الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديـات الثقافيـة > المنتدى الإسلامي

المنتدى الإسلامي هنا نناقش قضايا العصر في منظور الشرع ونحاول تكوين مرجع ديني للمهتمين..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 16-04-2022, 01:01 PM   رقم المشاركة : 37
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُۗ

أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعۡلَمُونَ ١٣






حول مضمون الآية:

إن أول كلام المنافقين هو: ﴿ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ﴾ فلِمَ يقال لهم ﴿ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ﴾؟.
إن قولهم الأول، جاءه الرد الفوري: ﴿وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ ٨﴾، فنفى عنهم جنس الإيمان، سواء بما حددوه، أو بغيره من عناصر الغيب. ثمّ إن الآيات صوّرت ذلك الجهل في جوهر ادعائهم الإيمان، فقيل لهم: ﴿ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ﴾. ولفظة "الناس" قد تسـتعمل اسـتعمالاً عرفياً للدلالة على جموع البشـر، وقد يكون اسـتعمالاً سلبياً، ومنه البيت المشهور لدريد بن الصمة:
وَمَا أَنَا إِلَّا مِنْ غَزِيَّةَ إِنْ غَوَتْ .....غَوَيْتُ وَإِنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشُدِ
ونحو المثل الشعبي: "حط راسك بين هالرؤوس وقول يا قطاع الرؤوس"، أو المثل الآخر مع اختلاف ألفاظه من بيئة لأخرى، وإن اتحد المدلول: "الموت مع الناس نعاس" أو وسط الجماعة عرس، أو مع الجماعة رحمة. وقد يكون إيجابياً، نحو المثل الآخر: "الناس بالناس، والكل بالله" الذي يجسده البيت المشهور:
النـاسُ للناسِ مـادام الوفــاءُ بهــم ..... والعسرُ واليسرُ أوقاتٌ وساعاتُ
وبيت أبي العتاهية:
خُـــذِ النَّاسَ أوْ دعْ إنَّمَا النَّاسُ بالنَّاسِ ..... وَلا بُـدّ في الدّنيـــا من النّـاسِ للنّـاسِ
ومدلول "الناس" يختلف حسب السياق، ولعل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا﴾ قصد فيه جموع القوم على اختلاف مشاربهم، بينما المقصود بالناس في: ﴿كَمَآ آمَنَ ٱلنَّاسُ﴾ الصفوة المؤمنة، وهي التي نعتها المنافقون بَعْدُ بالسفهاء، لاعتقادهم أنهم هم العقلاء الثابتين على معتقدهم. ووصف الذين آمنوا بالسفهاء، هو سفه، فالسفيه ضعيف العقل، متحجر الفكر، لا يزن الأمور بميزانها، ولا يحسن التدبير. والمنافقون بصنفيهم جاوزوا الكفار بضحالة الفكر ورعونة التصرف، وكانوا متأرجحين بين أهل الحق، وأهل الباطل، يجاهرون بادعاء الإيمان هنا، ويهمسون لأهلهم من الكفار والمشركين من العرب واليهود بالولاء. إن رمي المؤمنين بالسفاهة بهتان، وهو منهج كل المتكبرين والمتجبرين وديدنهم في كل زمان ومكان. إذا أرادوا فض جمع الصالحين وإبعاد العامة عنهم، وهذا فرعون يزين لقومه الضلال، ويظهر لهم حرصه على مصالحهم، فيقول عن نبي الله موسى: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ غافر 26، ويضع نفسه مثالاً للهداية والصلاح، فيقول: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ غافر 29. ومثل المنافقين في وصفهم المؤمنين بالسفاهة، كمثل الأغنياء المغترين بغناهم، إذا أمروا بترك الدنيا والالتفات إلى الآخرة وصفوا أهل الرشد بالكسل والعجز، ويقولون إن الفقراء ليسوا على شيء، لأنهم لا مال لهم ولا رغد عيش ولا جاه، وفي الحقيقة هم الفقراء، شيدوا القصور وسكنوا في القبور، زينوا المهد وأدرجوا اللحد، غفلوا حتى قبروا فنالوا الذل يوم لا ينفع مال ولا بنون بدل العز الذي اغتروا به في الحياة الدنيا:
سَوفَ تَرَى إِذَا انْجَلَى الْغُبَارُ ..... أَفَرَسٌ تَحْتَكَ أَمْ حِمَارُ

إن المولى جل جلاله لما نهى المنافقين في الآية الأولى عن الفساد في الأرض، ثم أمرهم في هذه الآية بالإيمان دلّ على أن كمال الإنسان لا يحصل إلا بمجموع الأمرين، وهو تركه ما لا يَنْبَغِي، وفعل ما ينبغي. وترك ما لا ينبغي هو بالتالي التزام بما ينبغي، وأوله الإخلاص في الإيمان، فالإيمان لا قيمة له إذا لم يجاوز الحناجر، وهو فعل المنافقين. قالوا: آمنا بأفواههم، ولم تؤمن قلوبهم. والعمل الصالح في العبادات والمعاملات هو ما يقتضيه الإيمان. والإسلام دعى إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو شكل من أشكال إصلاح المجتمع، بالحث على فعل الخيرات، وتجنب المنكرات. فإذا اكتمل هذا عند أفراد المجتمع الإسلامي، نعم الناس بالطمأنينة، ورفلوا بسعادة الدنيا، ورضى الله ووعده.

وإن الثابت عليهم بالكلية حتى الآن ثلاثة أشياء:
1) الكفر، لأن في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ ٨﴾ نفي الإيمان جملة وتفصيلاً،
2) والفساد في قوله: ﴿أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ﴾،
3) والسفه في قوله: ﴿أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ﴾.
وهذه ثابتة عليهم باللفظ والمعنى. أما قوله تعالى: ﴿وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ ١٢﴾ هناك، و ﴿وَلَٰكِن لَّا يَعۡلَمُونَ ١٣﴾، فهو نفي جزئي للشعور والعلم، لذلك جاء بالاستدراك، لا بالحصر أو القصر. ولا يصحّ نفي الشعور عنهم، ولا العلم. إن سفههم دفعهم إلى تغطية مسالك العلم لديهم بالهوى والصالح الدنية، فيتمحلون الأعذار السخيفة، والعلل الضعيفة ليبرروا ضلالهم، بدلاً من فتح عقولهم لاستقبال الحق، أو للاعتراف بالإسلام ورسوله. هم إن كانوا من العرب لديهم أصوات مثل: ورقة بن نوفل وسويد بن صامت الأوسي وسويد بن عامر المصطلقي وأبي قيس صرمة بن أبي أنيس من بني النجار أهل يثرب وزيد بن عمرو بن نفيل الذي نقل عنه قوله قبل الإسلام:
أَرَبًّا وَاحِدًا أَمْ أَلْفَ رَبٍّ ..... أَدِينُ إذَا تُقُسِّمَتْ الْأُمُورُ
وقوله:
لَبَّيْـــكَ حَقًّـــاً حَقًّـــا تَـعَـبُّـــــــدًا وَرِقًّــــــــا
الْبِرُّ أَبْغِي لَا الْخَــالُ ..... وَهَلْ مُهَجِّـرٌ كَمَنْ قَــالَ
آمَنْـــــتُ بِمَـــــــا آمَـــــنَ بِـــــهِ إِبْرَاهِيــــــــمُ
هذه الأصوات وغيرها، رفضت الأصنام، وتمردت على عبادة قومها. ولا شك أنها حركت المياه الراكدة في المجتمع، وأثارت الأسئلة، فلما جاء وحي السماء بالإجابات لكل ما غمض في عقول العقلاء، كان حرياً بذوي الفطرة الصافية أن يستجيبوا لداعي السماء. وواقع يثرب لم يكن مختلفاً عن واقع مكة، وإن تميز اليثربيون عن المكيين قبل الإسلام، بوجود أهل الكتاب بين ظهرانيهم، ليكونوا مرجعاً دينياً لهم وقت الحاجة. وبنو إسرائيل في يثرب لم يكنوا يهتمون بالتبشير لدينهم، نعم، ولكنهم كانوا يختلطون بمشركي يثرب، ولابد أن يكون لهم تأثير ما عليهم. والثابت أن الداعي الأول لرفض أهل مكة للإسلام كان اقتصادياً لأنهم كانوا يرتزقون من الحجيج. ثم يأتي العامل الثاني، وهو الحرص على الرياسات، وهو نفسه كان محفز منافقي المدينة من العرب على الرفض القلبي للإسلام. العرب إذاً لم تنقصهم المعرفة الدينية، وبينهم يهود ونصارى وحنفاء.

وأما الصنف الآخر من المنافقين، فهو من أهل الكتاب، وهم الذين كانوا يشعلون نيران الحقد على المؤمنين، وهم لم يكن ينقصهم العلم، وقد بُشّر برسول الإسلام في كتبهم، وكانوا يصرحون بالبشارة في مجالسهم مع الأوس والخزرج، لكنهم ينتظرون نبياً منهم، فلما جاء من أبناء عمومتهم، قلبوا له ظهر المجن، وأظهروا العداوة، وجعل أحبارهم يشاركون رؤوس النفاق في المدينة وكبار كفار قريش خطط محاربة الإسلام ورسوله. ولعل من خططهم بث بعض عيونهم بين المسلمين، فاضطروا لادعاء الإسلام حتى يتصيدوا أخبار المسلمين، ويلتمسوا نقاط الضعف في المجتمع الإسلامي ليضربوه ضربة تنهي أمره. وإن دور المنافقين اليهود ـ فيما نرى ـ كان الدور القيادي للنفاق، حتى وإن اشتهرت صدارة أمثال ابن سلول لشرذمة النفاق. هو كان القائد الصوري لنشاط تحركه العقلية اليهودية الممعنة في حبك المؤامرات.

وإن نفي العلم ينبّه الأذهان، إلى دقّة التعبير في القرآن، وهو أنّ أمر الإيمان لا يتحقّق إلاّ بالعلم اليقينيّ. فهم كما أسلفنا لم ينقصهم العلم، لكن الأهواء أفسدت علمهم وطغت عليه. وإن المولى جل وعلا لم ينف عنهم العلم بالكلية، بل نفى عنهم كمـال العلـم بالاسـتدراك: ﴿وَلَٰكِن لَّا يَعۡلَمُونَ ١٣﴾، لأن علمهـم ناقص. هم ينقصهم العلم بكنه الإيمان وعاقبته. لا يعلمون ما الإيمان، وما ينتظر المؤمن من خيري الدنيا والآخرة. لم يفهموا أن يهجر المسلم المكي الثري أهله وماله ليلحق بنبي يعاديه قومه ويضيقون عليه ويؤذونه، أو أن يستقبل الأنصاري المهاجر ويقاسمه بيته وماله، أو أن يترك اليهودي دينه المستقر وقومه ليتبع رسولاً ليس من نسل إسرائيل. إن علمهم منحصر في المنفعة الحاضرة من متع زائلة ومكاسب عاجلة، وإن لم يصحبها سلام داخلي، أو طمأنينة نفسية وعقلية. أخطأوا في إدراك مصلحتهم ومصلحة قومهم وأمتهم في اتّباع النبيّ صلى الله عليه وسلم. لذلك كانوا سفهاء غاوين، وإن كانوا عقلاء راشدين. وسفههم في أنهم يجهلون كل هذا، ويجهلون أنّهم جاهلون.






 
رد مع اقتباس
قديم 20-04-2022, 01:05 PM   رقم المشاركة : 38
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ ١٤ ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١٥






﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ﴾:

﴿لَقُواْ﴾: على وزن: فَعُوا، نحو: خَشُوا وحَيُوا. ومصدر "لَقي" فيه أربعة عشر وزناً، قالوا: لَقِيَ، لُقْيًا، ولُقْيَةً، ولَقاةً، ولِقاءً، ولُقاءً، ولَقًى، ولُقًى، ولُقْياءَ، ولِقْياءَ، ولُقِيًّا، ولُقْيانًا، ولِقْيانَةً، وتِلْقاءً. ومَعْنى لَقِيتُهُ ولاقَيْتُهُ: اسْتَقْبَلْتُهُ قَرِيبًا.
والخلو الانفراد. وخَلَوْتُ بِفُلانٍ وإلَيْهِ: إذا انْفَرَدْتُ بِهِ. ويجوز أن يكون من "خلا" بمعنى: مضى، وخلاك ذمّ: أي عداك ومضى عنك. ومنه: القرون الخالية، كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ آل عمران 137، ومن: خلوت به إذا سخرت منه. وهو من قولك: خلا فلان بعرض فلان يعبث به.
و ﴿شَيَٰطِينِهِمۡ جمعُ شيطان. ووزن شياطين: إما" فَعَالِيل" أو "فَعَالِين"، والفصيح في شياطين أن يعرب بالحركات؛ لأنه جمع تَكْسير.
وأصل الشَّيْطَان ـ كما بينا في مدخل فاتحة الكتاب ـ من البعد، ويقال: بِئْرٌ شُطُونٌ أي: بعيدة العمق. وسمي الشيطان شيطاناً لامتداده في الشر وبعده عن الخير. قالَ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ في صِفَةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ:
أيُّما شاطِنٍ عَصاهُ عَكاهُ ..... ثُمَّ يُلْقى في السِّجْنِ والأغْلالِ
عَكاهُ: أوْثَقَهُ. وقالَ النّابِغَةُ:
نَأتِ بِسُعادَ عَنْكَ نَوى شُطُونٍ ..... فَبانَتْ والفُؤادُ بِها رَهِينُ.
والمعنى الثّانِي: أنَّهُ مِن شاطَ يَشِيطُ: إذا التَهَبَ واحْتَرَقَ، فَتَكُونُ النُّونُ زائِدَةً. وأنْشَدُوا:
وقَدْ يَشِيطُ عَلى أرْماحِنا البَطَلُ
أيْ: يَهْلَكُ. والأرجح أنه اسم جامد شابه في حروفه مادة مشتقة.
ويطلـق الشــيطان على كل متمرد من الجن والإنس والدواب، يقول تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ الأنعام 112، وتقول العرب على الاستعارة: "فلان من الشياطين". وَالشَّيْطَانُ أنثاه شيطانة، قال الشاعر:
هِيَ البازِلُ الكَوْماءُ لا شَيْءَ غَيْرُها ..... وشَيْطانَةٌ قَدْ جُنَّ مِنها جُنُونُها
وحقيقة الشيطان أنه نوع من المخلوقات المجردة، طبيعتها الحرارة النارية وهو من جنس الجن، لقوله تعالى في إبليس: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ الكهف 50.
وقد صار "الشيطان" كاسم علم لإبليس لإمعانه الكفر والإغواء. لكنه ذكر في القرآن الكريم بالاسمين، فهو إبليس قبل أن يغوي البشر: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ص 75، ثم عرّف الله آدم عليه محذراً: ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ طه 117، ولم يسمه، بل أشار إليه. وبمجرد أن بدأ في الإغواء صار اسمه الشيطان: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَىٰ﴾ طه 120. أما قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ﴾ سبأ 20، فقد كان ظنه قبل الإغواء. وقوله ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ 94 وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ 95الشعراء ، فلعل المعنى هنا أن جنوده هم شياطين كذلك، فصار ذكر اسمه العلم أولى هنا.
﴿قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ﴾: الضمير المتصل في: ﴿إنَّ﴾ اسمها، و ﴿مَعَكُمْ﴾ خبرها. والأصل في إنَّا: إنَّنا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً﴾ آل عمران 93، وإنما حُذِفَتْ إحدى نوني "إنَّ" تخفيفاً.

ما سبب تكرير المنافقين الإقرار بالإيمان؟:

- في الأولى حكي عنهم، فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا﴾ وهو أول ادعاء لهم بالإيمان إقراراً باللسان مع إبطان الكفر، أو هو إيمان الشهادة، ثم: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ كرروا ادعائهم بالإيمان ليثبّتوا خداعهم للمؤمنين، وليجددوا ادعائهم بما ليس في قلوبهم، فإذا فارقوهم ولقوا نظرائهم من الكفار خلعوا ثوب التستر وصرحوا لهم بما يبطنون. فكانت ﴿آمَنَّا﴾ الأولى إقراراً لسانياً بالشهادة، بينما الثانية أفادت استمرار خداعهم للذين آمنوا واستهزاءهم بهم.

المنافقون قالوا: آمنا، والمؤمنون في الآية 16 من آل عمران قالوا: آمنا، فما الفرق بينهما؟:

هذا اللفظ: ﴿آمَنَّا﴾ مغاير لإقرار المؤمنين في آل عمران: ﴿ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٦﴾ فالمؤمنون أكدوا إيمانهم بتأكيدين:
1) حرف التأكيد: إنّ،
2) ثم بالدعاء: ﴿فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ وفيه طلب المغفرة والخوف من الله.
علاوة على تصدير إيمانهم باللجوء إلى الله بقولهم ﴿رَبَّنَآ﴾، وفي هذا إقرار ضمني منهم بالرب المربي المدبر، وهذا ما لا يعترف به المشركون. لكن المنافقين اكتفوا المنافقون باللفظ المجرد: ﴿آمَنَّا﴾ في كل موقف كما تظهر لنا: ﴿وَإِذَا﴾.

من هم ﴿شَيَٰطِينِهِمۡ؟:

- شياطينهم: هُمْ رؤوسهم وَقَادَتِهِمْ فِي الشِّرْكِ، وَالشَّرِّ.
- شياطينهم: رؤساؤهم وكَهَنَتُهُمْ، وهم خمسة نفر من اليهود: كَعْبُ بن الأشرف بـ "المدينة"، وأبو بردة وعبد الله بن السوداء بـ "الشام" في بني أسلم، وعبد الدار في "جهينة" ، وعوف بن عامر في "بني أسد"، ولا يكون كاهن إلا ومعه شيطان تابع له.
- شياطينهم: أصحابهم من المنافقين والمشركين.
- شَيَاطِينُ كُلِّ شَيْءٍ مَرَدَتُه، وَتَكُونُ الشَّيَاطِينُ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ الْأَنْعَامِ ١١٢ .

والظاهر أن لكل منافق شـيطانه أو شياطين يرجع إليهم للمشورة والتخطيط. وأخطر هؤلاء هم بلا شك مشركوا أهل الكتاب لتخصصهم في الكيد، وخبراتهم التاريخية في العنت.

لِمَ قال: ﴿وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ﴾ عوضاً عن: "وإذا خلوا بشياطينهم"؟:

- قـال: ﴿وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ﴾ ولـم يقل "وإذا خلوا بشـياطينهم" حتى لا يلتبس المعنى علـى الســامع لأن التعدي بالباء يحمل معنيين: أحدهما الخلاء به في الحاجة، والآخَر في السخرية به، وهذا المعنى الثاني ليس مقصوداً في الخلو بشياطينهم. وحروف الصفات في العربية قد يعاقب بعضها بعضاً، كقول الشاعر:
إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ..... لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا
بمعنى: عني.
- وقيل: هي هنا بمعنى مع، كقوله: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ﴾ النساء 2.
- وقيل: هي بمعنى الباء،
- وقيل: المعنى وإذا خَلَوا من المؤمنين إلى شياطينهم، فـ "إلى" على بابِها.

وما قد يضيف وجاهة معتبرة القول بأنه لا يصلح في موضع "إلى" غيرُها. فقد جاء تعبير ﴿وَإِذَا لَقُواْ﴾ غير مفيد للقرب أو الالتصاق، بينما إضافة "إلى" أفادت" جعل شياطينهم المرجعية والرجوع إلى الاختلاء.

لِمَ جاء بالتأكيد في: "إِنَّا" مخففاً؟:

الأصل في اتصال ضمير المتكلم أو المتكلمين بالحرف الناسخ: "إنّ" هو الظهور، فنقول: إنني وإننا. وفي الاستعمال القرآني يأتي اللفظان على أصلهما في مقام التفصيل، وقد جاء الاستعمالان تاليين في سورة طه، في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى 12﴾ ثم في قوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي 14﴾، وكأنما أراد المولى جل وعلا تطمين موسى (ع) في الأولى فجاء في التأكيد بالاستعمال الأقصر، ثم لما أراد تكليفه بالدين استعمل التأكيد ذا الصيغة المفصلة. وفي "إننا" و"إنا" كذلك اختلاف في الاستخدام حسب ما يقتضي السياق، من ذلك في قوله في سورة هود حكاية عن كفار ثمود: ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ 62﴾، بينما جاء التأكيد مخففاً في سورة إبراهيم في قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ۛ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ۛ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ ۚ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ 9﴾. أما في قصة صالح (ع) فقد فصّل الله تعالى فيها كثيراً فاقتضى التفصيل استخدام "إِنَّنَا"، إضافة إلى أن التكذيب أشد، بينما جاء ذكر الأقوام الذين من قبلكم موجزاً في جزء من آية، ولم يرد فيه من إعراضهم أكثر من: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ فاقتضى التوكيد التخفيف بـ "إِنَّا".

والسياق في الآية هنا يقتضي التخفيف. إن التقاءهم بشياطينهم يتم في الخفاء، مما يحتاج إلى الاختصار في أقل الألفاظ، وهم يخشون الانكشاف والافتضاح. كذلك فالاختصار يفيد التوافق والانسجام مع شياطينهم، فلا حاجة للتفصيل، بل يكفيهم أن يؤكدوا بقاءهم على ما سبق الاتفاق عليه، فكانت إضافة تبرير إظهار الإيمان: ﴿إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ﴾.

لِمَ كانت مخاطبتهم للمؤمنين بالجملة الفعلية، ولشياطينهم بالجملة الإسمية؟

﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ

- خاطبـوا المؤمنين بالجملة الفعلية لأنهم قصدوا إحداث الإيمـان، وأن ادعاءهم الإيمان طاريء عليهم غير مستمرين عليه، والفعل الماضي دليل آخر على عدم استقرارهم في الإيمان، وخاطبوا الكافرين بالجملة الإسمية ليدللوا على تحقيق ثباتهم على ما كانوا عليه، واستمرارهم على عقيدتهم الفاسدة.
- لعلهم قصدوا في قولهم للمؤمنين ﴿آمَنَّا﴾ ألا يوقعوا في صدورهم الشك فيهم إذا أكدوا. فعبروا بالفعل وبعبارة قصيرة لينزلوا انفسهم بمنزلة البريء الذي لا يُتهَم. أما لو اكدوا قد يبدو كلامهم كمن ينفي عن نفسه تهمة الكفر.
- حين خاطبوا المؤمنين لم يزيدوا على قولهم ﴿آمَنَّا﴾ شيئاً، بينما مع شياطينهم توسعوا فأكدوا بـ إنّ: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ ثم أضافوا تفسيراً ليؤكدوا دوام نفاقهم بـ: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، وكأن تأكيدهم كان لسببين:
... 1. أنه محبب إلى نفوسهم أن يؤكدوا لشياطينهم بقاؤهم على عهد الضلال فبالغوا كما يبالغ الإنسان في مدح ما هو محبوب له ،
... 2. تقرير لمعذرتهم، حتى لا يتوهم شياطينهم أنهم مسلمون فبالغوا في تمهيد العذر لنيتهم.
- هم أرادوا التأكيد على إيمانهم بتكرار الجملة الفعلية في كل مناسبة دون اهتمام منهم بتقوية اللفظ، بينما كانوا حريصين على تأكيد بقائهم على كفرهم، وهو تأكيد للاهتمام لا لرد الإنكار، ثم زادوها بتقرير ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ كبدل اشتمال لـ ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾.


﴿إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ﴾:

قوله: ﴿إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ﴾ كقوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ 11﴾.
وهذه الجملة استئنافية، إذ هي جوابٌ لرؤسائِهم، كأنهم لمَّا قالوا لهم: "إنَّا معكم" سئلوا: فما بالُكم مع المؤمنين تُظاهِرونهم على دينهم؟ فأجابوهم بِهذه الجملةِ. أو محلها النصب، لأنها بدلٌ من قولِه تعالى: ﴿إِنَّا مَعَكُمۡ﴾.
والِاسْتِهْزاءُ: الاستخفاف والسخرية. وهو اسْتَفْعَلَ وهو فَعَلَ، بِمَعْنًى واحِدٍ، تقول: هَزَأْتُ بِهِ واسْتَهْزَأْتُ.

كَيْفَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا مَعَكُمْ﴾ ؟

قولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ توكيد لقولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمۡ﴾ إذ أنّ: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ معناها ثباتهم على الكفر، بينما: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ رد للإسلام ودفع له منهم، لأن المستهزيء بالشيء المستخف به منكر له.






 
رد مع اقتباس
قديم 26-04-2022, 07:01 PM   رقم المشاركة : 39
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ ١٤ ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١٥







﴿ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ﴾:

الجملة استئنافية.
﴿وَيَمُدُّهُمۡ﴾: المدّ: الزيادة في الشيء، يقال: مدّ البحر زاد وارتفع ماؤه وأنبسط، قال تعالى:﴿وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ لقمان 27. ومدّ البحر يقابله الجزر، وهو انحسار مائه عن الساحل ونقصان امتداده. ويسمّى السيل مدّاً من قبيل التسمية بالمصدر، ومنه المدّة من الزمان، والمدد (بالتحريك) للجيش. ومن المعنى المجازي جاء قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً﴾ مريم 75. والمد والمَدَدِ بمعنى واحد. تقول: مَدَّه وأَمَدَّه بكذا، وقيل: مَدَّه إذا زاده من جنسه، وأَمَدَّه إذا زادَه من غير جنسِه، وقيل: مَدَّه في الشرِّ، كقوله: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً﴾ مريم 79، وَأَمَدَّه في الخير، نحو: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ﴾ الطور 22.
والمد على معنيين:
1) التطويل: ومد الشيء: طوّله وبسطه، وكل شيء دخل في شيء فكثّره فقد مده. يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ الفرقان 45.
2) والإمهال، ومنه مد العمر.
والطغيان (بضم الطاء وكسرها): مأخوذ من طغيان الماء وهو تجاوز فيضانه الحدّ المألوف. وهو مصدر طَغَىٰ يَطْغَى طِغْياناً وطُغْياناً، بوزن الغفران والشكران، وهو المبالغة في الطغي أو تجاوز الحد في الشر والكِبْر، وأصله تجاوز الشيء عن مكانه، ولامُ طغى قيل: ياءٌ، وقيل: واو، يقال: طَغيْتُ وطغَوْتُ. وأصلُ المادة مجاوَزَةُ الحَدِّ ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ الحاقة 11.
والعَمَهُ: التردُّدُ والتحيُّرُ، يقال: عَمِهَ يَعْمَهُ عَمَهاً وَعَمَهاناً فهو عَمِهٌ وعامِهٌ، وأرض عمهاء لا منار بها.
والعَمَهُ قريبٌ من العَمَى، إلا أن بينهما عموماً وخصوصاً، لأن العَمَى يُطلق على ذهاب ضوء العين، وعلى الخطأ في الرأي، والعَمَهُ لا يُطلق إلا على الخطأ في الرأي.
وقيل المعنى في الآية هو أنهم يركبون رؤوسهم ولا يبصرون، لأنهم ثابتون على الكفر، غير مترددين فيه.

ما معنى استهزاء الله في ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾؟:

الاستهزاءُ في العربية: السُّخْرِيةُ واللعبُ. يقال: هَزِئَ به، واستَهْزَأَ، قال:
قد هَزِئَتْ مني أمُّ طَيْسَلَهْ ..... قالَتْ: أراه مُعْدِماً لا مالَ لَهْ
وقيل: أصلُه الانتقامُ، وأنشدَ:
قد استهْزَأوا منا بألفَيْ مُدَجَّجٍ ..... سَراتُهُمُ وَسْطَ الصَّحاصِحِ جُثَّمُ
فعلى هذا القولِ الثاني نسبةُ الاستهزاءِ إليه تعالى على ظاهِرها، وأمَّا على القولِ الأولِ فلا بُدَّ من تأويل ذلك:
- أنهم استخفوا عن المؤمنين بإظهار الإيمان وإبطان الكفر والاجتهاد في السخرية منهم تولى الله سبحانه وتعالى امرهم فجازاهم على استهزائهم باستهزاء عاجل وآجل.
- يجازيهم على استهزائهم باسمه، كما سمى جزاء السيئة سيئة، في قوله تعالى: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ الشورى 40، وكما في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ البقرة 194، فسمى رد الاعتداء اعتداء بالمشاكلة، وهذه المشاكلة كثيرة في القرآن الكريم. والعرب تقول: الجزاء بالجزاء، على الرغم من أن المبادأة بالإيذاء ليس جزاءاً، ولكنها المشاكلة.
- وقالوا: إن استهزاء الله بهم معناه إنزال الهوان والحقارة بهم.

لِمَ قالوا ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ فجاء الرد بالجملة الفعلية ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ؟:

- استهزاؤهم طبع فيهم، ومنهج لهم ملتصق بهم، فجاء بالتأكيد، بينما الرد على استهزائهم تطلب أن يتجدد حيناً بعد حين، لذلك جاء الرد بالفعل المضارع، فكلما استهزأوا رد الله استهزاءهم، وقلبه عليهم. يقول تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ التوبة 126. ويقول سبحانه وتعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ ۚ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾ التوبة 64.
- قد يكون الرد بالفعل: ﴿يَسْتَهْزِئُ﴾ دلالة على الاستقبال، إذ أنه سيجازيهم على الاستهزاء يوم القيامة بأن يأمر بالاستهزاء بهم في الموقف.
- قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ أفاد دوام الاسـتهزاء بهم، مثلمـا نقـل عنهـم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ بمعنى دوام استهزائهم، لتصير تلك في مقابل هذه.

ما كان استهزاء الله بهم؟:

- جزاء نفاقهم هو الإمهال: فهو يجري عليهم أحكام المؤمنين، وتحفظ أموالهم، وتحقن دمائهم ثم يجازيهم بالزج في الدرك الأسفل من النار،
- أو عن تجديد الله لهم النعمة كلما أحدثوا ذنباً، فيظنون أن ذلك لمحبة الله لهم، وإنما هي مد لهم ليزدادوا غياً،
- أو أن يجازيهم على استهزائهم بالمثل، كقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ الشورى 40، أو قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ البقرة 194، وغني عن البيان أن جزاء السيئة لا يعد سيئة، كما أن رد الاعتداء ليس اعتداءاً، والمقصود أن نعاقبه بأغلظ من عقوبته،
- أو رد خداعهم ومكرهم عليهم،
- أو عن الحيلولة بينهم وبين النور الذي يعطاه المؤمنون المذكور في سورة الحديد: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ فيقال لهم: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ فيضرب بينهم بسور ﴿لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ 13الحديد،
- أو السخرية الواردة في الدخان: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ 49الدخان،
- أو ضحك أهل الجنة عليهم: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ المطففين 34.

ورود المد والمدد في التنزيل الحكيم:

فعل المد ورد بالهمزة وبدونها، وقيل أن أمد المهموز في الخير مثل: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ النمل 36، وبدون الهمزة في غيره مثل: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾ المؤمنون 55، بخلاف المتعدي باللام من مثل ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ مريم 79، والمضاعف الخاص بالزيادة، مثل: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ﴾ آل عمران 125، و ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ الإسراء 6، و ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ الهمزة 9.

ما الفرق بين العمى والعمه؟:

- العمى: عَمِيَ عَمَىً، وَقَوْلُ العَجّاج:
وبَلَدٍ عامِيَةٍ أعْمَاؤهُ.
كأنَّـه جَمْعُ العَمى. وأعْمَيْتُه: وَجَدْتَه أعْمى. وهو عَمٍ: أي أعْمى القَلْب. والتَّعْمِيَةُ: التَّلْبِيْسُ. وهو في عُمْيَانِـه: أي في عَمَاه، مَصْدرٌ كالطُّغْيَان، وفي عَمَايَةٍ وعمِّيَّةٍ (بضمِّ العَيْنِ وكَسْرِها) أي في ضلاَلةٍ، وقيل: عِمِيّاً: وهي الكِبْرُ. والعَمى: الغُبَارُ. والعَمَايَةُ والعَمَاءةُ والجَميعُ: العَمَاءُ: السَّحَابَةُ الكَثِيْفَةُ السَّوْداءُ.
وقد استعمل في القرآن بمعنى: فقد البصر، كما في قوله تعالى في سورة عبس: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى 1 أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى 2﴾، كما استعمل بمعنى فقدان البصيرة، أو عمى القلب، كما في قوله: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ﴾ الرعد 19، وقوله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ 46الحج.

- أما العَمَهُ فقيل: هو التَّرَدُّدُ في الضلالة والتحير في مُنازعة أَو طريق؛ أَنشد ابن بري:
مَتى تَعْمَهْ إلى عُثْمانَ تَعْمَه ..... إلى ضَخْم السُّرادِقِ والقِبابِ
أَي تُرَدِّدُ النظرَ،
وفي التنزيل العزيز: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سْكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الحجر 72؛ ومعنى يعمهون: يتحيرون. ورجل عَمِهٌ عامِهٌ أَي: يتَرَدُّدُ مُتَحيِّراً لا يهتدي لطريقـه ومَذْهَبِـه، والجمـع عَمِهون وعُمَّهٌ. وقد عَمِه وعَمَه يَعْمَهُ عَمَهاً وعُمُوهاً وعُمُوهةً وعَمَهاناً إذا حـادَ عن الحق؛ قال رؤبة:
ومَهْمَهٍ أَطْرافُه في مَهْمَهِ، ..... أَعْمَى الهُدَى بالجاهِلينَ العُمهِ
وهو مثل العمى في البصيرة، فيقال: رجل عَمٍ إذا كان لا يُبْصِر بقلبه. وأَرض عَمْهاءُ: لا أَعلامَ بها. وذهبت إبلُهُ العُمَّهَى إذا لم يَدْرِ أَينَ ذهبت، والعُمَّيْهَى مثله.

ما مدلول قوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ؟:

فيه أربعة أقوال:
- يمكن لهم،
- يملي لهم،
- يزيدهم،
- يمهلهم.
وفي إضافة الطغيان لضمير المنافقين، لا الطغيان، كما قال في الأعراف: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ 202﴾ إشارة إلى تفظيع شأن هذا الطغيان وأنهم اختصوا به حتى صار يعرف بإضافته إليهم.






 
رد مع اقتباس
قديم 28-04-2022, 01:28 PM   رقم المشاركة : 40
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ ١٤ ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١٥








حول مضمون الآيتين:

المنافقون صنف من الناس موجود في كل الأمم والعصور. يوجد منهم من يمالئون حملة الحق، لاعتبارات شتى، مثلما يوجد من يناصرون الباطل، بداعي المصلحة أو الخوف. والمنافق يبطن غير ما يظهر. يخالف قناعاتهم بلسانه، فيصير منقسماً بين عقله ولسانه، مما يفسد صلاح قلبه. ومنافقو الرسالة في صدر الإسلام لم يكونوا بدعاً في هذا. وهم كما وصفتهم الآيات أهل خداع ومرض وفساد وسفاهة. ثم جاءت آية التوبيخ بعد آيات وصف سلوكهم رداً على قولهم: ﴿آمَنَّا﴾ الثانية، وكان تقرير كفرهم على قولهم: ﴿ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ﴾ متبوعاً بتقرير ليس فيه لـوم أو تقريـع، بل اكتفى بالقـول: ﴿وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ ٨﴾. أما هنـا فقال عنهـم: ﴿ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١٥﴾ ليأتي بعدها بتمثيل حالهم. ولا يظنن ظان أن الآيات مقتصرة على منافقي عصر النبوة، فهذا الصنف الذي بلغ أفراده من التهتّك في النفاق، والفساد في الأخلاق مبلغ الكفر وزيادة؛ هو من بطانة السلاطين، سواء أكان السلطان مؤيداً بالحق، أو تسيره تيارات الباطل. والله تبارك وتعالى يكشف للمؤمنين أمر أولئك المذبذبين، فيفضحهم، ليكون المسلمون على بصيرة بسلوك أعدائهم المخفيين، الذين يظهرون المودة، ويبطنون الكراهية والحقد، فإذا سنحت لهم فرصة، شاركوا في الانقضاض على الدين لهدمه.

وإن كان الاستخفاف بالمؤمنين مفهوماً، فإن الاستهزاء بالله محال. قد تنطلي حيلهم على الناس، لكن علام الغيوب لا يخدع ـ حاشاه ـ ولا يُستهزأ به. وقد خَرَّج المفسرون الاستهزاء بالله عدة تخريجات، غير أنهم يرون معنى الاستهزاء من خلال معارفهم الشرعية، إلا أن للصورة وجهاً آخر لم يتطرقوا إليه. إن علينا لكي نفهم طبيعة استهزائهم بالله أن نراجع ثقافتهم هم، ومعرفتهم هم بالله. إن الله عندهم ليس معصوماً، بل هو عند الكفار أحد الآلهة، هو يخلق، وغيره يدبر. وهو عند اليهود يتسرع ويخطيء ويندم ويحقد ويصارع ويخدع (بفتح الياء وضمها). لذلك ليس من الغريب عليهم أن يستخفوا به، ويظنوا أنهم يستهزئون به كما ظنوا من قبل أنهم يخادعونه. إن قوله تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ جاء على المشاكلة، كما قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ المائدة 116، وقال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ﴾ الأنفال 30، وقال: ﴿وَقِيلَ اليَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ الجاثية 34، ومنه كثير في كتاب الله. وقوله: ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي يجازيهم جزاء الهزؤ. وأشهر الأقوال في المجازاة أنه يجري أحكام المسلمين عليهم في الدنيا، أو يمهلهم مدّة، ثمّ يأخذهم مفاجأة على غرّة، أو يعاملهم معاملة المستهزئ بهم. غير أن حكم الله عليهم في هذه الآية تضمن جملتين:
1) ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾
2) ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
فيتبين من هذا أنهم سيعاقبون بعقوبتين دون ترتيب بينهما لفصل واو العطف بينهما. أحدهما هي الاستهزاء بهم، وهو يشمل وقوعه في الدارين، فيصح أن يحال بينهم وبين النور حين يضرب بسور بينهم وبين المؤمنين، كما فصل في سورة الحديد. كما تصح في المعنى هنا سخرية سورة الدخان: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ 49﴾ وضحك أهل الجنة عليهم: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ المطففين 34، عقوبة لهم على ضحكهم على أهل الصلاح في الدنيا. هذا المعنى للسخرية عليهم في الآخرة لا غبار عليه، لكنهم سيستهزأ بهم في الدنيا كلما رأوا نصراً للدين، وعلواً للمؤمنين، وهم لم يشاركوا فيه، لترددهم وتراجعهم. كذلك فإن الله تعالى ذكر أنه يطيل أمد عصيانهم، مع ما يصاحب ذلك من ازدياد أمراض القلوب وتفاقم آثارها على نفوسهم وعقولهم. وقريب منه قوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ 110الأنعام، فيظلون في عذاب الحيرة والتخبط حتى يسترد المولى أمانته، فينالون نصيبهم من العذاب الأخروي المصحوب بالسخرية منهم والاستهزاء جزاءاً وفاقاً.






 
رد مع اقتباس
قديم 29-04-2022, 03:07 PM   رقم المشاركة : 41
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ١٦









﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ﴾:

اسم الإشارة هنا غير مشار به إلى ذوات، ولكن إلى صنف اجتمعت فيه الصفات الماضية، فانكشفت أحوالهم، حتى صاروا كالحاضرين تجاه السامع بحيث يشار إليهم، وهو استعمال كثير الورود في البلاغة.
﴿ٱشۡتَرَوُاْ﴾: اشترى وباع من الأضداد. والاشتراء والشراء بمعنى الاستبدال بالشيء والاستيعاض منه، إلا أن الاشتراء يستعمل في الابتياع، والبيع: في البيع، مثل: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ يوسف 20، و ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ البقرة 207، وفي الابتياع كما في: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ ﴾ يوسف 21، و ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ التوبة 111.
والشراءُ هنا مجازٌ عن الاستبدالِ بمعنى أنهم لَمَّا تَرَكوا الهدى، وآثروا الضلالةَ، جُعِلوا بمنزلة المشترين لها بالهدى، ثُم رُشِّح هذا المجازُ بقولِه تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ﴾ فَأَسْنَدَ الربحَ إلى التجارةِ، والمعنى: فما ربحوا في تجارتهم، وسمي هذا النوع من الاستعارة بالمرشحة؛ من الترشيح وهو التقوية؛ لتقويها بتقوي مبناها، فيبرز المجاز في صورة الحقيقة ثم يحكم عليه ببعض أوصاف الحقيقة فينضاف مجاز إلى مجاز، ومنها قول المتنبي:
ســــقاك و حيّانـا بك اللّه إنّمـــا ..... على العيس نور والخدور كمائمه‌
والخطاب في: سقاك لمحبوبته، يدعو لها بالسقيا و أن يحيّا بها كما يحيّا الناس بالأزهار.
و ﴿ٱلضَّلَٰلَةَ﴾: مفعولُ ﴿ٱشۡتَرَوُاْ﴾، وأصل الضلالة الحيرة والجور عن القصد، وفقد الاهتداء، وتطلق على النسيان، كما في قَالَ: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ الشعراء 20، وعلى الهلاك كقوله: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ السجدة 10.
و ﴿بِٱلۡهُدَىٰ﴾: متعلِّق بـ ﴿ٱشۡتَرَوُاْ﴾، والباءُ هنا للعِوض وهي تدخلُ على المتروكِ أبداً.

ما مناسبة التجارة في الآية؟:

الاشتراء هنا مجاز كني به عن الاختيار، فكأنه قال: اختاروا الضلالة على الهدى، وجعل تمكنهم من اتباع الهدى، كالثمن الذي بذلوه في المشترى. ولأن الباء لغة تدخل على المتروك يكونون قد باعوا الهدى ليشتروا به الضلالة. أما وهم أساساً لم يتبعوا الهدى بقلوبهم من البداية، فمن أين لهم الهدى الذي يبيعونه؟ إنه هدى الفطرة أو هدى الدلالة، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَى﴾ فصلت 17، ولما استعمل الاشتراء في معاملتهم أتبعه ما يشاكله تمثيلاً لخسارتهم. والربح هو ما يحصل من الزيادة على رأس المال. والتجارة هي مهنة التاجر، وهو الذي يتصرف في المال لطلب النمو والزيادة. والتاجر هو الذي يربح أو يخسر لا التجارة، فالتجارة لا تربح، بل يربح فيها، ومثله قوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ سبأ 33، أي مكرهم في الليل والنهار، ومثل قول الشاعر:
حَارِثُ! قَدْ فَرَّجْتَ عَنِّي هَمِّي ..... فَنَامَ لَيْلِي وَتَجَلَّى غَمِّي
والليل لا ينام، بل ينام فيه. وكما قال جرير بن الخَطَفَى:
وَأَعْوَرَ من نَبْهَانَ أَمَّا نَهَارُهُ ..... فَأَعْمَى، وَأَمَّا لَيْلُهُ فَبَصِيرُ
فأضاف العمى والإبصار إلى الليل والنهار، ومرادُه وصفَ النبهانيّ بذلك.

لِمَ قال: ﴿اشْتَرَوُا ولم يقل: "استبدلوا"؟:

الاستبدال لا يكون شراء إلا إذا كانت فيه فائدة يقصدها المستبدل منه سواء كانت الفائدة حقيقية أو وهمية.
والشراء يكون بين متبايعين بخلاف الاستبدال، والمعنى المراد من الآية أن أولئك القوم اختاروا الضلالة على الهدى لفائدة لهم يحصلونها من الناس، فهو معاوضة بين طرفين يقصد بها الربح، فكانت المعاوضة بالمنافع الدنيوية مقابل خسارة الآخرة، فاستحبوا العمى على الهدى ﴿فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ﴾.

لِمَ قال: ﴿ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ ولم يأت بالمصدر: "الضلال"؟:

- الضلالة واحدة الضلالات، وإذا ذموا على أخذ واحدة، فأولى أن يذموا على كثير،
- أن هذا أشنع، إذا أخذوا القليل في مقابل الكثير، فهم بدلوا الهدى الكثير الشريف فأخذوا عوضه الشيء القليل في مقداره الحقير في ذاته.


﴿وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ﴾:

المهتدي: اسم فاعل من اهتدى. والهداية سبق ذكرها في الفاتحة وأول آيات سورة البقرة.
﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ لإضاعتهم رأس المال والربح، والهدى أو الفطرة السليمة تمثل رأس المال، بينما الربح هو التوفيق في الدنيا والآخرة.

ما وجه المقابلة بين هذه الآية وما قبلها من آيات؟:

- موقع هذه الجملة من نظم الكلام مقابل موقع جملة: ﴿أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 5﴾ ومقابل موقع: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ 7﴾.
- اسم الإشارة هنا: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ دل على صنف من الناس جمعوا صفات المنافقين المذكورة في الآيات السابقة، فانفضحوا وصاروا في حكم الحاضرين أمام السامع، فأشير إليهم. مقابله قوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 5﴾.
- استعمال اسم الإشارة للبعيد في القريب ورد في: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ﴾ وكان من دلالته تعظيم القرآن. أما هنا فأتى لتحقير المنافقين، كقول قيس بن الخطيم:
مَتّى يَأْتِ هَذا المَوْتُ لا يُلْفِ حاجَةً ..... لِنَفْسِيَ إلّا قَدْ قَضَيْتُ قَضاءَها
والموت بعيد عنه لكنه استعمل اسم الإشارة للقريب ليظهر استخفافه به.

ما سبب مجيء: ﴿ومَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ بعد: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾؟:

- أي: وما كانوا مهتدين في اشتراء الضلالة،
- أو: وما كانوا مهتدين إلى التجارة التي اهتدى إليها المؤمنون،
- أو: إنه لما كان التاجر قد لا يربح، ويكون على هدى في تجارته نفى الله عنهم الأمرين من الربح والاهتداء مبالغة في ذمهم. ودل ضياع الربح وخسارة الهدى على خسران رأس المال جميعاً.






 
رد مع اقتباس
قديم 02-05-2022, 01:02 PM   رقم المشاركة : 42
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ١٦









حول مضمون الآية:

اكتمل بهذا الصنف ذكر قبائح أفعال المنافقين:
الأولـى: ﴿يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ﴾.
الثانيــة: ﴿إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ﴾.
الثالثــة: ﴿أَنُؤۡمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُۗ﴾.
الرابعة: ﴿إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ﴾.
وقد جاءت أوصافهم في الآيات تترى، فهم:
1) يعلنون الإيمان وفي قلوبهم الكفر: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ ٨
2) يحسبون أنهم بنفاقهم يخدعون الله سبحانه وتعالى: ﴿يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخۡدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٩
3) إنهم أصحاب قلوب مريضة سقيمة، لا يدخلها نور الإيمان، ولذلك فهي قلوب ضعيفة، ليس فيها القوة اللازمة لمعرفة الحق: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ ١٠
4) يفسدون في الأرض: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ ١١ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ ١٢
5) ويتهمون المؤمنين بالسفاهة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُۗ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعۡلَمُونَ ١٣
6) وقد استبدلوا الكفر بالإيمان لما ﴿ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ﴾ 14.

ولأن القرآن في أعلى درج البلاغة لا يختار لفظاً على لفظ من شأنه أن يقوم مقامه، ولا يرجّح أسلوباً على أسلوب يمكن تأدية المراد به، إلاّ لحكمة في ذلك، وخصوصيّة لا توجد في غير ما اختاره ورجّحه، لذلك لم يقل: استبدلوا في موقع ﴿ٱشۡتَرَوُاْ﴾ لأن الاشتراء أخص من الاستبدال من وجهين:
1) إنّ الاستبدال لا يكون شراءً، إلاّ إذا كان فيه فائدة يقصدها المستبدل منه، سواء كانت الفائدة حقيقيّةً أو وهمية.
2) إنّ الشراء يكون بين متبايعين بخلاف الاستبدال.
فالمعنى الذي تؤدّيه الآية: إنّ أولئك القوم اختاروا الضلالة على الهدى لفائدة لهم بإزائها يعتقدون الحصول عليها من الناس، فهو معاوضة بين طرفين يقصد بها الربح، وهذا هو معنى الاشتراء والشراء، ومثلهما البيع والابتياع، ولا يؤدّيه مطلق الاستبدال.
وعملية البيع أو الشراء يكون فيها:
1) طرفان، هما البائع والمشتري،
2) ومادتان، هما السلعة، والقيمة المعاوضة مادية أو عينية،
والتاجر لا يعقد أي صفقة ما لم يضمن لنفسه فيها الربح، فما بال هؤلاء؟ ولِمَ حكم الله تعالى على تجارتهم بالخسارة، وعلى التاجر بالضلال؟

إن المنافقين باشروا تجارة خسروا فيها من أول يوم، إذ باعوا فيها ما وهبهم الله من الهدى والنور بظلمات التقاليد وضلالات الأهواء والبدع التي زجّوا أنفسهم فيها. إن الله تبارك وتعالى وهبهم فطرة سليمة منذ مولدهم، أهالوا عليها صنوف الأهواء والشهوات والخرافات، حتى نما فيها العفن والصدأ. ثم جاءهم داعي السماء بدين ينفض عنهم طبقات الغي والغواية، ويجلي القلوب بالتوحيد والهداية، جعلوا هذا الخير كله ثمناً دفعوه مقابل ما ألفوه من تراث الشرك والعمى، ثم حملوا بضاعتهم وراحوا. وما يظهر فساد الصفقة، وغباءهم فيها أن التاجر إذا خسر، قد يخسر بعض بضاعته، أما هم فخسروا البضاعة كلها ورأس المال، فخرجوا مفلسين. بل إن التعبير القرآني يصور صفقتهم بأنها خاسرة قبل أن تبدأ، فقوله تعالى: ﴿ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ﴾ جاء فيه بالضلالة معرفة، ولم يأت بالمصدر "الضلال" في مقابل "الهدى"، بل جاء بواحدة الضلالات، للتقليل والتحقير، في مقابل مصدر الهداية، كأنهم باعوا الكثير، في مقابل قليل القليل، وهذا بل شك فشل ذريع في عرف التجار، استحقوا عليه قول ربنا: ﴿ومَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.






 
رد مع اقتباس
قديم 05-05-2022, 01:35 PM   رقم المشاركة : 43
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ
لَّا يُبۡصِرُونَ ١٧






﴿مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا﴾:

جملة: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ لم تفصل عما قبلها بعاطف أو فاصل، مما يعني أنها متصلة بها اتصال بيان وتفصيل. المثل (بفتحتين)، والمثل (بالكسر)، والمثيل، كالشبه، والشبه والشبيه وزناً ومعنىً في الجملة، وهو من: مثل الشيء مثولاً، إذا انتصب بارزاً فهو ماثل. ومثل الشيء - بالتحريك - صفته التي توضحه وتكشف عن حقيقته، أو ما يراد بيانه من نعوته وأحواله.
و "الذي" في محلِّ خَفْضٍ بالإِضافة، وهو اسم موصولٌ للمفردِ المذكرِ، لكن وقع: ﴿ٱلَّذِي﴾ وصفاً لشيء يُفْهِم الجمعَ، ثم حُذِفَ ذلك الموصوفُ للدلالةِ عليه، والتقديرُ: مَثَلهم كَمَثَل الفريق الذي استوقد أو الجمعِ الذي استوقَدَ، ويكون قد رُوعي الوصفُ مرةً، فعادَ الضميرُ عليه مفرداً في قوله: ﴿اسْتَوْقَدَ﴾ و ﴿حَوْلَه﴾، والموصوفُ أخرى، فعاد الضميرُ عليهِ مجموعاً في قوله: ﴿بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ﴾.
واستوقَدَ استفْعَلَ بمعنى أفْعَلَ، نحو: استجاب بمعنى: أَجاب، وبهذا تكون السين زائدة للتأكيد، مثل: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ آل عمران 195، وقول الشاعر:
وداعٍ دعا يا مَنْ يُجيبُ إلى الندى ..... فلم يَسْتَجِبْهُ عندَ ذاكَ مُجيبُ
أي: فلم يُجِبْه. ويكون المعنى هنا: أوقد إذا أشعل النار بنفسه. وقيل: بل السينُ للطلب أي: طلب الإيقاد من غيره.
النَّار: جوهر لطيف مضيء حامٍ محرق، واشتقاقها من نَارَ يَنُورُ إذا نفر؛ لأن فيها حركةً واضطراباً، والنور مشتق منها، وهو ضوؤها، والمنار العلامة، والمَنَارة هي الشَّيء الذي يؤذن عليها ويقال أيضاً للشيء الذي يوضع عليه السّراج منارة، ومنه النُّورَة لأنها تطهر البدن، ووقود النار ارتفاع لهيبها. والموقود - هنا - هو سطوع النَّار وارتفاع لهبها.

المثل في العربية:

- أصْلُ المَثَلِ (بِفَتْحَتَيْنِ) هو النَّظِيرُ والمُشابِهُ، ويُقالُ أيْضًا: "مِثْلُ" (بِكَسْرِ المِيمِ وسُكُونِ الثّاءِ)، ويُقالُ "مَثِيلٌ" كَما يُقالُ: شِبْهٌ وشَبَهٌ وشَبِيهٌ، وبَدَلٌ (بالفتح) وبِدْلٌ (بِكَسْرِ الباء وسُكُونِ الدال)، وبَدِيلٌ، ولا رابِعَ لِهَذِهِ الكَلِماتِ في مَجِيءِ فَعَلٍ وفِعْلٍ وفَعِيلٍ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقيل: مَثَلُهُمْ أي صفتهم.
- والمثل (بالتسكين): يقال في الشيء المماثل لغيره، وبالتحريك: هو القول السائر الذي فيه غرابة من بعض الوجوه. وأمثال العرب باب من أبواب بلاغتهم.
- إن المقصود من ضرب المِثَال أنه يؤثر في القَلْبِ ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه، وذلك لأن الغرض من المَثَلِ تشبيه الخَفِيّ بالجَلِيّ والغائب بالشاهد، فيتأكّد الوقوف على ماهيته، ويصير الحس مطابقاً للعقل، مثل:
إِنَّ القُلوبَ إِذَا تَنَافَرَ ودُّهَا ..... شِبْهُ الزُجَاجَةِ كَسْرُهَا لا يُشْعَبُ
فشبه كسر القلوب وهو مسألة معنوية بشيء ملموس هو الزجاجة التي لا يجبر كسرها.
وقصة أبي تمام في مجلس مديح الخليفة أحمد بن المعتصم مروية في كتب الأدب، وتَخَلُّصُه من المأزق كان ببيتين من أشهر أبيات المدح العربي:
لا تُنكِـروا ضَربي لَهُ مِن دونِهِ ..... مَثَـلاً شَروداً في النَدى وَالباسِ
فَـاللَهُ قَـد ضَــرَبَ الأَقَـلَّ لِنـورِهِ ..... مَـثَـلاً مِنَ المِشـكـاةِ وَالنِبـراسِ*
* أنشد أبو تمام في مجلس أحمد بن المعتصم قصيدة يمدحه فيها، فلما بلغ البيت الذي يقول فيه:
إقدام عمرو في سماحة حاتم ..... في حلم أحنف في ذكاء إياس
قام يعقوب بن إسحاق الكندي، فقال: الأمير أكبر من كل شيء فيمن شبهتهم بهم. فانبرى أبو تمام على الفور، فقال:
لا تنكروا ضربي له مَن دونَه ..... مثلاً شَـروداً في الندى والباس
فالله قد ضـرب الأقل لنــــوره ..... مثـلاً من المِشــــكاة والنبـراس
فأعجب الأمير والحاضرون بفطنة أبي تمام في سرعة تخلصه وتمكنه من فنه فأمر الأمير بمضاعفة جائزة الشاعر.
- ومن الأمثال النبوية "مَثَلُ المُنافِقِ، كَمَثَلِ الشَّاةِ العائِرَةِ بيْنَ الغَنَمَيْنِ تَعِيرُ إلى هذِه مَرَّةً وإلَى هذِه مَرَّةً"*. ومن الأمثال ألفاظ قيلت عند أحوال، واشتهرت وسارت حتى صار ذكرها يُنْبِئُ بتلك الأحوال التي قيلت عندها، وإن يذكر اللفظ الدال على الحالة، نَحْوَ: "الصَّيْفُ ضَيَّعْتِ اللَّبَنَ" و "بِيَدِي لا بَيْدَ عَمْرٍو" و "رُبَّ رَمْيَةٍ مِن غَيْرِ رامٍ".

- والمثل أحد أقسام القرآن السبع: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ العنكبوت 43، و﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ الإسراء 89.
- ويستعير المثل للقصّة وللصفة إذا كان لها شأن وفيها غرابة، كأنه قيل: قصّتهم العجيبةُ كقصّة الذي استوقد ناراً، وكذا قوله ﴿مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ الرعد 35، أي فيما قصصنا عليه من العَجَائب قصّة الجنّة العجيبة. ويقول جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ﴾ النحل 60، أي: الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة.
- ومن المَثَل السائر الذي فيه غرابةٌ من بعض الوجوه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾ البقرة 26، وقوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً﴾ النحل 112.

نماذج من أمثال القرآن الكريم:

- ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ۖ وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ محمد 15، فالجنة ونعيمها غيب عن البشر، لذلك قال فأطنب في ذكر أنهارها وأُكُلِها وظلها بما نعهده من نعيم دنيوي ليقرب لنا صورتها على الرغم من أنها فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر*.
* قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالَى: أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصَّالِحِينَ، ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشَرٍ. قالَ أبو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ 17﴾ السجدة. قال أبو مُعاويةَ، عن الأعمَشِ، عن أبي صالِحٍ: قرَأ أبو هُريرةَ :قُرَّاتِ أعْيُنٍ.
أخرجه الشيخان: البخاري (4779)، ومسلم (2824)،
وقريب منه عن سهل بن سعد الساعدي في مسلم (2825).
- ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ الزمر 29.
- ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ النحل 76.






 
رد مع اقتباس
قديم 06-05-2022, 12:44 PM   رقم المشاركة : 44
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ
لَّا يُبۡصِرُونَ ١٧










﴿فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ لَّا يُبۡصِرُونَ﴾:

"لَمَّا" حرفُ وجوب لوجوب.وقد تأتي بمعنى إلا كما في: ﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾ الزخرف 35.
والإضاءة: الإشراق، وهو فرط الإنارة، ويؤيده قوله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً﴾ يونس 5. وأضاء يجيء متعدياً وهو الأصل ومجرده ضاء.
و "حولَه" ظرفُ مكانٍ ومخفوضٌ به، صلةٌ لها، ولا يَتَصَرَّفُ. وما حول الشيء فهو الذي يتّصل به تقول: دار حوله وحواليه. والحَوْل: السَّنة؛ لأنها تحول، وحال عن العَهْدِ أي: تغير، ومنه حال لونه. والحوالة: انقلاب الحَقّ من شخص إلى شخص، والمُحَاولة: طلب الفعل بعد أن لم يكن طالباً له، والحَوَل: انقلاب العَيْنِ، وَالحِوَل: الانقلاب قال تعالى:﴿لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾ الكهف 108.
وقولُه تعالى: ﴿ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ جوابُ "لَمَّا".
قولُه تعالى: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ﴾ جملةٌ معطوفةٌ على قوله: ﴿ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ﴾.
وأصل الترك: التخليةُ، ويُراد به التصييرُ، فيتعدَّى لاثنين على الصحيح، كقولِ الشاعر:
أَمَرْتُكَ الخير فافعلْ ما أُمِرْتَ به ..... فقد تَرَكْتُكَ ذا مال وذا نَشَبِ
فيكون المفعولُ الأول في الآية هو الضميرَ، والمفعولُ الثاني ﴿فِي ظُلُمَاتٍ﴾ و ﴿لاَّ يُبْصِرُونَ﴾ حالٌ مؤكدة لأنَّ مَنْ كان في ظلمة فهو لا يُبْصِرُ.
والظّلمة: عدم النُّور عما من شأنه أنْ يَسْتَنِيرَ، والظّلم في الأصل عِبَارَةٌ عن النُّقصان قال تعالى: ﴿ءَاتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً﴾ الكهف 33، أي: لم تَنْقُص.

طالما قال ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ لِمّ قال ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ولم يقل "بضوئهم"؟:

- النور منشأ الضياء ومبدؤه، وإذهاب الأصل ينفي الفرع، لأنه المراد من إيقادها،
- لو قال: "بضوئهم" لاحتمل ذهاب الضوء، وبقاء شيء من النور، والغرض إزالة النور بالكلية،
- أكد معنى ذهاب النور قوله تعالى: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، فجاء بالظلمات في مقابل النور.
- وكأن الله أراد أن يحرمهم من الانتفاع بنور الرسالة المحمدية الذي جاء في قوله تعالى ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ المائدة 15.
- لما شاع التعبير عن الإسلام بالنور في القرآن صار اختيار لفظ النور بمثابة تجريد الاستعارة، لأنه أنسب بالحال المشبهة، وعبر عما يقابله في الحال المشبه بها بلفظ يصلح لهما أو هو بالمشبه أنسب في اصطلاح المتكلم فجمع الضمير.


ما معنى ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ؟:

في المعنى ثلاثة أقوال:
1) كانوا يتمتعون في حياتهم بمزايا الانتساب للإسلام، فلما ماتوا سلبهم الله العز كما سلب موقد النار ضوءه، و ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ أي في عذاب،
2) ذهاب نورهم بإطلاع الله المؤمنين على كفرهم،
3) أبطل نورهم عنده، كرجل أوقد ناراً فأطفئت، فعاد في ظلمة.

ما الفرق بين ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ "أذهب الله نورهم"؟:

- قال: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ولم يقل: "أذهب الله نورهم" لأن التعدي بالباء أفاد معنى الاستصحاب والاستمساك. وخسارتهم هنا أكبر، إذ أن الذهاب كان لله مصطحباً معه النور. والذهاب في حق الله محال، ولكنه ذهاب مجازي، كما وصف نفسه بالمجيء: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ الفجر 22، وكأن المعنى أن الله سلبهم مع النور كل خير.
- ﴿وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ لَّا يُبۡصِرُونَ﴾ أفادت انقطاع النور عنهم، فهم لم يعودوا إلى الاستنارة من بَعْد.
- ﴿وَتَرَكَهُمْ﴾ أفادت تحقيرهم، يقول النابغة الذبياني مخاطباً النعمان:
فَلا تَتْرُكَنِّي بِالوَعِيدِ كَأنَّنِي ..... إلى النّاسِ مَطْلِيٌّ بِهِ القارُ أجْرَبُ
فالله فارقهم بذهابه بنورهم وأهملهم بالترك في ظلمات حالكة وأفادت ﴿فِي ظُلُمَٰتٖ﴾ شدة الظلمة.

لِمّ جمع ﴿ظُلُمَٰتٖونكرها؟:

- لبيان شدة الظلمة، كقول النبي صلى الله عليه وسلم عن الظلم أنه: ظلمات يوم القيامة*.
* عن جابر بن عبد الله عن النبي: اتَّقُوا الظُّلْمَ، فإنَّ الظُّلْمَ ظُلُماتٌ يَومَ القِيامَةِ، واتَّقُوا الشُّحَّ، فإنَّ الشُّحَّ أهْلَكَ مَن كانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ علَى أنْ سَفَكُوا دِماءَهُمْ واسْتَحَلُّوا مَحارِمَهُمْ.

صحيح مسلم (2578).
- تعددت الظلمات التي تشـملهم: ظلمة الكفــر، وظلمـة النفـاق، وظلمة الكـذب، وظلمـة الضـلال والتخبـط، وظلمة الاستهزاء بالمؤمنين، وظلمة سخط الله، وظلمة عقاب الله في الآخرة. ظلمات بعضها فوق بعض.
- ومن اللطائف أن الظلمة ما جاءت في القرآن الكريم إلا مجموعة، وما جاء النور معها إلا مفرداً.

وجوه المماثلة بين المنافق ومستوقد النار:

1) أن مستوقد النار يدفع بها الأذى فإذا انطفأت وصل الأذى إليه، كذلك المنافق يحقن دمه بالإيمان ويبيحه بالكفر،
2) أنه يهتـدي بها فإذا انطفأت ضـل، كذلك المنـافق يهتدي بالإســلام فإذا اطلـع على نفاقـه ذهب عنه نـور الإسلام وعاد إلى ظلمة كفره،
3) أنه إذا لم يمدها بالحطب ذهب ضوؤها، كذلك المنافق إذا لم يستدم الإيمان ذهب إيمانه،
4) أن المستضيء بها نوره من جهة غيره لا من نفسه فإذا ذهبت النار بقي في ظلمة، كذلك المنافق لما أقر بلسانه بغير اعتقاد قلبه كان نور إيمانه كالمستعار،
5) أن الله شبه إقبالهم على المؤمنين بالإضاءة، وعلى المشركين بالذهاب،
6) شبه الذي باعوه بالنور الذي حصل للمستوقد، والضلالة المشتراة بالظلمات،
7) أنه مثل ضربه الله للمنافق لأنه أظهر الإسلام فحقن به دمه ومشي في حرمته وضيائه ثم سلبه في الآخرة عند حاجته إليه.

إن الصراع النفسي الذي يعاني منه المنافق في إرادته أن يخفي عيوبه عن الناس، ويريد الله المطلع على السرائر أن يقرب صفات التمزق الذي يعاني منه المنافق بضرب الأمثال ليقرب لنا المعنى ويعطينا الحكمة. يقول إن مثلهم مثل الذي يشعل ناراً لينتفع بها، فلما انتشرت حولهم انقطعت عنهم وبقوا في ظلمة دامسة.

ما وجه التمثيل في أنه أعطي نوراً، ثم سلب ذلك النور، مع أنّ المنافق ليس هو نور؟:

هنا أكثر من مسألة:
- أولها: في إعطاء النور ثم سلبه، على الرغم من أن المنافق يفتقر أصلاً إلى النور.
- وثانيها: من استوقد ناراً فأضاءت قليلاً، فقد انتفع بها وبنورها ثم حرم، والمنافقون لا انتفاع لهم ألبتة بالإيمان.
- وثالثها: مستوقد النَّار قد اكتسب لنفسه النور، والله تعالى ذهب بنوره، وتركه في الظُّلمات، والمنافق لم يكتسب خيراً، وما حصل له من الحيرة، فقد أتي فيه من قبل نفسه، فما وجه التَّشبيه؟

إنَّ العلماء ذكروا في كيفية التَّشبيه وجوهاً:

- أحدها: إن ناساً دخلوا في الإسلام عند وصوله - عليه الصلاة والسلام - إلى المدينة ثم إنهم نافقوا، والتشبيه - هاهنا - في غاية الصحة؛ لأنهم بإيمانهم أولاً اكتسبوا نوراً، ثم بنفاقهم ثانياً أبطلوا ذلك النور، ووقعوا في حيرة من الدنيا، وأما المتحيّر في الدِّين، فإنه يخسر نفسه في الآخرة أبَد الآبدين.
- وثانيها: لمن كانوا مُنَافقين من أول الأمر: مَثَلُهُمْ في نفاقهم كَمَثَلِ رجل أوقد ناراً في ليلة مظلمة في مَغَارَةٍ، فاستدفأ، ورأى ما حوله فاتَّقَى مما يخاف، فَبَيْنَا هو كذلك إذْ طُفِئَتْ ناره، فبقي في ظلمة خائفاً متحيراً، فكذلك المنافقون بإظهارهم كلمة الإيمان أمنوا على أموالهم، وأولادهم، وناكحوا المؤمنين، وأورثوهم، وقاسموهم الغَنَائم، وسائر أحكام المسلمين، فذلك نورهم، فإذَا ماتوا عادوا إلى الظُّلْمَة والخوف، ولما كان ذلك بالإضافة إلى العذاب الدَّائم مثل الذّرة، شبههم بمستوقد النَّار الذي انتفع بضوئها قليلاً، ثم سلب ذلك، فدامت حسرته وحيرته للظُّلمة العَظِيمةِ التي جاءته عقيب النُّور اليسير.
- وثالثها: أن نقول ليس التَّشبيه في أنَّ للمنافق نوراً، بل وجه التَّشْبيه بالمستوقد أنه لما زال النُّور عنه تحيَّروا تحيُّرَ من كان في نور ثم زال عنه أشَدّ من تحيّر سالك الطريق في ظلمة مستمرة، لكنه تعالى ذكر النور في مسـتوقد النَّار لكي يصحّ أن يوصف بهذه الظُّلمـة الشـديدة، لا أن وجه التشـبيه مجمع النور والظلمة.
- ورابعها: إنَّ الذي أظهروه يوهم أنه من باب النور الذي ينتفع به، وذهاب النور هو ما يظهره لأصحابه من الكفر والنِّفَاق، وإن المثل إنما عطف على قوله:﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوۤا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ﴾ البقرة 14، فالنار مثل لقولهم: ﴿ءَامَنَّا﴾ وذهابه مثل لقولهم للكُفّار: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾. وقولهم هـذا اعتبر نـوراً من باب أنهم لو ضمـوا إلى القول اعتقاداً له وعملاً به لأتم النـور لنفســه، وإذا لم يفعلوا
ذهب.
- وخامسها: يجوز أن يكون استيقاد النار عبارةً عن إظهار المُنَافق كلمة الإيمان، وإنما سمى نوراً؛ لأنه يتزين به ظاهراً فيهم، ويصير ممدوحاً بسببه فيما بينهم، ثم إنّ الله يذهب ذلك النور بِهَتْكِ ستر المُنَافق بتعريف نبيّه والمؤمنين حقيقة أمره، فيظهر له اسم النِّفَاق بدل ما يظهر منه من اسم الإيمان، فيبقى في ظُلُمَاتٍ لا يبصر؛ إذ النُّور الذي كان له قبل كَشْفِ الله أمره قد زال.
- وسادسها: أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضَّلاَلة بالهُدَى عقب ذلك بهذا التمثيل ليمثل هُدَاهم الذي باعوه بالنار المُضِيئة ما حول المستوقد والضَّلاَلة التي اشتروها، وطبع بها على قُلُوبِهِمْ بذهاب الله بنورهم، وتركه إيّاهم في ظلمات.
- وسابعها: يجوز أن يكون المستوقد - هاهنا - مستوقد نار لا يرضاها الله تعالى، والغرض تشبيه الفتنة التي حاول المنافقون إثارتها بهذه النار، فإنَّ الفتنة التي كانوا يثيرونها كانت قليلة البقاء، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ﴾ المائدة 64.
- وثامنها: قيل: نزلت في اليهود، وانتظارهم لخروج النبي عليه الصلاة والسلام لإيقاد النَّار، وكفرهم به بعد ظهوره، كزوال ذلك النور.






 
رد مع اقتباس
قديم 08-05-2022, 02:24 PM   رقم المشاركة : 45
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ
لَّا يُبۡصِرُونَ ١٧









لمحات بلاغية في الآية:

- ﴿الَّذِي﴾: بمعنى الذين، مثل: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ التوبة 69.
- وقوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي﴾ بالإفراد، ثم: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ بالجمع، فشبه قصة جماعة بقصة فرد، مثيله: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ محمد 20، و ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ﴾ الجمعة 5.
- أفرد ﴿نَارًا﴾ ونكرها لأن من يطبق عليه المثل، وهو المنافق يأخذ من الإسلام - وهو الذي تقابله النار في المثل - الشيء القليل الذي ينافق به المؤمنين مع انطواء قلبه على الكفر.
- ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ﴾ أي النار ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ أي: ما حول المستوقد، وحول للدوران، وقيل للعام حول لأنه يدور. أي أن الإضاءة لم تكن له، بل استفاد بالإضاءة من هم حوله، أي إنهم ما استفادوا بذلك الإسلام. مما يدل على أنهم طلبوا الهدى، فلما جاءهم أنكروه بينما نعم به غيرهم من الصادقين في الظاهر والباطن.
- وأريد ﴿بِنُورِهِمْ﴾ النور الذي أظهروه من الإيمان باللسان، وهذا التفاف بديع يعود على المنافقين لا على المثل المضروب. لو كان الذهاب عائداً على نور المستوقد لقال "بناره" أو "بنوره"، لكنه قال: ﴿بِنُورِهِمْ﴾ لينتقل من التمثيل إلى الحقيقة، وهو أسلوب من الإعجاز لا عهد للعرب بمثله. ويكون هذا موافقاً لما سيتلوه في قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ 18﴾.






 
رد مع اقتباس
قديم 09-05-2022, 01:34 PM   رقم المشاركة : 46
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ
لَّا يُبۡصِرُونَ ١٧










حول مضمون الآية:

التمثيل أمثل أساليب البلاغة، وأشدّها تأثيراً في النفس وإقناعاً للعقل، لذلك نجد في كتاب الله الكثير من هذا الصنف البليغ. ومنه الأمثال السائرة، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا البقرة 26، ومنه الاستعارة التمثيليّة، نَحْو: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ آل عمران 103، إذ شبه استظهار العبد بالله ووثوقه بحمايته والنجاة من المكاره باستمساك الواقع في مهواة، بحبل وثيق مدلى من مكان مرتفع يأمن انقطاعه. وفي هذه الآية مثل من مثلين ضربهما الله في هذه الآيات للمنافقين، تلك الفئة التي سلكت مسلكاً معوجاً في تعاملها مع نداء الحق، فلا قبلته قلوبها، ولا صرحت برفضه. ولولا أنّ بلاء هذه الفئة عظيم، وداءه دفين، وعلاجه متعسّر، لما كان من البلاغة ولا من الحكمة أن يعنى بشأنه كلّ هذه العناية. وقد ضرب الله تعالى لهذه الفئة المخادعة مثلين، ينبئان بانقسامه إلى فريقين، خلافاً لما في أكثر التفاسير في أنّ المثلين لفريق واحد، وأنّ معناهما وموضوعهما واحد:

الأوّل: من أوتوا ديناً اهتدى به أسلافهم، فصلح حالهم به، واستقاموا على شرعه، لكنهم انحرفوا عنه وحرفوه، فصار ديناً مصنوعاً، مليئاً بالأساطير والخرافات، يغيب عنه كلام الله الذي أنزله في كتبه. وبلغ من غيهم التقول على الله، بادعاء أن هذا المؤلف كلامه، وذلك الشرع المختلط بالأوهام والأهواء شرعه. وجعل المولى جل وعلا مثلاً لهؤلاء بمن استوقد ناراً، فلمّا أضاءت ما حوله بما أودعته من الهدى والرشاد، وكاد بالنظر فيها يمشي على هداية وسداد، ضيعه بالتقليد الخبيث، والغرور البغيض، حتى غشيته الضلالة وأطبقت عليه، فانطفأ فيه نور اليقين، وتعطّلت قوى الشعور، فصار بمنزلة الأعمى الأصم.
وأمّا الفريق الثاني، فقد ضرب الله له المثل في قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ البقرة 19، يتخبط حين يسمع قوارع الإنذار الإلهيّ، ويبرق في عينيه نور الهداية، فإذا أضاء له ذلك البرق السماويّ سار، وإذا انصرف عنه بشبه الضلالات الغرّارة، قام وتحيّر لا يدري أين يذهب، فيضع إصبعيه في أذنيه حتّى لا يسمع إرشاد المرشد ولا نصح الناصح، يخاف من تلك القوارع أن تقتله، ومن صواعق النذر أن تهلكه.

ونور الهداية هو ما ذكره الله تبارك اسمه في قوله: ﴿أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ الزمر 22، ولأن المهتدين قبسوا من نور الله في الحياة الدنيا، فأناروا قلوبهم، يجعل الله لهم في الآخرة نوراً يهديهم لنعيمه، أما من اختاروا الظلمة في حياتهم، فقد لحقتهم الظلمة بعد الخروج من القبور، ويطلبون النور، فلا يستجاب لهم. يقول تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ 13 يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَٱرْتَبْتُمْ وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ 14الحديد، ويكون بعدها الجزاء على تخلفهم عن ركب الهدى.

وإن في قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ الذي فيه معنى المصاحبة، فكأنهم حين ذهب عنهم نورهم، ذهب بصحبة رب العزة والجلال، وذهاب الله يعني ذهاب معونته وتوفيقه، وينبغي هنا أن نفهم مقابله: إن النور مصحوب برضى الله وفضله، وهو ما يتنعم به من بقوا في النور، واختاروا الهداية. وإن المستوقد المسترشد يظفر بطمأنينة النور، وبرعاية الهادي نور السموات والأرض جل جلاله.






 
رد مع اقتباس
قديم 10-05-2022, 03:38 PM   رقم المشاركة : 47
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ١٨







﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾:

جموع كثرة على وزن فعل وهو قياس في جمع فعلاء وأفعل. والجملة على إضمار مبتدأ تقديره: هم صم. ومن يجعلون هذه كلها أخبار، ويقولون: إن هذه الألفاظ إن تعدَّدَتْ لفظاً فهي متَّحِدَةٌ معنًى، ويتمثلون بقول القائل: "هذا حُلوٌ حامِضٌ" أي مُزٌّ، و "هو أَعْسَرُ يَسَرٌ" أي أَضْبَطُ، وقول الشاعر:
ينامُ بإحدىٰ مُقْلَتَيْهِ ويتَّقي ..... بأخرىٰ المَنايا فهو يَقْظانُ هاجِعُ
أي: متحرِّزٌ، أما من لا يجيزون تعدد الخبر فيقدَّرون لكلِّ خبرٍ مبتدأً تقديرُه: هم صُمٌّ، هم بُكْم، هم عُمْي.
والصَّمَمُ داءٌ يمنعُ من السَّماع، وأصلُه من الصَّلابة، يقال: "قناةٌ صَمَّاء" أي صُلبة، وقيل: أصلُه من الانسدادِ، ومنه: صَمَمْتُ القارورةَ إذا سَدَدْتُها.
والبَكَم داءٌ يمنع الكلامَ، وقيل: هو عدمُ الفَهْمِ، وقيل: الأبكم مَنْ وُلِد أخرسَ.
والعمى ظلمة في العين تمنع من إدراك المبصرات.

ما فائدة وصفهم بهذه الأوصاف؟:

المنافقون ليسوا بصم ولا بكم ولا عمي على الحقيقة، بل هو من المجاز إذ جعل إعراضهم عن الحق مثل الفاقد لحواس السمع والنطق والرؤية، يقول تعالى: ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ ١٢٤ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرٗا ١٢٥ قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَاۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ ١٢٦طه، ويقول الشاعر:
أَعمى إذا ما جارتي خرجتْ ..... حتّى يُوَارِيَ جارتي الخِدْرُ
وأَصــمُّ عَلى مَا كَان بينَهُمـا ..... أذني، وما في سَـمْعِها وَقْرُ
فما فائدة السمع إلا الإصاغة إلى النصح والهدى، وما نفع اللسان إلا الاسترشاد بالقول وطلب الدليل والبرهان لتتجلى المعقولات وتتضح المشكلات، وما مزية البصر إلا النظر والاعتبار لزيادة الهدى والاستبصار، فمن لم يستعملها في شيء من هذا فكأنه فقدها، وقطع الطريق على نفسه للعودة عن الضلال، يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ٢٦الأحقاف.

لِمَ لم يستعمل عاطف في قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾؟:

عدم استعمال حرف العطف بين هذه الصفات دل على أنهم كلهم على هذه الصفة، يجمع كل منهم بين الصمم والبكم والعمى، ولو أنه قال: صم وبكم وعمي، لتوهم أن بينهم الأصم والأبكم والأعمى، بينما المقصود أن يحمل كل منهم هذه الصفات مجتمعة.

مقابلة آفات المنافقين بالكافرين:

- قال تعالى في حق الكافرين: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ثم قال هنا في حق المنافقين: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾، وكأنه طابق بين الفئتين، فلا رغبة للكافر في الإيمان، وخلا قلب المنافق من الإيمان.
- استحق الكافر الختم على القلب والسمع والغشاوة على العين، واستحق قلب المنافق مرضاً على مرض وعمه وصمم وبكم وعمى.
- قال في الكفار: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وفي المنافقين: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فذكر أثر عذاب المنافقين عليهم، فبين أنه عذاب حسي شديد، بينما لم يحدد مستوى العذاب للكفار، وترك تقديره له تبارك وتعالى. لكن موقع المنافقين في النار يوضح مستوى الألم الذي يشعرون به، يقول تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ النساء 145، والدرك الأسفل من النار هو قعرها، وهو أشدها لهيباً.


﴿فَهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ:

"رَجَعَ" يكونُ لازماً ومتعدياً، فإذا كان بمعنى "عاد" كان لازماً، وإذا كان بمعنى أعاد كان متعدياً، وتحتمل الآية التقديرين. فإنْ جَعَلْنَاه متعدياً فالمفعولُ محذوفٌ، تقديرُهُ: لاَ يَرْجِعُون جواباً، مثلُ قوله: ﴿إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ الطارق 8.

ما مدلول: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ؟:

هذه الصفات المذمومة، وردت بعد تصريحه جل وعلا بأنهم ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ و ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ و ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾، فاجتمعت فيهم مقدمات الصمم والبكم والعمى بالمعنى المعنوي. ثم أضاف: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ ليدلل على نفي إرادة الرجوع إليهم، وهذه هي النتيجة المنطقية، إذ فقدوا وسائل الرجوع إلى الهدى بعد أن باعوه، أصروا على الغي واجتهدوا فيه، وأكدوا لشياطينهم أنهم معهم، وعمدوا إلى تعطيل حواسهم، يقول تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾ محمد 23، فكيف يرجع للهدى من فقد البصر، فلا يرى الطريق، وأصابه الخرس والصمم فلا يستطيع أن يطلب المعونة. وكأن المقابل الذي نفهمه من أفعالهم القبيحة التي تقدمت في الآيات السابقة، مع ختمها بالتقرير الإلهي: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ لأنهم صاروا أجساداً بلا روح، وصاروا كالأنعام بل هم أضل.






 
رد مع اقتباس
قديم 11-05-2022, 02:20 PM   رقم المشاركة : 48
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ١٨







حول مضمون الآية:

هذا المثل مضروب لفريق لا ترجى هدايته؛ لأنّه سدّ على نفسه جميع أبواب الهداية، فلا يثق بعقله ولا بحواسّه ولا بوجدانه إذا خالفت تقاليده. وإذا كانت آفتهم في ذهاب النور بالعمى وحده، لما كانت كافية لتمثيل الحرمان. إن الأعمى يتكلم ويسمع، وهي حواس تمكنه من التواصل مع الناس، واستقبال الخير منهم. أما والغرض من التمثيل إثبات انقطاعهم التام عن التأثر، فقد جاء المولى تبارك وتعالى بصورة كاملة للإغلاق، فهم منقطعون عن الهداية بالصمم والبكم والعمى. فإذا اجتمعت هذه الآفات، انقطعت عنهم مواعظ الوعاظ، أو نصائح المرشدين، فقدوا السمع، فأغلق عليهم باب استقبال أصوات الهداية، وفقدوا النطق، فلم يستطيعوا طلب الرشد أو النصيحة، وفقدوا خير منافع الأبصار، وهو نظر الاستفادة والاعتبار، فهم باقون في ظلمات الجهل. وكأن أحدهم وقع في أرض فلاة في ليلة مظلمة، وفقد فيها جميع حواسّه، فلا يسمع صوتاً يسترشد به، ولا يمكنه إخراج صوت يستنجد بمن يخرجه من أزمته، ولا يرى بارق نور يؤمّه ويقصده، أو نجماً يهديه إلى سبيل الخلاص.

أما وقد أغلقوا على أنفسهم كل الأبواب المعنوية والحسية:
- ﴿وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ ٨
- ﴿وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ ١٢
- ﴿وَلَٰكِن لَّا يَعۡلَمُونَ ١٣
- ﴿وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١٥
- ﴿صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ١٨
ففقدوا الإيمان بمعناه الحق، والشعور، والعلم، والحواس، فقد قطعوا على أنفسهم خط العودة عما كبلوا نفوسهم فيه، وطبعوه على قلوبهم، فلم يعد بالإمكان أن يستجيبوا لداعي الصلاح، ولا أن يرجى منهم الخروج من تيه الضلال.






 
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 

اشترك في مجموعة أقلام البريدية
البريد الإلكتروني:
الساعة الآن 02:44 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2023, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط