الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديات الحوارية العامة > منتدى الأدب العام والنقاشات وروائع المنقول

منتدى الأدب العام والنقاشات وروائع المنقول هنا نتحاور في مجالات الأدب ونستضيف مقالاتكم الأدبية، كما نعاود معكم غرس أزاهير الأدباء على اختلاف نتاجهم و عصورهم و أعراقهم .

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 06-09-2009, 04:16 AM   رقم المشاركة : 37
معلومات العضو
د. حسين علي محمد
أقلامي
 
إحصائية العضو







د. حسين علي محمد غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: حوارات في الأدب والثقافة

(35) الأدب النسائي بين التدليل الإعلامي..ورفض النقد

الشاروني : هناك خصوصية تعبر عنها إبداعات حواء

حوار: د. زينب العسال
..........................

منذ وجد مصطلح الأدب النسائي سبيله إلي حياتنا الثقافية وجد حفاوة إعلامية تمثلت في المقالات الكثيرة التي تناقش أبعاد الأدب النسائي وكاتباته وفنياته والمنطلق الذي يصدر عنه والجمهور الذي يتجه إليه وفي المقابل فقد كان لغالبية الاراء النقدية اتجاهاتها التي تذهب في مجموعها إلي ان الأدب لا يصنف فالأدب هو الأدب باعتباره تعبيرا عن الإنسان سواء كان رجلا أم امرأة.
قال يوسف الشاروني ليس هناك رفض نقدي وبالعكس فهناك أكثر من كتاب في الأدب النسائي ما كتبته سوسن ناجي ورسالتا زينب العسال سواء في الماجستير أو الدكتوراه ولدي كتاب سيصدر قريبا في هيئة الكتاب بعنوان "حفيدات شهرزاد" وهو كتاب نقدي في القصة القصيرة والرواية من أول جيل لطيفة الزيات وجاذبية صدقي وصوفي عبدالله وإحسان كمال وفوزية مهران إلي عزة بدر وسامية الساعاتي من الذي قال ان هناك عدم اهتمام من الجانبين النقاد الرجال والناقدات النساء ورغم اعتقادي ان الأدب هو الأدب سواء كتبته المرأة أو الرجل فثمة خصوصية تعبر عنها المرأة وكان شكسبير يكتب عن مشاعر المرأة كما كان يكتب عن مشاعر الرجل وقد تخيل الرجل أمورا تعيشها المرأة أو تعانيها لكن قدرة المرأة كانت فائقة في تصوير هذه المشاعر بالإضافة إلي ان المرأة الكاتبة الآن عددها أكبر من عدد الرجال الذين كتبوا عن المرأة ولعل الموقف النقدي من كتابة المرأة واهتمامه بهذا الإبداع. يرجع إلي ان المرأة جديدة في العمل الروائي بخلاف الرجل وقد كتبت شخصيا عن كل ما وصلني من إبداعات المرأة أثار لدي الحاسة التذوقية فكتبت عنه.
علاقات عامة
والنقد في تقدير د.أحمد إبراهيم الفقيه- هو تأمل وهو إصدار الاحكام بعد التداول ووضع الحيثيات وكان غياب المرأة لقرون طويلة وما ذكرته الكتب التراثية مثل الخنساء وولادة بنت المستكفي أو حتي مي زيادة.. كان استثناء وفرقا كبيرا ان تكون كتابة المرأة استثناء وبين ان تكون جزءا من سياق عام مثل هذا الغياب الطويل هو الذي جعل الترحيب الإعلامي بكل ما تكتبه المرأة الآن كذلك فإن المرأة تتمتع بمهارة عالية بالنسبة للعلاقات العامة ويستجاب لها أكثر مما يستجاب للرجال هناك معاملة لطيفة للسيدة أو الفتاة.
هذا الرأي جاءني عفو الخاطر لكن عندما يأتي حكم الناقد ويتناول كتابة المرأة فهو يضع خطوطا تحت الكلمات ويستخلص الدلالات والمعاني ويستخدم أساليب ونظريات في تناول هذا الإبداع ويصنع أوجه التمايز والاختلاف بين ما يكتبه الرجل وما تكتبه المرأة بالإضافة إلي معيار التطور في هذه الكتابة كل هذا لابد ان يرصده الناقد عند الاشتغال علي أدب المرأة فلا يعني ان المرأة بدأت الكتابة انها كتابة متطورة أو مغايرة نعم هناك كتابات نسائية تعبر كل ما هو مكتوب هذا الأمر موجود في العالم كله ولم يكن لدينا فقط في العالم العربي فالمرأة في العالم بدأت الكتابة متأخرة بقرون عن إبداع الرجل حتي لو اعتبرنا نوبل معيارا للكتابة الجيدة فالمرأة لم تنل الجائزة إلا بعد مرور عشر سنوات من حصول الرجل عليها.
ويذهب د.رمضان بسطاويسي إلي ان ظاهرة الأدب النسائي بها طابع سياسي ثقافي أدبي اقتصادي يحتاج إلي مستوي معين من النقد وكذلك مستوي معرفي وخصوصا ما بعد الحداثة والكثير من أدوات النقد التقليدية لا تصمد أمام هذه النصوص الجديدة التي كتبتها المرأة لأن هذه الكتابة كشفت عن مساحات واسعة من الوعي المغاير لما هو سائد في المجتمع ما يسمي رفض نقدي هو عدم قدرة علي التعامل مع هذه الكتابة لأن النقد يعكس مستويات الإدراك والقدرة علي التغيير في الحركة السياسية والاجتماعية للمجتمعات فهو يمثل حركية الواقع نحو التطور أو التراجع لكن النقد الآن يقوم علي منظومة استهلاكية أو تجارب معينة ويروج لها وبالتالي يحتفي بكتابة تعلي من قيم معينة الإعلام يجد في الأدب النسائي ثقافة مضادة للثقافة الذكورية ومن ثم كان هذا الاهتمام الإعلامي هذا الإعلام هو الذي يصنع الحدث ومن ثم فهو يتناوله بسطحية سواء عن طريق الهجوم أو الدفاع عنه فلا يغوص إلي أعماق الأدب النسائي ويكشف عن المسكوت عنه في الحياة اليومية ويشير إلي المقموع في حركة المجتمع وهناك فضائيات كثيرة تكتفي بالنواحي الاستعراضية وتقدم مجموعة من الأسماء المحددة وتجعلها في حالة تصادم مع وجهات النظر التي يتبناها المجتمع الأدب النسائي أدب عميق وهادف ويجب ألا يتناول بخفة وألا يتحول إلي طبيعة مستهلكة يوميا وبخاصة ان هناك فيضانا من الكلام الاستعراضي المسطح وهذا فيه خطورة علي الإبداع النسائي علي النقد ان يكشف عما وراء هذه الكتابة النسائية عن الثقافة والاختلاف الإنسان الرجل في داخله أنثوية وكل امرأة في داخلها جزء من الرجل والأدب النسائي له رؤية في الحياة في جدليتها بين الرجل والمرأة الأدب النسائي تجاوز كتب التاريخ والجغرافيا وأصبح رؤية متسعة الوجود وقدرة علي استيعاب الآخر وتقديم رؤية نظرية جديرة بالبحث والكشف عن آلياتها.
ولا يختلف أحد -كما يقول الروائي محمد قطب- علي ان الأدب الذي يتناول خصائص المرأة ودورها في الحياة علي مستوي الأسرة والوطن وعلاقتها بما هو ثابت أو متحرك في المجتمع لا يختلف أحد علي ان هذا الأدب له مردوده علي المستوي العام وعلي القارئ في المجتمع العربي فيما تتناول المرأة قضاياها الخاصة لابد ان نتوقف أمام هذه الأعمال لأنها أكثر صدقا وتصويرا لما تعانيه المرأة لكن الأدب الجيد -في اعتقادي- هو ذلك الذي يسبر غور الكاتب سواء كان رجلا أم امرأة وبطبيعة الحال فإن قدرة الكاتبة علي التعبير عن ذاتها وقضاياها تتفوق علي ما يكتبه الرجل في هذا المجال والحق اننا درجنا في الآونة الأخيرة علي استخدام هذا المصطلح وهذه الكتابة فيما لا يفيد المرأة ولا قضاياها ولا نفيد الأدب النسائي علي وجه الخصوص والأدب بشكل عام حيث شاب هذا الأدب أمور تشكل جرأة علي الدين وعلي القيم وسلوكيات المجتمع ومن ثم يتلقف الإعلام هذه الأعمال ويروج لها رغم انها لا تحقق أي عائد حقيقي لا علي مستوي الكاتب ولا علي مستوي المجتمع.
والواقع انه لا يحق لي -كمبدع- ان أقول ان هناك أدبا رجاليا وأدبا نسائيا إنما الأدب هو الأدب والقضايا المثارة هي التي لها الأولوية ويجب ألا نروج إعلاميا لبعض الكتابات الصادمة لذائقة المجتمع وقيمه.
واحتفاء وسائل الإعلام بأدب النساء -علي حد تعبير د.مدحت الجيار- لأنه جزء من الأدب العام والنقد الأدبي لا يقف ضد الإبداع النسائي بل علي العكس يشجعه فليست هناك رواية أو قصة أو قصيدة كتبتها امرأة أو فتاة إلا ووجدنا ناقدا يرعاها وبالتالي فليس النقد ضد هذا الأدب بل يتابعه ويدفعه إلي الأمام لقد ظلمت المرأة في فترات طويلة وابتعدت عن الإبداع وتركت مكانها للرجل وانحسرت الأضواء عنها بالتالي لكن حين دخلت المرأة -بأعداد كبيرة- إلي الكتابة بشكل عام كان لابد من إظهار هذا الدخول المكثف وقد تميزت فيه بعض الكاتبات بميزات لم تكن متوافرة من قبل.
.........................................
*المساء ـ في 15/8/2009م.







 
رد مع اقتباس
قديم 25-11-2009, 04:03 PM   رقم المشاركة : 38
معلومات العضو
د. حسين علي محمد
أقلامي
 
إحصائية العضو







د. حسين علي محمد غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: حوارات في الأدب والثقافة

(36) حواران مع الدكتور أحمد زلط:
الموهبة وحدها لا تصنع مبدعاً

حاوره: أ.د. حسين علي محمد

أدب الطفل في أدب اللغات العالمية من تخصصات الأدب الدقيقة والمتجددة، وقد شهد القرن الأخير اهتماما متزايداً من الدول والمبدعين بغية تحقيق الأهداف الإنسانية المرجوة من ذلك الفرع الأدبي الحيوي من فروع شجرة الأدب الكبرى. وفي الأدب العربي ظهرت كواكب لا يُستهان بها من المُسهمين في دفع مسيرة ذلك اللون الأدبي، وقد برز اسم الدكتور أحمد زلط (المولود عام 1952) كأول أكاديمي عربي تخصص في أدبيات الطفولة من كليات الآداب، وقد أصدر عدداً من الكتب في هذا المجال الخصب، منها: "أدب الطفولة: أصوله، مفاهيمه، رواده" (أربع طبعات)، و"أدب الأطفال بين أحمد شوقي وعثمان جلال"، و"أدب الطفولة بين كامل كيلاني ومحمد الهراوي"، و"الطفولة والأمية"، و"رواد أدب الطفل العربي"، و"أدب الطفل العربي: دراسة في التأصيل والتحليل"، و"الخطاب الأدبي للطفولة" .. وغيرها، وقد انتهى مؤخراً من إعداد أول قاموس مصطلحي لأدب الطفل العربي (في فنونه، وتربيته، وأدبه، وثقافته) .. وقد حاورته حوارين عن تجربته الإبداعية قاصا، وتجربته النقدية في أدب الطفل:
1-الأديب(1):
*ما القضايا التي تؤرقك كأديب؟ وهل انعكس ذلك على إبداعاتك ؟
-من المؤكد أن بؤرة اهتمامات الأديب تتركز بداية حول ذاته قبل أن تؤرقه قضايا الآخر أو هموم المجتمع وتطلعاته؛ فالكتابات الأولى للأديب لا تكون محملة في مجملها بالقضايا المحفزة للإبداع أو الإنجاز، وإنما تجمع بين الفعل الإبداعي المعلن عن موهبة المبدع وبين الأنا المتمايزة في ذاتيتها للمبدع في ذاته. وعندما ينغمس الأديب مع الآخر تتبدّى الخبرات والمواقف والعوالم التي لا مناص منها .. هنا تؤرق الأديب بعض قضايا المجتمع، فينفعل بها، ويختزنها، وتظل تؤرقه إلى بدء عملية الشروع في التعبير الإبداعي.
وتجربتي الخاصة مع ما يؤرقني أجدها لخطة استشعاري أوجه الظلم أو القبح في شتى صنوف الأفعال الشريرة للبشر، وعلى وجه الخصوص الأنموذج الناهب، بكل ما يحمل هذا الأنموذج من فساد وإفساد. وكان من المنطقي في ظل تلكم الرؤية أن أرسم بقلمي صوراً مغايرةً تهدف إلى الإصلاح .. إصلاح الفرد في سياق المجتمع ككل، ومنه يشتم في قصصي الرؤية الأخلاقية المبررة بالفن مع اعترافي أن قصص البدايات لديَّ غَلَّبت الطابع الأخلاقي على حساب مصلحة الفن، وبتمرس الكتابة والوعي بأدوات أدب القص عقدت مزاوجة بينهما .. إذن فرؤاي تنبعث من منطلق أخلاقي وحضاري يطرق الواقع في وعي وإحساس اجتماعيين .. والأحداث والشخصيات والأماكن والأفكار في قصصي صدى لكل ذلك، ولعل مجموعتي القصصية الثانية "المستحيل" أكثر فنية حول ذلكم المفهوم.
*ما أهم سمات أبناء جيلك ؟ وهل أنتم تتميزون عن الجيل السابق؟
-سمات أبناء جيل السبعينيات شائكة بمنجزاتها وانكساراتها، فالسمات غير فارقة بسبب التشرذم والشتات، وتغليب قضايا "الأدباء" على قضايا "الأدب" ، وانقطاع التواصل الحقيقي بين الأجيال بسبب "الأنا الضيقة" تارة، وسيادة أصحاب الصوت العالي في وسائط الثقافة والإعلام تارة ثانية. لكن تبقى بعض السمات الواضحة في نتاج بعض أدباء السبعينيات، من مثل: محاولة الجمع بين القديم والجديد، والمغامرة والتجريب في الأنواع، وقراءة المدارس أو المذاهب المعاصرة في أدب اللغات الإنسانية .. وغيرها.
أما السلبيات فتبدو في انسحاب بعض الأصوات الأصيلة الجادة من الساحة، واستغراق الحداثيين التام في الأنموذج الحداثي مع العداء للتراث، وطغيان الغموض، أو الوقوع في براثن الأساطير الغريبة عنا، والتطاول على الرموز المقدسة … وغيرها.
إنني مؤمن بإمكان إعادة دراسة ظاهرة الإبداع في الربع قرن الأخير بمنهج محايد يرصد الذخائر في أعماق البحر، بمثل ما يكشف الزبد الذي يُغطّي سطحه المضطرب واللاهث. إن جيلي لا يمكن أن يتمايز عما سبقه إذا استمرأ الحداثة لذاتها، وهي فكرة تنفي تواصل أي إسهام لمنظومة الأجيال في الإبداع الخلاق.
*ألاحظ انشغالك بقضايا النقد. ألا يجني ذلك على عملك كقاص؟ ثم ما مبررات انشغالك بالنقد؟
-اعترف بطغيان انشغالي بالنقد الأدبي على حساب الإبداع القصصي، وبخاصة من ناحية "الكم"، والواقع أريد إلقاء معاذيري هنا بهدف إيجاد تفسير أو دفاع مُعلَّل لذلك.
اكتشفت بعد سن الأربعين أنني لست أحد رموز أدب القص، بينما عرفتني الحلقات الأدبية ناقداً أكثر من كوني مبدعاً في الأساس، فتوفرت على الإبداع النقدي في توجه جمالي يفيد من إبداعية الأدب ونظريات العلوم الإنسانية، وربما كان في مخيلتي ـ دون قصد ـ تحول "النقاد الكبار" من الإبداع إلى النقد، أمثال الأساتذة الدكاترة: عبد القادر القط، ويوسف خليف، ومحمد زكي العشماوي … وغيرهم. فهل أنتظم لأحاول اللحاق بأول أثر لخطاهم الباقية؟
ربما كانت تربيتي في الطفولة تربية ناقدة تطلق العنان لحرية التعبير بالرأي من وراء اتجاهي ـ فيما بعد للنقد. ومن العوامل التي يمكن إضافتها تعضيد جماعة "أصوات معاصرة" لقلمي الناقد من ناحية، ومحاولات في بعض الدوريات لكتابة المقالات الناقدة من ناحية أخرى .. ناهيك عن دور (صالون د. صابر عبد الدايم) في تقديمي المتواصل لجمهور رواده كناقد.
.. لقد تضافرت مثل تلك العوامل، وعملت جميعها مع استغراقي المطوّل في منهج أساتذتي بالدراسات العليا، ومحاولة التعرف على الدور الحقيقي للنقد بدراسة مناهجه ومذاهبه وأعلامه، ومن ثم فقد حاولت المزاوجة بين الاتجاه الأكاديمي والاتجاه الصحافي في أسلوبي لنقد الأعمال الإبداعية .. في ضوء ذلك تراكمت المقالات الأدبية، وتزايدت المؤلفات النقدية بينما تقلّصت القصص. تلك جناية الصحافة والتخصص الأكاديمي في الالتفات إلى النقد دون الإبداع القصصي.
إن المبررات التي طرحتها قد تتغير في القادم من الأيام، وإن كنت أشك في تغليب أدب القص على النقد ذلك لمثيرات، منها أني أشعر بفرحة الكتابة، وبوعي بريقها، وسبر أغوارها عندما أتأمل نصوص الآخر، خصوصا أن فن القصة القصيرة في النثر يظل كالشعر المسرحي في الشعر، يظل في ذيل قائمة الفنون المجمّعة، والتي تلتقط الأدب الروائي في الأعمال التمثيلية في معظم الأحوال، وإن لم تكن كل الأحوال.
إن فن "السيناريو" يتجه للرواية أو القصة الطويلة، ولا أظن أن للقصة القصيرة نصيباً في ذلك، أضف لذلك متطلبات أنهر الصحف للقصة القصيرة جدا، أو قبول الكتابة حسب الطلب! ويبقي القول إنني أبوح بين الحين والآخر بتجربة قصصية خصوصاً إذا كنت في حالة حفز إبداعي أو حالة تأزم مع الآخر، وهي قليلة في الأعم الأغلب.
*ما رأيك في مقولة "نحن جيل بلا أساتذة" التي طرحها القاص محمد حافظ رجب في الستينيات؟
-لا أوافق الكاتب على تلك المقولة لأنها تحمل الشكوى ومرارة الانكسار والتشاؤم، كما يبدو في ظاهرها بعض المغالطات؛ لأن من يعمل في حقل الكلمة له أساتذته ممن قرأ لهم وعنهم، ومن الإنصاف القول إن الأديب يتكون مخزونه الثقافي من رصيد قراءاته، ولأن الموهبة وحدها لا تصنع أديبا مبدعا، فأدواته وتشكيل رؤاه، ونمو محصوله اللغوي مرهونة بالتأثر بمن يقرأ لهم من الأساتذة، و"كم" ما يقرأ، حتى لو لم يلتق بهؤلاء الأساتذة في الواقع.
أما إذا كان مقصد القاص الكبير محمد حافظ رجب من مقولته تلك: الشكوى من عدم متابعة النقاد لنتاج الأجيال المعاصرة، فإن المناخ الثقافي عامة والنقدي خاصة يشهد العديد من الأمراض التي تؤثر بالسلب على مسار الحركة الأدبية والنقدية، وهذا يعني أن ينحت كل جيل أو كل عقد من العقود نقاده، لأن هذا مطلب ضروري، ولكن مع ذلك سيظل تأثير الشيوخ والأساتذة يعمل جيلا بعد جيل، وإن توهم البعض عدم المتابعة بالإهمال، فقد يكون حرصا على سدِّ ذرائع الهالوك أو البعد عن الضجيج من ناحية، وتناوُل الشهد المصفّى في مراحل لاحقة من ناحية أخرى.
*ما رأيك في المطبوعات الأدبية (الماستر) التي يصدرها بعض أبناء جيلك مثل "عالم القصة"، و"أمواج"، و"فاروس" و"أصوات معاصرة" وغيرها؟
-مثلت مطبوعات التصوير الضوئي (الماستر) مرحلة أو فترة من حياة أدباء السبعينيات، كانت صرخة ودليل احتجاج في وجه منافذ النشر الرسمية، وأرى في التجربة بعض النجاحات الجزئية أو الحل المؤقت لإبلاغ الأصوات المحتجبة إلى قاعدة الجمهور القارئ مهما كانت محدودة! لكنني أرى وجوب تطوير شكل الطباعة مثلما طوّر الأدباء تجاربهم، واستوى عودهم، ورسخت أصوات بعضهم.
وليت دراسات تاريخ الأدب المعاصر تتناول بالتأريخ وتحليل المحتوى مثل تلك الإصدارات. إن تكريس دور مثل تلك الإصدارات يجب أن يستمر مع التجويد الطباعي والفني، ومراعاة نبذ التكرار .. وألمح في الثوب الجديد من "أصوات معاصرة" صورة لما يجب التأكيد عليه شكلا ومضمونا .. وبالتالي تتسع القاعدة، وتثبت الظاهرة بما ينشأ حولها من دراسات ورؤى ومراجعات واقتراحات.
*هل تعتقد أن الظروف الأدبية ملائمة لأن تقدم ما تريد تقديمه؟
-على المستوى الوطني أشك في إمكانية أن تتسع دوريات القاهرة العامة والمتخصصة لإسهاماتي أو إسهامات أمثالي ممن ارتبطوا بالأرض في الأقاليم، بينما يُتيح "صندوق البريد" ـ ويناسب ـ الإسهام على المستوى العربي (البحثي والصحافي)؛ فالدار الوطنية للنشر في مصر تحوّلت إلى "هالوك" و"عناكب" و"شبه ملكية لأصحاب الأيديولوجيات المادية، والشلل التي تُسيطر على قنواتها هي ذات الأسماء المتحوِّلة كسلاحف (النينجا)، تمرّر، وتُقدِّم، وتؤخِّر، وتُجيز؛ فالتأشيرات علاقات، والعنوانات التي تصدر تُشير إلى أسوأ ما في المناخ الثقافي من ظواهر سلبية!! لم يبق سوى "الهلال": الأصالة والعصرية والتفرد، وأرى أن المستقبل يحمل على أجنحته تعاظم دور النشر الخاصة مع حركة العلم والأدب في الأقاليم ومراكز الثقافة بها في المحليات، بالإضافة إلى اتساع صوت وصدى "البرنامج الثاني الثقافي"، وهي أوعية جديدة يُمكن إضافتها إلى أدوار دور النشر الكبرى كدار المعارف وهيئة قصور الثقافة المركزية، ودور النشر الخاصة.
إن تجربة أندية الأدب في مدن المملكة العربية السعودية كفيلة بإحداث تغير ثقافي ملحوظ في المناخ الأدبي في مصر لو طُبِّقت في شكلها ومضمونها وغايات أنشطتها وتواصل رسالتها.
إنني، وبطريقة مدروسة، أستطيع نشر نتاجي بعناية دار المعارف ومؤسسات النشر الخاصة دونما تعجل للصدام مع الآخر المسيطر على منافذ الدار الوطنية، وأنهر الصحف أو الدوريات "الملاكي".
*لماذا لم تلجأ إلى المغامرة الأسلوبية كما لجأ بعض معاصريك من أبناء جيلك في مصر والعالم العربي؟ ثم ألا ترى أن مساحة القصص الموباساني تتقلص الآن؟
-المغامرة الأسلوبية تحديث في التشكيل اللغوي في العمل الأدبي بما يُثري التجربة، ومع ذلك لا ألجأ إليها عن عمد في قصصي، وإنما تجيء عفوية من مرجعية الذهن، ومحاولة تطويع الأسلوب لفكرة تلاقح الأنواع: الشعر والنثر وفنونهما. الأسلوب عندي لغة حية متجددة، مدعمة بمنجزات وسائط الاتصال الحديثة والمعاصرة، وبقدر تأثري برواد الأسلوبية الأدبية، فالكاتب هو ما يكتب، وهو ثمرة لما يقرأ ويسمع ويرى.
إن تأثير قصص جي دي موباسان في الأدب المعاصر لا يُمكن أن يُحيل الأداء اللغوي للكاتب إلى "صور باهتة"للمحاكاة، فاللغة التي يعبر بها بالأساليب يظل مصدرها أو نبعها الأساس الجهاز اللغوي الدماغي للكاتب ذاته دون غيره، وإن تأثر أو اقتدى بنهج الآخر تبقى العلامات الدالة على كل، مثل الألفاظ المستعملة (القاموس الخاص)، الجمل القصار "التلغرافية"، تيار الوعي اللغوي الداخلي إلخ.
إن تقلص محاكاة موباسان، أو بوتزاتي، أو ألبرتو مورافيا، أو هوجو وغيرهم، يدل على ما ذهبنا إليه من أهمية مقولة سقراط قبل أن تُعرف الأسلوبية: "تحدث .. أعرف من أنت".
*ما مفهومك للخيال والحداثة في الأدب؟
-الخيال في تصوري قدرة أو استعداد ذاتي لدى الفنان، ويتمايز الفنان على رصيفه في طبيعة الخيال ومستواه، وبقدرة قوة التعبير الخيالي نلمح روعة النص الأدبي وعمق تأثيره .. فالخيال في ضوء ذلك رسم للصور. والصورة التي تستغرق النص أو تسري مادتها بين ثناياه. هي صور الخيال في حيويته وتدفقه غير المتعمد من الفنان، بينما تطل الصورة الجزئية الثانوية معجونة بتعمِّد اختيار الفنان ورسمه، فالخيال في جوهره طبع ورقش كذلك. والخيال بالنسبة للقاص اختزان للمدركات الحسية الإنسانية، ثم إعادة تقديمها في قالب السرد التصويري أو في جملة الأفكار المتخيلة. إنها عملية بنائية في صوغ أدب القص من خلال تنظيم مجموعة من الخبرات الماضية أو الملتقطة من الواقع ذاته، وفي حالة اختيار مفردات الخيال وعناصره يتحول العمل الأدبي إلى توهم. والخيال والتخيل والتوهم والإيهام جميعاً تنتظم عقل المبدع وأحاسيسه: قصديته ورؤاه، خبراته وتحليقاته وموهبته .. بتدفق الصورة المتخيلة ونفاذها، أو بمحدوديتها وجفاف مادتها. تلكم العناصر والأشياء هي التي ترسم للمبدع خياله الفني: الأساس منه والثانوي، بل يتفاوت الخيال في قيمته وفقا لقدرة المبدع على الاتحاد مع عناصر ذلك الخيال.
(يتبع)






 
رد مع اقتباس
قديم 25-11-2009, 04:05 PM   رقم المشاركة : 39
معلومات العضو
د. حسين علي محمد
أقلامي
 
إحصائية العضو







د. حسين علي محمد غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: حوارات في الأدب والثقافة

أما الحداثة في نظري فأراها مشروعة شريطة ألا تنفصل عن أصول الأنواع الأدبية، بل لكل العلوم والفنون التي تُعبِّر عنها. الحداثة التي أعرفها هي التحديث أو التجديد، هي تجريب أو تجاوز لما هو مألوف .. أما إذا كانت الحداثة بدعة في ذاتها أو مطية لدعاتها أو أنصارها بهدف هدم الأسس الباقية من أصل كل شيء، فذلك تعطيل لإرث الفكر البشري وتراكم ثقافاته. فمن غير المعقول أن يروِّج أنصار الحداثة لمفهوم ضيق مؤداه: "الحداثة هي المستقبل، والماضي لا يشغلنا"!!، إن التحديث أو التجديد في سائر الفنون يقوم على المادة الخام، وهي: الثوابت، القواعد .. قواعد الانطلاق للتجربة، والتجاوز كذلك. أشبه بالشجرة التي ينمو حولها بعض النباتات المتطفلة والمتسلقة (أو "الهالوكية") .. لكنها لا تُطاول أو تثمر كالشجرة الأم، فتسقط كما يسقط من الشجرة ذاتها الفروع الهشة أو الأوراق الضعيفة، وجديد اليوم هو الماضي بالنسبة للغة المستقبل وأفكاره.
إن الحداثة تنفي ذاتها إذا ما أسقطت التأمل في الأصول، أو نقدها المعلل لتلك الأصول التي تشتجر معها تحت فوضى الحداثة لا التحديث. هل رأينا ظاهرة العدوى المرضية المنتشرة بين الحداثيين في أدبهم لغة بمثل انتشارها الفج في أدبنا المعاصر ؟! في أدبنا الآن: الغموض المطبق في النص الحداثي، الألاعيب اللغوية وغيرها؟!
إن تجديد الأدب يرتبط بالوقوف عند أدبيات الأدب وتأمل قواعده، ثم الانطلاق للتجريب والتحديث، ولا أظن أن دعاة الحداثة يدركون أنهم يشيدون مفهومهم للحداثة أو نصوصهم المحملة بالظواهر المرضية إلا في عوالم فقدت الإحساس بالجذر .. الأساس، إنهم كمن يبنون "الأدوار المخالفة، أو يزينون مبانيهم التي تنتصب في الهواء دون أساس ثابت يحملها. إنني مع كل جديد متجدد لا يتنكّر للثوابت السديدة الراسخة في القديم .. والجديد في النهاية إسهام وفعل حضاريان.
*ما موقف النقد منك ومن أبناء جيلك؟
-النقد الآن في أدبنا المعاصر هو الانعكاس الصادق لمناخ الحياة الثقافية بعامة، فالإبداع يسير في خط مواز مع النقد والعكس صحيح، توقفت رحى النقد أو تكاد لعوامل كثيرة، وجيل السبعينيات لم يحظ بالدرس النقدي لمتابعة الثراء في بعض تجارب ذلك الجيل، وما تلاه.
نحن بحاجة إلى "غربال" متعدد النوافذ للهضم والفرز. القضاة النقاد مازالوا في أبراجهم الأكاديمية طوعاً وكرهاً، يخشون موجات التطرف الحداثي وفوضويته والغثاء الذي ينسحب على نتاج رموز معروفة من الحداثيين، فينسحب هؤلاء النقاد، تتوارى مؤقتاً كلمة "العلم" لأن الوسائط مشغولة "بالأقدام" أو "الأجسام" البشرية دون عقولها، أيضاً النقد الصحافي وعلله ـ أو إرثه الأيديولوجي ـ لملاك الدوريات .. ولو أضفنا إلى ذلك توقف الأسماء الناقدة الكبيرة عن العطاء بحكم الظروف الصحية وغيرها، لاكتشفنا ما يُعاني منه المبدعون المعاصرون، من إهمال في النقد!
في ضوء ذلك اضطر الأدباء إلى تحقيق مقولة "على كل جيل أن ينحت نقاده"، هنا تحوّل المبدع إلى ناقد أو للدورين معاً .. وحدثت عمليات الإقصاء والإزاحة والتقديم والتأخير والمجاملة في أحيان كثيرة.
هناك أسماء مبدعة في الفنون الأدبية جميعاً بحاجة إلى نقد محايد مهما اختلفت منافذه. إن جيل السبعينيات ظُلِم كثيراً بإهمال متابعة الأصلاء من مبدعيه في الشعر والقصة القصيرة والمسرحية الشعرية وغيرها .. وبالقطع يزداد الأمر خطورة وسوءاً مع أدباء الثمانينيات والتسعينيات.
لقد كان من المأمول أن تتطوّر سلسلة "نقاد الأدب" التي كان يُشرف عليها الراحل النبيل الدكتور علي شلش، لتشمل تكوين مدرسة معاصرة من الأحياء، كان ذلك ثمرة لحوار مطوّل معه، وافق عليه بعد اكتمال التكليفات التي وُجِّهت لتقديم قدامى النقاد الراحلين، والأمل في دوريات "كتابات نقدية" و"علامات" و"فصول" وغيرها بهدف الكشف والتقويم والحكم والإضاءة.
أما عن موقف النقد مني فلا أراني قدّمت شيئاً إبداعيا يستأهل التناول أو الإهمال .. لأن مجموع نتاجاتي إلى زمن كتابة هذا الحوار عبارة عن مجموعتين قصصيتين، واحدة صدرت في طبعتين وهي "وجوه وأحلام"، والثانية تناولها بالدرس النقدي الدكاترة والأساتذة: صابر عبد الدايم، وحسين علي محمد، ومحمد جبريل، وزينب العسال، ومصطفى عبد الشافي(2). في "وجوه وأحلام" ترى بكارة التجربة وطزاجة الفن، مع ذلك نشرت عنها خبريات إعلامية متنوعة، وبخاصة لقاء في البرنامج التليفزيوني ذائع الصيت "أمسية ثقافية".
الأهم أنه بين أبناء جيلي بعض الأسماء التي أهملها النقد، وهي أسماء تملك الموهبة والأداة، فهل يلتفت النقاد إلى ما نشروه في كتب أو فوق أعمدة الصحف؟!

***
2-الناقد(3):
*متى كانت البداية .. بداية اهتمامك بالتخصص في دراسات أدب الطفولة؟ وما العقبات التي قابلتك في هذا الطريق؟
-بدأت من صيف 1983م أهتم بالقراءة البحثية حول أدبيات الطفولة عربيا وعالميا، وكانت ميولي ناحية ذلك الاتجاه تسبق محاذير البحث حول فرع شائك ومُستحدث، بل فرع له صلات وثيقة بالعلوم الإنسانية المعاصرة، مثل التربية وعلم النفس.
ولم تكن بدايات الاهتمام أثناء مرحلة الدراسات العليا سهلة، إذ وقعت بين فريقين أحدهما يدفعني لدراسة بيْنية (بين التاريخ والأدب)، والآخر يوجهني لدراسة الفكر الحضاري، ومنه التربوي لأنطلق من قاعدة أو رؤية حضارية لأدبيات الطفولة، وكانت ميولي مع الاتجاه الثاني مُمثلة في إشراف وتوجيه أساتذة الأدب الكبار الدكاترة: محمد زغلول سلاّم، والطاهر أحمد مكي، ومحمود ذهني، ورشدي طعيمة، ورجاء عيد. واستغرقت مدة الإعداد العلمي نحو عقد من الزمان. وأظن أن بحوثي كانت ثمرة ناضجة لدفعهم لي وتوجيههم إياي. وكان من قبل ومن بعد عون الله لي ومدده الوفير.
*ما رأيك في الدراسات السابقة في أدب الطفل التي مهّدت الطريق أمام الباحثين، وحاولت أن تكتشف آفاقه؟
-أنا من الذين يؤمنون بوحدة العلم وأن تراكم مجهوداته يُضيء الطريق أمام الباحثين، لكن دعني أقل لك إن الدراسات السابقة في ميدان أدب الطفل العربي ـ إلى بداية انشغالي الأكاديمي بها ـ لم تكن سوى بعض البحوث الجزئية في مصر وسورية والعراق ولبنان واليمن، بالإضافة إلى الكتب المستقلة التي أفدت منها، مثل: "في أدب الأطفال" (الذي ظهرت طبعته الأولى بعنوان "الأدب وبناء الإنسان") لأستاذنا الدكتور علي الحديدي، و"أدب الأطفال علم وفن" للأستاذ أحمد نجيب، وآخر الكتب إلى بداية الثمانينيات هو "أدب الأطفال: فنونه ووسائطه" للأستاذ هادي نُعمان الهيتي، وهذه الدراسات السابقة على قلتها، وندرتها كانت المرجع الأساس لعشرات العناوين الأخرى التي بدأت تملأ الساحة في عقدي الثمانينيات والتسعينيات، وأحمد الله تعالى أن جهدي في هذا المجال ـ بعد تكريس التخصص ـ قد أضاف لمجهودهم الثر في المعلومات والوسائط.
وقد ناقشتُ الدراسات السابقة والموازية في كتابي "أدب الطفل العربي: دراسة في التأصيل والتحليل" بحياد وموضوعية، فبينتُ مالها وحدَّدتُ ما عليها.
*كانت إسهامات الروّاد في أدب الطفل (محمد عثمان جلال وأحمد شوقي، وإبراهيم العرب، وعلي فكري، وكامل الكيلاني .. وغيرهم) تخلط الأدب بالعظة والتعليم ـ كان ذلك في المسرح والرواية وأدب الطفل ـ فهل جنى ذلك على أدواتهم الفنية أو قدرتهم على تقديم الإبداع الأدبي المحلق للطفل؟
-أرى أن إكساب الطفل الخبرة التعليمية والعظة والعبرة أحد أهم الوظائف، أو إحدى الغايات المقصودة من أدب الطفل، ولا يُقلل ذلك من شأنه إذا كان مستكملاً أدواته الفنية. والرواد الأوائل أمثال: محمد عثمان جلال، وأحمد شوقي، وإبراهيم العرب، وعلي فكري .. وغيرهم من الأجيال التالية مثل: علي عبد العظيم في الشعر، وبرانق ومحمد فريد أبي حديد والعطار وشاهين في النثر، هم الذين تحمّلوا ـ باقتدار فني ـ إرساء دعائم أدب الطفل: دعوةً نظريةً وتعريباً وترجمةً وتأليفاً، وأزعم أن تغليب النصح والإرشاد ـ أو التعليم في نتاجهم ـ كان سبباً ونتيجةً لحماس دعوتهم، ومحاكاتهم لأدب الغرب، مثلما صنع الرائد رفاعة رافع الطهطاوي في كتابه "النصح المبين في محفوظات البنين"، كما ترك لنا أحمد شوقي جملة من الحكايات الرمزية الخيالية، وكذلك بعض مقطوعات إبراهيم العرب، ومنظومات عبد الله فريج وعلي عبد العظيم. وقد انتهت تلك المسحة الوعظية مع بداية عقد الأربعينيات من القرن الحالي.
ولم يجن هذا الاتجاه التعليمي (أو الوعظي) ـ في رأيي ـ على إبداعهم للصغار (أو الكبار)، بل بقي إبداعهم للطفولة ـ بين آثارهم جميعاً ـ يؤدي وظيفته ودوره في سياق المرحلة الزمنية من القرن، والمرحلة العُمرية للناشئين كذلك.
*كتبت كتاباً عن "روّاد أدب الطفل العربي"، فهل ترى في كتابة الرواد حيوية وقدرة على تجدد العطاء؟ أو بمعنى آخر: هل يفيد منها الطفل اليوم وغداً؟
-الرواد العرب في ميدان أدب الطفل أسهموا بنصيب هائل في معركة التأليف ـ وقبلها الترجمة والتعريب ـ ورصيد هؤلاء الرواد باق في المكتبة العربية للطفل، وفي ذاكرة القارئين، وهو "الأنموذج" أو المثال المنشود في الكتابة المأمولة لبناء الطفل العربي وجدانياً ومعرفيا.
إن إسهامات كامل كيلاني وحدها كافية للرد على تساؤلكم، إذ غطّى بمادة قصصية متفوقة، ووافرة ومتنوعة المراحل العمرية التي يمر بها الطفل، ولم يكتب قصصاً فقط بل كتب شعراً يُنمي اللغة، ويُدرِّب الذائقة.
ولقد آمن هؤلاء الرواد بأهمية علاقة الشكل بالمضمون، فكانت كتبهم متميزة في الإخراج الفني، والحروف الطباعية وشكلها وضبطِها وحجمها، ومادتها المعرفية والوجدانية، ومناسبتها لعُمر المتلقي. وظهور عشرات الطبعات من كتب الرواد إشارة مستمرة ـ بل إنذار ـ لمن يتجاهلون آثارهم الباقية، ويلجأون إلى الأجنبي أو الوافد الغربي لكونه "بضاعة جاهزة".
فليتنا نفيد من تجارب هؤلاء الرواد في كيفية طرح الأفكار والأساليب، وضبطها، ورسمها، وإخراجها، ويجب أن يظل للكتاب دوره، وأن يكون قادراً على منافسة الوسيط العجيب المثير "التلفاز".
*كيف تنظر إلى إنجاز مُعاصرينا في "أدب الطفولة"؟
-إن ما حققه المبدع العربي والباحث العربي في أدب الطفولة في العقدين الأخيرين يعدل نتاج أدب الطفل العربي في القرنين الماضيين.
لقد كان نتاج الرائد كامل كيلاني طوال النصف الأول من القرن العشرين كفيلاً بسدِّ حاجة الطفل العربي على مستوى النتاج القصصي، وتسهم الآن عشرات الأقلام العربية المتميزة والواعدة في بناء شخصية الطفل تأليفاً وبحثاً.
لدينا قاعدة علمية وإبداعية في الجامعات والهيئات المعنية، مثل: مركز بحوث أدب الأطفال بمركز تنمية الكتاب العربي، وإدارة الثقافة والنشر بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ودائرة ثقافة الطفل ببغداد، والمجلس العربي للطفولة والتنمية، والمجلس القومي للطفولة والأمومة، والأقسام والمراكز العلمية بالجامعات والمعاهد. وقبل ربع قرن لم تكن هناك أية قواعد علمية بحثية متخصصة في مجال أدب الطفل! وقد برزت أسماء جديدة في مجال البحث والإبداع، ففي مصر والسعودية على سبيل المثال: أحمد سويلم، وفريد معوض، واحمد زرزور، وحسن شحاتة، وسعد أبو الرضا، وعلوي الصافي، ونعمة حويحي، وحبيب المطيري، ومحمد بن علي الهرفي، وهدى باطويل .. وغيرهم. وهي أسماء بدأت في تكريس جهودها البحثية ـ أو الإبداعية ـ في هذا المجال، وهي كوكبة لها نظائرها في سائر البلاد العربية.
لم يعد أدب الطفل حكراً على أسماء معينة، أو مترجمات عن لغات بذاتها، بل أينع الحقل وأزهر وأثمر، والأهم أن يصل نتاجه إلى أيدي قارئيه.
*في ضوء تجربتك وإسهامك في الميدان، ما مستقبل أدب الطفولة؟
-تجربتي لا تنفصل عن الآخر ـ الباحث أو المتلقي ـ، والرؤية آملة ومُبشرة، لأن الأقلام المبدعة أو الباحثة يتنامى عددها، وتتنافس نحو الأفضل، ولدينا الآن قواعد أكاديمية وتربوية ومعلوماتية خصبة ومتنامية، ولدينا استراتيجية تربوية متكاملة. وكلها منظومات تُعدُّ النشء لمستقبل أفضل على هدى من بناء روحي ومادي متلازمين. وهناك بعض معوِّقات تقف في طريق النهضة المأمولة، منها: الأنانية، والذاتية البغيضة (أقصد أن يحب الشخص ذاته ولا يرى غيرها، مما يجعله يقلل من شأن الآخرين، ويحاول أن يهدم إنجازاتهم)، ومن الأمور السلبية في هذا المجال: تكاثر أمراض التطفل وادّعاء الكتابة البحثية من غير ذوي الاختصاص، بالإضافة إلى قلة لا تؤمن إلا بفرديتها وهيمنتها، فلا تسمح للورود أن تتفتح، فإلى متى يؤخر وخز الأشواك مسيرة أدب الطفل، هذا المجال النبيل الذي أثق يقيناً، أنه سينطلق، ويزهر دائماً رغم المثبِّطات.

([1]) نشر في "المجلة العربية"، العدد (262)، شوال 1419هـ- مارس 1999م، ص50 وما بعدها.
([1]) في ندوة أقيمت في أغسطس 1997م في قصر ثقافة الزقازيق.
([1]) نشر في صحيفة "الجزيرة"، العدد( 8147) الصادر في الأربعاء 18/1/1995م، والعدد (8155) الصادر في الخميس 26/1/1995م.






 
رد مع اقتباس
قديم 25-02-2010, 02:52 PM   رقم المشاركة : 40
معلومات العضو
د. حسين علي محمد
أقلامي
 
إحصائية العضو







د. حسين علي محمد غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: حوارات في الأدب والثقافة

محمد عبد الغني حسن (1907 ـ 1985م)

ـ ولد في المنصورة في 19 من أغسطس سنة 1907م من أبوين من مركز ببا بمحافظة بني سويف.
ـ تخرج في دار العلوم سنة 1932م.
ـ عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
ـ عمل في التدريس ثم مديراً للنشر بوزارة الثقافة.
ـ نشرت قصائده ـ في شبابه ـ في الصفحة الأولى بصحيفة «الأهرام»، حتى لقب بـ «شاعر الأهرام».
ـ نشر مئات القصائد والمقالات في "الثقافة" و"الرسالة" و"الكتاب" و"الأديب" و"الهلال" و"الضاد" و"الثقافة" (د. عبد العزيز الدسوقي) ... وغيرها
ـ توفي سنة 1985م.
ـ صدرت له عدة دواوين منها:
1-من وراء الأفق.
2-ماض من العمر.
3-من وحي النبوة.
4-من نبع الحياة.
5-سائر على الدرب.
*وله ديوان مازال مخطوطاً، وعلمت أن أحد الزملاء في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وهو الدكتور حسن النعمي يعدُّ لنشره.
له العديد من المؤلفات الأدبية، منها:
1-بين السطور.
2-الشعر العربي في المهجر.
3-فن الترجمة في الأدب العربي.
4-جوانب مضيئة من الشعر العربي.
5-مي: أديبة الشرق والعروبة.
6-الفلاح في الأدب العربي.
7-من أمثال العرب.
8-ابن الرومي.
9-بطل السند.
10-تميم بن المعز: الأمير الشاعر.
... وغيرها.
***
مع الشاعر والباحث محمد عبد الغني حسن

حاوره: أ.د. حسين علي محمد

انضمّ أخيراً إلى مجمع الخالدين (مجمع اللغة العربية بمصر) الشاعر الكبير محمد عبد الغني حسن.
وقد ولد محمد عبد الغني حسن بمدينة المنصورة بمصر في 19 من أغسطس سنة 1907م من أبوين من مركز ببا بمحافظة بني سويف. وقد حصل على ليسانس كلية دار العلوم سنة 1932م، وقد كتب في الدراسات الأدبية أكثر من عشرين كتاباً، منها «الشعر العربي في المهجر»، و«جوانب مضيئة في الشعر العربي»، و«فن الترجمة» ... وغيرها.
وله عدة دواوين شعرية، أولها «من وراء الأفق» و آخرها «سائر على الدرب» ..
*كيف يُمثِّل التراث تياراً دافعاً في حركتنا الأدبية؟
-أرجو من القارئ العصري ألا يعد توجيه هذا السؤال من ناحية، ومحاولة الجواب عنه من ناحية أخرى بُعداً عن روح العصر وإغراقاً في «السلفية » التي يؤسفني أن الجيل الحديث قد انصرف عنها، وقطع ما بينه وبينها .. وكأنا يا أخي أصبحنا نعيش على اللحظة الحاضرة، وعلى الساعة التي نحن فيها. وكأن ما بيننا وبين ماضينا قد انبتت أواصره وتقطّعت أسبابه.. فصار جيلنا المسكين منقطعاً عن ماضيه مبتوتاً عن جذوره، وصار كالولد اليتيم الفريد، لا سند له من والدين ولا كيان له من أسرى، ولا مرجع له من أهل. وكيف يعيش مثل هذا اليتيم الحائر الضائع؟
إن من لا ماضيَ له يُحاول أن يخلق له ماضياً يعود إليه، وقد رأينا أمريكا كلها ـ بشمالها وجنوبها ـ وهي حديثة الميلاد، حديثة التاريخ بالنسبة إلى أمم أخرى عريقة الأنساب تُحاول أن تخلق لها ماضيا "مقدسا" من ماضيها القريب الذي لا يتجاوز ثلاثة قرون أو أربعة .. ورأيتُ بعيني في البرازيل كيف يتشبث القوم هناك بكل أثر أو معلم أو بناء لا يزيد عمره على مائة عام، فيقيمون حوله الأسوار، ويجذبون إليه الأنظار، ويُسجلونه على أنه أثر من الآثار. ورأيتُ القوم في شمالي البرازيل يتحدثون أعجب الأحاديث عن كنيسةٍ بلغ عمرها قرابة ثلاثمائة عام، ويعدونها تراثا عالميا وذخراً تاريخيا ثميناً .. فما بالك بتراثنا وآثارنا وهي ترجع إلى عشرات المئات من السنين؟ وما بالك بتراثنا العربي وهو يرجع إلى خمسةَ عشرَ قرنا؟
ألا يُدركك الزهو يا أخي ويغمرك شعور العز وأنت تقرأ قصيدة لامرئ القيس، أو للنابغة الذبياني، أو لعمرو بن كلثوم كما كان يقرؤها هؤلاء القوم منذ أربعة عشر قرنا؟ وتفهم نصوص هذه الأشعار كما كان يفهمها أصحابها وسامعوهم، إلا ما حدث من غرابة بعض الألفاظ التي أضاعها عدم الاستعمال، فإن الاستعمال هو في ذاته تجديد دائم للغة وإحياء مستمر لها.
ونحن لا نتشبّث بالتراث لأنه شيء قديم أو أثر عتيق، ولكننا نطلبه بإلحاح لنصل ما بين ماضينا وحاضرنا فلا ينقطع ذلك الرباط الوثيق الذي يشد أزمان الأمة كلها بعضها إلى بعض. وقد يكون في التراث القديم ما لا يُلائم حضارتنا المُعاصرة، لأنه كان مُناسباً في زمانه، ومُوائماً في أيامه، ومُلائماً لأذواق أهله واحتياجاتهم في عصورهم القديمة. ولكننا نستطيع أن «نحول» هذا التراث إلى مجرى حياتنا المُعاصرة، وأن نجعل منه مـادة ملائمة لزماننا هذا، وأن نبني عليه أسس حضارتنا الحديثة.
ألست ترى معي أن أوربا في عصر نهضتها قد التجأت إلى اللغتين القديمتين: اليونانية واللاتينية، وجعلت منهما سبباً لقيام نهضتها؟ ثم ألم يعلم هؤلاء المتنكرون لتراثهم العربي، أن الثقافة اليونانية واللاتينية كانت هي الأسس في مدارس أوربا وجامعاتها منذ العصور القديمة؟ ولولا روائع اليونان والرومان في الفكر والفلسفة والخطابة والأدب والقصة والتاريخ والرياضة لما بلغت أوربا ذلك المبلغ العظيم الذي وصلت إليها منذ عصر نهضتها.
فأوربا الواعية العاقلة، والغرب المتنبه اليقظ لم يمسك بفأس ليحطم ثقافة اليونان والرومان، ويقول عنها إنها ثقافة عتيقة غير ملائمة، ولكنه أخذ هاتين الثقافتين وأجراهما مجرى حياته المُعاصرة، واستخرج منها مادة صالحة و«خامة» عظيمة لأسباب تقدمه الفكري.
وما أحوجنا نحن إزاء تراثنا العربي إلى نشره وتقبله ونخله وغربلته واستخراج أكثر ما فيه ملاءمة ونفعاً لزماننا الحاضر. ولن يكون ذلك إلا بالنشر العلمي الصحيح لذلك التراث، وتحقيقه على أسلم أسس التحقيق، والإفادة منه في المجالات التي يحتويها.
وأذكر لك على سبيل المثال كتابيْن يُعدَّان من مفاخر التفكير الإسلامي، وكانا ـ ولا يزالان ـ رائديْن في موضوعهما. أما الأول فهو كتاب «السير الكبير» للإمام محمد بن الحسن الشيباني تلميذ الإمام أبي حنيفة وصاحبه، وقد شرحه الفقيه السرخسي فكان الأصل والشرح من معالم الفقه الدولي الذي تزعم أوربا أنها السابقة فيه، مع أن العرب والمسلمين هم أصحاب الفضل الأول فيه.
فهذا الكتاب الثمين جدا يعد مصدراً قديماً إسلاميا للقانون الدولي، ويكفيه ـ حتى أنه بعد عصر الرومان ـ أول كتاب عالمي في الأحكام والقوانين الدولية المتصلة بالحرب والسلم وآداب الجهاد والأمان والعهود ومعاملة الأسرى على أسس من العبقرية الإسلامية والنزعة الإنسانية التي تُميز بها الإسلامُ في تشريعاته ومُعاملاته.
أما الكتاب الثاني فهو كتاب «أدب القضاء» لقاضي القضاة شهاب الدين ابن أبي الدم الحموي الشافعي المتوفى سنة 642 هـ. ويقدم هذا الأثر النفيس للمشرع العربي نموذجاً عاليا رفيعاً في نظام المُرافعات وأصول التقاضي، ونظام الدعاوى ابتداءً من رفع الدعوى، وانتهاءً بصدور الحكم وتنفيذه. وكأن مؤلف هذا الكتاب ـ وهو من رجال القرن السابع الهجري ـ يضع تشريعاً قضائيا لهذا العصر الذي نعيش فيه.
وتحقيق مثل هذه الكتب التراثية ونشرها اليوم هو إحياء للفكر العربي، ووصْلٌ له، وإجراء له إلى مجرى العصر الحديث. فهو ليس اعتزازاً بتحفة قديمة ثمينة، ولكنه انتفاع بها، وتحويل وجه النفع بها إلى جيلنا الحاضر.
ولقد كانت مصر نشطة منذ أكثر من عشرين عاماً إلى إحياء التراث على أسس سليمة، وكان عندها نخبة من المُحققين أمثال الأساتذة: أحمد محمد شاكر، وأحمد زكي العدوي، ومحمود محمد شاكر، ومحمد أبو الفضل إبراهيم، والسيد صقر، وعلي محمد البجاوي.. وغيرهم من أهل الفضل والعلم ممّن يحول المقام بيننا وبين نشر أسمائهم. ولكن بعض البلاد العربية اليوم قد دخل في هذا الميدان فأحسنه. وهنا نذكر بالإعجاب تلك الجهود الرائعة الموفقة التي يقوم بها مجمع اللغة العربية بدمشق في هذا السبيل؛ فمطبوعاته التراثية حافلة، وتمتاز بالتحقيق الجيد، والإخراج الأنيق، والطبع السليم الخالي من الأخطاء والتحريفات.
إن حركة النهضة الأدبية في مصر في القرن الماضي قد قامت على أكتاف حركة إحياء التراث العربي ونشره، وجهود المطبعة الأميرية في هذا المجال لا تُنكَر.
فلما اطلع الناس على كتب التراث التي طُبعت وأُزيح عنها الظلام تفتّحت عيونُهم على روائع من الفكر العربي والأدب العربي تنبّهوا لها، وحاكوها، ومحمود سامي البارودي وعبد الله فكري، والشاعر شهاب الدين، وعلي أبو النصر، ومحمود صفوت الساعاتي، ومحمد عثمان جلال، والشيخ حسن العطّار، والشيخ حسين المرصفي (صاحب «الوسيلة الأدبية » )، وإبراهيم المويلحي، والشيخ علي يوسف .. هم بعضُ نتاج هذه النهضة.
وكذلك الفترة التي أنجبت طه حسين، وأحمد أمين، والعقاد، والبشري، ومصطفى صادق الرافعي، والمازني، وصادق عنبر، وأحمد ضيف، ومحمد عبد المطلب، وأحمد الإسكندري، وعلام سلامة .. وغيرهم.
فقد قرأ هؤلاء كتب التراث المطبوعة، وأفادوا منها فائدة عظيمة، بل كان بعضهم يحفظها عن ظهر قلب.
فلا أمل لنا في تقدم الحركة الأدبية إلا بالرجوع إلى التراث العربي، ولعله من المُلاحظ أن الأدباء الذين يتمتّعون اليوم بأصالة وعمق أدبيين هم أكثر الأدباء اتصالاً بالتراث العربي ورجوعاً إليه. ولا تعوزني الأمثلة، من أمثلة: د. شوقي ضيف، ود. حسين نصّار، وعلي أدهم المفكر، وسلامة موسى، وعبد الحميد العبادي المؤرخ، ود. أحمد الحوفي، ود. بدوي طبانة، ود. محمد زغلول سلام .. وغيرهم.
*ما رأيكم في حاضر الأدب العربي: إبداعاً ونقداً؟ وهل تقوم المجلات بدورها في إثراء الحركة الأدبية في إثراء الحركة الأدبية؟
-على الرغم من طروء بعض العناصر المسببة (للهزال) في الأدب العربي الحاضر، فإنني لستُ متشائماً من غده. وما تلك العناصر المعوقة إلا طوارئ عارضة، قد يكون لبعضها بريق خادع ـ كحركة الشعر الجديد ـ ولكن البقاء دائماً للأصلح. لقد كان ظهور كتاب واحد جيد يعد علامة من علامات الزمن، أو معلماً من معالم الطريق. فقد كان كتاب «طبائع الاستبداد» ـ مثلاً ـ للكواكبي بُشرى بزلزلة قواعد الحكم المستبد المطلق وظهور حكم الشورى في العالم العربي. وقد كانت «عبقريات» العقاد نواة لتغيير كتب التراجم والسيرة في الأدب العربي الحديث، وقد كان كتاب مثل كتاب «قضايا الفكر في الأدب المُعاصر» للأديب المفكر الرصين وديع فلسطين إيذاناً بانشغال الأفكار بهموم الفكر العربي وقضاياه. ويكفي أن نخرج كل عام بكتاب أدبي واحد يستحق أن نقول عنه إنه كتاب، وأن نضعه في مصاف الكتب الأجنبية التي تزخر بها المكتبة الأوربية أو الأمريكية.
وإذا كنا إلى الآن لم نظفر بأديب عربي حظي يجائزة نوبل فإنه لن يغيب عنا الظروف السياسية التي تحيط بمنح هذه الجائزة.
وقد يكون لاشتقاق اللغة العربية من لغة سامية غير آرية أثر في حرمان الإنتاج فيها بالتقدير العالمي، ومع الترجمة إلى اللغات الأجنبية سيزيد التقدير لفكرنا وأدبنا المُعاصر.
إن «الأصالة» هي العنصر الذي يفتقده أدبنا المُعاصر فأغلب كتابنا المعاصرين يقرؤون كتباً غير عربية، ويتأثَّرون بها، ويحاكونها ويقتدون بها.. تمشيا مع نظرية ابن خلدون القائلة باقتفاء المغلوب أثر الغالب. وقد ظللنا مغلوبين ـ سياسيا ـ زماناً طويلاً، فلا بد من وقت مناسب لكي يظهر استقلالنا الفكري، ويضيع منا أثر «المغلوبية». ولن يكون هذا اليوم بعيداً.
وعلى الرغم مما تقوم به بعض مجلاتنا الأدبية في هذا السبيل، فإن أثرها لا يزال محتاجاً إلى بروز، ثم ما هي هذه المجلات التي أخذت تتضاءل وتنكمش وتنحرف عن رسالتها إلى أغراض أخرى؟
أتظن معي أن «الهلال» اليوم هي «الهلال» منذ أربعين أو ثلاثين عاماً؟ وأين كتابها من طراز محمد حسين هيكل، ومحمد مصطفى المراغي، وأحمد زكي باشا، وطه حسين، ومحمد فريد وجدي، ومحمد كرد علي، وأنيس المقدسي، والعقاد، وسلامة موسى، وحسن الشريف، وعبد الرحمن شكري، والجريديني، وجرجي زيدان .. وغيرهم؟
وهل «الثقافة» الحديثة و«الرسالة» الجديدة هما ثقافة أحمد أمين ورسالة أحمد حسن الزيات؟
وهل عندنا بمصر غير «الهلال» و«الثقافة» التي يرأس تحريرها أخونا عبد العزيز الدسوقي؟
أما مجلة «الوعي العربي» التي تخرج من مدينة القاهرة فهي تمثل اتحاد الجمهوريات العربية، ولكنها لا تتسع إلى ما يمثل آفاق هذا الاتحاد.
ولقد ظهرت في بلاد النفط العربي مجلات رائعة الإخراج كمجلات «العربي» و«الدوحة» و«المجلة العربية». ولكن لا تزال تدخل «المُجاملات» واعتبارات أخرى غير أدبية في الكتابة فيها!!
لقد كان الدكتور يعقوب صروف يؤرقه السهر على تحرير «المقتطف» حتى تخرج كل شهر لائقة بالقارئ العربي والمثقف العربي. وقد كان الشيخ إبراهيم اليازجي كثير الأرق والسهر على تحرير مجلاته، ومنها «الضياء». وكان أنطون الجميِّل ساهراً على تحرير مجلة «الزهور» حتى صارت تحفة في عالم الأدب والصحافة الأدبية، وكذلك كان محمد حسين نائل المرصفي مع مجلة «الجديد»، ولم يقل عنه البرقوقي أرقاً وسهراً وجهداً لإخراج مجلة «البيان».
وليفهم مصدرو مجلات الثراء البترولي أن المسألة ليست مسألة ورق صقيل، وصور ملونة، وإخراج فاتن .. بما تُتيحه إمكانات النفط، ولكن المادة المنشورة هي ذات المحل الأول في الاعتبار .. مع عدم إغفالنا لأثر الورق الجيد، والحرف الجيد والإخراج الجيد.
*هل تروْن أنه سينمو جيل من الأدباء في هذه الظروف: غلاء الورق، وتعذر الطباعة، وعدم إتاحة الفرص أمامهم؟
-ومتى كانت الظروف يا أخي حائلاً بين الأدباء والموهوبين والإنتاج الأدبي الجيد؟ إن الأديب الحق يحتال على كل الظروف ليقوى أمامها، ويتغلّب عليها، ولن تقف أمام موهبة عقبةٌ مهما كانت. ولعلك تود أن تعرف أن الإمام ابن سهل السرخسي القاضي وهو من كبار رجال الأحناف أملى كتابه «المبسوط» في الفقه الحنفي وهو سجين بالجب في (أوزجند) بولاية (فرغانة)، ولم تمنعه قيود الحديد في السجن أن يؤلف كتاباً واسعا يُعَدُّ حجة في فقه الإمام أبي حنيفة.
...............................................
*المصدر: مجلة "الثقافة" السورية، في عدد يوليو 1978م.


</i>






 
رد مع اقتباس
قديم 06-03-2010, 06:08 PM   رقم المشاركة : 41
معلومات العضو
د. حسين علي محمد
أقلامي
 
إحصائية العضو







د. حسين علي محمد غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: حوارات في الأدب والثقافة

النقد "الأكاديمي"..هل رفع الراية البيضاء؟!
د. شفيع: الكتب تهتم بالدراسات الجادة
د. أبو أحمد: المجلات يقرأها كتابها
جاهين: البصيرة الجمالية.. القيمة الأولي
د. بسطاويسي: نحتاج كل الاجتهادات

حوار: د. زينب العسال


الاتهام الذي يواجه نقدنا الأدبي الحديث هي غلبة الكتابات الصحفية عليه. بينما النقد الأكاديمي يشحب. ويخف صوته. بدليل اختفاء العديد من المجلات الثقافية المتخصصة. واكتفاء الصحف والدوريات بما يسمي التعريف النقدي. وهي كتابات تعرض مادة الكتاب دون أن تحاول مناقشته وتحليله.
في تقدير يوسف الشاروني أن النقدين مكملين لبعضهما من زمن طويل. الأكاديمي للخاصة وغالباً ما يكون منشوراً في كتب ومراجع. وقد يتوخي الغموض بواسطة بعض المتقعرين من النقاد. وهذا النقد له قراؤه. أما النقد الصحفي فهو مبسط لعامة المهتمين وبخاصة أنه ليس لدينا طرق فكرة عن طلاق الإعلان عن النشر الذي يساهم في ترويج الكتاب والتعرف به. إذا لم يكتب عن الكتاب في هذين النوعين من النقد فستضيع الكتب الجديدة. لا يوجد لدينا طريقة لترويج الكتب الجديدة إلا في مجلة "عالم الكتاب" وهي- للأسف- غير متداولة لأن الصحافة تشجع النقد المختصر وأنا- أحياناً- أكتب ملخصاً وتعريفاً بسيطاً لصحيفة أدبية. أما المقال الموسع فينشر في مجلة شهرية وكما أقول فإن النقدين وجهان للتعامل مع الكتب ويجب ألا ننسي المتابعات علي النت وهي طريقة جديدة في التعريف بالكتب ولها متابعون وجمهور خاص.
اختلافات
قد يبدو هذا صحيحاً- والكلام للدكتور شفيع السيد- لأن النقد الصحفي قد يبدو سريعاً في تتبع الأعمال الإبداعية فمع صدور الصحف يومياً أو أسبوعياً أو شهرياً فإنة علي الكاتب أن يملأ المكان المخصص له بكتابة النقد لكن النقد الأدبي الحقيقي يحتاج إلي وقت لإنضاج الأفكار. وإضاءة العمل بشكل صحيح وليس مجرد تقرير أو إضفاء المدح والثناء علي صاحبه النقد الأكاديمي يحتاج وقتاً بحكم أنه يتم في هدوء ويحتاج الي وقت للقراءة والتأمل وترتيب الأفكار إلخ أما النقد الصحفي فكما قلت سابقاً هو نقد سريع ويكون متعجلاً حين يخاطب الناس ويكون له صوت مسموع لأن جمهوره هم قراءة الجريدة والمجلات الأدبية الحقيقية كان لها مجالها وقراؤها ولأسباب كثيرة أغلقت هذه المجلات مثل إبداع التي لا تثبت كثيرا فهي تصدر في أوقات معينة ثم تتوقف ثم تعود إلي الظهور وهكذا لهذه المجلة قراؤها ونقادها لكن النقد الأكاديمي يظهر في شكل كتب أو أبحاث أو دراسات ويتولاه أساتذة في النقد الأدبي بينما الكتابات النقدية الصحفية يقوم بها من ليسوا مؤهلين في النقد الأدبي. صحيح أن هناك من لديهم الدربة علي التصدي لمثل هذه الكتابات لكن ليس كل الصحفيين- للأسف- لديهم مثل هذه الدربة أو الخبرة.
ويري د. حامد أبو الحمد أنه يمكن القول نعم ولا أما نعم فلأن النقد الأكاديمي لم يعد له وجود علي الساحة الصحفية الأكثر انتشاراً والمتاحة للناس فالناقد الأكاديمي فيها غير موجود. بالإضافة إلي ان معظم المجلات أغلقت فلا توجد مجلات تتواصل مع الجمهور والمجلات الموجودة لا يقرأها إلا من يكتبون فيها لكن الموجود علي مستوي التحقيق الفعلي في الساحة النقدية ككتب يصدرها الأساتذة الجامعيون فضلاً عن رسائل الدكتوراه التي تطرح قضايا كثيرة. أو تتناول شخصيات أو ظواهر أدبية بعينها وعلي مستوي المؤتمرات والفعاليات الثقافية وبعض المجلات المتخصصة مثل مجلات كلية دار العلوم ووفكر وإبداع التي أسسها د. حسن البنداري من هذه الناحية فإن النقد الأكاديمي موجود لكن جمهوره محدود جداً. لأنه يشمل المهتمين بالثقافة والأنواع الأدبية من قصة ورواية وشعر ومسرح وغيرها نحن في حالة أزمة كبيرة في الثقافة تنعكس علي كل شيء والسبب هو أن الصحافة لم تعد تسهم بالثقافة علي الإطلاق والصفحات الثقافية مجرد صفحات إخبارية فهي لا تقدم دراسات أدبية أو نقداً لدينا مجلة أسبوعية واحدة. أو جريدة أسبوعية واحدة. معظم المثقفين لا يتعاملون معها ولا يشترونها وكأنها غير موجودة لذلك فهي توزع نسخاً قليلة جداً في مصر لأنها جريدة موجهة ولا تخدم الثقافة المصرية وثمة مجلة إبداع التي تصدر كل ثلاثة أشهر. وتعاني إخراجاً فنياً سيئاً وإذا أردت قراءة موضوع حتي لو كنت أنت كاتبه فسيشق عليك ذلك ليس المطلوب من المجلة أيه مجلة أن تكون مجرد كشكول وكنت أكتب في جريدة "القاهرة" لكنني اصطدمت بشرط المقاس المساحة التي ينبغي عدم تجاوزها فأقلعت عن الكتابة في الصحف واتجهت إلي تأليف الكتب فهي الأبقي إلي جانب أنه لم يعد مهماً أن يحمل ما نكتبه أفكاراً تؤثر- أو لا تؤثر في هذا الشخص أو ذاك.
أفكار متوارثة
ويختلف الشاعر بهاء جاهين في تقسيم النقد إلي أكاديمي وصحفي هناك- في رأيه- نقد جيد وآخر أعمي. الأعمي- بالنسبة للنقد الأكاديمي- عبارة عن أفكار متوارثة في الأدبيات الجامعية ومصطلحات يمكن تطبيقها. لكن يفتقر الناقد الذي يطبقها الي الحس الجمالي والبصيرة الجمالية. وحين يفتقد الناقد للبصيرة الجمالية فهو يقدم نقداً لا قيمة له أهمية النقد أن يلفت القارئ إلي مواطن الجمال. هذا ما يعطي النقد وجاهته وقيمته ووظيفته. أو يصبح تطبيقات نظرية. أو تطبيلاً لشخص معين. أو تهميشاً لشخص آخر. كل هذا بلا قيمة إذا كان الناقد يريد أن يحصل علي الدكتوراه. أو يكتب عاموداً في جريدة أو يطبل لهذا وينهش في ذاك.
ويلاحظ الروائي مجيد طوبيا أن النقد السريع يجد مكانه للنشر في الصحف أما النقد الأكاديمي فيحتاج الي مجلة محترمة أو أكاديمية ولابد من الانتظار فترة حتي تصدر المجلة فقد تكون شهرية أو فصلية لذلك فإن علي الناقد الأكاديمي أن ينتظر قرابة الأشهر الثلاثة حتي تنشر مقالته أو دراسته أما النشر العادي فهو كثير ويقوم بتعريف القارئ علي العمل بسرعة ويسر وهو مفيد أيضا وعلي الناقد الأكاديمي أن يعلم بأن إمكانية النشر لديه محدودة. وهكذا كل واحد وما يحب!
ويري د. رمضان بسطاويسي أن النقد الأكاديمي يمارس دوره التأسيسي ودوره العلمي عندما يستخدم لغة خاصة ذات قواعد محددة وتوثيق علمي بينما النقد الصحفي لابد أن يكون سهلاً ومرناً وقادراً علي توصيل الفكر بشكل سريع. أريد أن أقول إن النقاد الأكاديمي انجذبوا للنقد الصحفي. وخسرناهم كنقاد أكاديميين يؤسسون لمشروع نقدي. وهي ظاهرة لافته لأي متابع. ويمكن أن نري المسألة من زاوية أخري فطه حسين والمازني والعقاد صنعوا موازنة للتقريب بين النقد الأكاديمي والنقد الصحفي ليرفعوا القارئ إلي لغة وممارسة نقدية لها دور في وعي القارئ والمفروض أن الناقد الأكاديمي يمارس النقد الثقافي أي تناول ظواهر المجتمع بالنقد والتحلي وإعادة صياغة الوعي لدي القارئ والإسهام في بناء الحياة السياسية والاجتماعية مما يوسع من مفهوم النقد الأدبي الذي لا يعني إلا النصوص أي المساهمات الإنسانية التي تؤثر في حياة الناس أما اقتصار دور الناقد علي النصوص الأدبية فهو نوع من ممارسة السلطة أو ممارسة الرقابة عليها أو محاكمتها يجب تصحيح وظيفة الناقد ليكتب نقداً ثقافياً يمارسه علي الظواهر الاجتماعية والسياسية والثقافية يصبح الأدب متصلاً بالحياة وليس منعزلاً عنها من الممكن أن يكتب نقادنا الأكاديميون في الصحافة ويحدثوا نهضة ثقافية حضارية كان طه حسين يمارس نقده السياسي والاجتماعي وكذلك لطفي السيد. وغيرهما كان لديهم مفهوم واسع لوظيفة النقد. ومعظم ما كتبه العقاد كان منشوراً في الصحف وهذا الأمر يرجع لفعالية الناقد أنا أري أن التفرقة بين النقدين خطأ. وعلي نقادنا الكبار الكتابة في النقد الثقافي هذا أمر نحن في حاجة إليه بحيث يكون دور نقادنا المحدثين مد جسر للتواصل مع ما بدأه الرواد في حياتنا الثقافية.
..........................................
*المساء ـ في 6/3/2010م.







 
رد مع اقتباس
قديم 04-04-2010, 12:18 AM   رقم المشاركة : 42
معلومات العضو
د. حسين علي محمد
أقلامي
 
إحصائية العضو







د. حسين علي محمد غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: حوارات في الأدب والثقافة

د. يوسف نوفل يكشف المستور:

التراث سر نهضتنا الأدبية الحديثة.. ويجب الاهتمام به
الجوائز زادت.. لكنها فقدت قيمتها
حياتنا الثقافية.. بلاسياسات واضحة


حوار: د. زينب العسال

جائزة شاعر مكة هي آخر الجوائز التي حصل عليها الشاعر والناقد والأستاذ الجامعي الدكتور يوسف نوفل. فقد تعددت الجوائز المحلية والعربية في حياته العلمية والإبداعية. وإن أعلن اعتزازه بأنه لم يتقدم لأية جائزة.
قلنا: ما نظرتك إلي الحياة الثقافية. واختلافها بين الأمس واليوم؟
قال: لنتفق علي أن أمس - باعتبار الجيل الذي أنتمي إليه - هو أوائل الستينيات من القرن الماضي. وقد شاهد قيام المجلس الأعلي للفنون والآداب. ولمعت في آفاق هذا المجلس أسماء الرواد الأول من الأدباء. في السرد الفني والشعر والنقد.. كل أولئك كانوا قادة الحياة الثقافية آنذاك داخل إطار المجلس. ويكفي أن نذكر شواهد دالة بداية من العقاد ويوسف السباعي ومندور. ومن كان علي شاكلة هؤلاء العظام. كانت الحياة الثقافية خلية نحل. وكانت الفرص متاحة لأطياف الأدب المختلفة واتجاهاته. وقام اختلاف في الرأي. ونشبت معارك أدبية. وتنوعت المدارس في مناخ إيجابي لم يتح للشللية والانتمائية أن تعوق استثمار هذا المناخ الثقافي. ولعلي أضرب مثلاً من لمحات الأمس بالنقد الأدبي. فقد تنوعت اتجاهاته وأطيافه وعقائده. ولم يحجر علي اتجاه منها. وكشف النقد عن مواهب عظيمة. وأتاح للأجيال أن تتعاصر أو تتوالي. أي يأتي جيل بعد جيل. وحصاد هذه الحركة النقدية موجود وماثل في المكتبة العربية حتي الآن. المثل الثاني هو الجوائز الأدبية: يكفي أن أذكر أن المجلس الأعلي للفنون والآداب فتح أبواب الجوائز الأدبية بشكل منهجي هادف أمام الناشئة من الأدباء الذين هم قادة الحركة النقدية والإبداعية الآن. فكان ينظم مع بدء العطلة الصيفية للجامعات مسابقات أدبية متعددة في الشعر بنوعيه الفصيح والعامي والقصة القصيرة والمسرحية ذات الفصل الواحد والمقال البحثي الموجز. حللنا مشكلة الفراغ. وجمعنا الشباب علي عمل مفيد لأنفسهم. فإذا قارنا مع وضع الشباب الآن فإن الإجابة واضحة. كما قدم المجلس حافزاً لكي يخوض الشباب غمار التأليف. بعيداً عن الانتماءات والشللية والمواصفات الأجنبية التي يشترط توافرها في الباحثين. ثم يقام مهرجان عام. أقرأ لك أسماء المشرفين عليه من خلال الوثائق. أي الرسائل التي كانت ترسل لي وأنا طالب فائز في هذه الجوائز. والتي تعني إعداد حفل برعاية د. عبدالقادر حاتم ووزير التربية جينذاك السيد يوسف ويوسف السباعي وسهير القلماوي في مهرجان تتويج الحركة الشبابية. وما أعتز به أني كنت أحد الفرسان الفائزين علي مدي خمس سنوات منذ 1960 حتي 1965. حيث زالت صفة كوني طالباً بالجامعة بنجاحي. وتأهلي للدراسات العليا. ينطبق هذا علي أجيال الروائيين والشعراء الذين أصبحوا الآن رموزاً. بعضهم كان يفوز بخمس جوائز في ليلة واحدة. ومسابقة واحدة. وهذا شئ مسجل أيضاً. فقد كتبه أنيس منصور في الأخبار. وكان لي شرف أني واحد من هؤلاء الفائزين. معني هذا أن هناك رسالة ثقافية إستراتيجية. أي بعيدة المدي. يوازي هذه الجائزة علي مستوي الكبار جائزة الدولة التقديرية. لن أضيف غير كلمة واحدة: علينا أن ننظر في القائمة التي حصرت وسجلت أسماء الرواد الأول في جوائز الدولة التقديرية . وهي معلومة للجميع. فإذا انتقلنا إلي الحياة الثقافية الآن. فإضافة إلي الميزانيات الضخمة. واستحداث الوظائف. نجد أننا فقدنا ذلك البعد الاستراتيجي الذي أنتج مبدعي ونقاد اليوم. ضعفت رعاية المواهب وتنميتها بالحوافز الإيجابية علي مستوي جوائز الكبار. كثرت الجوائز من حيث الكم. فقد كان لنا في القديم جائزة الدولة التقديرية بالمفرد. الآن صار عندنا جوائز الدولة بالجمع. وهما ما بين مبارك والتقديرية والتشجيعية إلخ.. ماذا قال المعلقون خلال السنوات الماضية؟. علينا أن نعود إلي ما كتبه أنيس منصور ذات يوم. مما لا أسمح لنفسي بذكره. وأكتفي بالإشارة إليه من تلميحه إلي مواصفات الفائزين. وهنا أتحفظ وأقول: بعض الفائزين. وليس كل. وعلينا أن نعود إلي ما كتب في وقت غير بعيد بقلم د. حامد أبو أحمد عن تلك الجوائز. وعلينا أن نتساءل عن قائمة كبري من اسماء مبدعي الفن القصصي. ممن لم تشملهم ظلال هذه الجوائز. ولي الحق كناقد أن أتساءل: أين محمد جبريل وأحمد الشيخ ومحمد قطب. ليس شرطاً أن يتقدم المبدع. وإنما علينا أن نري إنتاجه قد تقدم بالفعل. وعلي المتخصص في نقد مثل هذا الفرع أن يلتقط العمل الإبداعي الجيد. دون حاجة لأن يتقدم المبدع. الشئ نفسه يقال في الفنون الأخري. في النقد: أين محمد عبد المطلب وحامد أبو أحمد. ي كان من حقي ان أسجل أن جائزة الدولة التقديرية هذا العام اتجهت إلي ناقد مثل د. أحمد درويش. ليتها تنحو هذا النحو من الموضوعية كما أرجو أن يكون التحكيم في الجوائز مقتصراً علي المتخصصين في الفرع المقصود. وأن يحدث ما هو شائع في حياتنا العامة من تداولية. فجميع الجوائز العالمية المحترمة تغير المحكمين كل عام.
أنا شخصياً - وليس هذا سراً الآن - كنت عضواً في لجنة التحكيم في مسابقة جائزة مؤسسة الكويت للتقدم العلمي منذ سنوات. ولم أحكم مرة أخري. ولا ضير في ذلك. وليس سراً أن أقول إنني كنت عضواً محكماً في جائزة الشيخ زايد للكتاب منذ سنوات. ولم أشتغل في التحكيم مرة أخري. من المهم ألا يظل المانحون كابسين علي أنفاس المبدعين!
خطوط عريضة
قلنا: هل توجد سياسة ثقافية تضع خطوطاً عريضة. علي هديها تسير حياتنا الثقافية في كافة الأوجه؟
قال: العكس هو الصحيح. فلا توجد سياسات في الحركة الثقافية المصرية. هي مبادرات شخصية. مع احترامي للكل. لكنها خالية من سياسات مستقاة من احتياجات الحياة الثقافية ذاتها.
قلنا: نلحظ أنه حينما كان مشروع الترجمة تابعاً للمجلس الأعلي للثقافة. كانت جهوده ملموسة لنا جميعاً. بينما عندما انفصل. وأصبح مركزاً خاصاً بالترجمة. خفت هذا الدور.
قال : لماذا نسينا إن هيئة قصور الثقافة. وهي في رأيي من أنشط المؤسسات الثقافية في مصر علي الإطلاق؟ لماذا ننسي أنها طرحت مشروعاً مهماً. وهو سلسلة آفاق الترجمة التي ترجمت من خلالها كتب قيمة؟ ما الذي زاد عن ذلك. إلا من حيث الكيف والميزانيات؟.. لو دعمت هذه السلسلة بطبعتها الرخيصة الشعبية. وتم لها الذيوع الأكثر. لقامت بهذا الدور الذي يقوم به مركز الترجمة. من ناحية أخري. لابد أن ننظر إلي حياتنا الثقافية بجانبها الأدبي العلمي. حيث نهتم بالجانب الأدبي بحكم الهموم الأدبية التي هي عصب ومحور الثقافة. لأن الذي يحرك الحياة الأدبية هم الأدباء؟. أما إذا حصرنا بلادنا في جزئية واحدة من جزئيات عديدة من المشهد الثقافي كالترجمة. فإن الحاجة ماسة في الترجمة إلي الثقافة العلمية بقدر يفوق حاجتنا إليها في الجانب الأدبي. وإلا ظللنا أمة متخلفة للأبد.
قلنا: كانت الريادة للثقافة المصرية. ألا ترد الآن أن هذا الدور تراجع؟
قال: باختصار. مصر قادت الأمة العربية. حضارياً وثقافياً وأدبياً. مما انعكس بدوره علي سائر أنشطة الحياة للأسف الشديد. أما الآن فبما لي من صلة وثيقة بالتيارات الثقافية العربية. فإن الحركة الثقافية المصرية صارت في المرتبة الثانية. واللافت أنه لا توجد روابط بين تلك البيئات الثقافية. بسبب غياب السياسات. ولعل كساد الحياة الثقافية في مصر لأننا حذفنا من اعتبارنا ما أطلق عليه خطأ أدباء الأقاليم. وصار الأدب هو القاهرة الصغري وليست الكبري. وهذا شئ لا يقبله عقل ولا منطق.
ديوان العرب
قلنا: هناك اتجاهات ترفض التراث العربي وصلة الثقافة المصرية به؟
قال: كل أدب يستمد حياته واستمراره من صلته المتجددة والمتطورة بتراثه التي لا تمنع تجديد ذلك التراث. وتنقيه من الشوائب. والاهتداء إلي الصفات الناصعة فيه. وكل الحضارات المعاصرة كان أساس نجاحها اعتدادها بالجانب الخصب والفعال من تراثها. وتفاعلها مع ما يلائم روحها من منجزات العصر. النهضة الأدبية في الأدب الإنجليزي أحيت التراث القديم. وبنت عليه النهضة الأدبية الحديثة. لا حياة لثقافة معاصرة تعادي تراثها وتنكره. لأنها بذلك تقتلع نفسها من جذورها. ولقد كان القدامي يقولون عن الشعر إنه ديوان العرب. لأنه سجل مآثرهم وتاريخهم وتجذرهم في هذه الأرض. والآن فإن إسرائيل تحاول اقتلاعنا. فتنسب لنفسها بعض الأطعمة والملابس والرقص الشعبي. وحتي الأهرامات وصولاً للمسجد الأقصي. الذي لا يمكن أن تنسبه لنفسها هو الشعر.
.....................

*المساء ـ في 3/4/2010م.







 
رد مع اقتباس
قديم 11-08-2018, 08:12 PM   رقم المشاركة : 43
معلومات العضو
سهيلة على
أقلامي
 
إحصائية العضو







سهيلة على غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: حوارات في الأدب والثقافة

قناة زايد الرقمية







 
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
عجائب "بسم الله الرحمن الرحيم" هشام اللاحم منتدى الحوار الفكري العام 4 09-01-2011 01:04 AM
( عليُّ بنُ أبي طالب ) عبدالرزاق الياسري المنتدى الإسلامي 84 04-11-2007 10:52 AM
هل الاكتشافات العلميةُ من القرآن ممكنةٌ؟ عطية زاهدة المنتدى الإسلامي 5 24-11-2006 05:52 PM
حوار مع الناقد والأديب أ. د حلمي القاعود.... نايف ذوابه منتدى الأدب العام والنقاشات وروائع المنقول 1 20-11-2006 02:28 PM
الأفكار الفردية وضررها على الجماعة والمجتمع أحمد الحلواني المنتدى الإسلامي 35 21-05-2006 11:23 PM

 

اشترك في مجموعة أقلام البريدية
البريد الإلكتروني:
الساعة الآن 05:20 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط