الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديـات الثقافيـة > المنتدى الإسلامي

المنتدى الإسلامي هنا نناقش قضايا العصر في منظور الشرع ونحاول تكوين مرجع ديني للمهتمين..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 28-08-2022, 02:46 PM   رقم المشاركة : 97
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

(وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ
وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 23)







حول مضمون الآية:

(وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم) الذين يشهدون لكم أنّكم أتيتم بسورة من مثله، وهؤلاء الشهداء هم غير الله - تعالى - بالضرورة. وباب التحدي مفتوح على مصراعيه لكل أحد من الإنس أو الجن، فرداً وجماعات، إي إن المعنى: ادعوا كلّ من تعتمدون عليه ليشهد لكم (مِّن دُونِ ٱللَّهِ) أو ادعوا كلّ أحد غير الله - تعالى - ليؤيّد دعواكم، كما أيّد الله - تعالى - دعوة عبده محمّد - صلى الله عليه وسلم - وأنظروا هل يغنيكم دعاؤكم شيئاً (إِنْ كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ) في دعواكم أنّ عندكم فيه ريباً. وإنّما يصدق المرتاب في ريبه إذا خفيت الحجّة، وغلبت الشبهة، وكان جادّاً في النظر، فهو يقول: إن كنتم صدقتم في أنّكم مرتابون فلديكم ما يمحّص الحق فجدّوا في الفكر، ولا تتوانوا في النظر، وتدبّروا هذا الكتاب وها هو ذا معروض عليكم، وائتوا بسورة واحدة من مثل هذا النبيّ، فإذا أمكن لكم ذلك فلخاطر الريب أن يمرّ بنفوسكم، وإلاّ فما وجه إعراضكم عن عودته، وإبطائكم عن تلبيته؟

وقيل في تدرج التحدي أن الله - تعالى - تحدّى الناس أوّلاً بالقرآن في جملته في آية الإسراء. لكننا نرى أن التحدي بدأ بآيات سورة القصص: (فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ مِنۡ عِندِنَا قَالُواْ لَوۡلَآ أُوتِيَ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰٓۚ أَوَ لَمۡ يَكۡفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۖ قَالُواْ سِحۡرَانِ تَظَٰهَرَا وَقَالُوٓاْ إِنَّا بِكُلّٖ كَٰفِرُونَ 48 قُلۡ فَأۡتُواْ بِكِتَٰبٖ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمَآ أَتَّبِعۡهُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 49 فَإِن لَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ 50)، فكان أول التحدي بالاتصال بمصدر الوحي - جل وعلا - وهو يقول لهم: إن كنتم - حقاً - مقتنعين بزعم نقض ما جاء به موسى ومحمد - عليهما السلام - فأتونا بكتاب من عند الله (هُوَ أَهۡدَىٰ) من التوراة والقرآن. والسورة سبقت في ترتيب النزول آية الإسراء: (قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا 88) الإسراء، ثمّ تحدّاهم بعشر سور مثله في آية هود: (أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِعَشۡرِ سُوَرٖ مِّثۡلِهِۦ مُفۡتَرَيَٰتٖ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 13) هود، ثمّ تحدّاهم بسورة واحدة مثله في آية يونس: (أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 38) يونس، وكلّ ذلك بمكّة، ثمّ بسورة من مثله في آية البقرة بالمدينة.
والظاهر أنّ التحدّي في سورتي يونس وهود خاصّ ببعض أنواع الإعجاز، وهي ما يتعلّق بالأخبار، كقصص الرسـل مع أقوامهم، وهو من أخبار الغيب الماضية التي لم يكن لمن أنزل عليه القرآن علم بها ولا قومه، كما قال تعالى عقب قصّة نوح من سورة هود: (تِلۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهَآ إِلَيۡكَۖ مَا كُنتَ تَعۡلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوۡمُكَ مِن قَبۡلِ هَٰذَاۖ) 49، وكما قال في سورة القصص عقب قصّة موسى: (وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلۡغَرۡبِيِّ إِذۡ قَضَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلۡأَمۡرَ) 44، وكما قال في سورة آل عمران عقب قصّة مريم: (ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۚ) 44. ولعلّ وجه التحدّي بعشر سور مفتريات دون سـورة واحدة، هو إرادة نوع خاصّ من أنواع الإعجاز، وهو: الإتيان بالخبر الواحد بأساليب متعدّدة متساوية في البلاغة، وإزالة شـبهة تخطر بالبال، بل بعض الناس أوردها على الإعجاز بالبلاغة والأسلوب وهي أنّ الجملة أو السورة المشـتملة على القصّة يمكن التعبير عنها في اللغة بعبارات مختلفة تؤدّي المعنى، ولا بدّ أن تكون عبارة منها ينتهي إليها حسن البيان مع السلامة من كلّ عيب لفظيّ أو معنويّ يخلّ بالفهم أو التأثير المطلوب، فمن سبق إلى هذه العبارة أعجز غيره عن الإتيان بمثلها؛ لأنّ تأليف الكلام في اللغة لا يحتمل ذلك. ومن الأمثال التي وضّحوا بها هذه الشبهة قوله تعالى: (وَقَالَ رَجُلٞ مُّؤۡمِنٞ مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَكۡتُمُ إِيمَٰنَهُۥٓ أَتَقۡتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ) غافر 28. قالوا: إنّ هذه الجملة تحتمل بالتقديم والتأخير بضعة تراكيب، أفصحها وأبلغها وأسلمها من الضعف والإبهام، تركيب الآية. ولكنّ القرآن عبّر عن بعض المعاني وبعض القصص بعبارات مختلفة الأسلوب والنظم من مختصر ومطوّل، والتحدّي بمثله لا يظهر في قصّة مخترعة مفتراة، بل لا بدّ من التعدّد الذي يظهر فيه التعبير عن المعنى الواحد والقصّة الواحدة بأساليب مختلفة، وتراكيب متعدّدة كما نرى في سوره، فتحدّاهم بعشر سور مثله في هدايتها وبلاغتها وأسلوبها، واشتمالها على الحكم والعبر والأسوة الحسنة المعينة على التربية والتهذيب، كما هو شأن القرآن في قصصه. كأنّه يقول: أدع لكم ما في سور القصص من الإخبار عن الغيب، وأتحدّاكم - أنتم وسائر الذين تستطيعون الاستعانة بهم - على الإتيان بعشر سور مثل سور القرآن في قصصها، مع السماح لكم بجعلها قصصاً مفتراة من حيث موضوعها، فإن جئتم به مثل سـوره القصصيّة، في سائر مزاياها اللفظيّة والمعنويّة، فأنا أعترف لكم بدحض حجّتي عليكم.
وأمّا اكتفاؤه في سورة يونس بعدها بالتحدّي بسورة واحدة في مقام الردّ على قولهم: (ٱفۡتَرَىٰهُۖ) فلأنّه لم يقيّده بكونها مفتراة، لا من باب التخفيف عليهم بالواحدة بعد عجزهم عن العشـر: فيدخل فيه خبر الغيب والتزام الصدق.
فعلم من هذا التفصيل: إنّ التحدّي بإعجاز القرآن لذاته في جملته، والتحدّي ببعض أنواع إعجازه في عشـر سور مثله، وبسـورة مثله - كلاهما ثابت في السور المكّيّة قبل نزول آية البقرة وسـورتها بعد الهجرة في المدينة المنورة، ولمّا كان كفّار المدينة الذين يوجّه إليهم الاحتجاج أوّلاً، وبالذات هم اليهود، وهم يعدّون أخبار الرسل في القرآن غير دالّة على علم الغيب؛ تحدّاهم بسـورة من مثل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في ظروف بيئته وثقافته؛ ليشمل ذلك وغيره، مع بقاء التحدّي المطلق بسـورة واحدة مثله على إطلاقه، غير مقيّد بكونه من مثل محمّد صلى الله عليه وسلم.






 
رد مع اقتباس
قديم 29-08-2022, 12:36 PM   رقم المشاركة : 98
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

(فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ 24)







(فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْۦ):

تفريع على الشرط وجوابه، أي: فإن لم تأتوا بسورة أو أتيتم بما زعمتم أنه سورة ولم يقرها شهداؤكم، فاعلموا أنكم اجترأتم على الله بتكذيب رسوله المؤيد بمعجزة القرآن فاتقوا عقابه المعد لأمثالكم.
و "إنْ" الشرطيةُ داخلةٌ على جملة (لَّمۡ تَفۡعَلُواْ) و (تَفۡعَلُواْ) مجزومٌ بـ (لَّمۡ)، كما تدخل "إنْ" الشرطيةُ على فعلٍ منفي بـ "لا" نحو: (إِلَّا تَفۡعَلُوهُ) الأنفال 73، فيكون (لَّمۡ تَفۡعَلُواْ) في محلِّ جزم بها.
ومفعول (تَفۡعَلُواْ) محذوف يدل عليه السياق أي: فإن لم تفعلوا الإتيان بسورة مثله.
وقوله: (فَٱتَّقُواْ) جواب الشَّرط، ويكون قوله: (وَلَن تَفْعَلُواْ) جملة معترضة بين الشرط وجزائه.
و (لَنْ): حرفُ نَصْبٍ معناه نَفْيُ المستقبل، ويختصُّ بصيغةِ المضارع كـ "لم"، ولا يقتضي نَفْيُه التأبيدَ. وزَعَم قومٌ أنه قد يَجْزِمُ، وأنشدوا:
لن يَخِبْ لانَ مِنْ رجائِك مَنْ حَرْ ..... رَكِ مِنْ دونِ بابِك الحَلَقَهْ
وقال النابغة:
فلن أُعَرِّضْ أَبَيْتَ اللَّعْنَ بالصَّفَدِ
ويُمكِنُ تأويلُ ذلك بأنه مِمَّا سُكِّنَ فيه للضرورةِ.
وفي قوله: (وَلَن تَفۡعَلُواْ) إثارة لهممهم ليكون عجزهم بعد ذلك أبلغ وأبدع، وفي ذلك دليلان على إثبات النبوة:
أحدهما: صحة كون المتحدي به معجزاً،
والثاني: الإخبار بالغيب من أنهم لا لن يفعلوا، وهذا لا يعلمه إلا الله تعالى.

دلائل الإعجاز في الآية:

أما قوله تعالى: قوله - تعالى - في هذه الآية: (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ) دال على المعجز من وجوه أربعة:
1) أنا نعلم بالتواتر أن العرب كانوا في غاية العداوة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي غاية الحرص على إبطال أمره، لأن مفارقة الأوطان والعشيرة وبذل النفوس والمهج من أقوى ما يدل على ذلك، فإذا انضاف إليه مثل هذا التقريع وهو قوله تعالى: (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ) فلو كان في وسعهم وإمكانهم الإتيان بمثل القرآن أو بمثل سورة منه لأتوا به، فحيث ما أتوا به ظهر المعجز.
2) أنه - عليه السلام - وإن كان متهماً عندهم فيما يتصل بالنبوة فقد كان معلوم الحال في وفور العقل والفضل والمعرفة بالعواقب، فلو تطرقت التهمة إلى ما ادعاه من النبوة لما استجاز أن يتحداهم ويبلغ في التحدي إلى نهايته، بل كان يكون وجلاً خائفاً مما يتوقعه من فضيحة يعود وبالها على جميع أموره، حاشاه من ذلك - صلى الله عليه وسلم - فلولا معرفته بالاضطرار من حالهم أنهم عاجزون عن المعارضة لما جوز من نفسه أن يحملهم على المعارضة بأبلغ الطرق.
3) أنه - عليه السلام - لو لم يكن قاطعاً بصحة نبوته لما قطع في الخبر بأنهم لا يأتون بمثله، لأنه إذا لم يكن قاطعاً بصحة نبوته كان يجوز خلافه، وبتقدير وقوع خلافه يظهر كذبه، فالمبطل المزور البتة لا يقطع في الكلام. ولا يجزم به، فلما جزم دل على أنه - عليه الصلاة والسلام - كان قاطعاً في أمره.
4) أنه وجد مخبر هذا الخبر على ذلك الوجه لأن من أيامه - عليه الصلاة والسلام - إلى عصرنا هذا لم يخل وقت من الأوقات ممن يعادي الدين والإسلام وتشتد دواعيه في الوقيعة فيه. ثم إنه مع هذا الحرص الشديد لم توجد المعارضة قط.

فهذه الوجوه الأربعة في الدلالة على المعجز مما تشتمل عليها هذه الآية، وذلك يدل على فساد قول الجهال الذين يقولون إن كتاب الله لا يشتمل على الحجة والاستدلال. وههنا سؤالان.

ما سبب مجيء "إنْ" الذي للشك، بدلاً من "إذا" الذي للوجوب؟:

جاء بحرف "إنْ" ولم يأتِ بـ "إذا" لسببين:
1) أن يساق القول معهم على حسب حسبانهم، فإنهم كانوا بعد غير جازمين بالعجز عن المعارضة لاتكالهم على فصاحتهم واقتدارهم على الكلام.
2) أن يتهكم بهم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة على من يقاومه: إن غلبتك، وهو يعلم أنه غالبه تهكماً به.

القول بالصِّرْفَة:

هناك قول في وجه الإعجاز ـ لعلّه يخالف رأي الجمهور ـ هو: أنّ الآية والمعجزة في القرآن إنّما هي لجهة صَرف الناس عن معارضته، صَرفَهم الله تعالى أن يأتوا بحديث مثله، وأمسك بعزيمتهم دون القيام بمقابلته، ولولا ذلك لاستطاعوا الإتيان بسورة مثله. وهذا التثبيط في نفسه إعجاز خارق للعادة، وآية دالّة على صدق نبوّته - عليه الصلاة والسلام -. وهذا المذهب قد يُوجب طعناً في الدين والتشنيع بمعجزة خاتم المرسلين. وقد يفهم منه أن لا آية في جوهر القرآن ولا معجزة في ذاته، وإنّما هو لأمر خارج هو الجبر وسلب الاختيار، وهو ينافي الاختيار الذي هو غاية التشريع والتكليف.

والصَّرف: مصدر (صرف) بمعنى ردّ الشيء عن وجهه: صرفه، يصرفه، صرفاً، فانصرف.والصِّرْفَة - على وزن فعلة -: اسم للمرة الواحدة. وأكثر استعمال الصرف في ردّ العزيمة.
والصرفة اصطلاحاً تعني أن الله صرف همم العرب عن معارضة القرآن وسلب عقولهم عنها وكانت في مقدورهم، لكن أعاقهم أمر خارجي، فصار معجزة كسائر المعجزات. وقد ذهب إلى هذا القول: النظام من المعتزلة، ونسب إلى المرتضى من الشيعة وأبي إسحق الاسفراييني من أهل السنة. وعزي إلى الجاحظ أيضا، وأدرجه الرماني في جملة من وجوه إعجاز القرآن.

ويمكن أن يقسم قول أهل الصِّرْفَة إلى تفسيرات ثلاثة:
1) أن يُريدوا بالصرفة أنّ الله تعالى سلب دواعيهم إلى المعارضة، مع أنّ أسباب توفّر الدواعي في حقّهم حاصلة: من التقريع بالعجز، والاستنزال عن المراتب العالية، والتكليف بالانقياد والخضوع، ومخالفة الأهواء.
2) أن يريدوا بالصرفة أنّ الله - تعالى - سلبهم العلوم التي لا بدّ منها في الإتيان بما يشاكل القرآن ويقاربه. ثمّ أنّ سلب العلوم يمكن تنزيله على وجهين:
أحدهما: أن يقال: إنّ تلك العلوم كانت حاصلة لهم على جهة الاستمرار، لكنَّ الله - تعالى - أزالها عن أفئدتهم ومحاها عنهم.
وثانيهما: أن يقال: إنّ تلك العلوم ما كانت حاصلةً لهم، خلا أنّ الله - تعالى - صرف دواعيهم عن تجديدها مخافةَ أن تحصل المعارضة.
3) أن يراد بالصرفة أنَّ الله - تعالى - منعهم بالإلجاء على جهة القسر عن المعارضة مع كونهم قادرين، وسلب قُواهم عن ذلك؛ فلأجل هذا لم تحصل من جهتهم المعارضة، وحاصل الأمر في هذه المقالة: أنّهم قادرون على إيجاد المعارضة للقرآن، إلاّ أنّ الله تعالى منعهم.

وحاصل الفرق بين هذه التفاسير الثلاثة، أنّ الصرف على الأَوّل: عبارة عن عدم إثارة الدواعي الباعثة على المعارضة، مع القدرة عليها، ووفرة الدواعي إليها، فكانوا خائري القُوى وخاملي العزائم عن القيام بها، وهذا التثبيط من عزائمهم وصرف إراداتهم كان من لطيف صنعه تعالى؛ ليُظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون.

وعلى التفسير الثاني: كانوا قد أعوزتهم عمدة الوسائل المُحتاج إليها في معارضة مثل القرآن، وهي العلوم والمعارف المشتمل عليها آياته الحكيمة، حتّى إنّهم لو كانت عندهم شيء منها فقد أُزيلت عنهم ومُحيت آثارها عن قلوبهم، أَو لَم تكن عندهم ولكنّهم صُرفوا عن تحصيلها من جديد خشيةَ أن تقوم قائمتهم بالمعارضة.
وعلى الثالث: أنّ الدواعي كانت متوفّرة، والأسباب والوسائل المحتاج إليها للمعارضة كانت حاضرةً لديهم، لكنّهم مُنعوا عن القيام بالمعارضة منع إلجاءٍ، وقد أمسك الله بعنان عزيمتهم قهراً عليهم رغم الأُنوف.
أي أن الصِّرْفَة:
1) إمّا بسلب قدرتهم، أو بسلب دواعيهم،
2) أو بسلب العلوم التي لابدّ منها في الإتيان بمثل القرآن، بمعنى أنّها لم تكن حاصلةً لهم،
3) أو بمعنى أنّها كانت حاصلةً فأزالها الله.

ويتلخّص مذهب الصِّرْفَة في:
1) أنّ في نثر العرب ونظمهم ما لا يخفى من الفوائد، يعني: فصاحة بالغة تضاهي فصاحة القرآن، وقد صرّح بذلك الشريف المرتضى، استناداً إلى قوله ـ تعالى ـ حكاية عن العرب: (لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا) الأنفال 31، يدلّ على أنّ العرب حسبت من نفسها القدرة على الإتيان بمثله سبكاً وصياغةً، لولا أنّه تعالى صرف هممهم عن النهوض لمقابلته، وأمسك بعزيمتهم دون القيام بمعارضته.
2) ربط ابن حزم مسألة الإعجاز بمسألة الجبر في الاختيار، وأن لا ميزة جوهرية في القرآن لولا المنع الخارجي.
3) عدم ظهور فرق بيّن بين قصار السور والمختار من كلام العرب، وإلاّ لما احتيج إلى مراجعة الأذكياء من العلماء. وقالوا: لا شكّ أنّ العرب كانوا قادرينَ على التكلّم بمثل مفردات الجمل وقصار تراكيبها مثل (الحمد الله) و (ربّ العالمين) وهكذا، فأجدر بهم أن يكونوا قادرين على تراكيب أكبر وجمل أطول.
4) إنّ الصحابة الأوّلينَ ربّما تردّدوا في آية أنّها من القرآن، وكذا بعض السور القصار كالمعوّذتين، فلو كان النظم والبلاغة هما الكوفيينَ للشهادة على القرآنية، فما وجه هذا التوقّف وذلك الترديد أو الرفض.
5) مدلول قوله تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ) أي أصرفهم عن إبطالها بالمعارضة.







 
رد مع اقتباس
قديم 31-08-2022, 12:52 PM   رقم المشاركة : 99
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

(فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ 24)







الرد على القائلين بالصِّرْفَة:

جمهور العلماء على أن القرآن معجز في ذاته، لا بسبب خارج عنه. وإذا رجعنا إلى المصدر الأصلي الذي أثبت إعجاز القرآن، وهو القرآن نفسه، واحتكمنا إليه، لوجدنا أنه يثبت الإعجاز لذات القرآن، لا للصرف عنه وذلك من أوجه كثيرة، منها:
1) أن كتاب الله تحداهم أن يأتوا بمثله، ونص على أن الإنسان والجن لو اجتمعوا ليعارضوه لم ولن يستطيعوا أن يأتوا بمثله: (قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا 88) الإسراء، ولو كان الإعجاز بالصرفة لقيل في التحدي: لو اجتمعوا لما انعقدت لهم عزيمة على الإتيان بمثله، أو: لو اجتمعوا لما اتجهت هممهم ولا همة واحد منهم إلى هذا الأمر. أما وقد ذكر أنهم لا يأتون بمثله ولو تضافرت جهودهم وتآزرت مساعيهم، فدل على أن التحدي إنما وقع بنفس القرآن وأن الإعجاز قائم في ذاته. فدلت هذه الآية ونظائرها على أن القرآن معجز بنفسه لمزايا وخصائص استقرت فيه، تقصر طاقة البشر وقدرتهم عن مضاهاتها، لذلك ورد التحدي بالقرآن ذاته.
2) لو كان العجز بالصِّرْفَة لكان مقتضى الحكمة إنزال القرآن في مستوى بلاغي قريب التناول - لا في الدرجة القصوى من البلاغة والفصاحة - لتظهر عظمة المعجزة في المنع من مثله والصرف عنه، وهذا يخالف ما ورد في القرآن من أوصاف له تشيد بعظمة بيانه وسموه، فهو الكتاب المبين، والقرآن المجيد، وفيه الآيات البينات، وهو النور، والنور المبين، والكتاب المنير، وفيه الهدى والنور وشفاء لما في الصدور.
3) من دلائل إعجاز أسلوب القرآن ما ورد فيه من الآيات الدالة على قوة تأثيره في النفوس. وقد بلغ من تأثيره في نفوس الكافرين ما حملهم على التواصي على الإعراض عنه، كما حكى الله عنهم في سورة فصلت: (وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسۡمَعُواْ لِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَٱلۡغَوۡاْ فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَغۡلِبُونَ 26)، وروي عن الوليد بن المغيرة أحد أقطاب الكفار قوله: "ووالله إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته". وعن عتبة بن ربيعة سيد عبد شمس وأحد حكماء قريش أنه قال لقومه: "إني سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط. والله ما هو بالسحر ولا بالشعر ولا بالكهانة." وهذه دلالة واضحة على أن الإعجاز في القرآن نابع من نظمه وذاته من اعتراف بلغاء المشركين والفضل ما شهدت به الأعداء.
ووصف الله - تعالى - تأثير القرآن في نفوس المؤمنين بقوله: (ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٍ 23) الزمر، ولو لم يكن الإعجاز نابعاً من ذات القرآن وجهته، لما أثر في المؤمنين به هذا التأثير الذي جاوز النفوس للأبدان.
4) أنه خابت محاولات بعض الأدعياء لمعارضة القرآن، ولم تصل إلينا أي محاولة جادة لمعارضة القرآن، وإن كنا نشكك فيما نقل عن مسيلمة وسجاح. ولا شك أن المعارضة قد حصلت، لكنها لو كانت ذات قيمة بيانية، لما اندثرت، ولتناقلتها الناس، خاصة وأعداء الإسلام لم ينقطعوا عبر التاريخ.
5) أنهم يوردون استدلالات على الصِّرْفَة بكلمات قليلة مثل: (الحمد الله) و (ربّ العالمين)، وأن بمقدور البلغاء الفصحاء الإتيان بمثلها، إلا أن التلفيق بين جمل متناثرة جادت بها القرائح في موضوعات ودواعي مختلفة؛ لا يقدم أسلوباً أدبياً متماسكاً محكماً يرضى عنه الأدباء، فكيف يسوغ الزعم بأنه معارض للقرآن؟!
6) لو صُرفوا ، كما زعم القائلون، فإن من كان قبلهم من أهل الجاهلية لم يخاطبوا بالتحدي ولم يصرفوا عما يعدل القرآن فصاحة وبلاغة وحسن نظم وروائع وصف، فهلا جاءونا بشيء من أقوالهم يساويه في ذلك؟ فإذا عجزوا عن استخراج ذلك لعدم وجوده أصلاً، فقد انكشف أن قولهم بالصرفة فاضح البطلان.
7) من أهم الأدلة على بطلان القول بالصِّرْفَة أن أهل الصنعة البلاغية إذا سمعوا كلاماً يطمعون في مجاراته لم يخف عليهم ولم يشتبه لديهم، فلا بد أن يحاولوا مباراته! كيف وقد تضافرت عليهم دوافع عديدة من سب آلهتهم وتسفيه عقول آبائهم ومطالبتهم بالإتباع مما يذهب بزعامتهم ومصالحهم؟!. فكيف يلزمون الصمت مع القدرة على المباراة؟ وقد تحداهم عشرين سنة بشيء من صناعتهم التي فاقوا بها وافتخروا، مع تقريعهم بالعجز مراراً وتكراراً، وهم مضرب المثل في الحمية والأنفة وإباء الضيم ؟ ولو أنهم أحسوا بالحيلولة والحجز لدرأوا عن أنفسهم وصمة العجز، فإنه ليس معتاداً في بني الإنسان قاطبة - فضلا عمن ذكرنا أوصافهم من العرب - أن يذعن الواحد لخصمه فيستكين له ويلقي بيديه ويسكت عن التقريع بالعجز أمداً بعيداً. فلما لم يؤثر عنهم مثل ذلك التشكي والتضجر دل ذلك على أنه لا أصل لما انصرف إليه أصحاب الصرفة واهمين.

فهذا كله يجعل القول بالصِّرْفَة باطلاً يستوجب الانصراف عنه. وإن قوله تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ) الأعراف 146، يعني: سأعطل عزائمهم على إبطال حججي بالقدح فيها وإمكان تكذيبها؛ وذلك بوفرة الدلائل الواضحة والتأييد الكثير، بما لا يدع مجالاً لتشكيك المعاندين ولا ارتياب المرتابين، كما يقال: فلان أخرسَ أعداءه عن إمكان ذمّه والطعن فيه، بما تحلّى به من أفعاله الحميدة وأخلاقه الكريمة. ومنه قوله - تعالى - بشأن المنافقين: (ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم) التوبة 127، وهذا دعاء عليهم بصَرف قلوبهم عن إرادة الخير؛ لكونهم قوماً حاولوا التعمية على أنفسهم فضلاً عن الآخرين.






التوقيع

 
رد مع اقتباس
قديم 01-09-2022, 12:40 PM   رقم المشاركة : 100
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

(فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ 24)







(فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ):

(فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ): هذا جوابُ الشرطِ كما تقدم، والكثير في لغة العرب: اتَّقىٰ، يتَّقي على: افْتَعَل يَفْتَعِلُ. و (ٱلنَّارَ) مفعول به،
وقوله تعالى: (فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ): كنى به عن ترك العناد، لأن من عاند بعد وضوح الحق له استوجب العقاب بالنار. واتقاء النار من نتائج ترك العناد ومن لوازمه.
وعرف النار هنا لأنه قد تقدم ذكرها نكرة في سورة التحريم، والتي في سورة التحريم نزلت بمكة، وهذه بالمدينة. وإذا كررت النكرة سابقة ذكرت ثانية بالألف واللام، وصارت معرفة لتقدمها في الذكر ووصفت بالتي وصلتها. والصلة معلومة للسـامع لتقدم ذكر قوله: (نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ) التحريم 6، أو لسماع ذلك من أهل الكتاب قبل نزول الآية.
(ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ): (ٱلَّتِي): صفةُ (ٱلنَّارَ)، و (وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ): جملةٌ من مبتدأ وخبر صلةٌ وعائدٌ.
والجمهور على فتح واو الوَقود، وهو اسمُ ما يُوقَدُ به، وقيل: هو مصدر كالوَلوع والقَبول والوَضوء والطَّهور. والمشهور أن الوقود والوَضوءَ والطَهور بالفتح اسمٌ وبالضم مصدرٌ، وقرئ شاذاً بضمها وهو مصدرٌ.
و (ٱلنَّاسُ): أريد به صنف منهم وهم الكافرون فتعريفه تعريف الاستغراق العرفي ويجوز أن يكون تعريف العهد لأن كونهم المشركين قد علم من آيات أخرى كثيرة.
والهاءُ في: (وَٱلۡحِجَارَةُۖ) لتأنيثِ الجمع.
والحجارة: جمع حجر على غير قياس وهو وزن نادر في كلامهم، جمعوا حجراً عن أحجار وألحقوا به هاء التأنيث.
وليس في هذا القول: (وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ) ما يدل على أنها ليس فيها غير الناس والحجارة، بدليل ما ذكر في غير موضع من كون الجن والشياطين فيها.

ما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله؟:

إذا ظهر عجزهم عن المعارضة، صح عندهم صدق رسول الله - عليه الصلاة والسلام -، وإذا صح ذلك، ثم لزموا العناد استوجبوا العقاب بالنار؛ فاتقاء النار يوجب ترك العناد، فأقيم المؤثر مقام الأثر. وجعل قوله: (فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ) قائماً مقام قوله: فاتركوا العناد، وهذا هو الإيجاز الذي هو أحد أبواب البلاغة، وفيه تهويل لشأن العناد لإنابة اتقاء النار منابه متبعاً ذلك بتهويل صفة النار.

ما هي طبيعة هذه النار؟:

إنها نار ممتازة من النيران بأنها لا تتقد إلا بالناس والحجارة، وذلك يدل على قوتها من وجهين:
1) أن سائر النيران إذا أريد إحراق الناس بها أو إجماء الحجارة أوقدت أولاً بوقود ثم طرح فيها ما يراد إحراقه أو إحماؤه، وتلك - أعاذنا الله منها برحمته الواسعة - توقد بنفس ما تحرق.
2) أنها لإفراط حرها تتقد في الحجر.

مدلول جعل (ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ) وَقُود النار:

ظاهر هذا الوصف أنها نار واحدة ولا يدل على أنها نيران شتى قوله تعالى: (قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ) التحريم 6، وقوله: (فَأَنذَرۡتُكُمۡ نَارٗا تَلَظَّىٰ 14) الليل، لأن الوصف قد يكون بالواقع لا للامتياز عن مشـترك فيه، والناس يراد به الخصوص ممن شاء الله دخولها، وإن كان لفظه عاماً، ومعنى "وَقودها الحجارة" أن الحجر جعل لهـا مكانَ الحطب لأنه إذا اشتعل صار أشـد إحراقـاً وأبطأَ انطفـاءً. وفي نوع الحجـارة أقوال:
- إنها الأصنام، وكان الناس والحجارة وقوداً للنار مقرونين معاً، كما كانا في الدنيا حيث نحتوها وعبدوها آلهة من دون الله. ويوضحه قوله تعالى: (إِنَّكُمۡ وَمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) الأنبياء 98. وفي هذه الآية تعريض بتهديد المخاطبين والمعنى المعرض به فاحذروا أن تكونوا أنتم وما عبدتم وَقود النار وقرينة التعريض قوله: (فَٱتَّقُواْ) وقوله: (وَٱلۡحِجَارَةُ) لأنهم لما أمروا باتقائها أَمْرَ تحذير علموا أنهم هم الناس، ولما ذكرت الحجارة علموا أنها أصنامهم، فلزم أن يكون الناس هم عُبَّاد تلك الأصنام، فالتعريض هنا متفاوت فالأول منه بواسطة واحدة والثاني بواسطتين.
- أو حجارة الكبريت، واختصت بذلك لما فيه من سرعة الالتهاب، ونتن الرائحة، وعظم الدخان، وشدة الالتصاق بالبدن، وقوة حرها إذا حميت.
والقول بأنها حجارة الكبريت تخصيص بغير دليل، بل فيه ما يدلّ على فساده؛ لأن الغرض هُنَا تفخيم صفة النَّار، والإيقاد بحجارة الكبريت أمر معتاد، فلا يدلّ الإيقاد بها على قوة النار.
- وقيل: هو الكبريت الأسود،
- أو حجارة مخصوصة أعدت لجهنم، إذا اتقدت لا ينقطع وقودها.
- وقيل: إن أهل النار إذا عيل صبرهم بكوا وشكوا، فينشيء الله سحابة سوداء مظلمة، فيرجون الفرج، ويرفعون رؤوسهم إليها، فتمطر عليهم حجارة عظاماً كحجارة الرحى، فتزداد النار إيقاداً والتهاباً أو الحجارة ما اكتنزوه من الذهب والفضة تقذف معهم في النار ويكوون بها.

وعلى هذه الأقوال لا تكون الألف واللام في الحجارة للعموم بل لتعريف الجنس.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنها تجوز أن تكون لاستغراق الجنس، ويكون المعنى أن النار التي وعدوا بها صالحة لأن تحرق ما ألقي فيها من هذين الجنسين، فعبر عن صلاحيتها واستعدادها بالأمر المحقق، قيل: وإنما ذكر الناس والحجارة تعظيماً لشأن جهنم وتنبيهاً على شدّة وقودها، ليقع ذلك من النفوس أعظم موقع، ويحصل به من التخويف ما لا يحصل بغيره، وليس المراد الحقيقة.

ما حكمة إلقاء حجارة الأصنام في النار مع أنها لا تظهر فيها حكمة الجزاء؟:

إن ذلك تحقير لها وزيادةُ إظهارِ خطأ عَبَدَتِها فيما عَبَدوا، وتكررٌ لحسـرتهم على إهانتها، وحسرتِهم أيضاً على أنْ كان ما أعدوه سبباً لعزهم وفخرهم سبباً لعذابهم، وما أعدوه لنجاتهم سبباً لعذابهم، قال تعالى: (إِنَّكُمۡ وَمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) الأنبياء 98، والحطب هو ما يلقى في تنّور أو في وقود.

لِمَ قَدَّم "الناس" على "الحجارة"؟:

قدم الناس على الحجارة:
- لأنهم العقلاء الذين يدركون الآلام والمعذبون،
- أو لكونهم أكثر إيقاداً للنار من الجماد لما فيهم من الجلود واللحوم والشحوم والعظام والشعور،
- أو لأن ذلك أعظم في التخويف، فإنك إذا رأيت إنساناً يحرق، أقشعرّ بَدَنُكَ وطاش لُبُّكَ، بخلاف الحجر.






 
رد مع اقتباس
قديم 02-09-2022, 01:28 PM   رقم المشاركة : 101
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

(فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ 24)







(أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ):

هذه الجملةُ لا محلَّ لكونِها مستأنفةً جواباً لمَنْ قال: لِمَنْ أُعِدَّتْ؟.
(أُعِدَّتۡ): فعلُ ما لم يُسَمَّ فاعلُه، والقائمُ مَقَامَ الفاعلِ ضميرُ (ٱلنَّارَ)، والتاء واجبة، لأن الفعلَ أُسْنِدَ إلى ضمير المؤنث. و (لِلۡكَٰفِرِينَ) متعلقٌ به.
ومعنى أُعِدَّت: هُيِّئَتْ، قال:
أَعْدَدْتَ للحَدَثان سـا ..... بِغَةً وعَدَّاءً عَلَنْدى
أي هيأت. قالوا: ولا يكون ذلك إلا للموجود. وقيل: أو ما كان في معنى الموجود نحو قوله تعالى: (أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمٗا 35) الأحزاب.
وفي قوله تعالى: (أُعِدَّتۡ) ردّ على من قال: إن النار لم تخلق حتى الآن.
وقريء: {أُعْتِدَتْ} من العَتاد بمعنى العُدَّة.

أقوال من زعموا بأن الجنة والنار ليستا مخلوقتين حتى اليوم:

من المتفق عليه عند الجمهور أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان وهما باقيتان، وأن الله - تعالى - قد أعدهما وهيأهما ليكونا مستقراً لعباده: الجنة لأهل الطاعة والإيمان، والنار لأهل الكفر والعصيان. ولم يخالف ذلك إلا من لم يفهم النصوص القطعية الثابتة الدالة على وجود الجنة والنار وأنهما مخلوقتان، حق الفهم؛ فاستدل بأدلة ضعيفة واهية، فأنكر وجودهما، وقال بأن الله ينشئهما يوم القيامة.
ويزعم المعترضون على أن الجنة والنار الآن مخلوقتان أن لديهم استدلال عقلي مستمد من المشاهدات العلمية، ومن صفات الله - سبحانه وتعالى - وحكمة قضائه وتصريفه لمخلوقاته ولملكوته:
إذا علمنا أنه في العشرين سنة الماضية تكثفت جهود الفلكيين والباحثين العلماء في أعماق الكون السحيق عن أجرام تشبه الكرة الأرضية وما تحتويه من مقوّمات وجود الحياة عليها. وبثّت المسابير والمناظير الفلكية في كل حدب وصوب، ووُجد العديد من الأنظمة الشمسية التي تشبه نظامنا الشمسي وما يحتويه من كواكب يكتنف بعضها بيئات بمقوّمات للحياة عليها. ورغم ذلك لم تقع المسابير على جنة الخلد التي وعد الله بها عباده المؤمنين وهي من السعة والكبر والضخامة بحيث لا تخطئها العين. فإذا لم يمكن العثور عليها بأي إشارة أو صورة ، والنار مثلها، صارت غير مخلوقة. إذاً فالجنة والنار الآن ليستا مخلوقتين وإنما يخلقهما الله - سبحانه وتعالى - يوم القيامة كما يخلق في حينها أجزاء أخرى في الكون، وأنهما إنما تكونان على هذه الأرض. وهذا دليل آخر على أنهما ليستا مخلوقتين الآن، لأنه لا توجد على هذه الأرض نقطة صغرت أم كبرت بعدت أم قربت إلا وهي مرصودة معلومة عن طريق الأقمار الصناعية الهائلة التي تجوب الفضاء على مسارات ودروب مختلفة.

فإن قال قائل: هما خارج المدارك البشرية، قيل له: إن كانت الجنة والنار الآن مخلوقتان اقتضى أن الله سبحانه وتعالى خلقهما وأبقاهما طيلة ملايين السنين لم يتم استيفاء لمنافعها التي خلقها الله لعباده المؤمنين، وهذا في الحقيقة مناقض للحكمة التي تتصف بها أفعال الله سبحانه وتعالى. أضف إلى ذلك أنهما على فرض وجودهما الآن، فإنه سوف يجرى عليهما الفناء قبل يوم القيامة، كما قال تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ)، فيكون المحصلة النهائية أن الله - سبحانه وتعالى - خلقهما وأوجدهما طيلة هذه السنين الطويلة ثم أفناهما ثم يعيد خلقهما يوم القيامة، وهذا ينافي ما يتصف به الله - سبحانه وتعالى - من الحكمة.

الرد على من قال: إن النار لم تخلق حتى الآن:

إن القائل بالمادية البحتة، يرى ألا وجود إلا لعالم الشهادة، فينكر الغيب، أو لا يفهمه كما يجب. إن المدارك البشرية لا تتصل إلا بما تدركه الحواس، ويغيب عنها ما عداه، كعوالم الملائكة والجن وما بعد الموت، وغيرها من غيوب على الأرض لا تراها أعيننا. بل إننا نتعامل مع قوانين مخلوقة لا ندرك ظواهرها كالكهرباء والجاذبية. وهذا يقودنا إلى القول بأن ما لا ندركه لا يعني أنه غير موجود، لكن قدراتنا وجبلتنا لم تخلق لإدراك الغيوب في الحياة الدنيا. وإن أحوال الآخرة إنما هي من الإيمان بالغيب، وإن
الجنة والنار لو خضعتا للمدارك الحسية البشرية لخرج الاعتقاد فيهما من حيز الإيمان بالغيب. ويصبح القول: "لو افترضنا أن الجنة والنار مخلوقتان، فأنه يصبح من العلم الضروري أن يكونا معلومين ومعروفين للناس اليوم عن طريق رصد الأقمار الصناعية والمناظير الفلكية" هو قول في غير محله.
أما القول بأن خلق الجنة والنار قبل أن يدخلهما الناس بزمن طويل هو مخالف لحكمة الله، فقول تنقصه الحكمة. إن هذا الزعم ناتج عن إدراك الكثيرين لأزمنة الأفعال بين ماض وحاضر ومستقبل. وإن المشكلة في الفهم الخاطيء للزمن - وفق أزمنة الأفعال - أن أكثر الناس ينزلون الله - سبحانه - منزلة خلقه، فيقيدونه بأبعاد الزمان والمكان، بينما هو خالق الزمان والمكان. إن الله - تعالى - ليس محكوماً بالقوانين والأبعاد المادية التي خلقها؛ فليس عنده مستقبل، بل إن كل شيء عنده كائن حاصل، مطويٌ بعلمه وأمره. ومن فضول الكلام القول بأن أكثر أحداث الآخرة في القرآن الكريم جاء بفعل الماضي، ومنه - على سبيل المثال - أواخر سورة الزمر: (وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَآ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَتۡلُونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِ رَبِّكُمۡ وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنۡ حَقَّتۡ كَلِمَةُ ٱلۡعَذَابِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ 71 قِيلَ ٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ 72 وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَا سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ طِبۡتُمۡ فَٱدۡخُلُوهَا خَٰلِدِينَ 73).

ولقد تضافرت الأدلة على إثبات وجود الجنة والنار، منها قوله تعالى في الجنة:
- (وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ 133) آل عمران،
- (سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ) الحديد 21،
- (وَلَقَدۡ رَءَاهُ نَزۡلَةً أُخۡرَىٰ 13 عِندَ سِدۡرَةِ ٱلۡمُنتَهَىٰ 14 عِندَهَا جَنَّةُ ٱلۡمَأۡوَىٰٓ 15) النجم، مما يفيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى سدرة المنتهى ورأى عندها جنة المأوى.
ويقول في شأن النار:
- (وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيٓ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ 131) آل عمران،
- (إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ) الكهف 29،
- (إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ نُزُلٗا 102) الكهف،
- (ٱلنَّارُ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّٗا وَعَشِيّٗاۚ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدۡخِلُوٓاْ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ أَشَدَّ ٱلۡعَذَابِ 46) غافر.
وغير ذلك من الآيات الدالة على وجود النار.






 
رد مع اقتباس
قديم 03-09-2022, 11:39 AM   رقم المشاركة : 102
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

(فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ 24)







حول مضمون الآية:

لما أقام الدلائل القاهرة على إثبات الصانع وأبطل القول بالشريك عقبه بما يدل على النبوة، ولما كانت نبوة محمد - عليه الصلاة والسلام - مبنية على كون القرآن معجزاً أقام الدلالة على كونه معجزاً، وعلى أن اصطفاء محمدٍ - عليه الصلاة والسلام - كان بحكمة الله وفضله آية أخرى تضاف إلى آيات الكتاب العزيز. وقد ثبت إعجاز القرآن بالفعل، وتواتر فيه النقل، وحسبك منه وجود ما لا يحصى من المصاحف في جميع الأقطار التي يسكنها المسلمون، وكذا في غيرها، ووجود الألوف من حفّاظه في مشارق الأرض ومغاربها، وهي تحكي لنا هذه الآيات في التحدّي بإعجازه، ولو وجد له معارض أتى بسورة مثله لتوفّرت الدواعي على نقلها بالتواتر أيضاً، بل لكانت فتنةً ارتدّ بها المسلمون على أدبارهم.
ولمّا كان إعجازه لمزايا فيه تعلو قدرة المخلوق علماً وحكماً وبياناً للعلم والحكمة، حار العلماء في تحديد وجه الإعجاز بعد ثبوته بالعلم اليقينيّ، الذي بلغ حدّ الضرورة في ظهوره، حتى قال بعض علماء المعتزلة: إنّ إعجازه بالصرفة، يعنون: إنّ الله تعالى صرف قدرة بلغاء العرب الخلّص في عصر التنزيل عن التوجه لمعارضته فلم يهتدوا إليها سبيلا، ثمّ تسلسل ذلك في غيرهم واستمرّ إلى عصرنا هذا. وهذا رأي كسول أحبّ أن يريح نفسه من عناء البحث وإجالة قدح الفكر في هذا الأمر، وللباحثين فيه أقوال، كتبت فيها فصول وألّفت فيها رسائل وكتب.

وكون القرآن معجزاً يمكن بيانه من طريقين:
الطريق الأول: أن يقال إن هذا القرآن لا يخلو حاله من أحد وجوه ثلاثة: إما أن يكون مساوياً لسائر كلام الفصحاء، أو زائداً على سائر كلام الفصحاء بقدر لا ينقض العادة أو زائداً عليه بقدر ينقض، والقسمان الأولان باطلان فتعين الثالث، وإنما قلنا إنهما باطلان، لأنه لو كان كذلك لكان من الواجب أن يأتوا بمثل سورة منه إما مجتمعين أو منفردين، فإن وقع التنازع وحصل الخوف من عدم القبول فالشهود والحكام يزيلون الشبهة، وذلك نهاية في الاحتجاج لأنهم كانوا في معرفة اللغة والاطلاع على قوانين الفصاحة في الغاية. وكانوا في محبة إبطال أمره في الغاية حتى بذلوا النفوس والأموال وارتكبوا ضروب المهالك والمحن، وكانوا في الحمية والأنفة على حد لا يقبلون الحق فكيف الباطل، وكل ذلك يوجب الاتيان بما يقدح في قوله والمعارضة أقوى القوادح، فلما لم يأتوا بها علمنا عجزهم عنها فثبت أن القرآن لا يماثل قولهم، وأن التفاوت بينه وبين كلامهم ليس تفاوتاً معتاداً فهو إذن تفاوت ناقض للعادة فوجب أن يكون معجزاً.
والطريق الثاني: أن نقول: القرآن لا يخلوا إما أن يقال إنه كان بالغاً في الفصاحة إلى حد الإعجاز، أو لم يكن كذلك فإن كان الأول ثبت أنه معجز، وإن كان الثاني كانت المعارضة على هذا التقدير ممكنة فعدم إتيانهم بالمعارضة مع كون المعارضة ممكنة ومع توفر دواعيهم على الإتيان بها أمر خارق العادة فكان ذلك معجزاً، فثبت أن القرآن معجز على جميع الوجوه. وهذا الطريق عندنا أقرب إلى الصواب.

إنّ مسـألة النظم والأسلوب والتركيب لعجيبة من العجائب لمن فكّر وأبصر. وهي مزية لم يوفّها أحد حقّها، على كثرة ما قالوه في الإعجاز؛ فهذا النظم مخالف لكل ما أُثِرَ عن الأمم في كلامهم، ومخالف لما اسـتنبطه البلغاء من كلام العـرب في مطالعه وفواصله
ومقاطعه؛ فما هو بنظم واحد ولا بأسلوب واحد. وإن شئت أن تشعر سمعك وذوقك بالفرق بين نظم الكلام البشريّ ونظم الكلام الإلهيّ، هذا النظم الغريب، والوزن العجيب، فائتِ بقاريء حسن الصوت يسمعك بعض أشعار المفلّقين، وخطب المصاقع المفوَّهين، المتقدّمين والمتأخرين، بكلّ ما يستطيع من نغم وتحسين، ثم ليتل عليك بعد ذلك بعض سور القرآن المختلفة النظم والأسلوب، ثمّ حكّم ذوقك ووجدانك في الفرق بينها في أنفسها، ثمّ في الفرق بين كلّ منها وبين كلام البشر في كل أسلوب من أساليب بلغائهم، وتأثير كلّ من الكلامين في نفسك، بعد اختلاف وقعه في سمعك.إن كلام العرب لا يتعدى تأليفه أربعة أنواع: المنظوم: قصيداً ورجزاً، والمنثور: مرسلاً وسجعاً، ولا يمكن عدّ نظم القرآن وأسلوبه واحداً منها، وهذا أهم أسباب تحير بلغاء العرب فيه. وإن أغراض كلامهم محدودة في مثل: التشبب والوصف والمدح والذم والفخر. بينما سُـوَرُ القرآن الكريم مائة وأربع عشرة سـورة متفاوتة في الطول والقصر، من السبع الطوال التي تزيد السورة فيه على المائة وعلى المائتين من الآيات، إلى السور المئين، إلى الوسطى من المفصّل إلى ما دونها من العشرات، فالآحاد كالثلاث الآيات فما فوقها، وكلّ سورة منها تُقرأ بالترتيل المشـبه للتلحين، المعين على الفهم المفيد للتأثير، على اختلافها في الفواصل، وتفاوت آياتها في الطول والقصر؛ فمنها المؤلّف من كلمة واحدة، ومن كلمتين، ومن ثلاث، ومنها المؤلّف من سطر أو سطرين أو بضعة أسطر، ومنها المتّفق في أكثر الفواصل أو كلّها، ومنها المختلف في السورة الواحدة منها. وترى السور ذات النظم الخاصّ والفواصل المقفّاة، تأتي في بعضها فواصل غير مقفّاة، وتأتي، في بعض آخر - آيات مخالفة لسائر آيها في فواصلها وزناً وقافية، وفي كلٍ غاية البلاغة والفصاحة، مما يجدّد من نشاط القاريء ويرهف الآذان ويأخذ بالألباب.

وفي السور: المتشابه وغير المتشابه في النظم، تنتظم المعاني العالية، على ترتيب موضوعي معجز، في سرد للموضوعات، من صفات الله - تعالى - وأسمائه الحسنى، وآياته في الأنفس والآفاق، والحكم والمواعظ والأمثال، وبيان البعث والمآل، ودار الأبرار ودار الفجّار، والاعتبار بقصص الرسل والأقوام وأحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام. وإن تأملت نموذجاً من القصص، كقصة موسى - عليه السلام - وهي أكثر القصص وروداً في القرآن، تجد تكراراً لبعض الجمل مع اختلاف المواضع، أو تغيراً في لفظة أو أكثر، يناسب السياق الذي وردت فيه. فقوله تعالى - على سبيل المثال: (وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَرۡضِعِيهِۖ فَإِذَا خِفۡتِ عَلَيۡهِ فَأَلۡقِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ) القصص 7، جاء في سورة طه هكذا: (وَلَقَدۡ مَنَنَّا عَلَيۡكَ مَرَّةً أُخۡرَىٰٓ 37 إِذۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ 38 أَنِ ٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ) 39؛ فاستعمل لفظ "الإلقاء" في اليم في الأولى، و "القذف" فيه في الثانية. وإذا راجعنا السياق وجدنا أن الحالة الأولى سابقة على الحالة الثانية، فالوحي لأم موسى جاءه مرتين: في القصص جاء الأمر بالإرضاع، ثم حين يجد الجد ويأتيكِ الخطر بطلب الصغير للقتل: "أَلۡقِيهِ" (فِي ٱلۡيَمِّ)، فالموقف هنا معد له والأم مجهزة له موحى إليها فيه. ولتشجيعها وتطمينها قال: (وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحۡزَنِيٓۖ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيۡكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ 7) القصص. بينما في سورة طه ذُكرت لحظات الخطر، والجند بالباب لأخذ الصغير، فلزمت السرعة في تلبية أمر الوحي: (أَنِ ٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ) طه 39. والقرآن كله على هذا النمط من الدقة والتحديد؛ فلكل لفظة موقعها الذي لا يصلح غيرها له. ولكل سياق ما يناسبه من كلمات وجمل، حتى إن الاختلاف بين جملتين قد يكون بحرف واحد. والأمثلة أكثر من أن تحصى، وحسبنا أنا نذكر في قراءتنا لكتاب الله فروق المتشابهات.






 
رد مع اقتباس
قديم 04-09-2022, 12:40 PM   رقم المشاركة : 103
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

(فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ 24)







حول مضمون الآية:

أما الادعاء بأن من كلام العرب ما يكافيء القرآن الكريم في بعض مواضعه، فتخرص وتطاول. وقد مثلوا لادعائهم هذا بالقول بأن: "القتل أنفى للقتل" وادعوا أنها تساوي قوله تعالى: (وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ) البقرة 179. وهذا باطل من وجوه ذكر فيها السيوطي في "المزهر في اللغة" عشرين فرقاً، زاد عليها الرافعي في مقاله: "كلمة مؤمنة في الرد على كلمة كافرة"، حسبنا إيراد بعضها:
1) لفظ القرآن (ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ) مختصر أكثر من: "القتل أنفي للقتل".
2) قولهم: "القتل أنفي للقتل" ظاهره يقتضي كون الشيء سبباً لانتفاء نفسه بخلاف لفظ القرآن فإنه يقتضي أن نوعاً من القتل وهو القصاص سبب لنوع من أنواع الحياة.
3) قولهم فيه تكرير لفظ القتل بخلاف لفظ القرآن فهي بعيدة عن الكلفة والتكلف بالتكرير دون فائدة وشاق على النفس والنطق.
4) أريد المعنى في العبارة الجاهلية بتكرار لفظ مستهجن، فالقتل كلمة مكروهة، وهي، فضلاً عن كون تكرارها من عيوب الكلام، فإنها دالّة على إزهاق الروح والتشفي، والمقام هو مقام التحذير من قبح هذا الفعل، وأما الآية فأدت المعنى، ليس بالابتعاد عن كلمة القتل فحسب، بل جاءت مفعمة بـ"الحياة" التي من أجلها شرع القصاص.
5) استخدام لفظة "الحياة" فيها ترغيب وراحة وتشويق فناسب استخدامها في العبارة بعد الترهيب بالقصاص الذي يوحي للنفس بالخوف والاشمئزاز مما يردع القاتل عن القتل.
6) في عبارة القرآن دلالة على العدل فإن القتل ظلماً أيضاً قتل مع أنه ليس بناف للقتل بخلاف القصاص فهو ناتج عن جزاء لجريمة تم ارتكابها، فدل على العدل والإنصاف؛ لذا فظاهر قولهم باطل وأما لفظ القرآن فصحيح ظاهراً وباطناً.
7) حسن لفظ القرآن بتأليف الحروف المتلائمة، فإن الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة، لبعد الهمزة من اللام، وكذلك الخروج من الصاد إلى الحاء أعدل من الخروج من الألف إلى اللام، وهذا مدرك باللفظ والحس.
8) لفظة القتل على ما فيها من دماء لا تدعو للبناء، لأن القتل فيه معنى الهدم، وهذا لا يفيد المجتمع، خلافاً للفظة "الحياة" القرآنية التي تحوي معنىً إيجابياً يفيد صلاح المجتمع.
9) القصاص فيه مقابلة الجرم بخيارين: الجزاء أو الدية، لكن القتل ليس فيه إلا القتل.
10) استعمال لفظة (حَيَوٰةٞ) على التنكير للتعظيم، أي: في القصاص حياة لنفوسكم؛ فإن فيه ارتداعُ الناس عن قتل النفوس، فلو أهمل حكم القصاص لما ارتدع الناس؛ لأن أشد ما تتوقاه نفوس البشر من الحوادث هو الموت، فلو علم القاتل أنه يسلم من الموت لأقدم على القتل مستخفاً بالعقوبات كما قال سعد بن ناشب لما أصاب دماً وهربَ فعاقبه أمير البصرة بهدم داره بها:
سأغسلُ عني العار بالســيف جالباً ..... علـيَّ قضــاء الله ما كـان جـالبـا
وأذهل عـن داري، وأجعـل هدمهـا ..... لعرضيَ من باقي المذمة حاجبا
ويصغر في عيني تلادي إذا انثنت ..... يميني بإدراكك الذي كنت طالبا
ولو ترك الأمر للأخذ بالثأر ـ كما كان عليه في الجاهلية ـ لأفرطوا في القتل وتسلسل الأمر، فكان في مشروعية القصاص حياة عظيمة للطرفين.

إن كل هذه المعاني لم توجد في قول العرب، على ما فيه من بلاغة وبيان، إلا أنه حين يقارن بكلام الله، يصبح هباء منثوراً وعيّاً من القول لا دلالة له ولا فائدة أمام بحور المعاني المستفيضة التي احتواها جزء من آية من كلام رب العالمين. بل إن من خصائص هذا الكتاب المعجز كثرة تكراره للمعنى الواحد بعبارات لا يملّها قارئ ولا سامع، مثل: (فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) في سورة الرحمن، و (وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ) في سورة المرسلات. كذلك فالمسلم يختم قراءة القرآن آلاف المرات، ولا يعدم أن يجد في كل مرة معانٍ جديدة، ويستخرج منه مضامين لم تطرأ قبلها على باله، حتى إنه ليقرأ الفاتحة في صلاته أكثر من سبعة عشر مرة فلا يمل من تكرارها؛ فأي كتاب - غير القرآن - يتحمل قارئه ترداده مرة بعد مرة على مدى عمره؟!






 
رد مع اقتباس
قديم 05-09-2022, 12:48 PM   رقم المشاركة : 104
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

(فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ 24)







حول مضمون الآية:

وعلى اعتبار التحدي بالرسول - عليه الصلاة والسلام -، بمعنى: وإن ارتبتم في أن محمداً منزل عليه، فهاتوا قرآناً من مثله. وهذا المدلول تختص به آية البقرة عن آيات التحدي الأخرى، التي ظاهرها التحدي بالقرآن لا بالرسول. وهذا الرأي ينسجم مع قولهم: (لَوۡلَا نُزِّلَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنَ ٱلۡقَرۡيَتَيۡنِ عَظِيمٍ 31) الزخرف، لأن فيه اعتراف ضمني بقيمة القرآن وخطره، في مقابل ظنهم بعدم استحقاق النبي للنبوة؛ فالتحدي هنا - إذا أرجعناه إلى المُنَزَّلِ عليه لا المُنَزَّل - هو في براءة محمد - عليه الصلاة والسلام - من التأثر بعلوم أهل الكتاب، وأساطير الأولين، ليكون وعاء خالياً من تراث السلف، أو صفحة بيضاء، عبأها الوحي بالمنهج الإلهي ذي العلم الصادق، والقصص الحق. وكأن التحدي بالرسول يشمل التحدي بالمنهج الذي أنزله الله عليه.

والحقّ الذي يقال في هذا المقام: إنّ ما أيّد الله تعالى به رسله من الآيات الكونيّة كان مناسباً لحال زمان كلٍّ منهم وأهله، وقامت الحجّة على من شاهد تلك الآيات في عهده، ثمّ على من صدّق المخبرين من بعده. وقد علم الله - تعالى - أنّ سلسلة النقل ستنقطع، وأنّ ثقة بعض المتأخّرين به - ولا سيّما بعد انقطاع سلسلته - ستضعف، وأنّ دلالتها على الرسالة ستنكر؛ فجعل الآية الكبرى على إثبات رسالة خاتم النبيّين علميّة دائمة لا تنقطع، وهي هذا الكتاب المعجز للخلق بما فيه من أنواع الإعجاز. وفي الجزم بعجز الإنس والجنّ عن أن يأتوا بمثله، أو حتى بسورة من مثله، حجّة مستقلّة على نبوّة محمّد - صلى الله عليه وسلم - بصرف النظر عن المتحدّى به ما هو.

ومن المفيد أن نذكر هنا مثلاً ضربه صاحب المنار لنبوة محمد - عليه الصلاة والسلام - برجل ادّعى في بلاد كثرت فيها الأمراض أنّه طبيب، وأنّ دليله على ذلك أنّه ألّف كتاباً في علم الطبّ يداوي المرضى بما دوّنه فيه فيبرؤن، فاطّلع عليه الأطبّاء البارعون فشهدوا بأنّه خير الكتب في هذا العلم وما يتعلّق به من عمل، ثمّ عرض عليه ما لا يحصى عدداً من المرضى وقبلوا ما وصفه لهم من الأدوية فبرؤا من عللهم وصاروا أحسن الناس صحّة، فهل يمكن المراء في صحّة هذه الدعوى مع هذين البرهانين العلميّ والعمليّ؟!. وإنّ العلم بطبّ الأرواح، أعلى وأعزّ منالاً من العلم بطبّ الأجساد، وأنّ معالجة أمراض الأخلاق وأدواء الاجتماع، أعسر من مداواة أعضاء الأفراد، ومن المعلوم بالضرورة أنّ القرآن مشتمل على العقائد الصحيحة، والآداب العالية، وأصول التشريع الاجتماعيّ والمدنيّ، وأنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عالج به أمّة عريقة في الشقاق وحميّة الجاهليّة، غريقة في الجهل والأمّيّة، ورذائل الوثنيّة، فشفيت واتّحدت، وتعلّمت الكتاب والحكمة، وسادت الأمم، من بدو وحضر، مع إنّه لم يتمرّس بسياسة الشعوب، ولم يحمل معه أكثر من كتاب يوحى إليه به. ولا شك أن كتابه العلميّ المؤيّد بنجاح العمل به أدلّ على كونه وحياً أوحاه الله إليه، من جعل عصاه حيّة، أو إحيائه ميّتاً؛ لأنّ هذين على غرابتهما ليسا من موضوع الإرشاد والتعليم، كما أنّهما ليسا من موضوع الطبّ، فهما إن دلاّ على صدق الرسول فدلالتهما ليست في أنفسهما، والإتيان بعمل خارق للمألوف في العادة من سنن الكون، هو دون الإتيان بالعلوم العالية الإلهية والتشريعيّة من غير تعليم، فكيف بالإتيان بأنباء الغيب الماضي والمستقبل؟ فكيف بصلاح حال من عملوا بهذه العلوم ديناً ودنيا؟ فالقرآن إذاً برهان على أنّ ما فيه وحي من الربّ المدبّر الحكيم، لا يماري فيه إلاّ معاند مكابر، أو مقلّد جاهل، ومن بلغ به موحى إليه من رب العالمين، لا يماري فيه إلاّ معاند مكابر، أو مقلّد جاهل.






 
رد مع اقتباس
قديم 06-09-2022, 01:15 PM   رقم المشاركة : 105
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

(فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ 24)







حول مضمون الآية:

أما قوله تعالى: (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ) فهذه الآية دالة على المعجز من وجوه أربعة: أحدها: أنا نعلم بالتواتر أن العرب كانوا في غاية العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفي غاية الحرص على إبطال أمره، لأن مفارقة الأوطان والعشيرة وبذل النفوس والمهج من أقوى ما يدل على ذلك، فإذا انضاف إليه مثل هذا التقريع وهو قوله تعالى: (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ) فلو كان في وسعهم وإمكانهم الإتيان بمثل القرآن أو بمثل سورة منه لأتوا به، فحيث ما أتوا به ظهر المعجز.
وثانيها: وهو أنه - عليه السلام - وإن كان متهماً عندهم فيما يتصل بالنبوة فقد كان معلوم الحال في وفور العقل والفضل والمعرفة بالعواقب، فلو تطرقت التهمة إلى ما ادعاه من النبوة لما اسـتجاز أن يتحداهم ويبلغ في التحدي إلى نهايته، بل كان يكون وجلاً خائفاً مما يتوقعه من فضيحة يعود وبالها على جميع أموره، حاشاه من ذلك - صلى الله عليه وسلم - فلولا معرفته بالاضطرار من حالهم أنهم عاجزون عن المعارضة لما جوز من نفسه أن يحملهم على المعارضة بأبلغ الطرق.
وثالثها: أنه - عليه السلام - لو لم يكن قاطعاً بصحة نبوته لما قطع في الخبر بأنهم لا يأتون بمثله، لأنه إذا لم يكن قاطعاً بصحة نبوته كان يجوز خلافه، وبتقدير وقوع خلافه يظهر كذبه، فالمبطل المزور البتة لا يقطع في الكلام. ولا يجزم به، فلما جزم دل على أنه - عليه الصلاة والسلام - كان قاطعاً في أمره.
ورابعها: أنه وجد مخبر هذا الخبر على ذلك الوجه لأن من أيامه - عليه الصلاة والسلام - إلى عصرنا هذا لم يخل وقت من الأوقات ممن يعادي الدين والإسلام وتشتد دواعيه في الوقيعة فيه. ثم إنه مع هذا الحرص الشديد لم توجد المعارضة قط.
علاوة على هذه الوجوه الأربعة في الدلالة على المعجز مما تشتمل عليها هذه الآية، صبوا عليه - عليه الصلاة والسلام - كل ما استطاعوا من تهم، ولم يتمكنوا من إثبات أيٍ منها، وبقي سلوكه وسيرته على ما عهدوه: الصادق الأمين، حتى قالوا فيه بعد أن استقر أمره وساد: أخ كريم، وابن أخ كريم. هذه السجايا ما كانت لغيره، وقت سقط كل كبارهم وسادتهم. إضافة إلى أنه، بجانب سمو أخلاقه، وعلو سيرته، جاءهم بعلوم ما كان لغيره أن يأتي بها، وكيف يأتي بها من لم يؤيد بخبر السماء؟!

لذلك كان في قوله تعالى: (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ):
- انتفاء إتيانهم بالسورة، رغم أن (فَإِن) مدعاة لشحذ الهمم.
- وإن الإتيان بـ (وَلَن) تهكم بهم.
وجيء بـ (لَّمْ) (وَلَن) لنفي المستقبل، إلا أن في: "لن" توكيداً وتشديداً، وفيها إعجاز مفتوح لهم ولكل من يلونهم عبر التاريخ.

واشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله، لأنهم إذا ظهر عجزهم عن المعارضة صح عندهم صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإذا صح ذلك ثم لزموا العناد استوجبوا العقاب بالنار. وهذا هو الإيجاز الذي هو أحد أبواب البلاغة وفيه تهويل لشأن العناد لإنابة اتقاء النار منابه متبعاً ذلك بتهويل صفة النار.
أما اقتران الناس بالحجارة في النار؛ فلأنهم قرنوا بها أنفسهم في الدنيا حيث نحتوها أصناماً وجعلوها لله أنداداً وعبدوها من دونه. وخصّ الحجارة بالذكر لأنّها أظهر المعبودات عند العرب. وهذه الآية يفسرها قوله تعالى: (إِنَّكُمۡ وَمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ)الأنبياء 98، فقوله: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ) في معنى الناس، والحجارة وحصب جهنم في معنى وقودها. ولما اعتقد الكفار في حجارتهم المعبودة من دون الله أنها الشفعاء والشهداء الذين يستشفعون بهم ويستدفعون المضار عن أنفسهم تمسكاً بهم، وجعلها الله عذابهم فقرنهم بها محماة في نار جهنم إبلاغاً وإغراباً في تحسرهم، ونحوه ما يفعله بالكافرين الذين جعلوا ذهبهم وفضتهم عدة وذخيرة فشحوا بها ومنعوها من الحقوق حيث يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباهم وجنوبهم وظهورهم.






التوقيع

 
رد مع اقتباس
قديم 08-09-2022, 12:20 PM   رقم المشاركة : 106
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

(فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ 24)







حول مضمون الآية:

والمراد بالكافرين في قوله تعالى: (أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ)، أي: الذين لا يجيبون دعوة الأنبياء - عليهم السلام -، والذين ينحرفون عن أصولها بعد الأخذ بها لبدع يبتدعونها وتقاليد يحدثونها وتأويلات يلفّقونها؛ فهؤلاء هم الذين أعدّت وهيئت النار لهم؛ لأنّهم الذين يستحقّون الخلود فيها. إنَّ مسألة الحشر والنشر من المسائل المعتبرة في صحة الدين. والبحث عن هذه المسألة إما أن يقع عن إمكانها أو عن وقوعها، أما الإمكان فيجوز إثباته تارة بالعقل، وبالنقل أخرى، وأما الوقوع فلا سبيل إليه إلا بالنقل، وإن الله ذكر هاتين المسألتين في كتابه وبين الحق فيهما من وجوه:

الوجه الأول: أن كثيراً ما حكى عن المنكرين إنكار الحشر والنشر، ثم إنه - تعالى - حكم بأنه واقع كائن من غير ذكر الدليل فيه، وإنما جاز ذلك لأن كل ما لا يتوقف صحة نبوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليه أمكن إثباته بالدليل النقلي، وهذه المسألة كذلك، فجاز إثباتها بالنقل، مثاله: ما حكم ههنا بالنار للكفار، والجنة للأَبرار، وما أقام عليه دليلاً بل اكتفى بالدعوى، وأما في إثبات الصانع وإثبات النبوة فلم يكتف فيه بالدعوى بل ذكر فيه الدليل.

والوجه الثاني: أنه تعالى أثبت إمكان الحشر والنشر بناءً على أنه - تعالى - قادر على أمور تشبه الحشر والنشر، وقد قرر الله - تعالى - هذه الطريقة على وجوه، فأجمعها ما جاء في سورة الواقعة فإنه تعالى ذكر فيها حكاية عن أصحاب الشمال أنهم كانوا يقولون: (أَئِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ 47 أَوَ ءَابَآؤُنَا ٱلۡأَوَّلُونَ 48) فأجابهم الله - تعالى - بقوله مُثْبتاً بعثهم ومبيناً مصيرهم: (قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَوَّلِينَ وَٱلۡأٓخِرِينَ 49 لَمَجۡمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَٰتِ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ 50 ...) ثم إنه تعالى احتج على إمكانه بأمور أربعة:

1) (أَفَرَءَيۡتُم مَّا تُمۡنُونَ 58)، فبين أن ما تقذفونه في الأرحام من النطف، خلق في جسم الرجل من مواد مأكولة مهضومة، أخرجها - تعالى - ماءً دافقاً إلى قرار الرحم، ليتحد بعضها مع بويضة الأنثى وتنتج ذكراً أو أنثى. ولم يدعِ أحدٌ أنه قادر على فعل ذلك. وإن الذي فعل ذلك قادر على أن يميته ثم يعيده.
2) (أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَحۡرُثُونَ 63)، ثم إن الحَبَّ على أنواعه وأشكاله، إذا وقع في الأرض الندية واستولى عليه الماء والتراب، فالنظر العقلي يقتضي أن يتعفن ويفسد، لأن أحدهما يكفي في حصول العفونة، ففيهما جميعاً أولى، ثم إنه لا يفسد بل يبقى محفوظاً، ثم إذا ازدادت الرطوبة تنفلق الحبة، ليتكون منها نبات له جذر وساق وأوراق، أفلا يدل ذلك على قدرة كاملة وحكمة شاملة فهذا القادر كيف يعجز عن جمع الأجزاء وتركيب الأعضاء؟!.
3) (أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلۡمَآءَ ٱلَّذِي تَشۡرَبُونَ 68)، ثم إن الماء ينزل من السماء، ليغطي الوهاد والتلال، ويسكن في العيون والمغاور. وهو في حركة دائمة في دورة حياة بين السحاب والبحار والأنهار، يتحول في البرد القارس إلى جليد يطفو على سطح الماء، فيخالف طبيعة كل السوائل، ثم في حرارة الشمس يتحول إلى الحالة الغازية ليصعد مكوناً السحب الماطرة التي تعود لتكمل دورتها. ومن قدر على جمع تلك الذرات المائية بعد تفرقها فلم لا يجوز جمع الأجزاء الترابية بعد تفرقها؟، ومن يسير السحاب ويحرك الرياح، ليجمع تلك الأجزاء المتجانسة إلى بعضها البعض قادر على جمع أشلاء الناس. وكأن دورة الماء هذه كدورة حياة الإنسان بين حياة وموت وبعث، وكل ذلك يدل على جواز الحشر.
4) (أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ 71)، ثم إن النار التي تقدحونها وتستخرجونها من الشجر الرطب الأخضر، بين طبيعة خلقهما تنافر؛ فالأشجار جامدة باردة رطبة، والنار لطيفة حارة يابسة، وهما مع اختلافها وتنافر تكوينهما جمعهما الله لمنفعة الناس، فهل أنتم من خلق الشجرة واخترع أصلها، أم نحن الخالقون لها وحدنا؟ كما أننا من طوع طبيعتها لتناسب الإيقاد. وكما ذكر هنا أمر النار، ذكر في سورة النمل الهواء، فقال: (أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ) 63، وجعله من دلائل البعث: (أَمَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ أمن يبدؤ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) 64، وذكر في الحج الأرض بقوله: (وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ هَامِدَةٗ) 5، فكأنه - سبحانه وتعالى - بين أن العناصر الأربعة على جميع أحوالها شاهدة بإمكان الحشر والنشر.

النوع الثاني من الدلائل الدالة على إمكان الحشر: هو أنه تعالى يقول: لما كنت قادراً على الإيجاد أولاً فلأن أكون قادراً على الإعادة أولى. وهذه الدلالة تقريرها في العقل ظاهر، وأنه تعالى ذكرها في مواضع من كتابه، منها قوله تعالى:
- (أَوَ لَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۡ) الإسراء 99،
- (وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) الروم 27،
- (قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) يس 79.

ومن أدلة وقوع الحشر ما أجراه الله - تعالى - على بعض الأحياء من إحياء بعد موت في الدنيا، ليتعظ الناس، ويعلمون أن هذا الفعل مقدر لكل الخلق. ومن ذلك قصة بقرة بني إسرائيل، والذي (مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا) البقرة 259، والموت الأصغر لأصحاب الكهف، وإحياء عيسى بن مريم - عليه السلام - للموتى بإذن الله، والناس تشهد وترى.

ومن أدلة وقوع الحشر - كذلك - أنه لا بدّ من إثابة المحسن وتعذيب العاصي، يقول تعالى: ( وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاء وَٱلأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلاً) ص 27، وقوله: (أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلاْرْضِ) ص 28، لذلك لابد من البعث للنشر، وآيات ذكر الساعة والقيامة كثيرة. أما أهل النار، فذكروا في هذه الآية، وأما أصحاب الجنة فتأتيهم البشارة في الآية التالية: (وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗا قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ وَلَهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَهُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 25).






 
رد مع اقتباس
قديم 09-09-2022, 01:09 PM   رقم المشاركة : 107
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

(وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗا قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ وَلَهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَهُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 25)







(وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ):

هذه الجملةُ معطوفةٌ على ما قبلها، عَطَفَ جملةَ ثوابِ المؤمنين على جملةِ عقابِ الكافرين؛ فمن عادته - عز وجل - في كتابه أن يذكر الترغيب مع الترهيب ويشفع البشارة بالإنذار إرادة التنشيط لاكتساب ما يزلف والتثبيط عن اقتراف ما يتلف فلما ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعقاب قفاه ببشارة عباده الذين جمعوا بين التصديق والأعمال الصالحة.
ولا يُشْتَرَطُ - على الصحيح - في عطفِ الجملِ التوافُقُ معنىً، بل تُعْطَفُ الطلبيةُ على الخبريةِ وبالعكس، بدليلِ قولِهِ:
تُناغي غَزالاً عند بابِ ابنِ عامرٍ ..... وَكَحِّلْ أماقِيكَ الحسانَ بإِثْمِدِ
وقول امرئ القيس:
وإنَّ شفائي عَبْرَةٌ مُهْرَاقَةٌ ..... وهل عند رَسْمٍ دارسٍ مِنْ مُعَوَّلِ
والبِشارةُ: أولُ خبرٍ من خيرٍ أو شرٍّ، قالوا: لأنَّ أثرَها يَظْهَرُ في البَشَرة وهي ظاهِرُ جلدِ الإِنسان، وأنشدوا:
يُبَشِّـرُني الغُرابُ بِبَيْنِ أهلي ..... فقُلْتُ له: ثَكِلْتُكَ مِنْ بشـيرِ
وقال آخر:
وبَشَّــرْتَنِي يا سَــعْدُ أَنَّ أَحِبَّتِي ..... جَفَوْنِي وأنَّ الوُدَّ موعدُهُ الحَشْـرُ
إلا أن الأكثرَ استعمالُها في الخير، وإن اسْتُعْمِلَتْ في الشرِّ فبقَيْدٍ، كقولِهِ تعالى: (فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ) آل عمران 21، وإن أُطْلِقَتْ كانت للخير. أما من يرون أن البشارة تقتصر على الخير، فيؤولون الآية على السخرية والاستهزاء، لزيادة غَيْظِ المُسْتَهْزَأ به وتألُّمِهِ.
وجاء الفعل بَشَرَ - مخففاً - وبَشَّر - مثقلاً - والتثقيلُ للتكثيرِ بالنسبة إلى المُبَشِّرِ به.
وقد قُريء المضارعُ - في الكتاب - مخففاً ومشدداً، وأمَّا الماضي فَلَمْ يُقْرَأْ به إلا مثقَّلاً نحو: (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ) هود 71.
والبِشارَةُ أيضاً الجَمالُ، والبَشير: الجميلُ، وتباشير الفجرِ أوائلُهُ.
وقريء: {وبُشِّرَ} ماضياً مبنياً للمفعولِ، عطفاً على (أُعِدَّت).
وفاعلُ (بَشِّرْ): إِمَّا ضميرُ الرسولِ - عليه السلام -، وهو الواضحُ، وإمَّا كلُّ مَنْ تَصِحُّ منه البشارةُ.
وكونُ صلةِ "الذين" فعلاً ماضياً دونَ كونِهِ اسمَ فاعلٍ دليلٌ على أَنْ يستحقَّ التبشيرَ بفضلِ الله مَنْ وَقَعَ منه الإِيمانُ وتَحَقَّقَ به وبالأعمالِ الصالحةِ.




(وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ):

(ٱلصَّٰلِحَٰتِ): منتصب على المفعول به لـ "عَمِلُواْ". والصالحاتُ جمعُ صالحة، وهي الفعلة الحسنة، فأصلها صفة جَرَتْ مَجْرى الأسماءِ في إيلائِها العواملَ، لأنهم يقولون صالحة وحسنة ولا يقدرون موصوفاً محذوفاً، قال: الحطيئة
كيفَ الهجاءُ وما تَنْفَكُّ صالِحَةٌ ..... مِنْ آلِ لأَمٍ بظهرِ الغَيْبِ تَأْتِينِي
وعلامةُ نصبِه الكسرةُ لأنه من بابِ جَمْعِ المؤنث السالم نيابةً عن الفتحةِ التي هي أصلُ النصبِ.
والتعريف هنا للاستغراق وهو استغراق عرفي يحدد مقداره بالتكليف والاستطاعة والأدلة الشرعية مثل كون اجتناب الكبائر يغفر الصغائر فيجعلها كالعدم.
(وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ) أي: أخلصوا الأعمال كما قال تعالى: (فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا) الكهف 110، أي: خالياً من الرياء. وقالوا: العمل الصالح الذي فيه أربعة أشياء العلم والنية والصبر والإخلاص.






 
رد مع اقتباس
قديم 11-09-2022, 01:39 PM   رقم المشاركة : 108
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

(وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗا قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ وَلَهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَهُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 25)







لماذا لم يقل: "وعملوا الصالحة" بالإفراد؟:

قد قالوا إن استغراق المفرد أشْـمَلُ من استغراق المجموع، لكن القرآن جاء هنا بالمجموع، لأنه إذا دخلت لام الجنس على المفرد كان صالحاً لأن يراد به الجنس إلى أن يحاط به وأن يراد به بعضه إلى الواحد منه، وإذا دخلت على المجموع صلح أن يراد به جميع الجنس وأن يراد به بعضه لا إلى الواحد منه، بمعنى أن ظاهر قوله: (وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ): التلبس بجميع الأعمال الصالحة، أما لو قال: "الصالحة" لتوهم أن يكون القصد بعض الصالحات دون بعض.

ولعل سائلاً يسأل عن وجه إتيان العرب بالجموع بعد أل الاستغراقية إذا كان المفرد مغنياً غناءها. والجواب أن أل المُعَرِّفة تأتي للعهد، وتأتي للجنس مراداً به الماهية، وللجنس مراداً به جميع أفراده التي لا قرار له في غيرها. فإذا أرادوا منها الاستغراق نظروا فإن وجدوا قرينة الاستغراق ظاهرة من لفظ أو سياق نحو: (إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ 2 إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ) العصر 3، وقوله: (وَتُؤۡمِنُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ كُلِّهِۦ ) آل عمران119، وقوله: (وَٱلۡمَلَكُ عَلَىٰٓ أَرۡجَآئِهَاۚ) الحاقة 17، اقتنعوا بصيغة المفرد لأنه الأصل الأخَفُّ.
وإن رأوا قرينة الاستغراق خفية أو مفقودة عدلوا إلى صيغة الجمع لدلالة الصيغة على عدة أفراد لا على فرد واحد. ولما كان تعريف العهد لا يتوجه إلى عدد من الأفراد غالباً تعين أن تعريفها للاستغراق نحو: (وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 134) آل عمران، لئلا يتوهم أن الحديث على مُحسن خاص، ونحو قوله: (وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي كَيۡدَ ٱلۡخَآئِنِينَ 52) يوسف، لئلا يتوهم أن الحديث عن خائن معين، فيصير الجمع في هذه المواطن قرينة على قصد الاستغراق.

ولِمَ قال: (وَعَمِلُواْ) ولم يقل: "وفعلوا"؟:

أولاً: الفعل:
- لفظٌ عامٌ سواءً أكان بإتقانٍ أم بغير إتقانٍ، أو بعلمٍ أم بغير علمٍ، أو بقصدٍ وإرادةٍ أم من غير قصدٍ،
- يُنسب إلى العاقل وغيره وقد ينسب إلى الجمادات،
- ناتج بتأثير مؤثّرٍ ما.

ثانياً: العمل:
- لفظٌ خاصٌّ،
- الأصل فيه أن يكون بقصد، وأن يصدر عن عاقل، وقلما ينسب إلى غير العاقل،
- له أثرٌ مترتّبٌ عنه.

ومن خلال تدبر الآيات التي وردت فيها فعل "عَمِلَ" ومشتقاته، نلاحظ أن المعنى الذي يؤديه هو معنى شامل لكل حركة مقصودة يؤديها العامل سواء كانت بيده أم كانت قولاً بلسانه ، ونلاحظ أن الإيمان قرن بالعمل الصالح في مثل الآية، وقد تكررت عشرات المرات بفعل (وَعَمِلُواْ)، بينما لم ترد "وفعلوا الصالحات" ولو لمرة واحدة؛ وذلك لأن الصالحات تكون قولاً باللسان فضلاً عن كونها فعلاً وصنعاً باليد، وهذا يعني أن معنى العمل هو كل فعل وكل قول. وقد وردت صيغة نفي الغفلة عن الله تعالى مقرونة دائماً بعمل الناس لا فعلهم في آيات عديدة، مثل: (وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ) و (وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ) و (وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ غَٰفِلًا عَمَّا يَعۡمَلُ ٱلظَّٰلِمُونَۚ)، فارتبط نفي الغفلة عن الله - تعالى - بعمل الناس وليس بفعلهم، لأن الفعل داخل في العمل، والعكس غير صحيح.

أما الفعل فهو نظير القول؛ إذ أنه كل ما يقوم به الإنسان من عمل مستخدماً جوارحه ما عدا لسانه. وإذا كان نفي الغفلة عن الله جاء بعمل الناس لا بفعلهم، فإن إثبات الخبرة لله - تعالى - لم يرد بفعل الناس إلا في موضع واحد، هو: (وَتَرَى ٱلۡجِبَالَ تَحۡسَبُهَا جَامِدَةٗ وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِۚ صُنۡعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ أَتۡقَنَ كُلَّ شَيۡءٍۚ إِنَّهُۥ خَبِيرُۢ بِمَا تَفۡعَلُونَ 88) النمل، والسياق هو الذي حكم باستخدام الفعل هنا، لأن (صُنۡعَ ٱللَّهِ) هو فعل، فوجب أن تناسب الفاصلة جو الآية، فكما هو - سبحانه وتعالى - أتقن صنعه، هو كذلك خبير بأفعال الناس.

وقوله - سبحانه - في سورة الزمر: (وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِمَا يَفۡعَلُونَ 70) جمع الفعل والعمل، وواضح في الآية الفرق؛ فالله - تعالى - يعلم كل أفعال العباد، بما فيها أعمالهم، بينما تحاسب كل نفس على عملها الذي قامت به خيراً أو شراً، بمعنى أن الله يعلم ما فُعل بقصد أو بغير قصد، ويوفي الحساب على ما فُعِل بقصد.

ما وجه إضافة (وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ) لـ (ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ)؟:

هذه الآية تدلّ على أنَّ الأعمالَ غير داخلةٍ في الإيمان؛ لأنَّهُ لمَّا ذكر الإيمان، ثمَّ عطف عليه العمل الصالح، فوجب التغير وإلا لزم التكرار، وهو خلاف الأصل.
و (ٱلَّذِينَ): صيغة عموم، فيدخل تحته كل مؤمن من المؤمنين الذين يعملون الصالحات، ولا يمنع من ذلك خصوص سببها.
و (ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ) أي: آمنت قلوبهم وسرائرهم، وانقادت جوارحهم وبواطنهم وظواهرهم.
ومن فوائد الجمع بين الإيمان والعمل الصالح:
- أن الإيمان وحده لا يكفي بل لابد من العمل، وأن العمل وحده لا يكفي، بل لابد من إيمان، فلا يستحق الجنة إلا من جمع بين الإيمان والعمل الصالح.
- إذا ذكر ثواب الجنة مقيداً أو معلقاً بالإيمان وحده فالمراد بذلك الإيمان المتضمن للعمل الصالح.
- العمل لا ينفع صاحبه إلا إذا كان صالحاً، والصالح ، هو الخالص الصواب الذي ابْتُغِيَ به وجه الله - تعالى - وكان على شـرعه.







 
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 

اشترك في مجموعة أقلام البريدية
البريد الإلكتروني:
الساعة الآن 02:27 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2023, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط