القرآن الحكيم ذكر فيها الكتاب كله، وهو ما سيتلوها، بينما اقتصر الذكر في لقمان على الآيات لأن السورة هي بعض القرآن.
3. وصف الكتاب بأنه هو الكتاب دون شك، إذا جعلنا ﴿فِيهِۛ﴾ متعلقة بـ ﴿هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ﴾، أو هو كتاب اكتمل صفات الكمال إذا قلنا: ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ﴾، صفته أنه: ﴿هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ﴾. أما في لقمان فكانت الإشارة لآيات الكتاب الموصوف بأنه الحكيم الذي جاء ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾.
4. والمتقون بلا شك أعم من المحسنين. هذه العمومية اقتضت الإتيان بما يليها من آيات: ﴿ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ 3 وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ 4﴾، بينما الإحسان جاء صفة للذين ﴿يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.
5. المحسنون إذن اشتركوا مع المتقين في الجانب العملي من التقوى: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإيقان بالآخرة، مع رجاء الأجر في الآخرة. لكن المتقين زادوا بالإيمان الشامل بالغيب وبسلسلة الكتب السماوية وبالإنفاق فوق الزكاة.
6. ثم تشابهت الخواتيم بين المتقين والمحسنين: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 5﴾.






 
رد مع اقتباس
قديم 29-01-2022, 11:23 AM   رقم المشاركة : 17
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ 5






حول مضمون الآية:

الجمهور على اعتبار المذكورين في الآيات فئة واحدة، لكن الإمام محمد عبده خالف، فجعل الكلام عن فئتين من المتقين:
1) ﴿ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣﴾ ﴿أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ ﴾ 5.
2) ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ ٤﴾ ﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥﴾.
ورأى أن هذا من قبيل اللفّ والنشر المرتّب. وقال:

"إنّ الإشارة الأولى ﴿أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ 5﴾ في هذه الآية للفرقة الأولى: وهم الذين ينتظرون الحقّ لأنّهم على شيء منه - كما يدلّ عليه تنكير " هدىً " الدالّ على النوع - وينتظرون بياناً من الله تعالى ليأخذوا به، ولذلك تقبّلوه عندما جاءهم. فقد أشعر الله قلوبهم الهداية، بما آمنوا به من الغيب، وأقاموا الصلاة بالمعنى الذي سبق، وأنفقوا ممّا رزقهم الله. وأمّا الفرقة الثانية وهم المؤمنون بما جاء به محمّد صلى الله عليه وسلم فعلى هدىً تشرك فيه تلك الفرقة الأولى؛ لكن على وجه أكمل؛ لأنّها مؤمنة بالقرآن وعاملة به"*.
* اعتبر الإمام محمد عبده هذا الأسلوب في عرض الفئتين من النشر واللف المرتب. تفسير المنار، ج1، ص136.

وجعل التنكير في ﴿هُدٗى﴾ لتمكن الأوائل من نوع الهدى الذي كانوا عليه، فكأن الهدى هذا هو ما جاء به أنبياؤهم قبل النبي الخاتم، بينما الفلاح للفئة الثانية، لاتّصافهم بالإيمان الكامل بالقرآن، وبما تقدّمه من الكتب السماويّة، واليقين بالآخرة، وهو ما كان ينقص الأولين، لذلك، فالمؤمنون من غير الذين أسلموا اليهود والنصارى هم المفلحون، بينما أولئك هم المتقون. واعتبر وجود ضمير الفصل ﴿هُمُ﴾ مرتين في الفئة الثانية وغيابه عن الفئة الأولى قرينة على المغايرة بين فئتين. وكأنه بذلك يفرد الداخلين في الإسلام من أهل الكتاب بالإيمان بالغيب وإقامة الصلاة والإنفاق، وهؤلاء هم المهتدون، بينما يخص المسلمين ممن عداهم بالإيمان بالكتب كلها والإيقان بالآخرة، وهؤلاء هم المفلحون.
هذا الفصل لا نراه يستقيم، والأولى أن يحمل المتقون الصفات كلها لتكاملها، وغياب التكرار فيها، فكل مؤمن مطالب بالأمور كلها:
1) الإيمان بالغيب،
2) وإقامة الصلاة،
3) والإنفاق قدر الاستطاعة مع فرضية أداء الزكاة حين تكتمل شروطها،
4) والإيمان بالقرآن وما أنزل من قبله،
5) والإيقان بالحساب، وما يتبعه من نعيم مقيم أو عذاب دائم.
ويصير كل مكلف مطالب بالإيمان بهذه الأمور الخمس ليصح إيمانه. وإذا رجعنا إلى رأي الإمام في تقسيم الآيات بين فئتين، لوجدنا أنه جعل من نصيب فئة أهل الكتاب: الإيمان بالغيب، والصلاة، والإنفاق. وهذا فيه نظر، لأن نظرتهم للغيب قاصرة، لا ترقى لمعنى الغيب كما جاء في الإسلام:
1) فالله عندهم هو يهوه رب الجنود، وهم يمتلكونه دون سائر الأمم،
2) ويفرقون بين الملائكة، يحبون بعضهم، ويعادون بعضهم، كما ورد في قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾ البقرة 98،
3) ويعادون أنبياءهم، يقول جل وعلا: ﴿أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِيقٗا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ ٨٧البقرة،
4) ويفسدون كتب الله بالتحريف:
- بالإخفاء: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ الأنعام 91،
- والتزوير: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ آل عمران 78،
- والحذف والإضافة: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ البقرة 79.
5) ويحيط الغموض بفهمهم لليوم الآخر، فالبعث يرد في العهد القديم في إشارات مقتضبة غامضة، لا توضح ما إذا كان اليوم الآخر في الدنيا أم بعد الممات. وما ذكر عنها في التلمود فيه الكثير من الخيالات والأكاذيب، مع تأثر بعقيدة التناسخ عند بعض الديانات الشركية. والقرآن الكريم يخبرنا أنهم قالوا: ﴿لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ۚ﴾ البقرة 80. والنصارى ليسوا بأفضل حال من اليهود في فهم اليوم الآخر، فيوم الدين عندهم إيذان بالمجيء الثاني للسيد المسيح، فتظلم الشمس والقمر وتسقط النجوم وتنفخ الملائكة في بوق عظيم، وحينئذ تكون نجاة المسيحيين فيجمعون من الأقصاء إلى الأقصاء، بينما تنوح قبائل الأرض. والقرآن يروي عنهم هم واليهود قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚالمائدة 18، كما يقول: ﴿وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ﴾ البقرة 111.

هذه هي عقائدهم في الغيب، فكيف تكون أول صفات الذين أسلموا منهم، وقد غابت عنهم أصول كتبهم، ولم تتوفر لهم إلا كتب محرفة فيها من الباطل أكثر من الحق؟.

إن الذي يستقيم لنا أن صفات الآيات لكل من آمنوا بالقرآن واتبعوا الرسول الذي جاء به. وما جاء تخصيص الإيقان باليوم الآخر إلا من قبيل تصحيح العقائد، لأنه كان أكثر الغيبيات غموضاً عند الأمم السابقة على أمة الإسلام، لذلك احتل ذكره مساحة كبيرة في كتاب الله، بذكر يوم الحساب، وما يعقبه من نعيم وجحيم.

والهدى والفلاح على اختلاف مدلوليهما، ملتزمان مترابطان، فالهدى هو الطريق الموصل للإيمان، بينما الفلاح هو الهدف من الإيمان. ولا سبيل إلى الهدف إلا بسلوك الطريق إليه. أما غيره من السبل فهي سبل الشقاء والهلاك والخسار. ولا يقال: أفلح الرجل إذا فاز بمطلبه من غير تعب ولا معاناة، بل لا بدَّ في تحقيق المعنى اللساني لهذه المادّة من السعي والاجتهاد كمن يفلح الأرض ويتعهدها بالحرث والسقيا والتغذية بالسماد وتنقية التربة من الحشائش الضارة وإبعاد الطيور والحشرات عنها حتى تخرج له ثمارها. كذلك الفوز بالجنة يحتاج للإيمان الشامل للعقيدة والعمل الذي يدخل فيه مع أداء الفروض والواجبات تزكية النفس من شرور سائر الرذائل، والابتعاد عن الفواحش والمنكرات والشهوات المحرمة، والتخلق بالفضائل. وهذا هو العمل الصالح الذي يؤكد عليه كتاب الله في مواضع عديدة، وهذا هو الصراط المستقيم.
وجملة ﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥﴾ بيان لما ظفر به المتقون الحائزون لتلك الخصال من سعادة في الدنيا والآخرة . وإضافة ﴿هُمُ﴾ دلت على أن الفلاح مقصور على أولئك المتقين، فمن لم يؤمن بالغيب، أو أضاع الصلاة، أو بخل بمال الله فلم يؤده في وجوهه المشروعة، فإنه لا يكون من المهتدين، ولا من المفلحين الذين سعدوا في دنياهم وآخرتهم.






 
رد مع اقتباس
قديم 31-01-2022, 12:50 PM   رقم المشاركة : 18
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿الٓمٓ ١ ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ ٢ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣ وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ ٤ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥


المتقون:

إن هذا الكتاب نور الله في الأرض، يستضيء به كل مؤمن ليسلك سبيل الهداية لرضوان الله، فينعم به وبكنوزه في الحياة الدنيا، ويتقدمه في الآخرة لجنات الخلد والنعيم المقيم. طوبى لمن انشرح صدره لكلام الله فاهتدى به واطمئن وسكنت روحه فاستقبل التكليف بحب، وأدار ظهره لكل ما يعكر صفو اليقين ويلهي عن ذكر رب العالمين. هذا الذي سأل الهداية في: ‏﴿‏اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾‏ يأتيه الجواب سريعاً في: ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ 2﴾. إن انتفاء مظنة الشك في هذا الكتاب الحكيم شعار المؤمنين، وكل منصف يمعن في الغوص فيه يصل للنتيجة نفسها، إنه كتاب ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ فصلت 42. إن الريب فيه لا يأتي إلا من كافر أو مشرك يريد أن ينقض عُرى الإسلام، ويثير الفتن ليغري البسطاء وقليلي الفهم وضعاف الإيمان، فيبث التهم ويضع الأحاديث المكذوبة أو ينبش في الإسرائيليات لينشر خبراً من هنا وخبراً من هناك. إن المؤمن بريء من هذا كله، فهو يترفع على هذه السفاسف، ويرتبط بالكتاب الحكيم ينهل منه، ويواجه بآياته المحكمات ترهات المغضوب عليهم وضلالات الضالين.

إن التقوى هي حصن المؤمن الذي يؤويه، رايته فيها التوحيد وسلاحه القرآن وترسه التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي علمنا أن يستغني المسلم بربه عن سواه، وبكلامه عن كل كلام غيره. والله وصانا بالتقوى فقال ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ المؤمنون 52 ، واختص المتقين بولايته، فقال: ﴿وَاللَّهُ ولِيُّ الْمُتَّقِين﴾ الجاثية 19. والتقوى انعكاس للعبودية الحقة لرب العالمين، لذلك استثنى الله جل جلاله طائفتي المغضوب عليهم والضالين منها، فهم لا يعيرونها التفاتاً، ولا يخضعون لحكم الله، ولا يستقيمون مع سنته في خلقه، جبلتهم فاسدة، وتربتهم قاحلة، صم بكم عمي فهم لا يرجعون.

أما قوام التقوى وعناصرها، فهي: عناصر إيمانية تغذي القلوب والجوارح، تتمثل في الإيمان بالغيب، وبما أوحي إلى رسولنا، وإلى من سبقه من إخوانه الأنبياء والرسل، وعناصر فعلية منها البدني بإقامة الصلاة، والتطهيري ببذل المال في سبيل الله. أما الإيمان بالغيب الذي هو ما غاب عن الحواس، فهو متاهة ومجال للتلبيس والخلط، إذا تلبسته الخرافة واستعين فيه بشياطين الإنس والجن، فيضل القلب ويشقى. لذلك قيدته الشريعة بالاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالأركان. العقيدة الراسخة بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، عقيدة ترسخ الإيمان وتزيده قرباً من الله. إن ضبط حركتي القلب والعقل بميزان التقوى، وربط الإيمان بالغيب بميزان الكتاب والسنة، يسمو بالمنهج الإيماني على عقائد التجسيم والشرك والوثنية والمناهج الإلحادية بدعوى العلمانية أو الداروينية أو المادية الجدلية، أو غيرها من مناهج الباطل، لذلك يكون لسان حال المؤمن: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ هود 123.

أما إقامة الصلاة التي هي ـ عند جمهور العلماء ـ عماد الدين، بالدوام عليها فرضاً وتطوعاً يبقي المرء على صلة دائمة بالله ليل نهار. وإقامة الصلاة تشمل أداءها بأركانها في مواقيتها وعلى هيئاتها مما تقتضيه من ورع وخشية. ولينتفع المسلم بها عليه أن يجتنب ما لا يرضي الله بين الصلاة والصلاة. بل إنها ﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ العنكبوت 45. والله تبارك وتعالى حين ذكر المتهاونين في الصلاة نعى على الساهين عن أدائها فقال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ 4 الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ 5الماعون لا الساهين فيها، وهذه رحمة من الله. لكن هذا لا يعني أن يستسلم المرء للخواطر والهواجس والوساوس التي تعتريه أثناء الصلاة، بل إن على المسلم أن يجتهد في رياضة نفسه وتدريبها على التركيز والاستغراق في الصلاة حتى يفوت على الشيطان وساوسه وخدعه ومصايده. والصلاة هي أهم التكاليف الربانية للفرد المسلم، لذلك هي اول ما يسئل عنه عند الله، فإذا صلحت صلح سائر عمله، وإذا فسدت فسد سائر عمله. ومن يتهاون في الصلاة تسهل عليه المعصية في غيرها من الطاعات، فيضعف الإيمان وتكثر المعاصي، حتى يفر الإيمان من قلب المسلم بعد أن نزعت منه التقوى، فلا يبقى فيه شيء من إيمان، ويتحول القلب إلى سواد لا بياض فيه.
ويأتي الإنفاق ترجمة للتقوى في صورة بذل وعطاء من طيب الرزق، في صورة من التكافل والتآزر بين خلق الله. ولا يقتصر هذا البذل على عطاء المسلم لأخيه الإنسان، بل إن المؤمن ينال أجراً من الله إذا رفق بالحيوان. وقد تنُقِلت روايات عن البغي التي دخلت الجنة لأنها سقت كلباً، والمرأة التي دخلت النار لأنها حبست هراً، فَنَفَقَ صبراً. وفي الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أإن لنا في البهائم لأجراً؟ فقال: "فِي كُلِّ ذِي كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْر"*.
* "بينَما رجلٌ يمشي بِطريقٍ اشتَدَّ بهِ العَطشُ، فوجدَ بئرًا فنزلَ فيها، فشرِبَ ثمَّ خرجَ، فإذا كلبٌ يلهَثُ، يأكُلُ الثرَى من العَطشِ، فقال الرَّجُلُ: لقد بلغَ هذا الكلبُ من العَطشِ مِثلَ الَّذي كان بلغَني، فنزلَ البِئرَ فملأَ خُفَّهُ ثمَّ أمسكَه بفيِه فسَقَى الكلبَ فشكرَ اللهُ لهُ ، فغَفرَ لهُ. قالوا: يا رسولَ اللهِ وإنَّ لنا في البهائمِ أجرًا ؟ قال: "في كُلِّ كَبِدٍ رطبَةٍ أجرٌ".
رواه أبو هريرة، وأخرجه البخاري (2363) وفي الأدب المفرد (378) واللفظ له، ومسلم (2244).
وفي الإنفاق دليل على إيمان المسلم بالغيب:
- هو يؤمن أن الرزق من الله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ الإسراء 30.
- وهو يُخرِج من ماله، وفي علم الغيب ما سيأتيه من رزق: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ لقمان 34.
- وهو مستأمن على ما لديه من مال سيسئل عنه يوم يرجع إلى الله فيم أنفقه؟
- كما أنه يؤمن أن ما يأكله فان، وما يخرجه لله باق، كما ورد في الحديث*.
* عن عائشة أم المؤمنين أنَّهم ذبحوا شاةً فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ ما بقيَ منْها ؟ قلت ما بقيَ منْها إلَّا كتفُها . قالَ : بقيَ كلُّها غيرَ كتفِها.
صحيح الترمذي (2470).
- وهو يؤمن أن ما ينفقه يزكي ماله ويطهره وينميه، فإذا بخل أضاع عبادة وأغلق على نفسه باب الإمداد.

ثم في الإيمان برسل الله وأنبيائه من لدن آدم إلى خاتم النبيين صلى الله عليهم وسلم خضوع لأمر الله وانسجام مع آثاره في خلقه، فهو من سنته أن يرسل للناس من يهديهم إليه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ الإسراء 15، وينزل الصحف على إبراهيم والتوراة على موسى والزبور على داود والإنجيل على عيسى والقرآن على محمد، فكان على أمة الرسالة الخاتمة أن تؤمن بهذا الموروث الإلهي كله، وأن نقول بألسنتنا وقلوبنا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ آل عمران 84. لقد تولى الله ـ سبحانه وتعالى ـ عبيده بالرعاية والتربية منذ البداية، خلق آدم وأورثه الخلافة في الأرض، وأرسل بعده من يضبطون سلوك البشر وعقائدهم بما ينظم حياة المجتمعات وفق أوامره ونواهيه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ الحديد 26، ثم أرسل موسى وآتاه التوراة ﴿فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ المائدة 44، لكن اليهود افتروا على الله بتشويه التوراة، تارة بكتمان بعضه وتارة أخرى بالإضافة والتحريف، ومنهم من ادعى أن عزيراً ابن الله، فحكم الله عليهم بالويل: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ البقرة 79. ثم أرسل عيسى: ﴿وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ المائدة 46، لكن الرهبان ما لبثوا أن استحدثوا ما لم يأت به المسيح، وبدلوا الدين وادعوا بنوة ابن مريم لله ـ تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً ـ فحكم الله عليهم هم واليهود بالخسران: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ التوبة 30. ثم جاء الكتاب الخاتم بعد أن شـوه اليهود والنصارى التوراة والإنجيل، فصدق أصول الكتب السابقة عليه ونسخ أحكامها: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ المائدة 48، وتكفل سبحانه وتعالى بحفظه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ الحجر 9، ووضع فيه إعجاز الصلاحية لكل زمان ومكان.

ونحن مأمورون أن نؤمن بالأنبياء والرسل جميعاً، وبكتب الله التي أنزلها إيمان تصديق بأصولها قبل أن تلعب فيها أيدي المزورين والمحرفين، ولا يكتمل إيمان المسلم إلا بهذا. كما أن المسلم لا يعد مسلماً ما لم يؤمن بالآخرة. بالبعث والنشور إيماناً يقينياً. والتعبير عن الإيمان بالآخرة بالإيقان يشعر أنه حاصل عن تأمل وتدبر. وقد بدأ ذكر صفات المتقين بقمة الابتداء، وهو الإيمان بالله، ثم انتهى هنا بقمة الانتهاء، وهو الإيمان باليوم الآخر. ومن لا يتصور وجود اليوم الآخر للحساب، لا يجد ضرورة للإحسان في الدنيا، ولسان حالهم يقول: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ المؤمنون 37، فليعش في الدنيا دون التزام بدين أو عقيدة، فآخرته فناء في التراب. هنا تختل موازين المجتمعات، وتفشو فيها الأدواء، وتنتشر الفوضى، بلا رابط ولا ضابط. إن المؤمن يلتزم بمنهج الله وعينه على الآخرة، والأنبياء ترسل لتبشر بالجنة وتخوف من النار ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ الأنفال 42.

هذه صفات ﴿أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ فكانت صفات الإيمان واليقين سبباً لهداية ربهم لهم، ولإنعامه عليهم بصفة الفلاح في الدنيا والآخرة. هم فازوا بالمغفرة والرضا والنعيم المقيم. لقد كانت خطواتهم في الدنيا على الهدى توفيقاً من الله وتسديداً، وعاقبة أمرهم في الآخرة فلاحاً ونجاحاً: ﴿فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ﴾ آل عمران 148.






 
رد مع اقتباس
قديم 05-02-2022, 12:53 PM   رقم المشاركة : 19
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٦





﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾:

﴿إِنَّ﴾: للتأكيد. واسمها: ﴿ٱلَّذِينَ﴾ و ﴿كَفَرُواْ﴾ عائد وصلة، وخبر ﴿إِنَّ﴾: ﴿لَا يُؤۡمِنُونَ﴾، والكلام بينهما اعتراضي. والتعريف في: ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: للعهد إذا قُصِدَ بهم أناس بأعيانهم، أو الجنس إذا شمل المعنى كل من دُمغ بالكفر.
والكفر الذي هو ضد الإيمان يتعدى بالباء، نحو: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ﴾ البقرة 256، وضد الشكر يتعدى بنفسه، يقال: كفره كفورًا؛ أي كفرانًا، ويقال: كفر المنعم والنعمة، ولا يقال: كفر بالمنعم والنعمة..
أمّا الكَفور فهو صفة كالذلول: بمعنى من ثبت له الكفر واتّصف به. يقول تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا الإسراء 27. وأمّا الكفّارة: فهي امور تردّ أعمالاً وقعت على خلاف، وتجعلها مصروفة عنها لا يعتنى بها، كالكفّارة في إفطار الصوم.

ما هو الكفر؟:

أصل الكفر الستر، ومنه الليل الكَافِرُ لتغطيته كل شيء. قال الراجز:
فَوَرَدَتْ قَبْلَ انْبِلاَجِ الفَجْرِ ..... وَابْنُ ذُكَاءٍ كَامِنٌ فِي كَفْرِ
وقال لبيد:
فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا
يعني غطاها. ومنه سمي الكافر لأنه يستر نعم الله. وسُمِّي الفلاح كافرًا لتغطيته الحب.
ومن معاني الكفر الجحود لقول الشاعر:
فَتَذَكَّرَا ثَقَلاً رَثِيداً بَعْدَمَا ..... أَلْقَتْ ذُكَاءُ يَمِينَهَا فِي كَافِرِ
والكفر اصطلاحًا: هو ما ناقض الإيمان إعتقاداً، أو قولاً، أو فعلاً، سواء صاحبه تكذيب أو لم يصاحبه، بل شك وريب، أو إعراض عن حسدٍ أو كبرٍ أو اتباعٍ للهوى الصارف عن الحق.


وقد ورد لفظ الكُفْر في القرآن على خمسة أَضْرُبٍ:
1) بمعنى ستر التوحيد وتغطيته، نحو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِالنساء 150.
2) بمعنى الجُحُود. نحو: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ البقرة 89.
3) بمعنى كفر النّعمة. نحو: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ﴾ إبراهيم 7.
4) بمعنى التبرؤ. نحو: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ العنكبوت 25، أي يتبرأ بعضكم من بعض.
5) بمعنى التغطية، ومنه قوله تعالى: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ الحديد 20، يريد الزُّرَّاع الذين يغطون الحب.

ما هي درجات الكفر؟:

الكافر إما منكر، وإما جاحد، وإما معاند، وإما منافق:
1) أما المنكر فلا يعرف الله، ولا يعترف به،
2) وأما الجاحد (ومثاله إبليس) فيعرف الله بقلبه، ولا يقر بلسانه،
3) وأما المعاند فيعرف الله بقلبه، ويعترف بلسانه، ولا يدين به، ومثاله أبو طالب، الذي روي عنه أنه قال:
وَلقَدْ عَلِمْتُ بِـأَنَّ دِينَ مُحَمَّـدٍ ..... مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَـا
لَوْلاَ الْمَلاَمَةُ أَوْ حِذَارِ مَسـَبَّةٍ ..... لَوَجَدْتَنِي سَمْحاً بِذَاكَ مُبِينَا
ويدخل معهم المنافق لأنه يعترف بلسانه، ويكفر بقلبه.

أنواع الكفر:

الكفر كُفران:
1) الكفر الأكبر: وهو الموجب للخلود في النار، ويأتي في النصوص مقابلًا للإيمان. قال تعالى: ﴿فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ﴾ البقرة 253، وقال تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ آل عمران 86.
وهذا الكفر خمسة أنواع: كفر تكذيب، وكفر استكبار وإباء مع التصديق، وكفر إعراض، وكفر شك، وكفر نفاق.
2) الكفر الأصغر: وهو الموجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود، ويتناول جميع المعاصي؛ لأنها من خصال الكفر، فكما أن الطاعات تسمى إيمانًا، فكذلك المعاصي تسمى كفرًا، ولأنها ضد الشكر الذي هو العمل بالطاعة. قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ الإنسان 3، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ لقمان 12. ومن أمثلة الكفر الأصغر:
- "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وقِتَالُهُ كُفْرٌ"*، ويثبت قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الحجرات 9، بإطلاق مسمى المؤمنين على المقتتلين أنه ليس كفراً يخرج من الملة.
* عن عبد الله بن مسعود : (الحديث)
رواه الشيخان: البخاري (48)، ومسلم (64).
- "مَن حَلَفَ بغَيرِ اللهِ فقد أَشرَكَ"* وهذا للتغليظ في النهي والامتناع عن مثل هذا الحلف. والحلف بغير الله عند أهلِ السُّنة والجَماعةِ يعد ذريعة إلى الشرك الأكبر ووسيلة للوقوع فيه بخلاف تعمد الحلف بما يشرك به مثل الحلف بالصليب أو ما شابه فإنه كفر محض. وهذا دليل آخر على أن لفظ الكفر قد يطلق على ما دون الكفر بالله الذي يخرج من الملة.
* سَمِعَ ابنُ عُمَرَ رَجُلًا يَحلِفُ: لا والكَعبةِ! فقال له ابنُ عُمَرَ: إنِّي سَمِعتُ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يَقولُ: (الحديث)
رواه أبو داود (3251)، والترمذي (1535) واللفظ له، وأحمد (2/125) (6072) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: حديث حسن. وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الصغرى (735) كما أشار لذلك في مقدمته، وأحمد شاكر في المسند (8/222 (.

من هم ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ في الآية؟:


- إنهم رؤساء اليهود المعاندون الذين وصفهم الله تعالى بأنهم يكتمون الحق وهم يعلمون،
- المراد قوم من المشركين، كأبي لهب وأبي جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهم، وهم الذين جحدوا بعد البينة، وأنكروا بعد المعرفة. ونظيره ما قال الله تعالى: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ 4 وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ فصلت 4، 5 وكان عليه السلام حريصاً على أن يؤمن قومه جميعاً حيث قال الله تعالى له: ﴿فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ ءَاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً﴾ الكهف 6 وقال: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِين﴾ يونس 99 ثم إنه سـبحانه وتعالى بيـن لـه عليه الصلاة والسلام أنهـم لا يؤمنـون ليقطع طمعه عنهم ولا يتأذى بسبب ذلك، فإن اليأس إحدى الراحتين.

لِمّ جاء بصيغة الماضي في ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾؟:

إن الزمن من حاضر وماض ومستقبل مرتبط بنا في الحياة الدنيا بالعلاقة بين الشمس والقمر والأرض. لكن من التجاوز أن نحكم الله بما يحكمنا من قوانين، فالله هو موجد الأسباب، وهو يتعالى على الزمان والمكان. كل شيء عند الله هو حادث. وعلمه محيط بالكون من الأزل إلى الأبد. والآيات كثيرة على استعمال الماضي على أحداث المستقبل، منها: ﴿أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ النحل 1، أي أن المسألة منتهية وحاصلة في علمه. وهو عنده مفاتح الغيب، ومنها ما نراه مستقبلاً. هو يعلم مصير صناديد الكفر، ويعلم نهايات كل الكافرين، ويعلم من سيؤمن ومن سيموت كافراً علماً حاضراً عنده قبل خلق الخلق.

ما الفرق بين الكافرين و الكفّار؟:

- الكافرون (جمع سالم)، كفر يلاحظ فيه جهة القيام وحدوث الحدث بالذّات، نحو: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ الأحزاب 48.
- الكفّار (جمع تكسير) يدل على الّذين تثبّتوا في الكفر ولا يلاحظ فيه إلّا نفس الكفر، نحو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ البقرة 161، ومثلها: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ الممتحنة 10، والكوافر جمع تكسير للكافرة، وفي هذه الصيغة تحقير وإشارة الى كونهنّ متثبّتات في الكفر، والنظر اليهنّ بلحاظ هذه الصفة فقط ، دون كلمة الكافرات. وهذا الحكم في مورد كافرة تعلّقت بالكفر ولوازمه، ولا تقبل الورود في برنامج الإسلام عملا وعقيدة، حتّى تستقرّ تحت نظامه ورايته.


﴿سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾:

سواء مبتدأ مرفوع، وأأنذرتهم خبره، والمعنى: يَستوي عندهم الإنذارُ وتركُه.
و ﴿سَوَآءٌ﴾: بمعنى الاستواء، كما في قوله تعالى: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ فصلت 10، وقوله: ﴿تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ آل عمران 64، فهو اسم مصدر، ولا يسند إلا لمتعدد، فلا يصح ان يقال استوى وجوده وعدمه. وفيه استعملان:
1) أصل الدلالة في سواء التساوي في وصف بين متعددين، مثل قول بثينة:
سواءٌ علينا يا جميلُ بنُ مَعْمَرٍ ..... إذا متَّ بأساءُ الحياة ولينُها
2) أن يقع مع همزة التسوية، ومعها أم العاطفة، مثل: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا﴾ إبراهيم 21، وقد تحذف للدلالة، كقوله تعالى: ﴿فاصبروا أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ﴾ الطور 16، أي: أصبرتم أم لم تصبروا. وقد يليه اسم الاستفهام معمولاً لما بعده كقول علقمة:
سَوَاءٌ عَلَيْهِ أَيَّ حِينٍ أَتَيْتَهُ ..... أَسَاعَةَ نَحْسٍ تُتَّقَى أَمْ بأَسْعَدِ
فـ "أَيَّ حِينٍ" منصوب بـ "أَتَيْتَهُ".
﴿ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ﴾: الإنذار التخويف أو الإبلاغ، قال:
أَنْذَرْتُ عَمْراً وَهُوَ فِي مَهَلٍ ..... قَبْلَ الصَّبَاحِ فقَدْ عَصَى عَمْرُو
ويتعدى إلى مفعولين: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ النبأ 40، و ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ فصلت 13. والمفعول الثاني في هذه الآية محذوف، تقديره: أأنذرتهم العذاب أم لم تنذروهم إياه. أي العذاب ظاهراً ومضمراً، وجاء حذفه لاستحسان ألا يقدر ليعم. وقد ورد معداً بالباء، في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ الأنبياء 45.
﴿ءَأَنذَرۡتَهُمۡ﴾: الهمزة في: "أنذر" للتعدية، ولفظه لفظ الاستفهام، ومعناه الخبر. وعدَل عن المصدر (إنذارهم) إلى الفعل؛ لما فيه من إيهام التجدد.
وروي الوقف على قوله: ﴿أَمْ لَمْ تُنْذِرْ﴾ والابتداء بقوله: ﴿هُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ على أنها جملة من مبتدأ وخبر.
وقريء بهمزتين محقّقتين بينهما ألف، وبهمزتين بتخفيف الثانية، والألف بينهما. وروي عن وَرْش إبدال الثَّانية ألفاً محضة. كما وقريء بهمزة واحدةٍ على لفظ الخبر.

استعمالات "سواء" في التنزيل الحكيم:

قد ورد لفظ "سواء" على وجوه:
1) الأول: بمعنى: الاستواء كهذه الآية.
2) الثاني: بمعنى: العَدْل، كقوله تعالى: ﴿سَوَآءَ السبيل﴾ الممتحنة 1، أي: عدل الطريق.
3) بمعنى: وسط، قال تعالى: ﴿فِي سَوَآءِ الجحيم﴾ الصافات 55.
4) بمعنى: البَيَان، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَآءٍ﴾ الأنفال 58 أي: على بيان.
5) بمعنى: شرع، قال تعالى: ﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً﴾ النساء 89 يعني: شرعاً.
6) بمعنى: قصد، قال تعالى: ﴿عسى ربي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السبيل﴾ القصص 22 أي: قصد الطريق.

ما هو مدلول: ﴿سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ﴾؟:

قوله: ﴿سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ﴾ كأنه قال: الإنذار وعدمه سواء، أي مستو عليهم إنذارك وعدمه. ولا يقال أو عدمه.
يقول عبيد الله بن قيس الرقيات:
تُغِـذُّ بـيَ الشّـهبَاءُ نَحْـوَ ابـن جَعْفٍر ..... سَــوَاءٌ عَلَيْهَــا لَيْلُهَــا ونَهَارُهَـا
يعني بذلك أن السير عندها معتدل في الليل والنهار.
وتأويل ﴿سَوَآءٌ﴾: معتدل، مأخوذ من التَّساوي، ومنه قول الله جل ثناؤه: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ الأنفال 58، يعني: أعْلمهم وآذِنْهم بالحرب، حتى يَستوي علمُك وعلمُهم بما عليه كلُّ فريقٍ منهم للفريقِ الآخر. ومن ذلك قول الشاعر:
وَلَيْــلٍ يَقُـولُ المَـرْءُ مِـنْ ظُلُمَاتِـه ..... سَـوَاءٌ صَحِيحَاتُ العُيُونِ وَعُورُهَا
وهو يصف ليلاً يستوي في ظلمته قوي الإبصار وضعيفه.
فكذلك قوله: ﴿سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ﴾: معتدلٌ عندهم أيّ الأمرين كان منك إليهم: الإنذار أم ترك الإنذار لأنهم لا يؤمنون، وقد خَتمتُ على قلوبهم وسمعهم.

لِمَ قال ﴿سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ﴾ ولم يقل: "سواء عليكم" أسوة بآية الأعراف؟:

1) ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٦البقرة.
2) ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمْ ۚ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ 193الأعراف.
- في آية الأعرافوُجه الحديث لعبدة الأصنام، وضمير "هم" في ﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ عائد عليها. والتسوية في الدعوة وعدمها عند الوثنيين. يقول لهم الله: إن الأوثان التي تعبدونها لا تستجيب لكم، وإن دعوتموهم إلى الهدى، ما اتبعوكم لأنهم أصنام لا حياة فيها.
- بينما الآية هنا الحديث فيها موجه للنبي صلى الله عليه وسلم، وضمير "هم" هنا عائد على الكفار. والتسوية هنا في جدوى إنذارهم، وفيها تحد للكفار، وإخبار بالغيب، مثل الحكم بالكفر على أبي لهب، وهو حي يرزق، ولو شاء لكذب القرآن وأظهر الإسلام، غير أنه لم يفعل.

بِمَ ﴿لَا يُؤۡمِنُونَ؟:

يجيب عليها ضدها في الآيات التي تحوي صفات المتقين: ﴿ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣ وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ ٤﴾. وكأن ترتيب الآيات في السورة لحكمة عرض البشر بنوعيهم: المؤمن والكافر. والمؤمنون فئة واحدة: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، بينما الكافرون متعددون، كل منهم يكفر إما بكل ما يؤمن به المتقون، أو ببعضه.






 
رد مع اقتباس
قديم 07-02-2022, 01:54 PM   رقم المشاركة : 20
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٦






حول مضمون الآية:

مناسبة اتصال هذه الآية بما قبلها أنه لما ذكر صفة من الكتاب له هدى وهم المتقون الجامعون للأوصاف المؤدية إلى الفوز، ذكر صفة ضدهم وهم الكفار المحتوم لهم بالوفاة على الكفر. وافتتح قصتهم بحرف التأكيد ليثبت الكفر ويرسخه فيهم. والمعنيون بالحديث هم أبو جهل وأمثاله، وهو حكم عام على كل كافر، اختار أن يعيش بالكفر ويموت عليه.

والكفر أصل صحيح يدلّ على معنى واحد، هو الستر والتغطية، كما يقال للزارع الكافر، والكفر من الأرض: ما بعد من الناس لا يكاد ينزله ولا يمر به أحد.
والكافر سمّى كافراً، لأنّ الكفر غطّى قلبه كلّه، أو لما دعاه اللّه جلّ وعزّ الى توحيده فقد دعاه الى نعمة ينعم بها عليه ، فلمّا ردّ ما دعاه اليه : كان كافرا نعمة اللّه أي مغطّيا لها بإبائه.
يخل بعقد الفطرة، لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛأَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ﴾ الأعراف 172، وعن هذا المعنى جاء الأثر عن النبي : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ على الفِطْرَةِ، فأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، أوْ يُنَصِّرانِهِ، أوْ يُمَجِّسانِهِ"*.
* عن أبي هريرة: كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ على الفِطْرَةِ، فأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، أوْ يُنَصِّرانِهِ، أوْ يُمَجِّسانِهِ، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ تُنْتَجُ البَهِيمَةَ هلْ تَرى فِيها جَدْعاءَ.
أخرجه الشيخان، واللفظ للبخاري.


ولا يخفى أنّ أقبح الكفر هو الكفر بالله، وهو إما إلحاد، أو شرك. أما إنكار وجود الله فيجيبه ما بث في الإنسان والكون من الدلائل عليه. إن أصل التكوين ونظام الخلق وتسيير الكون يشير إليه تعالى، فالكل على نظام واحد مرتبط، مبدأه واحد ومرجعه الى واحد، ولا مرجع إلّا اليه تعالى. والكفر يضع غطاء على الفطـرة، وعلى العقـل الذي حري به أن يصل بدلائل الوجـود لرب الوجـود. أمـا وقد عطل عقلـه، فحق فيه قول ربنا: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الأنفال 55. والله تعالى لن يفيده أن تؤمن، ولا يضيره أن تكفر: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ إبراهيم 8. فالإيمان أو الكفر لا يؤثّر خيراً ولا شراً إلا لصاحبه، ولا يزيده إلّا قوّة وكمالا وسعادة ورحمة، أو ضعفاً وشقاوة وحرمان. يقول تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ الروم 44.

وأما الكفر بحقيقة الالوهيّة وصفاته الذاتيّة الواجبة وتوحيده تعالى جحود وقلة عقل، يقول تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ غافر 42، فهم لا ينكرون وجود الله الخالق، لكنهم لا يرجعون إليه التدبير والتصريف، فهو إله لا رب. لذلك كان المؤمن هو من يعرف الله رب العالمين، فيقول جل وعلا له: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ غافر 14.

ومن الكفر رد إرادة الله في إنزال كتبه على من يشاء، واختيار لرسالته من يشاء، كهؤلاء الذين أرادوا أن يحجروا على كلمة الله، فقالوا: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ النساء 150، فقال فيهم جل وعلا: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ النساء 151، فالإيمان لازم أن يكون كاملاً، والانتقائية فيه إخلال بشروط الإيمان ولوازمه، لذلك قال جلت حكمته: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ البقرة 85. كذلك فإن الكفر بالبعث والقيامة يحمل على الكفر بالله لأن مجيء اليوم الآخر من مشيئة الله وإرادته ليحق الحق ويقيم العدل، ويتم نتيجة إيجاد الخلق وتكوين العالم. يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا 104 أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا 105الكهف.

بين الله لنا أنه وإن كان ثم من آمن بالحق واتبعه، فصار على هدى وفلاح، وُجد من رفضه وجحده وآثر عليه الكفر. وليس هذا لعيب في الدين، بل العيب في هؤلاء الذين وُهبوا عقولاً وأسماعاً وأبصاراً لم يستغلوها لصلاحهم، بل كأنهم صم عمي لا يعقلون. والعيب ليس في هذه الحواس التي أكرمهم الله بها، بل العيب فيمن لم يحسن توظيفها للغرض الذي جبلت عليه، فخالف فطرته، وجحد هبة الله له. ماذا ترى فيمن سار في طريق يطل على هاوية وهو مغمضٌ عينيه. هل تعيب حاسة البصر أم العقل الذي عطلها، فأرسله للهلاك؟.






 
رد مع اقتباس
قديم 11-02-2022, 02:52 PM   رقم المشاركة : 21
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَعَلَىٰ سَمۡعِهِمۡۖ وَعَلَىٰٓ أَبۡصَٰرِهِمۡ غِشَٰوَةٞۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٧





﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَعَلَىٰ سَمۡعِهِمۡۖ﴾:

﴿خَتَمَ ٱللَّهُ﴾: الختم والكَتْم أخوان. والختم حقيقته السـد على الإناء والغلقُ على الكتاب بطين ونحوه مع وضع علامة مرسومة في خاتَم ليمنع ذلك من فتح المختوم، فإذا فُتح، عَلِمَ صاحبُه أنه فتح لفسادٍ يظهر في أثر النقش. وقد كانت العرب تختم على قوارير الخمر ليصلحها انحباس الهواء عنها وتسلم من الأقذار في مدة تعتيقها. والخاتَم (بفتح التاء) الطين الموضوع على المكان المختوم، وأطلق على القالَب المنقوش فيه علامة أو كتابة يطبع بها على الطين الذي يختم به. وقد اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتماً، نقش عليه "محمد رسول الله". وطينُ الختم طين خاص يشبه الجبس يُبَلُ بماء ونحوه ويُشَدُّ على الموضع المختوم فإذا جف كان قوي الشد لا يُقلع بسهولة وهو يكون قِطَعاً صغيرة كل قطعة بمقدار مضغة وكانوا يجعلونه خواتيم في رقاب أهل الذمة قال بشار:
خَتَــمَ الحُبُّ لَها في عُنُقــي ..... مَوضِعَ الخاتَمِ مِن أَهلِ الذِمَم
والختم في عصرنا يكون بإذابة الشمع على الموضع المراد ختمه، ثم يبصم بِمَهر يكون في الغالب معدنياً. أما ختم الرسائل فاستعيض عن الشمع فيه بالمظروف ذي اللسان المُصَمَّغ.
وأما تسمية البلوغ لآخِر الشيء ختماً فلأن ذلك الموضع أو ذلك الوقت هو ظرف وَضع الختم فيسمى به مجازاً.
﴿عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ﴾: متعلّقة بـ ﴿خَتَمَ﴾.
و "القلب": أصله المصدر، فسمي به هذا العضو الصَّنَوْبَرِي؛ لسرعة الخواطر إليه وتردُّدها عليه، ولهذا قال:
مَا سُــمِّيَ الْقَلْبُ إِلاَّ مِنْ تَقَلُّبِــهِ ..... فَاحْذَرْ عَلَى القَلْبِ مِنْ قَلْبٍ وَتَحْوِيلِ
ولما سمي به هذا العضو التزموا تفخيمه فرقاً بينه وبين أصله، وكثيراً ما يراد به العقل ويطلق أيضاً على لُبِّ كل شيء وخالصه.
﴿وَعَلَىٰ سَمۡعِهِمۡۖ﴾: السمع والسماع مصدران لـ سمع، وقد يستعمل بمعنى الاستماع؛ قال:
وَقَدْ تَوَجَّسَ رِكْزَاً مُقْفِرٌ نَدُسٌ ..... بِنَبْأَةِ الصَّوْتِ مَا فِي سَمْعَهَ كَذِبُ
أي: ما في استماعه. والسِّمْع (بالكسر): الذِّكْر بالجميل، وهو ما يطلق عليه في الدارجة: السمعة.
والأسماع تحتمل الختم أو الغشاوة:
- تدخل حكم الختم، لقوله تعالى: ﴿وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ الجاثية 23، وورد الطبع على السمع كذلك في قوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ النحل 108، وإنما كرر حرف الجر: ﴿عَلَىٰ﴾؛ ليفيد التأكيد ويشعر بذلك بِتَغَايُرِ الختمين، وهو أن ختم القلوب غير ختم الأسماع.
- أو في الغشاوة، لاحتمال أن يكون خبراً مقدماً، مبتدأه: ﴿غِشَٰوَةٞۖ﴾، و ﴿وَعَلَىٰٓ أَبۡصَٰرِهِمۡ﴾ عطف عليه.

لِمّ أسند الختم إلى الله؟:

- هذه الصفة لتمكنها ورسوخها فيهم، كالشيء الخلقي غير العرضي. مثل قولهم: فلان مجبول على كذا أو مفطور عليه، أي ثابت فيه،
- هي كقولهم: فلان سـال به الوادي، إذا هلك، وطارت به العنقاء، إذا طالت غيبته، وكذلك حال قلوبهـم لما تجافت عن الحق،
- قد يكون الختم مسنداً إلى الله على سبيل المجاز، فالشيطان هو الخاتم أو الكافر، إلا أنه ما كان ليفعل لو لم يقدره الله عليه، ويمكنه منه، فأسند الختم إليه كما يسند الفعل إلى المسبب،
- لما كانوا مصرين على الكفر، ولا طريق لإرجاعهم عنه إلا بالقسر والإلجاء، عبر عن ترك القسر والإلجاء بالختم، إشعاراً بأنهم هم الذين وصلوا إلى غاية قصوى في الغي لا يتناهون عنها إلا بالقسر والإلجاء،
- أن يكون حكاية لما كانوا يقولونه تهكماً: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ فصلت 5.

﴿وَعَلَىٰٓ أَبۡصَٰرِهِمۡ غِشَٰوَةٞۖ﴾:

﴿وَعَلَىٰٓ أَبۡصَٰرِهِمۡ﴾: خبر مقدم لـ ﴿غِشَٰوَةٞۖ﴾. وقد وردت لفظة "العشى" نظير الغشاوة في غير موضع من القرآن الكريم، مثل: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ الزخرف 36.
والغشاوة الغطاء الشامل على العين يمنعها من الرؤية، يقول الحارث بن خالد بن العاص:
تَبِعْتُكَ إِذْ عَيْنِي عَلَيْهَا غِشَاوَةٌ ..... فَلَمَّا انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نَفْسِي أَلُومُهَا
ومنه: غشي عليه، وَالغِشْيَان كناية عن الجِمَاع.
وجمعها: غشاءٌ، وقيل: غشاوي.

لِمَ جمع "القلوب" و"الأبصار" وأفرد "السمع"؟:

- جائز في كلام العرب، مثل: أتاني برأس الكبشين، يعني رأس كل واحد منهما، يُقال ذلك إذا أُمِن اللبس،
- المراد سمع كل واحد، وإن كان حقه الإفراد، إلا أن حمل الجمع على كل فرد جائز، لأنه اسم جنس، كما قيل في: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ غافر 67،
- "السمع" مصدر، والمصادر لا تجمع، يقال: رجلان صوم. أما الأذن فجمعت في : ﴿وفي آذاننا وقر﴾ فصلت 5 لأنها ليست بمصدر،
- قد يقدر مضاف محذوف، أي: وعلى حواس سمعهم، والمراد منه الجمع بالمجاورة، إذ قبله جمع، وبعده جمع، مثل: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ النحل 48، و ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور﴾ المائدة 16، ومثل:
كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا ..... فَإِنَّ زَمَانَكُمْ زَمَنٌ خَمِيصُ
أي: بطونكم.
- للعقل وجوه كثيرة في إدراك المعقولات، بخلاف السمع فإن أسماع الناس تتساوى في إدراك المسموعات، والأبصار مثل العقول في التشعب، فهي تدرك الألوان والأشكال والمقادير، والسمع لا يدرك إلا الصوت. الخلاصة أن العقول والأبصار تتصرف في مدركات كثيرة فجمعت، أما السمع فلا يدرك إلا شيئاً واحداً فأفرد. ألا ترى أن الأصوات المسموعة تأتي من الجهات الست بدون توجه، بخلاف البصر الذي يحتاج إلى التوجه بالالتفات للجهة المقابلة لتحصل الرؤية؟.

لِمّ قدّم السمع على البصر؟:

- قالوا: السمع أفضل من البصر، لأن الله قدمه، والتقديم دليل على التفضيل. وهو قول مردود لأنه لا فضل لحاسة على أخرى، فكل منها يؤدي وظيفته المنوط بها،
- وقالوا: السمع شرط النبوة، فلم يبعث الله نبياً أصم ، بخلاف البصر، وقد ابتلي أنبياء بفقد البصر،
- السمع سبب لاستكمال العقل بالمعارف، بينما البصر لا يستوعب إلا المحسوسات، ومنه:
عَلى السَمْعِ عَوَّلْنا فَكُنا أُولي النُهى ..... ولا عِلْمَ فيما لا يَكُونُ عَنِ السَمْعِ
- متى بطل السمع، بطل النطق، بخلاف البصر،
- البصر يرى من بعيد، بخلاف السمع،
- أسمع الله موسى كلامه دون سؤال، ونوقش في الرؤية،

لِمّ اختار ﴿غِشَٰوَةٞۖ ولم يقل: (عمى) أو (عشى)؟:

ما يصيب العين من غطاء: عمى، عشى، غشاوة، كلها وردت في القرآن:
- أما العمى فهو غياب الرؤية بالكلية،
- وأما العشى فهو ظلمة تعرض للعين، فيُرى في النهار دون الليل، ومرض العشى الليلي هو عدم القدرة على الرؤية بوضوح في الإضاءة الخافتة أو الأماكن المظلمة،
- وأما الغشاوة فهي غشاء على العين يمنع وضوح الرؤية.
والمعنى المقصود في الآية هو أنهم يبصرون إبصار غفلة، لا إبصار عبرة.

﴿وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ﴾:

﴿وَلَهُمۡ﴾: الواو استئنافية، و "لهم": خبر مقدم، و ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر، صفته: ﴿عَظِيمٞ﴾.
وأصل العذاب مشتق من: العَذْب وهو المنع أو القَطْع. يقال: عذب الفرس إذا امتنع عن العلف، ومنه سمي الماء الفرات عَذْباً، لأنه يقطع العطش، ثم توسع فأطلق على كل مؤلم شاق مطلقاً، وإن لم يكن مانعاً ورادعاً. والعذاب مثل النكال مبنى ومعنى، وهو أعم من النكال.

ما الفرق بين العذاب والعقاب؟:

قالوا: العذاب والعقاب مترادفان. ونحن نقول بأنه لا ترادف في القرآن، فلكل لفظة معنى مختلف ومحدد يناسب موقعها في السياق، ولا يناسبه غيرها، وهذا من جوانب الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم. ولعل أهم أوجه الاختلاف بين اللفظين:
- أن العقاب لابد أن يسبقه ذنب، بينما العذاب قد لا يسبقه ذنب، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ البقرة 49، وقد ثبت أن فرعون كان يعذب بني إسرائيل بدون سابق ذنب منهم.
- أن العقاب قد يكون يسيراً، وقد يكون شديداً. أما العذاب فلا يكون إلا شديداً وعاماً.






 
رد مع اقتباس
قديم 15-02-2022, 12:21 PM   رقم المشاركة : 22
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَعَلَىٰ سَمۡعِهِمۡۖ وَعَلَىٰٓ أَبۡصَٰرِهِمۡ غِشَٰوَةٞۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٧







حول مضمون الآية:

بعد عرض المؤمنين في أول السـورة، ثنى المولى جل جلاله بعد أضدادهم من الكافرين. وأكـد جـل وعـلا أنهـم لا يؤمنون، وهم يمعنون في رفضهم للحق ويصرون على إدبارهم عنه حتى يسـتوي إنذارهم وعدمه. ثم يأتي بسبب تعنتهم في هذه الآية. لقد بعدوا عن الإيمان، ومع كل خطوة خطوها في طريق الضلال نُكتت في قلوبهم نكتة سوداء، حتى اسوّدت قلوبهم ولم يعد فيها أي مساحة لقبس من نور، أو شعاع ضياء، وصدق فيهم:
لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ حَيَّاً ..... وَلَكِنْ لَاْ حَيَاْةَ لِمَنْ تُنَاْدِيْ
فاستحقوا الخزي في الدنيا والنار في الآخرة.
إن الختم هو أخر الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ المطففين
26، ومنه: خاتم النبيين، أي آخرهم. ومنه: ختم الكتاب؛ لأنه آخر قراءة فيه. والختم: الطبع، والخاتم: الطابع، كما في قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ المنافقين 3. ومن الألفاظ القرآنية القريبة من الختم: الرين، الطبع، الإقفال. وقيل: الرين أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الختم، والإقفال أشد كل ذلك.
وفي معنى نظير الختم جاء الحديث الشريف عن أبي هريرة :"إنَّ العبدَ إذا أخطأَ خطيئةً نُكِتت في قلبِهِ نُكْتةٌ سوداءُ، فإذا هوَ نزعَ واستَغفرَ وتابَ سُقِلَ قلبُهُ، وإن عادَ زيدَ فيها حتَّى تعلوَ قلبَهُ، وَهوَ الرَّانُ الَّذي ذَكَرَ اللَّه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ المطففين 14"*. والختم على القلوب والأسماع وتغشية الأبصار ليس على الحقيقة، وإنما هو من باب المجاز. ويحتمل أن يكون من كلا نوعيه وهما الاستعارة والتمثيل. أما الاستعارة فأن تجعل قلوبهم لأن الحق لا ينفذ فيها ولا يخلص إلى ضمائرها من قبل إعراضهم عنه واستكبارهم عن قبوله واعتقاده، وأسماعهم لأنها تمجه وتنبو عن الإصغاء إليه وتعاف استماعه كأنها مستوثق منها بالختم، وأبصارهم لأنها لا تجتلي آيات الله المعروضة ودلائله المنصوبة كما تجتليها أعين المستبصرين كأنما غطي عليها وحجبت، وحيل بينها وبين الإدراك. وأمّا التمثيل فأن تمثل حيث لم يستنفعوا بها في دينهم، ضرب حجاب بينها وبين الاستنفاع بها بالختم والتغطية. وقد جعل بعض المازنيين الحبسة في اللسان والعيّ ختماً عليه فقال:
خَتَمَ الإِلٰـهُ عَلى لِسَـانِ عُذَافـِرٍ
خَتْماً فلَيْسَ عَلى الكلامِ بقَادِرِ
وإذا أَرَادَ النَّطْقَ خِلْتَ لِسَـانَهُ
لَحْمــاً يُحَرِّكُــهُ لِصَقْــرٍ نَاقِــرِ
* صحيح الترمذي (3334).
خلاصة حكم المحدث:حسن.

إنّهم لما عاندوا الحقّ بالإصرار على الباطل، وضعوا حاجزاً بينهم وبين إدراك الحق، زاده التذاذهم بالباطل وانغماسهم في شهواته وأهوائه. وكما ورد في الحديث الشريف، ازداد السواد في قلوبهم حتى لم يبق فيها أي قدر ينفذ به بصيص من النور إليها، فكتب عليهم الكفر لسعيهم إليه، ورغبتهم فيه. هذا العناد جعلهم يصمون آذانهم عن سماع الحقّ، فكأنما أغلقت آذانهم، وبرمجت بحيث لا تسمع إلا ما يغذيها الشيطان به من صنوف الغواية. وأمّا الأبصار فإنّما كانت عليها غشاواتٌ عند هؤلاء الجاحدين؛ منعت عنهـا النظـر إلى آيات الله في كونـه، كأنهـا لا تراهـا، فطبعت على البصيرة غشــاوة جعلت الكافـر لا ينتفع برؤية شيء من الحق، أو مشهد يوجهه لله. وكأنما شلت الحواس على الجملة، فلم تعد تدرك ما خلقها الله له، فتأكد معنى الحرمان، فأعقبه الخسران.

وإن العذاب العظيم الذي ينتظرهم، فهو معكوس عذوبة الحياة التي تمتعوا بها لاهين عن سبب وجودهم. والعذاب اسم لما يؤلم من ضرب ووجع وجوع وظمأ. والتعذيب في الأصل من العذب، فعذّبته: أزلتُ عذب حياته، وقيل: أصل التعذيب إكثار الضرب بعذبة السوط أي طرفه. والعظيم ضدّ الحقير. وتنكير العذاب هنا للإشارة إلى أنّه نوع منه مبهم مجهول عند أهل الدنيا، بناءً على أنّ المراد به عذاب الآخرة التي هي من عالم الغيب، لكنه بلا شك شديد الإيلام، وطويل الأمد. وهو في الآية مع التنكير أبهم مكانه، لكن آية أخرى توصل المعنى. يقول تعالى: ﴿لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌالمائدة
41، فيفهم إذاً من آية المائدة وآيات أخرى أنّ الإعراض عن هدي الإسلام، وما أرشد إليه من إصلاح المعاش والمعاد، جزاؤه الضنك والضيق وفقد العزّة والسلطة في الدنيا، والعذاب العظيم في العقبى.






 
رد مع اقتباس
قديم 17-02-2022, 12:37 PM   رقم المشاركة : 23
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٦ خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَعَلَىٰ سَمۡعِهِمۡۖ وَعَلَىٰٓ أَبۡصَٰرِهِمۡ غِشَٰوَةٞۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٧



وقفة بلاغية مع آيتي الكافرين:

- في قوله: ﴿سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ﴾ جاء استخدام: ﴿عَلَيۡهِمۡ﴾ مفيداً للاستعلاء، مما يضيف الوبال والنكال عليهم.
- الاستعارة في: ﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَعَلَىٰ سَمۡعِهِمۡۖ﴾، إذ استعار الختم، وجعله كأنه حقيقة تدمغ قلوبهم وأسماعهم، أو هو: مجاز التشبيه، أو تشبيه تمثيلي، إذ شبه قلوبهم التي تأبى الإيمان، وأسماعهم التي ترفض سماع الحق، وأبصارهم التي تسدها غشاوة الباطل بالوعاء المختوم.
- جاءت: ﴿غِشَٰوَةٞۖ﴾ في: ﴿وَعَلَىٰٓ أَبۡصَٰرِهِمۡ غِشَٰوَةٞۖ﴾ نكرة؛ للتفخيم والتهويل، ولتفيد أنَّ على أبصارهم نوعًا من الأغطية غير ما يتعارفه الناس، وهو غطاءُ التعامي عن آيات الله تعالى.
- كرر ﴿عَلَىٰ﴾ في القلوب والسمع والأبصار ليدلل على شدة الختم في الموضعين.
- ورود الحذف في مواضع، منها: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي القوم الذين كفروا، ومنها: ﴿لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ أي لا يؤمنون بالله، وبما جئت به، ومنها ﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ ﴾ فلا تعي، ﴿وَعَلَىٰ سَمۡعِهِمۡۖ﴾ فلا تصغي، ﴿وَعَلَىٰٓ أَبۡصَٰرِهِمۡ غِشَٰوَةٞۖ﴾ فلا يبصرون سبيل الهدى، ومنها ﴿وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ﴾ أي في الدنيا بالقتل أو السلب أو الإذلال، والآخرة بالخلود في نار جهنم. والحذف البياني من المحسنات البلاغية التي تستخدم بكثرة في الكتاب، وتؤدي المعنى بأقل الألفاظ.
- التعميم في قوله: ﴿وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ﴾، فلو لم يقل: ﴿عَظِيمٞ﴾ لما شمل المعنى العذاب الكثير في المقدار، الشديد في الإيلام والدائم. وجاء تنكير عَذَابٌ؛ للتفخيم والتهويل والمبالغة، وللإشارة إلى أنَّه نوعٌ منه مجهول الكمِّ والكيف. ووصفُه بعَظِيمٌ؛ لتأكيد ما يُفيده التنكيرُ في عَذَابٌ، ولدفْع الإيهام بقلَّته ونُدرته، ولتأكيد أنَّه بالغٌ حدَّ العظمة، وأنَّ لهم من بين الآلام العِظام نوعًا عظيمًا لا يعلم كُنهَه إلا اللهُ. والعظيم نقيض الحقير، بينما الكبير نقيض الصغير، فكأن العظيم فوق الكبير، كما أن الحقير دون الصغير.






 
رد مع اقتباس
قديم 20-02-2022, 12:21 PM   رقم المشاركة : 24
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٦ خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَعَلَىٰ سَمۡعِهِمۡۖ وَعَلَىٰٓ أَبۡصَٰرِهِمۡ غِشَٰوَةٞۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٧


الكافرون:

بعد أن بسط المولى جل جلاله الكلام عن الذين اهتدوا وأثنى عليهم، انتقل لعرض الطائفة المضادة، وهم الذين لم يهتدوا، فاختاروا الضلال، وآثروا الظلام على النور لخبث أنفسهم، وفساد عقولهم، وموات قلوبهم. لذلك استوى لديهم الإنذار وعدمه؛ إذ أداروا ظهورهم للنصح، وسدوا أذانهم حين دعوا إلى الحق. وقد اختلف المفسرون في تعريف الكافرين الوارد في هذا الموضع، أهم رؤوس الكفر من مشركي العرب، أم رؤساء اليهود في يثرب؟ وما نراه هو التعميم في كل كافر لا يرجى إيمانه. فيكون الكافر منذ عصر النبوة حتى يرث الله الأرض بمن عليها داخلاً في زمرة ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾.

كان الكفر مواجهاً للإسلام منذ أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالتبليغ في: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾
الشعراء 214 إذ صعد الصفـا ودعـا قومه، فـردوه رداً بغيضاً*. ومنذئذ انبـروا لمعارضتـه ومحاربته وإن اختلفت أسـبابهم،
* حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا، فَهَتَفَ: يَا صَبَاحَاهْ، فَقَالُوا: مَنْ هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ؟ قَالُوا :مُحَمَّدٌ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا، قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، قَالَ: فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ أَمَا جَمَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا، ثُمَّ قَامَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَقَدْ تَبَّ، كَذَا قَرَأَ الْأَعْمَشُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ الصَّفَا، فَقَالَ: يَا صَبَاحَاهُ بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ نُزُولَ الْآيَةِ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. صحيح مسلم، كتاب الإيمان، 338
فأمثال أبي لهب الذي ركبه التكبر والعنت، لم يستجب لنداء الفطرة، ولم ينتصر حتى لابن أخيه كما تدعو العصبية القبلية، وأمثال أبي جهل عمرو بن هشام الذي أكلته العصبية البغيضة، فكان داعي كفره هو ألا يرضى لقريش فضل النبوة* أو الغيرة حين تصيب أمثال الوليد بن المغيرة أو حبيب بن عمر بن عمير الثقفي أو عتبة بن ربيعة أو غيرهم من سادات العرب، فتتسبب في إعراضهم، وينزل الله قولهم في كتابه الحكيم: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ الزخرف 31.
* جاء الأخنس بن شريق قائد بني زهرة إلى أبي جهل ابن هشام بن المغيرة ولما اختلى به سأله قائلاً: "أترى محمداً يكذب؟" فقال أبو جهل: "ما كذب قط وكنا نسميه الأمين ولكن إذا كان في بني هاشم السقاية والرفادة والمشورة ثم تكون فيهم النبوة فأي شيء لبني مخزوم؟".
وكلما توسعت دائرة الإيمان بالرسالة الخاتمة ازداد عنتهم وقسوتهم في إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم وتعذيب أصحابه حتى اضطروه للخروج من مكة أحب أرض الله إليه*. لكن هذا لم يمنعهم من ملاحقة المؤمنين في مكة وخارجها، والمسلمون في المدينة يرهقهم تعرض إخوانهم للبطش والظلم، ولا يسمح لهم بالرد دفاعاً عن الدين، ونصرة للمظلومين من إخوانهم، حتى يأذن الله لهم بالقتال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ الحج 39 فتكون الغزوات والسرايا التي يرفع فيها اسم الله، والكفار باقون على عهدهم لإبليس، مستمرون في العمى والصمم والبكم.
* حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ الزُّهْرِيَّ أخْبَرَهُ ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْحَزْوَرَةِ فِي سُوقِ مَكَّةَ : وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ مسند أحمد (18418).
ومع بداية العهد الجديد لدين الله في يثرب تظهر على السطح فئتان لم يكن للمسلمين عهد بهما: اليهود والمنافقون. أما المنافقون فهم شكل جديد من أشكال الكفر، هو كفر المداراة والمداهنة، وهو أشد وطأة من الكفر الصراح، وأعنف على المسلمين. فالرسـول صلى الله عليه وسلم وصحبه دخلوا يثرب وقد أسـلم جل سـادتها، فصارت
مدينة رسول الله عامرة بالتوحيد، مما ألجأ من بقي على الكفر لسلوك طريق ملتوية يَدَّعون الإسلام ويَسْكُن قلوبَهم الضلالُ بكل سـواده وظلمته، فاسـتحقوا أن تفرد لهم آيات بينات تكشـف سـترهم وتفضحهـم إلى يوم الدين.
أما اليهود فشأنهم هو هو: المناورة والكيد والمداهنة والتآمر. شـايعوا منافقي المدينة وناصروهم في الخفاء، وأداروا معهم المؤامرات، وحالفوا كفار مكة لمحاربة الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي قصة إسلام الإمام الحَبْر عبد الله بن سلام دليل على كذبهم وتعنتهم*. وشأنهم محير، وسلوكهم كان بين هؤلاء وهؤلاء: منهم من بقي على شركه وعقيدته الفاسدة، فلا أسلم، ولا نافق، ومنهم من سلك سبيل منافقي المدينة، فأظهر الإسلام وأبطن الشرك. وكان من سوء طباعهم نقض العهود؛ فقد عقد معهم الرسول صلى الله عليه وسلم وثيقةً تقر الحرية الدينية، وتساوي بين المسلمين واليهود في الحقوق والواجبات، وتضمن استقلالهم الاقتصادي، وتلزمهم بالدفاع عن المدينة إلى جانب المسلمين. وقد جمعهم نقض العهود في سلة واحدة، مما اضطر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعاقبهم كل حسب جرمه:

* في البخاري من طريق عبد العزيز عن أنس، قال: فلما جاء النبي ﷺ جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنك رسول الله وأنك جئت بحق، وقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم فادعهم فسلهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا فيَّ ما ليس فيَّ .فأرسل نبي الله ﷺ إلى اليهود فدخلوا عليه، فقال لهم: "يا معشر اليهود ويلكم، اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا وأني جئتكم بحق فأسلموا ."قالوا: ما نعلمه. قالوا ذلك للنبي ﷺ قالها ثلاث مرار. قال: «فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟" قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا. قال: "أفرأيتم إن أسلم؟" قالوا: حاش لله ما كان ليسلم. قال: "يا ابن سلام اخرج عليهم" فخرج فقال: يا معشر يهود اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بالحق .فقالوا: كذبت. فأخرجهم رسول الله ﷺ. هذا لفظه. وفي رواية: فلما خرج عليهم شهد شهادة الحق. قالوا: شَرُّنَا وابن شَرِّنَا، وتنقصوه فقال: يا رسول الله هذا الذي كنت أخاف. البداية والنهاية لابن كثير، ج3، في إسلام عبد الله بن سلام.
1) فأما بنو قينقاع فقصة حادثة اعتدائهم في محل الصائغ على امرأة مسلمة معروفة*، فكانت عقوبتهم الإجلاء عن المدينة.
* روى ابن هشام عن أبي عون أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته بسوق بني قينقاع وجلست إلى صائغ فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها -وهي غافلة- فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع.
ابن هشام : ج2، ص47.

2) وأما بنو النضير فثبت عنهم محاولة قتل الرسول صلى الله عليه وسلم بعد غزوة أحد*، فأجلوا كذلك.
* مجلة مداد الآداب، العدد الثالث عشر، ص309.
3) وأما بنو قريظة فقد انضموا إلى المشركين يوم الخندق في حرب المسلمين، فاستحقت الخيانة العظمى قصاصاً حكم به سعد بن معاذ*.
* عن أبي سعيد الخدري: "نَزَلَ أهْلُ قُرَيْظَةَ علَى حُكْمِ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ، فأرْسَلَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى سَعْدٍ فأتَى علَى حِمَارٍ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ المَسْجِدِ قَالَ لِلْأَنْصَارِ: قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ، أوْ خَيْرِكُمْ. فَقَالَ: هَؤُلَاءِ نَزَلُوا علَى حُكْمِكَ. فَقَالَ: تَقْتُلُ مُقَاتِلَتَهُمْ، وتَسْبِي ذَرَارِيَّهُمْ، قَالَ: قَضَيْتَ بحُكْمِ اللَّهِ ورُبَّما قَالَ: بحُكْمِ المَلِكِ".
رواه الشيخان: البخاري (4121)، واللفظ له، ومسلم (1768).

والله تبارك وتعالى إذ قال عن الكافرين الذين أمعنوا في الضلال ﴿لَا يُؤۡمِنُونَ أتبعها ببيان أنهم لما ازدادوا بعداً عنه، وصاروا يفسدون في الأرض ويحاربون عباده ويوالون شياطين الإنس والجن، طمس بأفعالهم على قلوبهم وأخرسهم وأصمهم وأعمى أبصارهم، وإن كانوا أحياء يرون ويسمعون ويتكلمون، لكنهم لم يسـتغلوا نعـم الله فيما جُبلت عليه، ولو أحسـنوا اسـتخدامها لوصلوا إلى الهدى، ولكانت هذه النعـم الربانيـة أدوات تعينهم على الصلاح في الدنيا، والفوز برضى الله في الآخرة، لذلك استحقوا عذاباً عظيماً.






 
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 

اشترك في مجموعة أقلام البريدية
البريد الإلكتروني:
الساعة الآن 12:59 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط