الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديـات الثقافيـة > المنتدى الإسلامي

المنتدى الإسلامي هنا نناقش قضايا العصر في منظور الشرع ونحاول تكوين مرجع ديني للمهتمين..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-11-2022, 12:44 PM   رقم المشاركة : 145
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

(ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ
وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ 27)







حول مضمون الآية:

هذه الأقوال التسعة منها ما يدل على العموم في كل ناقض للعهد، ومنها ما يدل على أن المخاطب قوم مخصوصون، وهذا الاختلاف مبني على الاختلاف الذي وقع في سـبب النزول، والعموم هو الظاهر. فكل من نقض عهد الله من مسلم وكافر ومنافق أو مشـرك أو كتابي تناوله هذا الذم. إنَّ هذا هو القسم الأوّل من العهد الإلهيّ وهو العامّ الشـامل، والأساس للقسم الثاني المكمّل الذي هو الدين. فالعهد: فطريّ خلقيّ، ودينيّ شـرعيّ.فالمشركون نقضوا الأوّل، وأهل الكتاب الذين لم يقوموا بحقّه نقضوا الأوّل والثاني جميعاً، وأعني بالناقضين من أنكر المثل من الفريقين. والله - تعالى - قد وثّق العهد الفطريّ بجعل العقول بعد الرشد قابلةً لإدراك السنن الإلهية في الخلق. ووثّق العهد الدينيّ بما أيّد به الأنبياء من الآيات البيّنات، والأحكام المحكمات. وقد وثّق العهد الأوّل بالعهد الثاني أيضاً. فمن أنكر بعثة الرسل ولم يهتد بهديهم فهو ناقض لعهد الله فاسق عن سننه في تقويم البنية البشريّة وإنمائها، وإبلاغ قواها وملكاتها حدّ الكمال الإنسانيّ الممكن لها.

وإذا كان معنى الفسوق المذكور في الآية السابقة: الخروج عن سنن الله - تعالى - في خلقه، التي هداهم إليها بالعقل والمشاعر، وعن هداية الدين بالنسبة إلى الذين أوتوه خاصّة، فعهد الله - تعالى - هو مجمل عهدي الفطرة والدعوة إلى دين الله، إي إنه ما أودعه في ذواتهم من إيمان فطري، وما وهبهم من أدوات عقلية ومنطقية يفهمون به سنن الله المعهودة في النفس والملكوت، وبالنظر والاعتبار، والتجربة والاختيار، واستخدام العقل والحواسّ المرشدة إليها. ثم استغلال نعمة العقل في الاستدلال على الخالق، واتباع خطوات رسله، وإلا صدق في الضالين عن سبيل الله قوله: (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) الأعراف 179.

وإذا كان مشركو العرب قد نقضوا عهد الفطرة، ثم أداروا ظهورهم لدعوة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وآذوه، وخالفوا العقل والمنطق حرصاً على مصالح دنيوية زائلة، وهم يعلمون أنه مرسل من الله، لقوله تعالى: (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ) الأنعام 33. وإذا كان أهل الكتاب عرفوه، لقوله تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ) البقرة 146، ثم أنكره كثير منهم، وعادوه، فقد اجتمع في الفريقين نقض عهد الله بعد ميثاقه: نقض كفار العرب عهد الفطرة، ومشركو أهل الكتاب عهد: (وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ) آل عمران 187، ومما كتموه صفات النبي الخاتم حتى لا يؤمن به الناس؛ فالمكذّبون من أهل الكتابين قد قطعوا صلات الأمرين كما نقضوا العهدين؛ فإنّ الله - تعالى - قد بشّـرهم في الكتب المنزلة على موسى وعيسى بالنبيّ - عليهم السلام - لأنّه ذكر للمبشّر به صفات وأعمالاً وأحوالاً تنطبق عليه أتمّ الانطباق، فحرّفوا وأوّلوا واجتهدوا في صرفها عنه وهم متعمّدون، لقوله تعالى: (وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنۡهُمۡ لَيَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ 146)البقرة.

لذلك نقول مطمئنين أن قوله: (وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ) فيه من الإجمال نحو ما في نقض العهد، وليس هو بمعناه على طريق التأكيد، وإنّما هو وصف مستقلّ جاء متمّماً لما سبقه. وهذا الأمر نوعان: أمر تكوين: وهو ما عليه الخلق من النظام والسنن المحكمة، وقد سمّى الله تعالى التكوين "أمراً" بما عبّر عنه بقوله: كن. وأمر تشريع: وهو ما أوحاه إلى أنبيائه وأمر الناس بالأخذ به. ومن النوع الأوّل ترتيب النتائج على المقدّمات، ووصل الأدلّة بالمدلولات، وإفضاء الأسـباب إلى المسبّبات، ومعرفة المنافع والمضارّ بالغايات. فمن أنكر نبوّة النبيّ بعد ما قام الدليل على صدقه، أو أنكر سلطان الله على عباده بعد ما شـهدت له بها آثاره في خلقه، فقد قطع ما أمر الله به أن يوصل بمقتضى التكوين الفطريّ. وكذلك من أنكر شـيئاً ممّا علم أنّه جاء به الرسول؛ لأنّه إن كان من الأصول الاعتقاديّة، ففيه القطع بين الدليل والمدلول، وإن كان من الأحكام العمليّة ففيه القطع بين المبادئ والغايات؛ لأن كلّ ما أمر الدين به - قطعاً - فهو نافع، ومنفعته تثبتها التجربة والدليل. وكلّ ما نهى عنه - حتماً - فلا بدّ أن تكون عاقبته مضرّة.فالذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه: هم الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل بغايته. أمّا بالنسبة إلى الإيمان بالله تعالى وبالنبوّة، فيقطعون ما أمر به بمقتضى التكـوين والنظام الفطـريّ. وأمّا بالنسـبة إلى الأحكام فيقطعـون ما أمـر به في كتبه أمـر
تشريع وتكليف. وصلة الأرحام تدخل في كلٍّ من القسمين.

والتعبير بالقطع في قوله: (وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ) هنا أبلغ من التعبير بالنقض، ولذلك جاء بعده متمّماً له؛ كأنّ عهد الله - تعالى - إلى الناس حبل محكم الطاقات موثق الفتل، وكأنّ هذا الحبل قد وصل - بحكمة التكوين، وحكم أمر التشريع - بين جميع المنافع التي تنفع الناس، فلم يكتفِ أولئك الفاسقون المنكرون للمثل الذي ضربه الله لعباده بنقض حبل العهد الإلهيّ، وحلّ طاقاته ونكث فتله حتّى قطعوه قطعاً، وأفسدوا بذلك نظام الفطرة ونظام الهداية الدينيّة أصلاً وفرعاً؛ ولذلك عقّب هذا الوصف بقوله: (وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ). وأيّ إفساد أكبر من إفساد من أهمل هداية العقل وهداية الدين، وقطع الصلة بين المقدّمات والنتائج، وبين المطالب والأدلّة والبراهين. من كان هذا شأنه فهو فاسـد في نفسه، ووجوده في الأرض مفسـد لأهلها؛ لأنّ شرّه يتعدّى كالأجرب يعدي السليم. ولذلك ورد في السنّة النهي عن قرناء السوء. والمشاهدة والتجربة مؤيدّة للسنّة ومصدّقة لها، خصوصاً إذا قعدوا في سبيل الله يصدّون عنها ويبغونها عوجاً؛ فإنّ إفسادهم يكون أشـدّ انتشاراً وأشمل خساراً.






 
رد مع اقتباس
قديم 10-11-2022, 07:10 PM   رقم المشاركة : 146
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

(ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ
وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ 27)







حول مضمون الآية:

ولمّا كان إفساد هؤلاء عامّاً للعقائد والأخلاق والأعمال؛ لأنّ علّته فقد الهدايتين - هداية الفطرة وهداية الدين، سجّل عليهم الخسـران وحصره فيهم بقوله: (أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ) بالخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة. أمّا خسـرانهم في الدنيا فهو ظاهر لأرباب البصائر الصافية، والفضائل السامية، ولكنّه يخفى على الأكثرين؛ لأنهم لا يتصورون الأغنياء من أولئك الخاسرين، إذ يرونهم متمتّعين بلذّات الدنيا وشـهواتها، فيحسبون أنّهم مغبوطون سـعداء بها، فيكون هذا الحسبان من آلات الإفساد. ولو سـيروا أغوارهم، وبلوا أخبارهم؛ لأدركوا أنّ ما هم فيه من ظلمة النفس، وضيق العطن، وفساد الأخلاق، ينغّص عليهم أكثر لذّاتهم، ويقذف بهم إلى الإفراط الذي يولّد الأمراض الجسـديّة والنفسيّة، ويثير في نفوسهم كوامن الوساوس، ويجعل عقولهم كالكرة تتقاذفها صوالجة الأوهام، وأنّ حبّ الراحة يوقعهم في تعب لا نهاية له، وهو تعب البطالة والكسـل، أو الصراع الدائم المحموم طلباً للزيادة، أو خوفاً من نقص أو تلف أو ضياع للنعمة. وإنّما سـعادة الدنيا بصحّة الجسم والعقل وأدب النفس الذي يرشد إليه الدين. فمن فقد هذه الأشياء فقد خسر الدنيا والآخرة و (ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ 11) الحج.






 
رد مع اقتباس
قديم 11-11-2022, 12:53 PM   رقم المشاركة : 147
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

المدخـــل






المتقـون

(الٓمٓ 1 ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ 2 ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ 3 وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ 4 أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ 5)

ٱلۡكِتَابُ الذي لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ:


هذا الذي سأل الهداية في: ‏(‏اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)‏ يأتيه الجواب سريعاً في: (ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ). ولا يكاد أحد يفسر (ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ) إلا بالقرآن، لكننا لا نرى ما يرونه. إن من أهم أصول فهم القرآن الكريم: خلوه من المترادفات. ولفظة الترادف مشتقّة من: الرَّدْف، وهو التتابع في العربية، ويعرف اصطلاحًا بأنه توالي وتتابع الألفاظ المفردة على معنى واحد، وذلك بأن يدل لفظان أو أكثر على معنى واحد دلالة حقيقية أصيلة، أي ورود لفظين أو أكثر مختلفين في الاشتقاق، متفقين في المعنى، بحيث يدلان عليه دلالة حقيقية، بدون فروق بينهما. وقد وضع البلاغيون المعاصرون شروطًا للترادف لزم تحققها بين الألفاظ حتى يُقال بالترادف بينها، فإذا أُخل بشـرط من هذه الشروط خرجت الكلمتان من دائرة الترادف، وأهم هذه الشروط:
1) الاتحاد التام بين اللفظتين في المفهوم والمعنى، فإن وجدت فروق طفيفة بينهما خرجتا من دائرة الترادف.
2) الاتحاد التام بين اللفظتين في البيئة اللغوية، بانتمائهما إلى لهجة عربية واحدة أو لهجات عربية متجانسة.
3) اتحاد العصر، بأن يقال بالترادف بين اللفظتين في زمن معين وعهد خاص.
4) ألا يكون أحد اللفظتين نتيجة تطور صوتي للفظ آخر، فإن كانا كذلك كانا لفظًا واحدًا، وليس لفظين مترادفين؛ مثل: صعق وصقع.
والترادف ظاهرةٌ لغوية أثارت جدلًا واسعًا بين العلماء اللغويين، قدماءَ ومحْدثين؛ فمنهم من أثبتها وقال بوجودها، ومنهم من أنكرها، ومنهم من توسط وقبلها بشـروط. وكانت حجة القائلين بالترادف أن وفرة الألفاظ دليلٌ على حيوية اللغة وسعتها، فإذا صعب لفظ كلمة استبدلت بكلمة أسهل تحمل نفس المعنى.لو كان لكل لفظةٍ معنًى غير معنى الأخرى، لما أمكنَ أن نعبِّر عن شيء بغير عبارته، وذلك أنا نقول في ‏"‏لا ريب فيه":‏ "لا شكَّ فيه"، فلو كان الريب غير الشك، لكانت العبارة عن الريب بالشـك خطأ، ولكننا نعبر عن الريب بالشك. وقد روى أحمد بن فارس أن الأصمعي دخل على الخليفة هارون الرشيد، فسأله الرشيد عن معنى بيت من الشعر غريب، ففسره وشرحه له، فأُعجب به الرشيد وقال له: يا أصمعي! إن الغريب عندك لغير غريب. فقال الأصمعي: يا أمير المؤمنين كيف لا أكون كذلك وقد حفظت للحجر سـبعين اسمًا؟ . وقال ابن خالويه: جمعت للأسد خمسمائة اسم، وللحية مائتي اسم. أما النافون للترادف فذهبوا إلى منع القول بالترادف في اللغة وفي القرآن، وأوجبوا البحث عن فروقات دقيقة بين الألفاظ المتقاربة، ومن أدلتهم:تعدد الأسماء يعني تعدد المسميات، واختلاف المبنى يعني اختلاف المعنى، إذا تحققت الفائدة من وضع اسمٍ واحدٍ للمسمى، يكون وضع اسم آخر بلا فائدة، والأصل تحقيق الفائدة بأقل جهد. وقد جرى نقاش بين ابن خالويه القائل بالترادف وأبي علي الفارسي الذي ينفيه، في مجلس سيف الدولة الحمداني في حلب. فقال ابن خالويه: أحفظُ للسيف خمسين اسمًا. فتبسم أبو علي الفارسي وقال: ما أحفظ له إلا اسمًا واحدًا، هو: السيف. فسأله ابن خالويه: فأين المهنّد والقضيب والصارم والحسام وكذا، وكذا؟ فقال أبو علي الفارسي: هذه صفات، وكأن الشيخ لا يُفرق بين الاسم والصفة.
أما في القرآن الكريم فلا ترادف بين ألفاظه، فهو كتاب أُحكمت آياته، وفصلت معانيه، فكل لفظة من ألفاظه وضعت في مكانها لتدل على المعنى الدقيق من استعمالها فكل معنىً فيه بلغ ذروة الفصاحة والبلاغة. ويعد استعمال لفظة قريبة من لفظة أخرى من باب الإعجاز البياني. وقد ناقش العديد من البلاغيين المعاصرين مسألة الترادف وبينوا الفروق الدقيقة بين ألفاظ القرآن الكريم التي اعتبرها البعض مترادفة، مثل: الرؤيا والحلم، وآنس وأبصر، والحلف والقسم، والخوف والخشية، والفعل والعمل، والقعود والجلوس، والأب والوالد، والعام والسنة والحول، وغيرها كثير.
والحكيم الترمذي - على سبيل المثال - الذي توفي نحو 320 هجرية كتب كتاباً بعنوان "الفروق ومنع الترادف"، بيّن فيه الفرق بين 156 زوجًا من الألفاظ العربية التي تحمل معاني وقيمًا متضادة رغم إيهام التشابه؛ كالفرق بين المداراة والمداهنة، والمحاجّة والمجادلة، والمناظرة والمغالبة، والمقايسة والمشاكلة وغيرها.

لكن ما يظهر أن الطرفين محقّان. من حيث أن النحويّين يبحثون عن "المعنى"، والبلاغيين يبحثون عن "الدلالة"؛ فحين تحدّث بعض اللغويين عن الترادف والتناوب، وبأنّ حرفاً من حروف المعاني ينوب مكان حرف، كانوا يتحدّثون عن "المعنى"، فيقولون مثلاً عن "على" في قوله تعالى: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ) الرعد 6؛ إنّها تأتي بمعنى "مع"، وهي "على" للمصاحبة. وأنها تأتي بمعنى "عن" في قول الشاعر:
إذا رضيتْ عليّ بنو قشيرٍ
وبمعنى "اللام" في قوله تعالى: (وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) البقرة 185، وبمعنى "في" في قوله تعالى: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ) القصص 15، وغير ذلك من معاني "على". أما حين يتحدّث أهل البلاغة عن الغاية من استخدام "على" بمعنى "مع" أو "عن" أو "اللام" أو "في" أو غيرها؛ فإنّهم يذكرون دلالة هذا الاستخدام والغرض البلاغي منه. النحويون - إذاً - يبحثون عن المعنى الإعرابي الذي يؤدّيه اللفظ في الجملة، والبلاغيون يبحثون عن الدلالة؛ فإذا قال النحوي في الباء في قوله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ) آل عمران 159، أنها زائدة، بحث البلاغيون في وظيفة الباء في الجملة، للتدليل على أثرها في حسن نظم الجملة. لذلك رأى علماء البيان أن لكل حرف في القرآن الكريم وظيفة يؤديها لتحقيق الفخامة والجزالة للنص القرآني. ومنهم من يتحدث عن "الإيحاء" الذي تعطيه هذه الزيادة، ومنهم من يتحدث عن الأثر الصوتي لهذه الزيادة المتّسق مع المعنى المراد.
وللتقريب؛ فلو قلنا: "جاء إنسانٌ"، أو قلنا: "جاء بشرٌ"، فإنّ المعنى مشترك باعتبار أنّ الجملة إخبارٌ عن مجيء آدميّ، فهذا هو المعنى الواحد الذي أدّاه لفظ "إنسان" ولفظ "بشر" في الجملتين. لكنّ البلاغي يتساءل: ما دلالة اختيار كلمة "إنسان" هنا واختيار كلمة "بشـر" هناك؟ فلكل اختيار دلالته البلاغية التي لا تقدح في المعنى العام، فالأصل الذي جاءت منه كلمة "بشـر" هو غير الأصل الذي جاءت منه كلمة إنسان. وللفرق بين لفظي الإنسان والبشر: الأول: موضوع له باعتبار النسيان أو باعتبار أنه يُؤْنِس، والثاني: باعتبار أنه بادي البشرة‏. واللفظان مطلوبان، لكن لكل منهما السياق المناسب له لتوصيل الدلالة المطلوبة من النص، فإذا كانت الأجواء توحي بالوحشة أو التخوّف والترقّب، ناسب لفظ "إنسان" لأنه الأكثر اتساقاً مع نفسية القائل. وإذا قيل في أجواء الترقّب ممزوجاً بالتساؤل عن ماهيّة كائن قادم من بعيد، ناسب لفظ "بشر"، ليوضح أن جنس القادم؛ فهو بشري، وليس حيواناً أو جنياً.






 
رد مع اقتباس
قديم 12-11-2022, 02:20 PM   رقم المشاركة : 148
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

المدخـــل







المتقـون

نخلص إلى أن كل لفظة، بل كل حرف في القرآن الكريم له دلالة معنوية، ولم يوضع ضمن التركيب اللفظي إلا لغاية لا تتحقق بغيره. وبمعنى آخر: لا ترادف في القرآن. وإذا كان ذلك كذلك، فإن الكتاب غير القرآن. ولعل عطف القرآن على الكتاب في قوله تعالى: (الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ وَقُرۡءَانٖ مُّبِينٖ 1) الحجر،وعطف الكتاب على القرآن في قوله:(طسٓۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡقُرۡءَانِ وَكِتَابٖ مُّبِينٍ 1) النمل، يظهر لنا بالعطف أنهما غير مترادفين، وأن مدلولهما مختلفٌ إذا اجتمعا، ولا يكون للقرآن معنى "الكتاب" إلا بقرينة في السياق. والمعنى اللساني للفظة: "كتاب": ضم أديم إلى أديم بالخياطة، يقال: كتبت السـقاء، وكتبت البغلة: جمعت بين شـفريها بحلقة. وفي العرف: ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط. والكتاب في الأصل: مصدر، وهو اسـم للصحيفة مع المكتوب فيها. و "الكتاب" يعبر عن الإثبات والتقدير والإيجاب والفرض والعزم بالكتابة، ووجه ذلك أن الشيء يراد، ثم يقال، ثم يكتب، فالإرادة مبدأ، والكتابة منتهى. ثم يعبر عن المراد الذي هو المبدأ إذا أريد توكيده بالكتابة التي هي المنتهى.

وقوله تعالى: (يَسۡ‍َٔلُكَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيۡهِمۡ كِتَٰبٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِۚ) النساء 153، فإنـه يعني: صحيفة فيها كتابة، ولهذا قال: (وَلَوۡ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ كِتَٰبٗا فِي قِرۡطَاسٖ فَلَمَسُوهُ بِأَيۡدِيهِمۡ) الأنعام 7. وكتابة ملك اليمين في قوله تعالى: (وَٱلَّذِينَ يَبۡتَغُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَكَاتِبُوهُمۡ) النور 33، أي: يطلبون المكاتبة.

وقوله تعالى: (كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغۡلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِيٓۚ) المجادلة 21، أي: حكم وأوجب. ويعبر بالكتابة عن القضاء، وما يصير في حكم المقضي، وعلى هذا حُمِلَ قوله: (أَمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّا لَا نَسۡمَعُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيۡهِمۡ يَكۡتُبُونَ 80) الزخرف، ومنه قوله تعالى: (قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا) التوبة 51، يعني: ما قدره وقضاه. وقوله: (فَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَا كُفۡرَانَ لِسَعۡيِهِۦ وَإِنَّا لَهُۥ كَٰتِبُونَ 94) الأنبياء، إشارة إلى أن ذلك مثبت له ومجازى به. وقوله:(رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلۡتَ وَٱتَّبَعۡنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ 53) آل عمران، أي: اجعلنا في زمرتهم. وقوله: (ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ) المائدة 21، أي: وهبها لكم شريطة أن تدخلوها. ويعبر بالكتاب عن الحجة الثابتة من جهة الله نحو: (وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ 8) الحج. وقوله: (فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ) البقرة 187، إشارة في تحري النكاح إلى ابتغاء النسل، وحصانة الفرج. وقوله: (مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ) الكهف 49، فقيل: هذه إشارة إلى ما أثبت فيه أعمال العباد. وقوله:(مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ) الحديد 22، قيل: إشارة إلى اللوح المحفوظ.

وقوله: (هَٰٓأَنتُمۡ أُوْلَآءِ تُحِبُّونَهُمۡ وَلَا يُحِبُّونَكُمۡ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ كُلِّهِۦ) آل عمران 119، قالوا: بالكتب المنزلة. لكنهم لم يجيبوا على سؤال يفرض هاهنا: لِمَ قال: (بِٱلۡكِتَٰبِ كُلِّهِۦ)ولم يقل: "بالكُتُبِ كلها"؟. كذلك في قوله تعالى: (وَإِنَّ مِنۡهُمۡ لَفَرِيقٗا يَلۡوُۥنَ أَلۡسِنَتَهُم بِٱلۡكِتَٰبِ لِتَحۡسَبُوهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ) آل عمران 78، وقالوا: الكتاب الأول: ما كتبوه بأيديهم المذكور في قوله: (فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ يَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَٰبَ بِأَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ) البقرة 79.والكتاب الثاني: التوراة، والثالث: لجنس كتب الله، أي: ما هو من شيء من كتب الله - سبحانه وتعالى - وكلامه.

وما يهمنا من مدلول لفظة "الكتاب" في هذا الموضع هو النظام الإلهي والدستور والشريعة العظمى التي سـنها الله للإنسان وأمره باتباع ما فيها، وهو النظام الذي نزلت منه جميع كتب الرسل والأنبياء. إنه - تعالى - بعث النبيين (وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) البقرة 213، وهو نفسه ما جاء في قوله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ۖ) الحديد 26. والكتاب هنا معرف بالإفراد، لدلالته على أن ما أوتيه النبيون جميعاً هو عين الكتاب بما فيه من عقيدة وأسس أخلاقية. أما الفرقان في نحو: (نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ 3مِن قَبۡلُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلۡفُرۡقَانَۗ) آل عمران 4، وقوله:(شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ) البقرة 185، وقوله: (وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) البقرة 53، وقوله: (تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا 1) الفرقان. والفرقان هو بالنسبة للقرآن هو الحلال والحرام، أي: بَعْضٌ من كل. وبالنسبة لسائر الشرائع هو مجموع أحكامها؛ فموسى - عليه السلام - أوتي التوراة والفرقان، ومحمد - عليه السلام - نُزِّل عليه القرآن والفرقان. أما القرآن فهو كل ما يُقرأ في المصحف من أول الحمد إلى آخر الناس، وأما الفرقان فهو آيات الأحكام، أي هو: المحكم الواجب العمل به.






 
رد مع اقتباس
قديم 13-11-2022, 04:27 PM   رقم المشاركة : 149
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

المدخـــل







المتقـون

إذا فهمنا معنى الكتاب على هذا النحو، يبزغ أمامنا تساؤل: ما هو هذا الكتاب الذي تصدر واجهة السورة، ووصف بأنه لا ريب فيه؟. إن كان هو القرآن الكريم، فلا شك أنه ارتيب فيه، فمما قالوه فيه:
- (إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) الأنفال 31،
- (إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٌ ٱفۡتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيۡهِ قَوۡمٌ ءَاخَرُونَۖ) الفرقان 4،
- (بَلْ قَالُوٓاْ أَضْغَٰثُ أَحْلَٰمٍ) الأنبياء 5،
- (فَقَالَ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ يُؤۡثَرُ 24) المدثر.
ولذلك قام التحدي، وتدرج؛ فبدأ أولاً بمثل القرآن، ثم بعشر سور مفتريات، وانتهى بسورة في قوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) البقرة 23.
ولا يستقيم عندنا ما قاله المفسرون في انتفاء الريب، قالوا:
- ليس المعنى هنا أنه لا أحد يرتاب في الكتاب، بل المعنى أنَّ المنفيَّ كونُه متعلقاً للريبِ، بمعنى أنَّ معه من الأدلَّة ما إنْ تأمَّله المنصِفُ المُحِقُّ لم يَرْتَبْ فيه، ولا اعتبارَ بريبٍ مَنْ وُجِدَ منه الريبُ، لأنه لم ينظرْ حقَّ النظرِ، فَرَيْبُه غَيرُ مُعْتَدٍّ به. وقد نفى - سبحانه - الريب فيه مع كثرة المرتابين على معنى أنه في علو الشأن وسطوع البرهان بحيث لا يرتاب العاقل بعد النظر في كونه وحياً من الله.
- ويحتمل أن يكون المعنى: لا ريب فيه للمتقين.

أما إذا كان "الكتاب" بمعنى المباديء الأخلاقية والسلوكية وأسس الشـرائع السـماوية، فلا ريب فيها على الحقيقة؛ فمن ينكر أن الكذب رذيلة، والقتل دون حق جريمة، وإطعام المحتاج مكرمة، وإغاثة الملهوف فضيلة؟! إن مثل هذه المعاني هي مقومات إنسانية، ومعانٍ فطرية تبني الإنسان السوي، وتؤسس المجتمع القويم.






 
رد مع اقتباس
قديم 14-11-2022, 12:54 PM   رقم المشاركة : 150
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

المدخـــل







وصف الۡمُتَّقِينَ:

التقوى اسم من اتقى، والمصدر: الاتقاء. وكلا الاسم والمصدر مأخوذ من مادة وقى.والوقاية: حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره، فأصل التقوى: أن يجعل الإنسان بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية. والمتقي: اسم فاعل من وقاه فاتقى. والوقاية فرط الصيانة. أما المعنى الشرعي فهو: فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه. وهي في الحد: "وقاية النفس من عصيان أوامر الله ونواهيه وما يمنع رضاه" أو:" حفظ النفس حفظاً تاماً عن الوقوع في المحظورات بترك الشبهات".
ويتغير مفهوم التقوى منمعتقد لآخر، إلا أن مضمونها واحد، يدعو في مجمله إلى السـمو بالجانب الروحي والسلوكي للإنسان حتى يسمو بذلك إلى أعلى المراتب عند ربه وقومه. وللتقوى مجموعة خواص لابد من توفرها ليكون المرء متقياً:
1) يؤمن بالله إيمان إقرار وإخلاص،
2) يكون صادقاً مع الله - تعالى - ومع من حوله من الناس،
3) يحبّ لأخيه ما يحبّه لنفسه،
4) يكون عادلاً مع الناس، ولو على نفسه،
5) يتحلّى بالحِلم والأناة، عند التعامل مع من حوله،
6) يحرص على الابتعاد عن الذنوب والمعاصي،
7) يستغفر الله - تعالى - ويتوب إليه، إذا ارتكب ذنباً أو معصية،
8) يصبر على الابتلاء،
9) يسعى بين الناس بما يرضي الله، وينهاهم عما يغضبه،
10) يتجنب الشيطان ووساوسه.

والملاحظ أن أكثر هذه الخصائص أخلاقية وسلوكية، وهي تهدف في مجموعها لتكوين إنسان صالح لنفسه ومجتمعه، لذلك فالتقوى توجيه لكل الناس منذ بداية عهد التكليف، يقول تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ) الأعراف26، ويقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ) النساء1، ويقول في غرض الحث على التجمع، وبيان المفاضلة بين الناس: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ) الحجرات13. والتقوى لله - تعالى - يتبعها الرغبة في ثوابه، والخوف من عقابه، للفوز يوم (لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا ۚ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ) لقمان33، وهذا هو الغرض من إرسال الرسل وبعث الأنبياء، وكلهم جاء برسالة واحدة: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) آل عمران 50،الشعراء 108، 110، 126، 131، 144، 150، 163، 179، الزخرف 63، هذه الرسالة الموحدة صاحبتها خصوصية لكل نبي حملت شـريعة مختلفة ناسبت القوم الذين أرسل إليهم النبي، لذلك كانت رسالة (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) ذات شقين: توحيد الله، وطاعة النبي في إنفاذ شـريعة الله وفق ما حمله النبي مما يوافق عصره وظروف قومه.

والمتقـون هم أصحاب الفـوز في الدنيـا وفي الآخـرة. يقول تعالى: (وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَرَكَٰتٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ) الأعراف 96، ويقول حكاية عن موسى لقومه:(إِنَّ ٱلۡأَرۡضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ 128) الأعراف، وهم أصحاب الجنة ؛ فالمتقون مقابل: الكافرين والمجرمين والمتكبرين ظالمي أنفسهم
والمشركين:

- الكافرين في قوله تعالى: (مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ أُكُلُهَا دَآئِمٞ وَظِلُّهَاۚ تِلۡكَ عُقۡبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْۚ وَّعُقۡبَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ 35) الرعد،
- المجرمين في قوله تعالى: (يَوۡمَ نَحۡشُرُ ٱلۡمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ وَفۡدٗا 85 وَنَسُوقُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ
إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرۡدٗا 86) مريم،
- المتكبرين: (ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡۖ فَأَلۡقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعۡمَلُ مِن سُوٓءِۢ ۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ 28 فَٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَلَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ 29 وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡۚ قَالُواْ خَيۡرٗاۗ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۚ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞۚ وَلَنِعۡمَ دَارُ ٱلۡمُتَّقِينَ 30) النحل،
- الغاوين وهم المشركون في قوله: (وَأُزۡلِفَتِ ٱلۡجَنَّةُ لِلۡمُتَّقِينَ 90 وَبُرِّزَتِ ٱلۡجَحِيمُ لِلۡغَاوِينَ 91) الشعراء،






 
رد مع اقتباس
قديم 15-11-2022, 04:32 PM   رقم المشاركة : 151
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

المدخـــل







وصف الۡمُتَّقِينَ:

إن المتقين في كتاب الله ليسوا محصورين في الرسالة الخاتمة، بل إنهم هم كل من عبد الله الواحد، وراقبه في أخلاقه وسلوكه، والتزم بأوامره، وانتهى عن نواهيه. ولعل هذا ما يقرب للأفهام قوله - تعالى - في سورة آل عمران: (وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَيۡسَ عَلَيۡنَا فِي ٱلۡأُمِّيِّ‍ۧنَ سَبِيلٞ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ 75 بَلَىٰۚ مَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ 76) فبين أنه - سبحانه - يحب من يتقيه ويؤدي ما أؤتمن عليه، ويقول في السورة نفسها أنه لن يضيع عمل من يفعل الخير: (لَيۡسُواْ سَوَآءٗۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ يَتۡلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ 113 يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ 114 وَمَا يَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلَن يُكۡفَرُوهُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ 115) وينبغي ألا تغيب عنا ملاحظة أن الأفعال كلها هنا مضارعة، أي إنها تفيد الحدوث والتجدد في حق أهل الكتاب. ولا نقبل القول بأن المقصودين هنا هم الذين أسلموا، لأنهم بمجرد إسلامهم خرجوا من وصف أهل الكتاب ليتحلوا بوصف "المسلمين".

وتأتي خواتيم السورة بآيات لأولي الألباب الذين يتفكرون في آيات الآفاق، ويذكرون الله في كل أحوالهم، خشية منه واتقاء عقابه، ويتجهون إليه تعالى بقولهم (رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَ‍َٔامَنَّاۚ) 193، وفي تعريف: (مُنَادِيٗا) أنه عند أكثر المفسرين النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي وصْفِهِ بِـ "المُنادِي" دِلالَةٌ عَلى كَمالِ اعْتِنائِهِ بِشَأْنِ الدَّعْوى وتَبْلِيغِها إلى اَلدّانِي والقاصِي؛ لِما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِرَفْعِ الصَّوْتِ: (يُنادِي لِلإيمانِ) أيْ: لِأجْلِ الإيمانِ بِاَللَّهِ. وقيل في سبب الجمع بين: "المُنادِي" و(يُنادِي) أنه ذكر النداء مطلقاً، ثم قيده بالإيمان تفخيماً لشأن المنادي؛ لأن لا مُنادِيَ أعظم من مُنادٍ يُنادِي لِلْإيمانِ. وقيل: هو القرآن، وأوقع السماع على المنادي مع كون المسموع هو النداء لأنه قد وصف المنادي بما يُسمع وهو قوله: (يُنَادِي).

وفي رأي وحيد - وهو الذي نراه هو الأصوب - أن المراد بالآيات بيان أنه كان في كل أمة أولو ألباب هذا شأنهم مع أنبيائهم. وما يقوي هذا الرأي ويدعمه أنه - تعالى - قال بعدها: (رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ) 194، فلم يذكر محمداً - عليه السلام - وحده، فدل بذلك على العموم. ثم إن التفريع عن قوله: (لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم) 195، بقوله: (فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ) 195، يصدق على كل أتباع الأنبياء، لأن أهل الحق هم في كل عصر وقوم قلة مستهدفة، تؤذيها القوى المتسلطة في المجتمعات، والمستفيدة من الفساد والظلم، فتضطر إلى الهجرة، أو تُخرج من ديارها، أو يُضيق عليها في المعيشة والرزق، مما يدفعها دفعاً إلى القتال، فتَقْتِل أو تُقْتَل. وينسجم مع هذا الرأي ما روي عن قول ورقة بن نوفل لمحمد - عليه الصلاة والسلام - يوم أُوحي إليه: يا ليْتني أكون معكَ إذ يُخْرِجُك قومُك، فيسأله النبي - صلى الله عليه وسلم -: أوَ مُخْرِجيّ هُم؟ فقال: مَا جاء نَبيء بمثلِ ما جئْتَ به إلاّ عُودي. هذه هي طبيعة المنهج الإيماني، ومقوماته، وتكاليفه.

وليرضي المسلم ربه، عليه اتقاءه في أمور، والتقوى على مراتب:
- المرتبة الأولى: أن يتّقي الكفر بالله.
- المرتبة الثانية: أن يتقي أن يتعبده - تعالى - بما لم يأمر به، وأن يتقي ما يخالف شرعه.
- المرتبة الثالثة: أن يتقي الكبائر.
- المرتبة الرابعة: أن يتقي الصَغائر من الذنوب.
- المرتبة الخامسة: أن يتقي بعض المباحات مخافة أن تجره إلى ما نُهي عنه من أفعال.
وإن التقوى هي حصن المؤمن الذي يؤويه، رايته فيها التوحيد وسلاحه القرآن وترسه التأسي برسول الله الذي علمنا أن يستغني المسلم بربه عن سواه، وبكلامه عن كل كلام غيره .والله وصانا بالتقوى فقال: (وَإِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ 52) المؤمنون، واختص المتقين بولايته، فقال: (وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلۡمُتَّقِينَ 19) الجاثية.
والتقوى انعكاس للعبودية الحقة لرب العالمين، لذلك استثنى الله - جل جلاله - طائفتي المغضوب عليهم والضالين منها، فهم لا يعيرونها التفاتاً، ولا يخضعون لحكم الله، ولا يسـتقيمون مع سـنته في خلقه، جبلتهم فاسـدة، وتربتهم قاحلة، صم بكم عمي فهم لا يرجعون .








 
رد مع اقتباس
قديم 16-11-2022, 01:40 PM   رقم المشاركة : 152
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

المدخـــل







وصف الۡمُتَّقِينَ:

نخلص من ذلك كله إلى الميل لرأي صاحب المنار في تقسـيم المتقين في مطلع سورة البقرة إلى فئتين:

1) (ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ 3) (أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ)5،
2) (وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ 4) (وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ 5)

صفات الفئة الأولى والقول فيهم:

1) (يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ)،
2) (وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ)،
3) (وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ).

أما قوام التقوى وعناصرها، فهي: عناصر إيمانية تغذي القلوب والجوارح، تتمثل في الإيمان بالغيب، وعناصر فعلية منها البدني بإقامة الصلاة، والتطهيري ببذل المال في سبيل الله. أما الإيمان بالغيب الذي هو ما غاب عن الحواس، فهو متاهة ومجال للتلبيس والخلط، إذا تلبسته الخرافة واستعين فيه بشـياطين الإنس والجن، فيضل القلب ويشقى. لذلك قيدته الشـريعة بالاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالأركان. العقيدة الراسخة بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، عقيدة ترسخ الإيمان وتزيده قرباً من الله. إن ضبط حركتي القلب والعقل بميزان التقوى، وربط الإيمان بالغيب بميزان الكتاب الحكيم، يسمو بالمنهج الإيماني على عقائد التجسيم والشرك والوثنية والمناهج الإلحادية بدعوى العلمانية أو الداروينية أو المادية الجدلية، أو غيرها من مناهج الباطل، لذلك يكون لسان حال المؤمن: (وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُ ٱلۡأَمۡرُ كُلُّهُۥ) هود 132. وهذا هو منهج الإيمان بالغيب الذي لا يختلف فيه رسل الله، فكلهم جاء بالدعوة إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والتسليم بقدر الله ومشيئته. هو كتاب واحد، ودعوة واحدة منذ بعث الله نبيه نوح إلى أن ختم النبوة بالخاتم، لكن أهل الكتاب بدلوا وغيروا في كل عناصر الغيب؛ فجسموا الله - حاشاه - أو أشركوا به نبياً ادعوه ولداً له، وأحبوا ملائكة، وكرهوا آخرين، وقبلوا كتباً وأنكروا أخرى، وتبعوا أنبياء وأعرضوا عن آخرين، وادعوا أن الثواب في اليوم الآخر ينحصر في أتباعهم، وغيرهم هالك. ولعل هذا الفهم لعقائد المتأخرين من أهل الكتاب هو ما أبعد عن المفسرين احتمال أن تشملهم هذه الآيات. لكن الرأي أنها تخص الصادقين منهم الذين لم تلوثهم أباطيل الكهنة الذين حرفوا الكتب، وفهموا الدين على أنه الإسلام، بمعناه الشامل العام. إن قوله تعالى: (إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ) آل عمران، يشـير إلى الدين الذي أوحى به الله إلى كل الأنبياء، وهو نفسه المقصود في الآية الأخرى: (وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ 85) آل عمران، ولا يقتصر على الشـريعة الخاتمة، التي هي آخر حلقة في سـلسـلة الإسلام. وهم يتبعون الإيمان بالغيب، الذي هو معتقد، بالعمل، وهو في الآية: الصلاة، والإنفاق. أما الصلاة، فهي من أول الفرائض وأهمها في الشـرائع السماوية. والصلاة عند اليهود ضرورة روحية يستطيع من خلالها المتعبد مخاطبة خالقه، وطلب الانتماء إليه بالغفران والتوبة، ويُعبر من خلالها على شكره على النعم الربانية، وهي تعني الابتهال إلى الله تعالى والاستسلام له. بل إن الدعاء يغلب - عندهم - على الصلاة شكلًا ومضمونًا. وهي مرتبطة عندهم قبل السبي البابلي بتقديم القرابين. وتعتبر اليهودية قراءة نصوص غير مختارة من التوراة بمثابة صلاة في غير أوقاتها. وكان متصوفة اليهود يظنون أنّ جسد المصلي يستطيع أن يتلبس في جسد معبوده، لكن بمرور الزمن تغيرت هذه النظرة؛ نتيجة لوجود الأنبياء الذين دعوا إلى تقديس الذات الإلهية وتنزيهها عن النقائص. واليهود يشترطون طهارة الموضع الذي يصلون فيه من النجاسات، كما يشترطون خلوه من الصور والتماثيل باعتبارهم أهل توحيد. وقبلتهم في الصلاة ناحية المغرب، لاعتقادهم بأنهم مأمورون بهذا في الكتاب. والصلاة في اليهودية ثلاث مرات (عند الفجر، وفي الظهيرة، وعند غروب الشمس). وقد اعتنوا بالموسيقى في الصلاة عناية خاصة؛ فأصبح لكل صلاة ألحان خاصة، وأنغام مخصوصة؛ حتى تكون العبادة أوقع في النفس، وأعمق تأثيرًا. وترتبط الصلاة عند اليهود بالقيام والسكوت، وإحناء الرؤوس وتغطيتها، واستعمال التعاويذ، لكن في مناسبات خاصة. وأضافت جماعة قمران اليهودية الصلاة الليلية للصلوات المقررة؛ فتقوم بتقسيم جماعة المصلين إلى ثلاثة أفواج، تتناوب بإحياء الليل، فيبدأ الفوج الأول بإحياء الثلث الأول من الليل، ويختم الصلوات الفوج الثالث بالثلث الأخير من الليل حتى الصباح.







 
رد مع اقتباس
قديم 17-11-2022, 05:33 AM   رقم المشاركة : 153
معلومات العضو
راحيل الأيسر
نائب المدير العام
 
الصورة الرمزية راحيل الأيسر
 

 

 
إحصائية العضو







راحيل الأيسر غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل



جهد مبارك ، وسعي مشكور شيخنا الجليل وأخونا الموقر / عوني القرمة ..

سأكون هنا لأنال الفائدة وأستفهم من شيخي ما استعصى على طالبة ترجو أن تحسن التتلمذ على أيدي الكرام ..


كن بخير وعفو وعافية ورضا وأمن وأمان وراحة بال واطمئنان







التوقيع

لم يبق معيَ من فضيلة العلم ... سوى العلم بأني لست أعلم .
 
رد مع اقتباس
قديم 17-11-2022, 04:38 PM   رقم المشاركة : 154
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل


اقتباس:
سأكون هنا لأنال الفائدة وأستفهم من شيخي ما استعصى على طالبة ترجو أن تحسن التتلمذ على أيدي الكرام ..
ياليت تُحَصَّل الفائدة من عقلين يُصَحح كل منهما للآخر،
أزعم أن فيما أكتبه هنا بعض العلم "المختلف" عن الموروث،
وقد يصدم الكثيرين ممن تربوا على مسلمات، ليست بمسلمات.
وأنا أحاول الإجابة على أسئلة كثيرة عن الله وأسمائه وصفاته، وبدء الخلق، وشكل الأرض، وإسرائيل وبنيه، والخليل إبراهيم وذريته، والعروج إلى السماء، والنزول منها قبل يوم القيامة، ويأجوج ومأجوج، والأعور الدجال، والمهدي، وغيرها من مئات المسائل الشائكة.

لذلك أتوقع أن أُهاجم وربما أُلعن، أو أُكفَّر، ممن يجد راحته في إلغاء عقله. أما من يفتح قلبه وعقله لما يقال، فسيشارك بالاستفسار أو النقد أو التصحيح، ولا أدعي أني أحتكر الصواب، وأني لا أخطيء.









 
رد مع اقتباس
قديم 17-11-2022, 04:50 PM   رقم المشاركة : 155
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

أشكركِ سيدتي راحيل على تثبيت الموضوع،
وإن كان يوشك على الإتمام لتبدأ بعده - إن شاء الله - آيات "الخلافة في الأرض" من سورة البقرة:
(من الآية رقم 28 إلى الآية رقم 39).






 
رد مع اقتباس
قديم 18-11-2022, 03:15 PM   رقم المشاركة : 156
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

المدخـــل







وصف الۡمُتَّقِينَ:

وأما بالنسبة للصلاة عند المسيحيين فإن عيسى - عليه السلام - في عقيدتهم حرّر الإنسان من قيود الشكليات والأُطر التي فرضتها التعاليم، مثل: السن بالسن، وقانون تكرار الكلام وشـكليات الصلاة على وتيرة واحدة، ولم يضع - في زعمهم - للصلاة شـروطًا لازمة لإقامتها، بل أُعْجِبُوا ببعض الأمور فأضافوها إلى الصلاة من تلقاء أنفسهم؛ واختاروا التشـبه باليهود في عدد الصلوات وأوقاتها. وينسـب العهد الجديد للمسـيح - عليه السـلام - أنّه مارس تعليم الصلاة في يوم السـبت المقدس عند اليهود، وشـاركهم فيها. وكانوا يقيمون صلاة الصباح؛ لأنها تمثل اكتشاف الحياة من جديد أو القيام من عالم الأموات الذي يمثله النوم؛ إذ بعد توقف الحياة يأتي النور المشـع، وهو صورة من البعث الجديد لها، وقد أقامها المسيح - عليه السلام - على انفراد. أما صلاة المساء فكانوا يؤدونها قبل أن يأووا إلى فراشهم، وفيها يشـكرون الله - تعالى - على النعمة التي أسـبغها عليهم، ويستغفرون للذنوب التي ارتكبوها خلال النهار.
أما النصارى الأوائل فقد مالوا إلى عدم حَصْرِ الصلاة في أوقات محددة وساعات معينة، تمسكًا بالقاعدة الإنجيلية التي أوصت بالصلاة المستمرة. وكانوا يعتقدون أن المسيح - عليه السلام - يدعو إلى صلاة الفرد. ويجب التمييز بين صلاة المؤمن الذي يعمل، والراهب المتفرغ للعبادة؛ فالأول يشتغل طوال النهار فيتمسك بصلاتي الصباح والمساء فقط، أما الرُّهْبان الذين يعيشون في الأَدْيَرة أو ينعزلون في الصوامع فيقيمون الصلوات السبع في اليوم والليلة، وربما يزيدون عليها، ويؤدونها بعمق كالمتصوفة، ويرون أن المسيح - عليه السلام - ترك لهم حرية تلاوة العبارات التي يختارونها، شريطة ألا يخرجوا عن الصلاة التي علمها لهم. وكان أول تأليف رسمي بصيغة محددة للصلاة عند المسيحيين في القرن الرابع، في مجمع نيقية. ولا يزال المجلس الفاتيكاني يحدث فيها تعديلات، ويُصدرها إلى الكاثوليك في العالم. والصلاة في الكنائس البروتستانتية لا تختلف كثيراً عن صلاة الكاثوليك، ولكن ما يميزها هو:
- لا يستعمل البروتستانت اللغة اللاتينية مطلقًا،
- ويصيغون الأدعية كلها في أناشيد وترنيمات تُغنى بألحان مرسومة مقررة،
- ولا يشارك المصلون القسيس الذكر والأدعية،
- ويحذفون العبارات المُمْعِنة في تأليه المسيح.

والنداء للصلاة في اليهودية يحتاج لـ "الشوفار" أو البوق المصنوع من قرن الكبش الذي ينطلق في الأحياء اليهودية المتدينة للتنبيه ليوم السبت، وفي المسيحية يستخدمون النواقيس، ويستعمل الناقوس تقليديًا إيذانًا بحلول وقت الصلاة أو لنداء الناس لقداس جماعي. ويقرع الناقوس إعلانًا لمناسبات خاصة مثل زواج أو جنازة، كما يستعمل أحيانًا في بعض التقاليد خلال بعض الشعائر. والكنيسة قد يكون لها ناقوس واحد أو مجموعة من النواقيس التي تضبط على سلم موسيقى مشترك. وقد تكون النواقيس ثابتة، أو معلقة تقرع بجر حبل. وكان يعتقد في التقاليد المسيحية أن قرع نواقيس الكنيسة يطرد العفاريت.

وبذكر صلوات أهل الشرائع السماوية، مما يجدر ذكره خصوصية صلاة الجمعة التي لا تجاريها أية صلاة في الشرائع السابقة؛ وهي على أهميتها لا تستغرق وقتاً طويلاً، وإن كان يُستحب أن يُتفرَّغ يوم الجمعة للعبادة؛ وله على سـائر الأيام مَزِيَّة بأنواع من العبادات واجبة ومستحبة، فالله - سبحانه - جعل لأهل كل ملّة يَوْمًا يتفرغون فيه للعبادة، ويتخلّون فيه عن أشغال الدنيا، فيوم الجمعة يوم عبادة، وهو في الأيام كشهر رمضان في الشهور؛ فيوم الجمعة ميزان الأسبوع، ورمضان ميزان العام.






 
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 

اشترك في مجموعة أقلام البريدية
البريد الإلكتروني:
الساعة الآن 03:37 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2023, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط