الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديـات الثقافيـة > المنتدى الإسلامي

المنتدى الإسلامي هنا نناقش قضايا العصر في منظور الشرع ونحاول تكوين مرجع ديني للمهتمين..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 19-11-2022, 02:11 PM   رقم المشاركة : 157
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة متصل الآن

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

المدخـــل












وصف الۡمُتَّقِينَ:

وفى الإسلام - إذا أردنا المقارنة - نجد الصلوات خمساً مُوَزَّعة على اليوم والليلة توزيعًا تربويًا جميلًا؛ حيث يُدرب المسلم على القيام المبكر واستقبال يومه، ونفحات ربه وخيرات نهاره من أول ساعة في اليوم، فيصبح طيب النفس نشيطًا. ويبدأ المسلم ليله بصلاة المغرب، كما بدأ نهاره بصلاة الفجر. والصلاة فيها أفعال وأقوال، وهي أشبه بنظام خاص، يتربّى عليه الإنسان؛ ليدرك أن تَكْرار هذا النظام خمس مرات في اليوم يجعله مُرتبطًا بربه أكثر من ارتباطه بأي شيء آخر. ومن مناقب الإسلام في الصلاة الأذان للإعلام بدخول وقت الصلاة. وهو يعتمد على الصوت البشري، وهو حاسة مدمجة في الإنسان، يستخدمها أكثر البشر في الاتصال والتخاطب، وقد اقتضت الحكمة الإلهية ألا يكون الأذان صِرْف إعلام وتنبيه، بل هو من شعائر الدين، بحيث يكون النداء به على رأس الخامل والنبيه، تنويهًا بالدين. ويكون قبوله من القوم آية انقيادهم لدين الله، فوجب أن يكون مُركّبًا من ذكر الله، ومن الشهادتين والدعوة إلى الصلاة ليكون مُصرحًا بما أريد به. لذلك فالآذان يتعدى كونه نداءً للصلاة، إلى تمجيد لله وشهادة بتوحيده وتجديد لاتباع رسالة نبيه وحثاً على اتباع الهدى، والتحلي بالنشاط للفوز بالفلاح.
ولا شَكَّ أنَّ الصلاة في الإسلام هي رأس العبادات، وقربان المؤمن، ومعراج كل تقيّ، ومظهر الخضوع والعبودية لله، ومن ناحية أخرى هي عبادة تربوية؛ إذ هي:

أَوَّلًا: شُـكْرٌ للهِ تعالى على نِعَمِهِ الجليلة، والشكر هو سلوك تربوي إيجابي تتبناه الفطرة السليمة، ويفرضه العقل، ويستحسنه العُرْف، قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ) لقمان 12.
ثَانِيًا: تَهْذِيبٌ للنّفْسِ، وإعانة لها على طاعة الله، والابتعاد عن المعاصي والموبقات الأخلاقية، قال تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) العنكبوت 45.
ثَالِثًا: سِمَةُ الصّالِحينَ والأتقياء الموصوفين بالخُلقِ السّامِي والسُّمْعة الطَّيِّبَة والأفعال الحميدة؛ قال تعالى: (وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمۡ سُجَّدٗا وَقِيَٰمٗا 64) الفرقان.

وإقامة الصـلاة تشـمل أداءها بأركانها في مواقيتها وعلى هيئاتها مما تقتضيه من ورع وخشية. ولينتفع المسلم بها عليه أن يجتنب ما لا يرضي الله بين الصلاة والصلاة. بل إنها (تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) العنكبوت 45. والله تبارك وتعالى حين ذكر المتهاونين في الصلاة نعى على الساهين عن أدائها فقال: (فَوَيۡلٞ لِّلۡمُصَلِّينَ 4 ٱلَّذِينَ هُمۡ عَن صَلَاتِهِمۡ سَاهُونَ 5) الماعون، لا الساهين فيها، وهذه رحمة من الله. لكن هذا لا يعني أن يستسلم المرء للخواطر والهواجس والوساوس التي تعتريه أثناء الصلاة، بل إن على المسلم أن يجتهد في رياضة نفسه وتدريبها على التركيز والاستغراق في الصلاة حتى يفوت على الشيطان وساوسه وخدعه ومصايده. والصلاة هي أهم التكاليف الربانية للفرد المسلم، لذلك هي اول ما يسئل عنه عند الله، فإذا صلحت صلح سائر عمله، وإذا فسدت فسد سائر عمله. ومن يتهاون في الصلاة تسهل عليه المعصية في غيرها من الطاعات، فيضعف الإيمان وتكثر المعاصي، حتى يفر الإيمان من قلب المسلم بعد أن نزعت منه التقوى، فلا يبقى فيه شيء من إيمان، ويتحول القلب إلى سواد لا بياض فيه.







 
رد مع اقتباس
قديم 20-11-2022, 02:00 PM   رقم المشاركة : 158
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة متصل الآن

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

المدخـــل












وصف الۡمُتَّقِينَ:

ويأتي الإنفاق ترجمة للتقوى في صورة بذل وعطاء من طيب الرزق، في صورة من التكافل والتآزر بين خلق الله. والنص في الآية: (وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ) لا يذكر الزكاة التي هي فريضة الإنفاق في الرسالة الخاتمة، بل ذكر الإنفاق، وفيه دلالة على تنوعه بين الشـرائع. هو العشور في اليهودية، فعُشر محصول الأرض والأنعام كان واجباً على بني إسرائيل، إذ كانوا يتركون بعض السنابل والثمار في المزارع والحقول كزكاة تُدفع إلى بيت المال؛ يوقف عُشره لضيافة الحجاج، ويُطعم منه المسافرون واليتامى والفقراء يومياً، تُحصِّله فرق مُتخصِّصة، قوية الشأن، كجُباة لهذا المال، يرثُون هذا المنصب أباً عن جد، تُلزم اليهود بأداء هذه الفريضة. والعشور كان قبل موسى - عليه السلام - إذ ذكر في سفر التكوين (الإصحاح 14): «17فَخَرَجَ مَلِكُ سَدُومَ لِٱسْتِقْبَالِهِ، بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ كَسْرَةِ كَدَرْلَعَوْمَرَ وَٱلْمُلُوكِ ٱلَّذِينَ مَعَهُ إِلَى عُمْقِ شَوَى، ٱلَّذِي هُوَ عُمْقُ ٱلْمَلِكِ. 18 وَمَلْكِي صَادِقُ، مَلِكُ شَالِيمَ، أَخْرَجَ خُبْزًا وَخَمْرًا. وَكَانَ كَاهِنًا لِلهِ ٱلْعَلِيِّ.19وَبَارَكَهُ وَقَالَ: «مُبَارَكٌ أَبْرَامُ مِنَ ٱللهِ ٱلْعَلِيِّ مَالِكِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلْأَرْضِ، 20 وَمُبَارَكٌ ٱللهُ ٱلْعَلِيُّ ٱلَّذِي أَسْلَمَ أَعْدَاءَكَ فِي يَدِكَ». فَأَعْطَاهُ عُشْرًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ

وقد وردت كلمة "زكاة" نصاً ومعنى في الإصحاح 31 من سفر العدد، ومنه: «28 وَٱرْفَعْ زَكَاةً لِلرَّبِّ. مِنْ رِجَالِ ٱلْحَرْبِ ٱلْخَارِجِينَ إِلَى ٱلْقِتَالِ وَاحِدَةً. نَفْسًا مِنْ كُلِّ خَمْسِ مِئَةٍ مِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلْبَقَرِ وَٱلْحَمِيرِ وَٱلْغَنَمِ«. كما أن القرآن الكريم بيَّن أن "الزكاة" عبادة تؤدى من قديم؛ فورد في سورة الأنبياء في حق خليله إبراهيم - عليه السلام -: (وَنَجَّيۡنَٰهُ وَلُوطًا إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا لِلۡعَٰلَمِينَ 71 وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ نَافِلَةٗۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا صَٰلِحِينَ 72 وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِمۡ فِعۡلَ ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِۖ وَكَانُواْ لَنَا عَٰبِدِينَ 73) وقال حكايـة عن عيسـى - عليه السـلام -:
(وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا 31) مريم، فذكر الزكاة بلفظها.
ويبدو أن كلمتي "بكور" و "عشور" كانتا صنفين من أصناف "الزكاة". والبكور هي أول مكسب، وأول إنتاج، وأول حصاد، يقدمها الفرد كاملة زكاة لوجه الله.
وبما أن السيد المسيح لم ينقض العهد القديم، أقر شـريعة موسى التي تحتوي على العشـور، وزاد الصدقة التي هي من باب الإحسان الخالص، وبمعزل وزيادة عن الفريضة التي جاءت في التوراة.

إنَّ الإنفاق بمعنى البذل والعطـاء لا يتوقف على الإحسان للإنسـان، بل تنُقِلت روايات عن البغي التي دخلت الجنة لأنها سـقت كلباً، والمرأة التي دخلت النار لأنها حبسـت هراً، فَنَفَقَ صبراً. وفي الحديث الشريف أن رسول الله سـئل: أئن لنا في البهائم لأجراً؟ فقال: "فِي كُلِّ ذِي كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْر*".
* "بينَما رجلٌ يمشي بِطريقٍ اشتَدَّ بهِ العَطشُ، فوجدَ بئرًا فنزلَ فيها، فشرِبَ ثمَّ خرجَ، فإذا كلبٌ يلهَثُ، يأكُلُ الثرَى من العَطشِ، فقال الرَّجُلُ: لقد بلغَ هذا الكلبُ من العَطشِ مِثلَ الَّذي كان بلغَني، فنزلَ البِئرَ فملأَ خُفَّهُ ثمَّ أمسكَه بفيِه فسَقَى الكلبَ فشكرَ اللهُ لهُ ، فغَفرَ لهُ. قالوا: يا رسولَ اللهِ وإنَّ لنا في البهائمِ أجرًا ؟ قال: "في كُلِّ كَبِدٍ رطبَةٍ أجرٌ".
رواه أبو هريرة، وأخرجه البخاري (2363) وفي الأدب المفرد (378) واللفظ له، ومسلم (2244).


ولا شك أن الإنفاق في الإسلام دليل على إيمان المسلم بالغيب:
- هو يؤمن أن الرزق من الله: (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ) الإسراء 30.
- وهو يُخرِج من ماله، وفي علم الغيب ما سيأتيه من رزق: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً) لقمان34.
- وهو مستأمن على ما لديه من مال سيُسئل عنه يوم يرجع إلى الله فيم أنفقه؟
- كما أنه يؤمن أن ما يأكله فان، وما يخرجه لله باق، كما ورد في الحديث*.
* عن عائشة أم المؤمنين أنَّهم ذبحوا شاةً فقالَ النَّبيُّ ﷺ: "ما بقيَ منْها ؟" قلت: ما بقيَ منْها إلَّا كتفُها . قالَ: "بقيَ كلُّها غيرَ كتفِها".
صحيح الترمذي (2470).

- وهو يؤمن أن ما ينفقه يزكي ماله ويطهره وينميه، فإذا بخل أضاع عبادة وأغلق على نفسه باب الإمداد.

ولأن المرء حقق مطلوبات التقوى بالإيمان بالغيب، والصلاة، والإنفاق، استحق أن يكون من: (أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ) 5، لاختياره الطريق المعاكس لدروب الكفر والشرك والنفاق.






 
رد مع اقتباس
قديم 21-11-2022, 01:50 PM   رقم المشاركة : 159
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة متصل الآن

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

المدخـــل












وصف الۡمُتَّقِينَ:

صفات الفئة الثانية والقول فيهم:

1) (يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ)،
2) (وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ)،
3) (وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ).
أما هذه الفئة، فهي أكمل وأتم من الفئة الأولى، لأنها أخذت الإسلام الشامل بكل حلقاته.
وهذه العناصر الثلاث جمعت قوام الدين كله: الإيمان بالقرآن، وبالكتب السابقة عليه، واليقين بالآخرة. وأنصع الأدلة على أن هؤلاء المذكورين في هذه الآية الرابعة من السورة ليسوا أهل الكتاب هو ترتيب الإيمان بالكتب؛ فهم يؤمنون أولاً بما أنزل إلى محمد - عليه السلام - وثانياً بما أُنْزِلَ من قبل. أي إنهم لم يكن لهم عهد بالإيمان بالكتب المنزلة حتى أنزل على نبيهم القرآن، فآمنوا به، ثم آمنوا بما يشير فيه إلى الكتب السابقة، لا سيما وقد قال - سبحانه - في خواتيم سورة البقرة: (ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ) 285، ولا نرى وجهاً لقول من قال: إنما ذُكِرَ القرآن قبل الكتب الأخرى مع أنه آخرها نزولاً، لأنه مُهيمن على سائر الكتب، فهو الحاكم عليها قد نسخ منها ما نسخ، وأقر وأثبت ما أقر، وأبان عما وقع فيها من تحريفات وإضافات إلى غير ذلك من المعاني الداخلة تحت هيمنة هذا القرآن على الكتب الأخرى، فهذا الكتاب هو أعظمها، وأجلها، وهو الذي منعه الله - تبارك وتعالى - من التبديل والتحريف، فما أقره مما جاء في تلك الكتب فهو حق، وما أبطله وأبان عن كونه مُحرفًا فهو باطل، وما بين رفعه ونسخه فهو منسوخ، فهو المرجع وعليه المعول فبدأ به، فهو أشرف هذه الكتب فلا غرو أن بدأ بالأشرف والأكمل. ولا خلاف في هيمنة القرآن على سائر الكتب السماوية، ولا خلاف في أنه نسخها، ولا خلاف في أنها حُرِّفت، لكن ليس هذا هو السبب في تقدمه عليها في هذا الموضع من الذكر. إنه تقدمها لأن الخطاب هنا عن أولئك الذين لا علم لها بخطاب السماء، فهم غارقون في الشرك بأصنام وأوثان بالمئات، لكل قبيلة صنم أو أكثر، وربما اختص كل بطن من بطون القبيلة بصنم يعبدونه من دون الله. فلما بعث عليهم رسول من بينهم، وآمنوا به، وبالكتاب الذي نُزِّل عليه، لزم أن يؤمنوا بعد ذلك بكل ما أنزل من قبله، مما جاء ذكره في كتابهم. العطف - إذاً - في: (وَٱلَّذِينَ) عطف فئة على فئة؛ فالذين في الآية الثالثة: (ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ) غير أولئك الذين في هذه الآية الرابعة: (وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ). وتكون الفرقة الأولى صاحبة الآية الثالثة هم الذين ينتظرون الحقّ لأنّهم على شيء منه وينتظرون بياناً من الله - تعالى - ليأخذوا به، ولذلك تقبّلوه عندما جاءهم. أما أهل الكتاب الذين لم يصلهم الحق الذي جاءت به الرسالة الخاتمة، أو وصلتهم صورة مشوهة منه، فرفضوها، وظلوا على إخلاصهم للتوحيد الذي جاء به نبيهم، دون تجسيم أو تعدد، وأقاموا الصلاة على شرعهم، وأنفقوا ممّا رزقهم الله كما أُمروا في كتبهم، فهم مشمولون في الفرقة الأولى.
وأمّا الفرقة الثانية وهم المؤمنون بما جاء به محمّد - عليه الصلاة والسلام - فعلى هدىً تشرك فيه تلك الفرقة الأولى التي يمثلها أهل الكتاب، لكن على وجه أكمل؛ لأنّها مؤمنة بالقرآن وعاملة به، ويمثلها الذين أسـلموا من غير أصحاب الرسـائل السـماوية. والذي أُنزل على النبي - عليه الصلاة والسـلام - إنما هو وحي شــامل يُعالج مناحي الحيـاة بأكملها؛ فهو يُبين لهم:
- ما يتصل بصفات المعبود - تبارك وتعالى - ويُبين لهم دلائل الوحدانية، وكذلك أيضًا يأمرهم بعبادته وحده لا شـريك له، وما إلى ذلك مما يتصل بتوحيده والإيمان به.
- ويقص عليهم الأخبار، ويذكر لهم العِبر، ويضرب الأمثال.
- ويبين تفاصيل الصراط المستقيم الذي ينتظم كل ما يكون سبيلاً وسببًا للفلاح والوصول إلى الله والدار الآخرة من عبادات ومعاملات.

وهم مأمورون بالأخذ بذلك كله، ولا يقولون: نأخذ بعضًا، ونترك بعضاً. ولا يقولون: ما شأن القرآن بتنظيم أمور الحياة اليومية، أو العلاقة بين الرجل وامرأته، أو غيرها من شـؤون الإنسان الخاصة أو العامة؟. (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) كله، دون إنقاص أو حذف، أو إهمال أو تهاون. والذي يتردد في شيء مما شرعه الله، أو ينكره - وما أكثر من ينكرون حكم الله - لا ينضوي تحت مظلة الإيمان بما أُنْزِل إلى محمد - عليه الصلاة والسلام -. إن المؤمن لا يتخير بين أوامر الله ونواهيه، بل يقول لكلمة الله: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) البقرة285، وإلا كان كمن نقل المولى - سبحانه - إعراضهم عنه بقولهم: (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ) النساء46.






 
رد مع اقتباس
قديم 22-11-2022, 01:58 PM   رقم المشاركة : 160
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة متصل الآن

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

المدخـــل











وصف الۡمُتَّقِينَ:

وهذه الآية تتوافق مع آية الخواتيم؛ فهو - سبحانه - هنا يقول: (وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ) ويقول هناك: (ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ)، وهنا يقول: (وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ) ويقول هناك: (كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ)، وهنا يقول: (وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ) ويقول هناك: (وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ 285). إنَّ هذا هو الإيمان الحقيقي بمعنى الإذعان والإقرار والانقياد والتسليم التام لله - تبارك وتعالى - ولأحكامه وشـرائعه، سمعنا وأطعنا، وما يحصل من التقصير والخطأ والسهو ونحو ذلك الذي لا يخلو منه إنسان، حري بأن يستغفر منه: (غُفْرَانَكَ رَبَّنَا).

نلاحظ أنه في قوله تعالى: (وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) لم يأتِ بالباء الجارة، فلم يقل: "وَبمَا"، ولو كان "ما" الثانية موصولة كان يتعين ذلك عند جمع من النحاة، للزوم إعادة الجار. فدل غيابها على أنه إيمان واحد، إذ لو تقدمت "ما" لأشعر بأنهما إيمانان. بينما جاء الإتيان بها في الجملة الثالثة: (وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ) توكيد للإيمان والإيقان بالآخرة. والمراد بما أنزل من قبل: الكتب التي أنزلت على الأنبياء السابقين؛ إذ يجب الإيمان المجمل بها. هذا الإيمان يكفي، لكن الإيمان المُفصل بصفات هذه الكتب ونصوصها لا يدخل في الأمر، لأننا لا نعرف تفاصيلها. نعم، نؤمن أن الله أنزل صحف إبراهيم وموسى والتوراة والزبور والإنجيل، لكننا لا نعلم بوجود نسخ صحيحة منها، فأين هي صحف إبراهيم؟ وماذا يحتوي الزبور على اليقين؟ وأين التوراة والإنجيل؟ في سفر التثنية 34، وهو السفر الخامس في العهد القديم نص يذكر وفاة موسى: «5 فَمَاتَ هُنَاكَ مُوسَى عَبْدُ ٱلرَّبِّ فِي أَرْضِ مُوآبَ حَسَبَ قَوْلِ ٱلرَّبِّ.6 وَدَفَنَهُ فِي ٱلْجِوَاءِ فِي أَرْضِ مُوآبَ، مُقَابِلَ بَيْتِ فَغُورَ. وَلَمْ يَعْرِفْ إِنْسَانٌ قَبْرَهُ إِلَى هَذَا ٱلْيَوْمِ«. والأناجيل في العهد الجديد إنما هي نصوص كتبها بعض الحواريين والقديسين، فالأربعة المعتمدة لـ: متى ومرقس ولوقا ويوحنا، وهي تمثل سـيرة المسـيح من الميلاد إلى الرفـع، مع اختلافات واضحة في التفاصيل فيما بينهـم، والنصوص معرضة للتعديل والتبديل في كل طبعة جديدة.


والذي بقي لليوم مما يطلق عليه: الكتاب المقدس، أصابه التحريف، والتبديل، والتغيير. قال - تعالى - عن اليهود الذين نزلت عليهم التوراة:(يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) المائدة41، وقال: (قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا) الأنعام 91، وقَالَ: (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ) البقرة79. والكتب السابقة كانت وقتية، وخاصة بالأمم التي نزلت فيها، ولذلك لم تأخذ صفة الدوام، ولا تكفل الله بحفظها.
ومن آثار الإيمان بالكتب السابقة:
1) العلم برحمة الله - تعالى - وعنايته بخلقه، حيث أنزل لكل قومٍ كتابًا يهديهم به.
2) ظهور حكمة الله - تعالى - حيث شرع في هذه الكتب لكل أمة ما يناسبها وكان خاتم هذه الكتب القرآن العظيم، مناسبًا لجميع الخلق في كل عصر ومكان إلى يوم القيامة.
3) المستند لهذه الأمة في شهادتها على الأمم السابقة، أن الله أقام عليها الحجة بإرسال الرسل وإنزال الكتب.
4) أن الإيمان بالكتب السابقة المنزلة على الرسل لا يقتضي إقرار ما يوجد بأيدي اليهود والنصارى من التوراة والإنجيل، فإنها بدلت وحرفت، والذي لم يصل إليه التحريف نسـخ بالقرآن.

ولهذا فما كان منها صحيحًا فهو منسوخ بالإسلام، وما سوى ذلك فهو محرَّف، أو مبدَّل، أو مخفي، يخفونه لما فيه من حق يفضح تحريفهم. ومن أصول الاعتقاد في الإسلام أن محمداً هو خاتم الأنبياء والمرسلين، لقوله تعالى: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) الأحزاب40. كما أن من أصول الاعتقاد في الإسلام أن بعثة محمد - عليه الصلاة والسلام - عامة للناس أجمعين، قال الله تعالى:(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) سبأ28، وقال:(قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) الأعراف158، وغيرها من الآيات.






 
رد مع اقتباس
قديم 23-11-2022, 04:48 PM   رقم المشاركة : 161
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة متصل الآن

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

المدخـــل











وصف الۡمُتَّقِينَ:

نحن - إذاً - مأمورون أن نؤمن بالأنبياء والرسـل جميعاً، وبكتب الله التي أنزلها إيمان تصديق بأصولها قبل أن تلعب فيها أيدي المزورين والمحرفين، ولا يكتمل إيمان المسلم إلا بهذا. كما أن المسلم لا يعد مسلماً ما لم يؤمن بالآخرة، بالبعث والنشور إيماناً يقينياً، فقال: (وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ) يعضد الإيمان بالغيب؛ فإنَّ إيمان المؤمن بالغيب، كل الغيب، يقيني: يوقن بالخالق المدبر، بأسمائه وصفاته العلى التي ذكرها في كتابه، وبملائكته، وكتبه، ورسله، وقدره خيره وشره، وباليوم الآخر. فالمؤمن يوقن بهذه الجُمل. وهنا قدم الجار والمجرور، فقال: (وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) ولم يقل كما هو مفترض: "وَيُوقِنُونَ بِالآخرَةِ"، فحينما قدم ما حقه التأخير في الكلام يدل على الاهتمام به، ويُشعر بالحصر، يعني: كأن الإيمان باليوم الآخر هو الذي عليه المعول؛ لما له من الأثر البالغ في سـلوك الإنسان، ثم إنه أتى بضمير الفصل (هُمْ) بين طرفي الكلام في الجُملة، فأفاد هذا تقوية النسبة لكمال يقينهم، وحصر اليقين بالآخرة بهم. كذلك فإنه جاء بهذه الجملة الإسمية عطفاً على جملة فعلية لإفادة التأكيد؛ فهذا آكد في الإخبار عن هؤلاء بالإيقان، ومُشـعر بالاهتمام بهم. لذلك كان عندهم اليقين على أعلى درجات العلم، فهو يقين ثابت لا يتطرق إليه شك، ولا تشوبه شبهة.

والتعبير عن الإيمان بالآخرة بالإيقان يشعر أنه حاصل عن تأمل وتدبر. وقد بدأ ذكر صفات المتقين بقمة الابتداء، وهو الإيمان بالله، ثم انتهى هنا بقمة الانتهاء، وهو الإيمان باليوم الآخر. ومن لا يتصور وجود اليوم الآخر للحساب، لا يجد ضرورة للإحسان في الدنيا، ولسان حالهم يقول: (إِنۡ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ 37) المؤمنون، فليعش في الدنيا دون التزام بدين أو عقيدة، فآخرته فناء في التراب. هنا تختل موازين المجتمعات، وتفشو فيها الأدواء، وتنتشر الفوضى، بلا رابط ولا ضابط. إن المؤمن يلتزم بمنهج الله وعينه على الآخرة، والأنبياء ترسل لتبشر بالجنة وتخوف من النار (لِّيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٖ وَيَحۡيَىٰمَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةٖۗ) الأنفال 42.

وقوله: (أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ 5) هي صفات، وإن جاءت في فريقين - كما بينَّا - إلا أنها تصلح لأن تكون صفات الإيمان واليقين التي تنطبق على المسلمين، وتكون سبباً لهداية ربهم لهم، ولإنعامه عليهم بصفة الفلاح في الدنيا والآخرة. هم فازوا بالمغفرة والرضا والنعيم المقيم.لقد كانت خطواتهم في الدنيا على الهدى توفيقاً من الله وتسـديداً، وعاقبة أمرهم في الآخرة فلاحاً ونجاحاً: (فَ‍َٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا وَحُسۡنَ ثَوَابِ ٱلۡأٓخِرَةِۗ) آل عمران 148. ولنعرج على فواتح سورة لقمان لنتبين نقاط الاتفاق بينها وبين فواتح البقرة. وقد عرضنا في ثنايا قراءة الآيات تفاصيل العلاقة بين صدري السورتين. لكن ما يهمنا هنا هو التركيز على المعاني العامة التي تجمع بينهما. في البقرة ذكر المتقين، ليجمع بين فريقين، بينما في لقمان ذكر أن آيات الكتاب: (هُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّلۡمُحۡسِنِينَ 3)، وجمع في لقمان بين جوانب الإيمان العملي بالصلاة والزكاة، والإيمان القلبي بما ورد فيهم في سورة البقرة على التحديد: (وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ 4). ولأنهم على أعلى درجات الإيمان، استحقوا مجموع ما وصف به الفريقين في سورة البقرة: (أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ 5) لقمان.






 
رد مع اقتباس
قديم 24-11-2022, 04:40 PM   رقم المشاركة : 162
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة متصل الآن

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

المدخـــل






الكافـرون:


بعد أن بسـط المولى - جل جلاله - الكلام عن الذين اهتدوا وأثنى عليهم، انتقل لعرض الطائفة المضادة، وهم الذين لم يهتدوا، فاختاروا الضلال، وآثروا الظلام على النور لخبث أنفسهم، وفساد عقولهم، وموات قلوبهم. لذلك استوى لديهم الإنذار وعدمه؛ إذ أداروا ظهورهم للنصح، وسـدوا أذانهم حين دعوا إلى الحق. وقد اختلف المفسـرون في تعريف الكافرين الوارد في هذا الموضع، أهم رؤوس الكفر من مشـركي العرب، أم رؤسـاء اليهود في يثرب؟ وما نراه هو التعميم في كل كافر لا يرجى إيمانه. فيكون الكافر منذ عصر النبوة حتى يرث الله الأرض بمن عليها داخلاً في زمرة (ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ).

كان الكفر مواجهاً للإسلام منذ أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالتبليغ في: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) الشعراء 214، إذ صعد الصفـا ودعـا قومه، فردوه رداً بغيضاً*، ومنذئذ انبروا لمعارضته ومحاربته وإن اختلفت أسـبابهم:
* حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا، فَهَتَفَ: يَا صَبَاحَاهْ، فَقَالُوا : مَنْ هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ؟ قَالُوا: مُحَمَّدٌ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا، قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، قَالَ: فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ أَمَا جَمَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا، ثُمَّ قَامَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) وَقَدْ تَبَّ، كَذَا قَرَأَ الْأَعْمَشُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ:حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ذَاتَ يَوْمٍ الصَّفَا، فَقَالَ: يَا صَبَاحَاهُ بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ نُزُولَ الْآيَةِ (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ).
صحيح مسلم، كتاب الإيمان، 338.

فأمثال أبي لهب الذي ركبه التكبر والعنت، لم يستجب لنداء الفطرة، ولم ينتصر حتى لابن أخيه كما تدعو العصبية القبلية، وأمثال أبي جهل عمرو بن هشام الذي أكلته العصبية البغيضة، فكان داعي كفره هو ألا يرضى لقريش فضل النبوة* أو الغيرة حين تصيب أمثال الوليد بن المغيرة أو حبيب بن عمر بن عمير الثقفي أو عتبة بن ربيعة أو غيرهم من سادات العرب، فتتسبب في إعراضهم، وينزل الله قولهم في كتابه الحكيم: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) الزخرف 31.
*جاء الأخنس بن شريق قائد بني زهرة إلى أبي جهل ابن هشام بن المغيرة ولما اختلى به سأله قائلاً: "أترى محمداً يكذب؟" فقال أبو جهل: "ما كذب قط وكنا نسميه الأمين ولكن إذا كان في بني هاشم السقاية والرفادة والمشورة ثم تكون فيهم النبوة فأي شيء لبني مخزوم؟".

وكلما توسعت دائرة الإيمان بالرسالة الخاتمة ازداد عنتهم وقسوتهم في إيذاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتعذيب أصحابه حتى اضطروه للخروج من مكة أحب أرض الله إليه.* لكن هذا لم يمنعهم من ملاحقة المؤمنين في مكة وخارجها، والمسلمون في المدينة يرهقهم تعرض إخوانهم للبطش والظلم، ولا يسمح لهم بالرد دفاعاً عن الدين، ونصرة للمظلومين من إخوانهم، حتى يأذن الله لهم بالقتال: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) الحج39، فتكون الغزوات والسـرايا التي يرفع فيها اسـم الله، والكفار باقون على عهدهم لإبليس، مسـتمرون في العمى والصمم والبكم .
* حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ الزُّهْرِيَّ أخْبَرَهُ ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْحَزْوَرَةِ فِي سُوقِ مَكَّةَ : وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ مسند أحمد (18418).
ومع بداية العهد الجديد لدين الله في يثرب تظهر على السطح فئتان لم يكن للمسلمين عهد بهما: اليهود والمنافقون. أما المنافقون فهم شكل جديد من أشكال الكفر، هو كفر المداراة والمداهنة، وهو أشد وطأة من الكفر الصراح، وأعنف على المسلمين. فالرسـول - صلى الله عليه وسلم - وصحبه دخلوا يثرب وقد أسـلم جل سـادتها، فصارت مدينة رسول الله عامرة بالتوحيد، مما ألجأ من بقي على الكفر لسلوك طريق ملتوية يَدَّعون الإسلام ويَسْكُن قلوبَهم الضلالُ بكل سـواده وظلمته، فاسـتحقوا أن تفرد لهم آيات بينات تكشـف سـترهم وتفضحهـم إلى يوم الدين.

أما اليهود فشأنهم هو هو: المناورة والكيد والمداهنة والتآمر. شـايعوا منافقي المدينة وناصروهم في الخفاء، وأداروا معهم المؤامرات، وحالفوا كفار مكة لمحاربة الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي قصة إسلام الإمام الحَبْر عبد الله بن سلام - رضي الله عنه - دليل على كذبهم وتعنتهم*. وشأنهم محير، وسلوكهم كان بين هؤلاء وهؤلاء: منهم من بقي على شـركه وعقيدته الفاسـدة، فلا أسـلم، ولا نافق، ومنهم من سـلك سـبيل منافقي المدينة، فأظهر الإسـلام وأبطن الشـرك. وكان من سـوء طباعهم نقض العهود؛ فقد عقد معهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وثيقةً تقر الحرية الدينية، وتساوي بين المسـلمين واليهود في الحقوق والواجبات، وتضمن استقلالهم الاقتصادي، وتلزمهم بالدفاع عن المدينة إلى جانب المسلمين. وقد جمعهم نقض العهود في سلة واحدة، مما اضطر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يعاقبهم كل حسب جرمه:
* في البخاري من طريق عبد العزيز عن أنس، قال: فلما جاء النبي ﷺ جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنك رسول الله وأنك جئت بحق، وقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم فادعهم فسلهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا فيَّ ما ليس فيَّ. فأرسل نبي الله ﷺ إلى اليهود فدخلوا عليه، فقال لهم: "يا معشر اليهود ويلكم، اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقاً وأني جئتكم بحق فأسلموا". قالوا:ما نعلمه. قالوا ذلك للنبي ﷺ قالها ثلاث مرار. قال: "فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟" قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا. قال: "أفرأيتم إن أسلم؟" قالوا: حاش لله ما كان ليسلم. قال: "يا ابن سلام اخرج عليهم" فخرج فقال: يا معشر يهود اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بالحق. فقالوا: كذبت، فأخرجهم رسول الله ﷺ. هذا لفظه.
وفي رواية: فلما خرج عليهم شهد شهادة الحق. قالوا: شَرُّنَا وابن شَرِّنَا، وتنقصوه فقال: يا رسول الله هذا الذي كنت أخاف.

البداية والنهاية لابن كثير، ج3، في إسلام عبد الله بن سلام.
1) فأما بنو قينقاع فقصة حادثة اعتدائهم في محل الصائغ على امرأة مسلمة معروفة، فكانت عقوبتهم الإجلاء عن المدينة.*
* روى ابن هشام عن أبي عون أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته بسوق بني قينقاع وجلست إلى صائغ فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها - وهي غافلة - فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع.

ابن هشام : ج2، ص47.
2) وأما بنو النضير فثبت عنهم محاولة قتل الرسول بعد غزوة أحد*، فأجلوا كذلك.
* مجلة مداد الآداب، العدد الثالث عشر، ص309.
3) وأما بنو قريظة فقد انضموا إلى المشركين يوم الخندق في حرب المسلمين، فاستحقت الخيانة العظمى قصاصاً حكم به سعد بن معاذ*.
* عن أبي سعيد الخدري: "نَزَلَ أهْلُ قُرَيْظَةَ علَى حُكْمِ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ، فأرْسَلَ النبيُّ إلى سَعْدٍ فأتَى علَى حِمَارٍ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ المَسْجِدِ قَالَ لِلْأَنْصَارِ: قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ، أوْ خَيْرِكُمْ. فَقَالَ: هَؤُلَاءِ نَزَلُوا علَى حُكْمِكَ. فَقَالَ: تَقْتُلُ مُقَاتِلَتَهُمْ، وتَسْبِي ذَرَارِيَّهُمْ، قَالَ: قَضَيْتَ بحُكْمِ اللَّهِ ورُبَّما قَالَ: بحُكْمِ المَلِكِ".
رواه الشيخان: البخاري (4121)، واللفظ له، ومسلم (1768).
والله تبارك وتعالى إذ قال عن الكافرين الذين أمعنوا في الضلال (لَا يُؤۡمِنُونَ) أتبعها ببيان أنهم لما ازدادوا بعداً عنه، وصاروا يفسدون في الأرض ويحاربون عباده ويوالون شياطين الإنس والجن، طمس بأفعالهم على قلوبهم وأخرسهم وأصمهم وأعمى أبصارهم، وإن كانوا أحياء يرون ويسمعون ويتكلمون، لكنهم لم يسـتغلوا نعـم الله فيما جُبلت عليه، ولو أحسـنوا اسـتخدامها لوصلوا إلى الهدى، ولكانت هذه النعـم الربانيـة أدوات تعينهم على الصلاح في الدنيا، والفوز برضى الله في الآخرة، لذلك استحقوا عذاباً عظيماً.







 
رد مع اقتباس
قديم 25-11-2022, 02:03 PM   رقم المشاركة : 163
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة متصل الآن

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

المدخـــل






المنافقون:


(وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ ٨يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخۡدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٩فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ ١٠وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ ١١أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ ١٢ وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُۗ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعۡلَمُونَ ١٣ وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ١٤ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١٥ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ١٦ مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ لَّا يُبۡصِرُونَ ١٧صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ١٨أَوۡ كَصَيِّبٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٞ وَرَعۡدٞ وَبَرۡقٞ يَجۡعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِۚ وَٱللَّهُ مُحِيطُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩ يَكَادُ ٱلۡبَرۡقُ يَخۡطَفُ أَبۡصَٰرَهُمۡۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوۡاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظۡلَمَ عَلَيۡهِمۡ قَامُواْۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٠)

بدأت الآيات التي ذكرت المتقين بعرض صورة النفس الصافية المستقيمة. ثم صورت الآيتان اللتان ذكر فيهما الكفار النفس المعتمة السادرة في غيها، ثم احتاجت النفس الملتوية المريضة المخادعة إلى مزيد من اللمسات لكشف سماتها الغامضة وخطوطها المشتبكة. وقد جاء ذكر الكافرين باللفظ الصريح: (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا)، لكن المنافقين لم يأت ذكرهم في هذه الآيات صريحاً، بل قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ)، وهذا ملمح يشير إلى خفائهم وتسترهم ومراوغتهم، فحمل اللفظ سلوكهم بالتلميح دون التصريح. ومن العلماء من يقسم المنافقين إلى عتاة ممعنين في النفاق، مثل ابن أبي وهذه الآيات تفصل سلوكهم، وآخرين أقل خطراً مكانهم في فئة الكفار المذكورين في الآيتين السابقتين. وهذا الرأي يرده إطلاق حكم الله على المنافقين كل المنافقين (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) النساء145، دون تقسيم أو تخصيص.
الآيات من أول السورة تقسم الناس إلى ثلاث فئات: مؤمنين وكافرين ومنافقين. هذا تقسيم اعتباري. غير ان التقسيم الحقيقي هو أنهم فئتان: مؤمنون وكافرون، والمنافقون جزء من الكافرين، لذلك لهم من صفات الكفار المذكورين في الآيتين نصيب .غير انهم لشدة كفرهم وخطرهم استحقوا أن تضاف لهم أنصبة من الغي والضلال أكثر، فيخصون بالذكر في ثلاث عشرة آية. وبمعنى آخر: عرضت السورة من اتصف بالإيمان البسيط، ثم من اتصف بالكفر البسيط، ثم من اتصف بالدين المركب من إيمان ظاهر وكفر باطن.


الآيات التي أسهبت في ذكر المنافقين لا تنحصر في سبب النزول. إنها لم تكن في نفر من أساطين المنافقين سواء كانوا من منافقي المشركين أو اليهود فحسب، بل هي أعم من ذلك وأوسع. إن أولئك النفر من رواد النفاق أتوا في زمن محدد وانقرضوا خلال بضع عشرات من السنين، وليس من المعقول أن ينزل فيهم وحدهم قرآن يتلى طالما كان على الأرض مسلمون. إنها آيات تصف المنافقين على شتى أشكالهم وفي كل عصر.

جاء المولى جل وعلا بذكر هذا الفرع المخصوص من الكافرين، وتوسع في وصفه وعرض جهله وفساده وغيه وبين عاقبة أمره. إن المنافق جامع للكذب، والجبن، والمكيدة، وأفنَ الرأي، والعته، وسوءَ السلوك، والطمَع، وإضاعَة العمر، وفوات الخير، وزوالَ الثقة، وعداوةَ الأصحاب. أما الكذب ففي ادعائه الإيمان (قَالُوٓاْ ءَامَنَّا) برغم أنهم قالوا لناصحيهم قَبْلُ: (أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ). وأما الجبن فلأنه جبن من إظهار عقيدته الفاسدة، وأظهر للناس عكس ما يبطن. وأما المكيدة فلأنه عجز عن مواجهة المجتمع المسلم لجأ للاستقواء بالمشركين ليعينهم على الإضرار بالمسلمين. وأما أَفَن الرأي فلأنه لم يحسن اختيار حلفائه ومناصريه، وهو يرى شأن الإسلام يعظم، وكان حرياً به لو كان راجح العقل لناصر القوة المتنامية للمؤمنين بلسانه وقلبه. وعتهه لضعف عقله وسفهه حين ظن أنه يمكنه محاربة الله في عباده. وأما سوء السلوك فلأنَّه أخفى صفاته المذمومة وأظهر ما يرى أنه يخدع فيه الناس، فلما صارت هذه عادته تنامت فيه صفاته السيئة وتمكنت منه حتى أضاعت عليه كل خير .وأما الطمع فلأن دافعه الأول للنفاق كان إعفاءه من دفع الجزية، أو رغبته في حصة من الغنائم، أو فوزه وأهله بحظوة عند المؤمنين. وأما إضاعة العمر فلأنه صرف وقته وجهده إلى نصْبِ الحيل لإخفاء نفاقه، والكيد للمؤمنين، فأضاع على نفسه فرصة الرجوع إلى الحق، أو الأمل في ثواب الآخرة .وأما زوال الثقة فلأنه صار في موقع شك حينما نزلت آيات بينات تكشف الملامح النفسية والسلوكية للمنافقين .وأما عداوة الأصحاب فلأنه مع استمرار إعراضه أمام من ينصحونه بأن يؤمن كما آمن الناس إذا كان الناصحون من المسلمين، يفقدهم إذ يولونه ظهورهم حين يفقدون الأمل فيه.






 
رد مع اقتباس
قديم 26-11-2022, 03:56 PM   رقم المشاركة : 164
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة متصل الآن

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

المدخـــل






المنافقون:


والمنافقون كأضرابهم من الكفار عطلوا حواسهم، فاستحقوا أن يوصفوا بالصمم والبكم والعمى: (وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنۡعِقُ بِمَا لَا يَسۡمَعُ إِلَّا دُعَآءٗ وَنِدَآءٗۚ صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ 171) البقرة، (فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ 46) الحج، وهم فئات متعددة:

فئة تحسد المسلمين على ما نالوا من حظوة منذ نزلوا يثرب، يرأسهم رأس النفاق عبد الله بن أبي الذي قال فيه سعد بن عبادة لرسول الله : "يا رَسولَ اللَّهِ، اعْفُ عنْه واصْفَحْ، فَلقَدْ أعْطَاكَ اللَّهُ ما أعْطَاكَ، ولَقَدِ اجْتَمع أهْلُ هذِه البَحْرَةِ علَى أنْ يُتَوِّجُوهُ فيُعَصِّبُوهُ، فَلَمَّا رَدَّ ذلكَ بالحَقِّ الذي أعْطَاكَ شَرِقَ بذلكَ، فَذلكَ الذي فَعَلَ به ما رَأَيْتَ*".
* في حديث طويل رواه الشيخان، واللفظ هنا للبخاري، من رواية أسامة بن زيد.

وفئة أخرى هم اليهود وهم أهل مكر وخديعة يكيدون لكل نبي، حتى إن أنبياءهم لم يسلموا منهم. وبالرغم من أنهم كانوا يعلمون باقتراب خروج نبي آخر الزمان، ويهددون أهل يثرب به: "قد تقارب زمان نبي يبعث الآن فنقتلكم معه قتل عاد وإرم" (فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ 89) البقرة. ثم إن يهود المدينة انقسموا إلى ثلاث فرق: فرقة انشرح قلبها للإيمان، مثل عبد الله بن سلام، وفرقة بقت على شركها، وهم أكثر اليهود، وفرقة نافقت، مثل عبد الله بن سبأ الذي ينسب إليه إشعال فتنة عثمان، وتأسيس فكر التشيع.*
* السبئية من الرافضة ينسبون إلى عبد الله بن سبأ وكان أول من كفر من الرافضة وقال على رب العالمين فأحرقه علي وأصحابه بالنار.
المعارف لابن قتيبة، ص 622.

وفئة ثالثة هي الأعراب، وقد نافقوا تقليداً لمنافقي المدينة، دون سبب منطقي يدعوهم إلى معارضة الرسول وصحبه. لذلك قال فيهم المولى جل وعلا: (ٱلۡأَعۡرَابُ أَشَدُّ كُفۡرٗا وَنِفَاقٗا وَأَجۡدَرُ أَلَّا يَعۡلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦۗ) التوبة 97.

ومن المفسرين من أورد لسلمان الفارسي في تفسير: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) قوله: ما جاء هؤلاء بعد. وقيل: يحتمل أن سلمان أراد بهذا أن الذين يأتون بهذه الصفة أعظم فسادا من الذين كانوا في زمان النبي ، لا أنه عنى أنه لم يمض ممن تلك صفته أحد*.
* تفسير الطبري، ج1.
والتاريخ يزخر بالذين أفسدوا في الأرض بدعوى الإصلاح. ومن هؤلاء المفسدين تلك الحركات الباطنية التي ابتليت بها المجتمعات الإسلامية عبر العصور. هذه الحركات التي ظهرت للتلبيس على المسلمين وإضعاف عقائدهم عن طريق تخفيف التكاليف، أو إباحة المحرمات، أو نشر الخرافات والمنكرات. وهم أخطر على المسلمين من الكفار، إذ أن عداوة الكافر للمسلم واضحة، وكيده ظاهر متوقع، بينما أولئك يتزيون بلباس أهل الحق في الوقت الذي يعادون فيه الدين القويم والعقيدة الصحيحة .
ومنذ تولى عبد الله بن سبأ كِبَرَ الإفساد لدين الله، توالت الحركات الخبيثة في نفث السم والنفخ في نار الفتنة، فخرجت الإسماعيلية والعلوية والقرامطة والدرزية والنصيرية وغلاة الصوفية والبهائية، واجتهد الاستعمار الغربي في نشرها وإذكاء نيرانها في المجتمعات الإسلامية، فانخدع بها كثيرون من العامة انتموا إليها فعلا شأنها وازداد انتشارها. وقد كان من علماء الإسلام من أدرك خطر هذه الحركات الهدامة، فتصدوا لها بتفنيد عقائدها الشاذة، والتحذير منها.

والمنافقون مثلما يدعون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، يدعون الإصلاح بينما الإفساد هو حقيقة حالهم. إن معيار الصلاح هو الالتزام بمنهج الله لأنه هو الخالق، وهو لذلك أدرى بخلقه، وهم خالفوا منهج الله. إن كل مَنْ يحاول أن يُغيِّر من منهج الله أو يبطله مفسد، لذلك قال فيهم: (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِنْ لَا يَشْعُرُونَ)، بل إنهم يتهمون المؤمنين بالسفه: (قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ) وفي الحقيقة هم يناقضون أنفسهم. فإذا كان المؤمنون سفهاء، فلمّ تدعون أنتم الإيمان؟ فإذا كان هذا هو رأيكم بالمؤمنين فهو اتهام لكم أنتم أيضاً. هذه هي السفاهة بعينها. لذلك برأ الله المؤمنين من السفاهة وطبع بها هؤلاء الجاهلين: (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِنْ لَا يَعْلَمُونَ).

وفي هذا التصوير البديع لحركة المنافقين بين الادعاء والتظاهر العلني بما يخالف ما في القلوب في: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوٓاْ ءَامَنَّا) ثم في لقائهم بشياطينهم في الخفاء بعيداً عن أعين المؤمنين ليكشفوا عن حقيقة ما في قلوبهم من سواد وظلمة: (وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ). هذا التصوير الرباني لعلنية الإيمان وخفاء أحابيل الشيطان يفضح الباطل وأهله، ويعلي من شأن الإيمان وأهله .المنافق يستتر باعوجاجه بالرغم من أنه يشي بما في دخيلة نفسه، ويجاهر بكلمة الحق ولا تجاوز لسانه. لذلك فإن الله يعامله بما يناسب خبثه في التناقض بين ما يظهر وما يبطن، فيجعله في موضع سخرية في الدنيا والآخرة: يمده في طغيانه، فيزداد نفاقه وتتضاعف ذنوبه، وهو حين ينافق ويبذل كل وسعه ألا يكشف المؤمنون أمره، يُظهر الله دخيلة قلبه لرسوله والمؤمنين بصفات وعلامات يُعرف بها، ويحار الكافرون والمشركون في معاملته في العلن خشية فضح أمره، ثم يكون جزاؤه في الآخرة الخزي والثبور على رؤوس الأشهاد. كان جزاؤه على قدر جنايته، إذ اختار أن يبيع سلعة الجنة، ليشتري بها دنيا زائلة بجاه ومال يزول عنه حين يوسد في القبر، فإذا لقي الله لم يجد أثراً لكلمات قالها لسانه ولم يشعر بها قلبه، ووُضع الضلال في ميزانه ليسحب إلى جهنم. وقتها يدرك أنه خسر كل شيء، يومها: (وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا 27) الفرقان.






 
رد مع اقتباس
قديم 27-11-2022, 11:33 AM   رقم المشاركة : 165
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة متصل الآن

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

المدخـــل






الوحدانية:


(يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ٢١ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٢)

قد افتتح هذه السورة بذكر كتابه الحكيم، وكونه حقاً لا ريب فيه، وذكر أصناف البشر تجاهه، وبَيّن أنّ هؤلاء متفاوتون، منهم المستعدّ للإخلاص في الإيمان، ومن فقد الاستعداد له، أو من هم الميؤوس من إيمانهم، أو من ناور وأظهر غير ما يخفي من كراهية للدين، ورفضاً نفسياً لقبوله. ورغم كل ذلك وجه الخطاب لهم جميعاً بعد هذا التمهيد، بهذه الآية، وأربع آيات بعدها، مصرّحات بدعوة جميع الناس إلى دين الله تعالى الحقّ، ببيان أُصوله وأُسسه وهي:

1) توحيد الألوهيّة بعبادة الله تعالى وحده، مع ملاحظة توحيد الربوبيّة.
2) القرآن، آيته الكبرى ودينه التفصيليّ.
3) نبوّة محمد - صلى الله عليه وسلم - المرسل بهذا القرآن.
4) الجزاء في الآخرة على الكفر وأعماله بالنار، وعلى الإيمان وأعماله بالجنّة.
وكأن هذه الآيات انعكاسٌ لمجمل آيات افتتاحية السورة، ففيها عرض لمضمون: (ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ 2 ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ 3 وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ 4).

ثم إنه - تعالى - توجه لكل الناس بالأمر بعبادته، وهذا أول أمر في القرآن بحسب ترتيب المصحف، وقد جاء ذلك مع اسم "الرب"، وذلك أن الرب هو المدبر الرازق المحيي المميت ، فهو الذي يسـتحق أن يُعبد دونما سواه، ولهذا يقال: بأن توحيد العبادة جامع بين توحيد الإلهية، وتوحيد الربوبية؛ فالإله المعبود، يعبد لأنه هو الخالق الباريء المصور، القابض الباسط، النافع الضار، المعز المذل. فإذا كان هو ذلك كله، وأكثر؛ فلزم أن يكون هو المعبود وحده.

ولا يفوتنا ذكر أن سبب إضافة ضمير المخاطبين إلى الرب زيادة في الدلالة على الوحدانية، فمن القوم من كانت لهم أرباب متعددة؛ فجاء بالإضافة لبيان أنه هو وحده المستحق بالانتساب إليه، ثم تلا ذلك ببيان موجب العبادة: (ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ)، فجمع بين الربوبية والإلهية.
وأما حقيقة العبادة، فتقدم ذكرها في: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)، وأما الخلق، فهو إما التقدير والتسوية، ومثاله قوله تعالى: (أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ) المؤمنون 14، وقوله: (وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً) العنكبوت 17، أي تقدرون كذباً، وقوله: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطّينِ) المائدة 110، أي: تقدر. وأما الشعر فقول زهير:
ولَأَنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْـ ..... ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي
يريد: تقدير الأديم قبل قطعه، والقطع هو الفري.

وإما الإيجاد والإنشاء على غير مثال ولا احتذاء، فهو ما يختص به الله وحده.
إن الله - تعالى اسمه - ذكر ههنا خمسـة أنواع من الدلائل على وجوده: اثنين من الأنفس وثلاثة من الآفاق، وبدأ بالأقرب فالأبعد، ثم جمع بين طرفي الآفاق ليعود بنظر الإنسان إلى ما تحت قدميه: (وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ)، وكأنه - جل وعلا - يعرض علينا دائرة الخلق بدءاً بالنفس، وعودة إلى ما يحييها، مروراً بالآفاق. إن هذا النهج المنطقي البديع نراه واضحاً على هذا النحو في الآيات من سورة الغاشية: (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَيۡفَ خُلِقَتۡ 17 وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ رُفِعَتۡ 18 وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ كَيۡفَ نُصِبَتۡ 19 وَإِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَيۡفَ سُطِحَتۡ 20)، وقالوا: إنَّ الحكمة في تخصيص هذه الأشياء بالذكر، أن القرآن نزل على العرب وكانوا يسافرون كثيراً في الأودية والبراري منفردين عن الناس، والإِنسان إِذا ابتعد عن المدينة أقبل على التفكر، فأول ما يقع بصره على البعير الذي يركبه، والسماء التي فوق رأسه، والجبل الذي تجاهه، والأرض التي تحته. وإنَّ المشـهد الكلي يضم خطين رأسيين: الإبل والجبال، وخطين أفقيين: السماء والأرض. والآيات تنقل النظر من خط رأسي، إلى خط أفقي، فرأسي، فأفقي، في حركة دائرية، بمشهد نقل صورة كاملة من أمام الإنسان إلى تحت قدميه، مروراً بالأفق الرحب في الجبال وما فوقها.

ومعنى (خَلَقَكُمْ): أَوجدكم وأنشأكم من العدم، كما قال تعالى: (هَلۡ أَتَىٰ عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ حِينٞ مِّنَ ٱلدَّهۡرِ لَمۡ يَكُن شَيۡ‍ٔٗا مَّذۡكُورًا 1) الإنسان، أي: قد أتى، وقال: (وَقَدۡ خَلَقۡتُكَ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ تَكُ شَيۡ‍ٔٗا 9) مريم، وقيل: الخلق هو الإبداع بتقدير، فتضمن تقدير الخلق في العلم قبل تكوينه. ويستعمل الخلق في الإنشاء والإبداع. وقوله تعالى: (ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) يشـير إلى أن العبادة إنما يتوجه بها لمن خلق الخلق جميعاً. وإذا ثبت عندهم خلقهم، وهو ما لم يقل بغيره مشرك، فالمشركون يقرون بأن الله خالقهم، لكنهم يعبدون معه غيره اسـتكثاراً عليه - حاشاه - أن يدبر الملكوت وحده دون وكلاء يسيرون معه حركة العوالم، وينوبون عنه بالرزق والمنع، والرضا والسخط، فقالوا: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) الزمر 3. وقد رد الله عليهم بالخلق: (أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) الأعراف191. وإذا ثبت عندهم خلقهم، وجب أن يعلموا أن من خلقهم خلق من قبلهم، وليعلموا أن الذى أمات من قبلهم - وهو خلقهم - يميتهم، وليفكروا فيمن مضى قبلهم كيف كانوا، وعلى أي الأمور مضوا من إهلاك من هلك، وليعلموا أنهم يبتلون كما ابتلوا. ويتضمن قوله تعالى: (وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) نفي أن يكون بعض من قبلهم آلهة تُعبد من دون الله؛ لأنَّ أصلَ الشركِ - فيما يروى - أنَّ أول الأصنام التي عُبِدت على الأرض: وَدًّا وَسُوَاعًا وَيَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا، كانت لأشخاص صالحين، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا أراد أتباعهم تصويرهم ليذكروهم بعبادة الله، ثم بعد زمن نزغ الشيطان فيمن جاء من بعدهم ليعبدوهم. ومن الغريب أن يؤمن بعض جهال المسلمين بقدرات بعض الصالحين بعد موتهم، فيتمسحون بقبورهم، ويخصصون لهم النذور، ويلقون إليهم بالرسائل طلباً للرزق أو دفعاً لضر. والحقيقة الساطعة أن الكل مخلوق لله، لا ينفع ولا يضر في حياته إلا بإذن الله، فإذا مات انقطع عمله، وانزوت نفسه في طيات الغيب لا تحيا إلا بأمر العزيز الحكيم يوم يأمر بالنشور.






 
رد مع اقتباس
قديم 28-11-2022, 01:30 PM   رقم المشاركة : 166
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة متصل الآن

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

المدخـــل






الوحدانية:


ولا يخفى على كل ذي عقل أن أدلة وجود الله كثيرة جداً؛ فكل شيء في عالم الشهادة يدل على وجود الله - سبحانه وتعالى - وما من شيء إلا وهو أثر من آثار قدرته - سبحانه - وما ثم في الملكوت إلا خالق ومخلوق، والخالق - بلا ريب - هو نفسه الرب لكل شيء، يقول تعالى: (قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) الأنعام 164،
ومن أوضح الأدلة على وجود الله وأيسـرها فهماً، دليل النظام والإبداع لأنه يعتمد على ملاحظة: (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) النمل88، إذ أن دليل النظام يقوم على أساس مشـاهدة الآثار والآيات الإلهية في الوجود، وملاحظة الانسـجام والتناسـب القائم بين مخلوقات هذا العالم، والاهتداء إلى وجود الله - تعالى - عن طريق مشاهدة هذا النظام الدقيق البديع السـائد في عالم الشهادة .إنَّ ما نشاهده على هذا النظام البديع الذي لا يمكن أن يضطرب ولا يتصادم ولا يسـقط بعضه بعضًا، بل هو في غاية ما يكون من النظام:
(لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ) يس40، فهل يعقل أن هذا الوجود العظيم بهذا النظام البديع يكون خالقًا لنفسه؟.

وهناك عشرات الآيات القرآنية التي تهدي إلى وجود الله بدليل النظام فقد قال تعالى: (إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنكُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ 164) البقرة. وهذه الآية مشتملة على ست آيات كونية كل آية برهان ساطع ودليل قاطع على وجود الله وقدرته وعلمه وحكمته، وهي كلها موجبة لعبادته وحده دون من سواه:
1) خلق السموات الأرض، وهو خلق عظيم لا يتأتى إلا للقادر الذي لا يعجزه شيء.
2) تعاقب الليل والنهار مع الطول والقصر والاعتدال على مدار العام وبحسب الفصول والموقع.
3) جريان السفن في البحر على ضخامتها وكبرها وهي تحمل مئات الأطنان من الأرزاق وما ينتفع به الناس في حياتهم.
4) إنزاله - تعالى - المطر من السماء لحياة الأرض بالنباتات والزروع بعد جدبها وموتها.
5) تصريف الرياح حارة وباردة ملقحة وغير ملقحة، شرقية وغربية وشمالية وجنوبية بحسب حاجة الناس وما تطلبه حياتهم.
6) السـحاب المسـخر بين السـماء والأرض تكوينه وسـوقه من بلد إلى آخر ليمطر هنا ولا يمطر هناك حسب إرادة العزيز الحكيم.
ففي هذه الآيات الست أكبر برهان وأقوى دليل على وجود الله تعالى وعلمه وقدرته وحكمته ورحمته، وهو لذلك رب العالمين وإله الأولين والآخرين ولا رب غيره، ولا إله سواه إلا أن الذي يجد هذه الأدلة ويراها ماثلة في الآيات المذكورة هو العاقل، أما من لا عقل له؛ لأنه عطل عقله فلم يستعمله في التفكير والفهم والإدراك، واستعمل بدل العقل الهوى فإنه أعمى لا يبصر شيئاَ وأصم لا يسمع شيئاً، وأحمق لا يعقل شيئاً. والآية هنا: (ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ) تجمل ما فُصِّل هناك. ألا ترى تسوية الأرض ببسطها لتكون فراشاً تسهل المعيشة عليه، ورفع بناء السماء دون عمد ترونها، وفي إبداع السموات في ارتفاعها واتساعها، وما فيها من نظام بديع وأفلاك وكواكب ومجرّات، وإنزال الغيث منها ليكون الأنهار والجداول والبحار، ولتروى الزروع رزقاً للعباد. والأرض في انخفاضها وكثافتها وصلاحيتها للحياة، وما فيها من جبال وبحار وأنهار، وزروع ونبات وأشجار مثمرة وغير مثمرة، ومعادن وثروات؟ إنها كلها دالة على وجود الله وكمال قدرته وعظمته ووحدانيته، وحري بكل ذي عقل تام ناضج أن يدرك الأشياء بحقائقها، وألا يكون كالصم البكم الذين لا يعقلون.
والآيات القرآنية المتعرضة لبيان آثار اللّه - تعالى - في عالم الخلق إن كانت تهدف إلى إثبات وجود الخالق، فهي في الحقيقة إنّما تعتمد على دليل النظم، فإذا كانت ورقة من أوراق الشجرة، أو ذرة من ذرات العالم، دليلاً على حكمة اللّه - تعالى - وبرهاناً على إرادته، فهي من باب أولى دليل على وجوده إذ الوجود مقدّم على الصفات، فما دلّ على الصفات فهو بالأحرى دال على الوجود .






 
رد مع اقتباس
قديم 29-11-2022, 01:05 PM   رقم المشاركة : 167
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة متصل الآن

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

المدخـــل






الوحدانية:


ويمكن توضيح دليل النظام الدال على وجود الله من خلال الخطوات التالية:

أوّلاً: الصياغة المنطقية:
على مقدمتين: مقدمة حسية، وهي أن هذا العالم منظم، ومقدمة عقلية، وهي أن كل منظَّم يحتاج إلى منظِّم.

ثانياً: مفهوم النظام :
مفهوم النظام من المفاهيم الواضحة في ذهن الإنسان، ومن خصائص النظام أنه يتحقق بين أمور مختلفة سواء كانت أجزاء لمركب، أو أفراداً من ماهية واحدة، أو ماهيات مختلفة. فهناك ترابط وتناسـق بين الأجزاء، أو توازن وانسجام بين الأفراد يؤدي إلى هدف وغاية مخصوصة، هي وجود الشيء على ما هو عليه من النظام الهادف.

ثالثاً: كيفيّة الاستدلال بالنظام :
يتألّف دليل النظام من المقدمتين:
وإثبات المقدمة الأولى (هذا العالم منظَّم) إمّا بالمشاهدة الحسيّة الظاهرية وإمّا بفضل الأدوات والطرق العلميّة التجريبية. ومن هنا فإن للعلوم الطبيعية دور واسع في هذا الدليل. وفيما يلي إشارات سـريعة على بعض النماذج النظامية:

- المنظومة الشمسية: إنّ من أهم ما يلفت النظر في المنظومة الشمسيّة هو المسافات الدقيقة التي تفصل الشمس عن الكواكب التابعة لها. والحركات المنتظمة لهذه الشمس والكواكب وما يتولد عن ذلك، أو يترتب عليه من الأحوال اللازمة كالفصول والليل والنهار وما شابه ذلك.
- عالم النبات: إنّ النظر إلى النباتات يهدينا إلى أنّ هذا النوع من الكائنات عالم عجيب تحكمه المعادلات الدقيقة ونجد من عجيب التركيب هذه الأمور والأسرار العجيبة في عالم النباتات إلى ظهور علوم مختلفة مثل علوم تركيب النبات وشكله، وعملية التخليق الضوئي و.. إلخ.
- خلق الإنسان :لو قلنا بأنّ الإنسان من أعجب الكائنات وأكثرها إثارة للدهشة لم نكن في ذلك مبالغين، وذلك لأننا نجد في هذا الكائن كل ما تفرق في المخلوقات مضافاً إلى أجهزة معقّدة أخرى. ومن الأجهزة المعقّدة التي تثير الدهشة لكثرة ما فيها من عجائب وأسرار وأنظمة وقوانين: عالم الخلايا، جهاز الهضم، جهاز الدورة الدموية، جهاز التنفس، جهاز المخّ، ولعلّ أكثر أقسام الجسم البشري تعقيداً ونظاماً هو "المخ" باعتباره مركز القيادة والأعصاب التي هي وسيلة اتصال المخ بالجسم وبالعكس .
وعليه، فإن المقدمة الأولى في دليل النظام ثابتة بالمشاهدة الحسيّة الظاهرية، أو من خلال الأدوات والطرق العلميّة التجريبية. ولهذا ذكرنا في خصائص هذا النوع من الأدلة أنها تستند إلى مقدمات حسيّة تجريبية.
وإثبات المقدمة الثانية (كل منظَّم يحتاج إلى منظِّم): إنّ العقل بعدما لاحظ النظام وما يقوم عليه من دقة وروعة في التقدير والتوازن والانسجام، يحكم بالبداهة بأن أمراً هكذا شأنه يمتنع صدوره إلا عن فاعل قادر عليم ذي إرادة وقصد، ويستحيل أن يتحقق ذلك صدفة وتبعاً لحركات فوضوية للمادة العمياء الصمّاء، فإنّ تصوّر مفهوم النظام، وأنه ملازم للحساب الدقيق والعلم، يكفي في التصديق بأن النظام لا ينفك عن وجود منظِّم عالِم أوجده، وحُكم العقل بذلك من البديهيات .

وعليه فإن وجود النظام في الكون والحياة لا بد أن يكشف عن وجود المنظّم ، وذلك بمقتضى حساب الاحتمالات الذي يرفض اعتبار الصدفة سبباً لوجود النظام في عالم الشهادة، فالشخص الأمي إذا أراد أن يكتب مقالة بسيطة أو شعراً بمجرد الضغط عشوائياً على مفاتيح الآلة الكاتبة بصورة عفوية وتصادفية، فإن ذلك بحساب الاحتمالات يستغرق بلايين السنين بحيث لا يكفي حتى عمر الأرض لإنجاز ذلك. هذا إذا تصورنا ما تحتاجه مجرد مقالة بسيطة لتظهر صدفة فكيف بهذا العالم الرحب والواسع والمعقد في تكوينه تعقيداً بالغاً ؟!

وإن المقدمة الثانية في دليل النظام عقلية بديهية لا تحتاج إلى الدليل والبيان، وهي ترتكز في صميمها إلى قانون العليّة الثابت بحكم العقل البديهي.
والنتيجة: بما أن العالم منظَّم بحسب المشاهدات الحسية والوقائع التجريبية، وبما أن كل منظَّـم يحتاج إلى منظِّـم بالبداهـة العقلية، إذاً فالعالم يحتاج إلى الخالـق المنظِّـم، وبذلك يثبت المطلوب وهو وجود الله سبحانه وتعالى .
ولتتأمل إنك إذا نظرت إلى السماء وجدت فيها نظاماً كونياً عظيماً، بحيث لو اختلّ هذا النظام لحظة واحدة لتحطمت الأجرام السماوية ولاصطدمت بعضها ببعض. والهواء الذي نستنشقه فيه من النظام ما لو زادت نسبة الأوكسجين فيه أو نقصت لهلك البشر، كما أن الماء الذي نشربه لو اختلفت مركّباته لما وجد، وهكذا في كل شيء تجده في هذا العالم سواء كان في السماء أو في الأرض. وحتّى هذا الإنسان الذي يجري على سطح الارض إذا طالعت تشريح عينه أو أنفه أو أذنه، أو جهازه الهضمي أو الدوري، لوجدت نظاماً رائعاً عجيباً. وكذلك الأمر في النبات والأنعام، وتسيير المحيطات والبحار والأنهار، وتوزيعها، وما فيها من أحياء. أفلا يدل هذا النظام على وجود خالق منظّم ؟! ويُضرب مثل لنفي الفوضى والعشوائية التي يدعيها الملحدون، إذا وجدت ساعة يد ساعة ملقاة فى صحراء، محكمة الصنع، لها عقرب للساعات وآخر للدقائق وثالث للثواني، ولها مفتاح لملئها إذا فرغت، وتروس ومحركات وقطع دقيقة تؤدى كل منها وظيفة، ولها غطاء لوقايتها يفتح ويغلق حسب الحاجة، وأنها تعمل دون تأخير أو تقديم منذ سنوات لا تعد، فهل يعقل أن يقول عاقل بأن الساعة أوجدت نفسها؟! أو أنها تكونت بالصدفة من قطع مهملة في الصحراء، تجمعت من تلقاء نفسها؟!. وأي ساعة اضبط من الشمس تلك الساعة العظمى المحكمة التي تحدد الزمن بدقة ، وقد صار لها ملايين السنين، دون خلل أو ملل. وقريب من هذا الاستدلال ما روي عن قول أبي حنيفة لبعض الزنادقة المنكرين للخالق: "ما تقولون في رجلٍ يقولُ لكم: رأيتُ سفينةً مشحونةً بالأحمالِ، مملوءةً من الأنفال، قد احتوشتها في لُجَّةِ البحرِ أمواجٌ متلاطمة، ورياحٌ مختلفة، وهي مِنْ بينها تجري مستويةً، ليس لها ملاّحٌ يجريها، ولا متعهِّدٌ يدفعُها، هل يجوزُ ذلك في العقل؟ قالوا: هـذا شيءٌ لا يقبلُه العقلُ. فقال أبو حنيفة: يا سبحان الله! إذا لم يجزْ في العقلِ سفينةٌ تجري في البحرِ مستويةً من غيرِ متعهِّدٍ ولا مُجْرٍ، فكيف يجوزُ قيامُ هـذه الدنيا على اختلافِ أحوالها، وتغيُّرِ أعمالها، وسَعَةِ أطرافها، وتباين أكنافها، من غير صانعٍ ولا حافظٍ؟!". هذا القانون الذي سلّمت به العقول، وانقادت له، هو الذي تشير إليه الآية الكريمة: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) الطور 35، وهو دليلٌ يرغمُ العقلاءَ على التسليم بأنَّ هناك خالقاً معبوداً، إلاّ أنَّ الآيةَ صاغته صياغةً بليغةً مؤثّرةً، فلا تكادُ الآية تمسُّ السمعَ حتى تزلزلَ النفسَ وتهزَّها.






 
رد مع اقتباس
قديم 01-12-2022, 01:43 PM   رقم المشاركة : 168
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة متصل الآن

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

المدخـــل






الوحدانية:


ومما يجدر ذكره أنه لا دين أقدم من دين عبدة الأوثان، وذلك لأن أقدم الأنبياء الذين نقل إلينا تاريخهم هو نوح - عليه السلام - وهو إنما جاء بالرد عليهم على ما أخبر الله - تعالى - عن قومه في قوله: (وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ ءالِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً) نوح 23، فعلمنا أن هذه المقالة كانت موجودة قبل نوح، وهي باقية إلى الآن بل أكثر أهل العالم مستمرون على هذه المقالة. والدين والمذهب الذي هذا شأنه يستحيل أن يكون بحيث يعرف فسـاده بالضرورة، لكن العلم بأن هذا الحجر المنحوت في هذه الساعة ليس هو الذي خلقني وخلق السـموات والأرض علم ضروري فيسـتحيل إطباق الجمع العظيم عليه، فوجب أن يكون لعبدة الأوثان غرض آخر سـوى ذلك. والعلماء ذكروا فيه وجوهاً:
1) يقال أن كثيراً من أهل الصين والهند كانوا يقولون بالله وملائكته ويعتقدون أن الله -تعالى - جسم وذو صورة كأحسن ما يكون من الصور، وهكذا حال الملائكة أيضاً في صورهم الحسنة، وأنهم كلهم قد احتجبوا عنا بالسماء وأن الواجب عليهم أن يصوغوا تماثيل أنيقة المنظر حسنة الرواء على الهيئة التي كانوا يعتقدونها من صور الإله والملائكة، فيعكفون على عبادتها قاصدين طلب الزلفى إلى الله تعالى وملائكته؛ فيكون السبب في عبادة الأوثان اعتقاد الشبه.
2) ما ذكره أكثر العلماء وهو أن الناس رأوا تغيرات أحوال هذا العالم مربوطة بتغيرات أحوال النجوم والكواكب. ثم إنهم رصدوا أحوال سـائر أجرام السماء فاعتقدوا ارتباط السعادة والنحوسة في الدنيا بكيفية وقوعها في طوالع الناس، فلما اعتقدوا ذلك بالغوا في تعظيمها، فمنهم من اعتقد أنها أشياء واجبة الوجود لذواتها وهي التي خلقت هذه العوالم، ومنهم من اعتقد أنها مخلوقة للإله الأكبر لكنها خالقة لهذا العالم. وفريق رأى أنها هي الوسائط بين الله - تعالى - وبين البشر، فلا جرم اشتغلوا بعبادتها والخضوع لها، ثم لما رأوا الكواكب مستترة في أكثر الأوقات عن الأبصار اتخذوا لها أصناماً وأقبلوا على عبادتها قاصدين بتلك العبادات تلك الأجرام العالية، ومتقربين إلى أشباحها الغائبة، ثم لما طالت المدة ألغوا ذكر الكواكب وتجردوا لعبادة تلك التماثيل، فهؤلاء في الحقيقة عبدة الكواكب.
3) أن أصحاب الأحكام كانوا يعينون أوقاتاً في السـنين المتطاولة نحو الألف والألفين ويزعمون أن من اتخذ طلسماً في ذلك الوقت على وجه خاص فإنه ينتفع به في أحوال مخصوصة نحو السـعادة والخصب ودفع الآفات وكانوا إذا اتخذوا ذلك الطلسم عظموه لاعتقادهم أنهم ينتفعون به فلما بالغوا في ذلك التعظيم صار ذلك كالعبادة ولما طالت مدة ذلك الفعل نسـوا مبدأ الأمر واشـتغلوا بعبادتها على الجهالة بأصل الأمر.
4) أنه متى مات منهم رجل كبير يعتقدون فيه أنه مجاب الدعوة ومقبول الشفاعة عند الله - تعالى - اتخذوا صنماً على صورته يعبدونه على اعتقاد أن ذلك الإنسان يكون شـفيعاً لهم يوم القيامة عند الله - تعالى - على ما أخبر الله تعالى عنهم بهذه المقالة في قوله: (هَـؤُلاء شُفَعَـٰؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ) يونس18.
5) لعلهم اتخذوها محاريب لصلواتهم وطاعاتهم ويسجدون إليها لا لها كما أنا نسجد إلى القبلة لا للقبلة ولما اسـتمرت هذه الحالة ظن الجهال من القوم أنه يجب عبادتها.
6) لعلهم كانوا من المجسـمة فاعتقدوا جواز حلول الرب فيها فعبدوها على هذا التأويل،
فهذه هي الوجوه التي يمكن حمل هذه المقالة عليها حتى ليصير بحيث يعلم بطلانه بضرورة العقل.

وصور العبادة تختلف عند الأمم اختلافاً عظيماً، وأعلاها عند المسـلمين: الأركان الخمسة والدعاء. وقالوا: كلّ عمل غير محظـور تحسـن فيه النيّة لله - عز وجل - فهو عبادة، كأنّ المعنى الذي يجعل جميع الأعمال عبادة: هو التوجّه إلى الله - تعالى - وحده وابتغاء مرضاته. ولها عند أهل الكتاب صور أخرى، والمؤوّلون يخصّون هذه الصور بالله - تعالى - وإذا ابتدعوا صورة فيها معنى العبادة يسـمّونها باسـم آخر يسـتحلّونها، بل يسـتحبّونها به، ولكنّهم لا يخرجون بالتسـمية أو التأويل عن حيّز مَنْ يتخذ من دون الله أنداداً، كما ذكر الله عنهم في قوله: (ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ) التوبة 31، ولم يكن منهم سـوى التوسّـل بهم، والأخذ في الدين بقولهم تقليداً لهم بدون فهم لما جاء على لسـان الوحي. إن اتخاذ الكهنة أرباباً من دون الله قد لا يعني عبادتهم، بل الانصياع لهم، والأخذ بأقوالهم مهما خالف شرع الله. والعرب كانت تسمّي ذلك الخضوع والصمود عبادة، إذْ لم يكن عندهم وحيٌ ينهاهم عن عبادة غير الله فيتحاموا هذا اللفظ "العبادة"، ويسـتبدلوا به لفظ التعظيم أو التوسّـل مثلاً، تأويلاً لظاهر نصّ التنزيل. والمعنى في:(فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا)، أي: لا تثبتوا لله أنداداً تجعلونها جعلاً وهي ليست أنداداً. وسماها أنداداً تعريضاً بزعمهم لأن حال العرب في عبادتهم لها كحال من يسـوي بين الله وبينها، وإن كان أهل الجاهلية يقولون: إن الآلهة شـفعاء ويقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله، وجعلوا الله خالق الآلهة فقالوا في التلبية «لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك» لكنهم لما عبدوها ونسوا بعبادتها والسـعي إليها والنذور عندها وإقامة المواسـم حولها عبادة الله، أصبح عملهم عمل من يعتقد التسوية بينها وبين الله - تعالى - لأن العبرة بالفعل لا بالقول. وفي ذلك معنى من التعريض بهم ورميهم باضطراب الحال ومناقضة الأقوال للأفعال. وفرّق بين الاتّخاذ بالفعل والتسمية بالقول، والجميع متّفقون على أنّه لا خالق إلاّ الله؛ وإنّما كانوا يُسـمّون دعاءهم غير الله والتقرّب إليه: توسّلاً واستشفاعاً، ويسـمّون تشريعهم لهم العبادات وتحليلهم لهم المنكرات وتحريمهم عليهم بعض الطيّبات: فقهاً واستنباطاً من التوراة. إلاّ أنّ من النصارى مَنْ لا يتحامون التصريح بتأليه المسيح وعبادة السيّدة مريم وبعض القدّيسين اسـتعمالاً للّفظ في مدلوله اللغويّ.






 
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 

اشترك في مجموعة أقلام البريدية
البريد الإلكتروني:
الساعة الآن 01:23 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط