الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديـات الثقافيـة > المنتدى الإسلامي

المنتدى الإسلامي هنا نناقش قضايا العصر في منظور الشرع ونحاول تكوين مرجع ديني للمهتمين..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 26-09-2022, 01:13 PM   رقم المشاركة : 121
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

(إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ 26)







(بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ):

(بَعُوضَةٗ): على الأرجح هيبدل من: (مَّا) التي في: (مَثَلٗا مَّا)، أو عطف بيان لـ (مَثَلٗا). ونشدد على رفض أن تكون (مَّا) أو غيرها من كلام القرآن زائدة، وقد أقر كلامنا هذا غير عالم؛ فالزيادة والنقص علة لا تلحق كتاب الله.
والبَعُوضةُ واحدةُ البَعُـوض، وهي حشـرة صغيرة طائـرة ذات خرطـوم دقيق تحوم على الإنسـان لتمتص بخرطومها من دمه غـذاء لها، وتسـمى في بعض البلدان بحشـرة الناموس - وواحدتها ناموسة - ولم يصب من قال: إن البعوض: البَقُّ.
وقد جعلت هنا مثلاً لشدة الضعف والحقارة.
والبعوض في الأصل وَصْفٌ على فَعُول كالقَطُوع، مأخوذ من البَعْضِ وهو القَطْع، وكذلك البَضْعُ والعَضْب، قال:
لَنِعْمَ البَيْتُ بَيْتُ أَبِي دِثَارٍ ..... إِذَا مَا خَافَ بَعْضُ القَوْمِ بَعْضَا
وعن بعضهم اشتقاقه من بعض الشيء، سمي به لقلة جرمه وصغره ولأن بعض الشيء قليل بالقياس إلى كله.
وفي بعوضة قراءتان:
- (بَعُوضَةٗ)على النصب: وفي لفظة (مَّا) على هذه القراءة وجهان: أنها مبنية، وكأنك قلت: أي بعوضة. أو أنها نكرة قام تفسيرها باسم الجنس مقام الصفة.
- {بَعُوضَةٌ}بالرفع: وتكون في هذه الحالة موصولة صلتها الجملة لأن التقدير هو بعوضة فحذف المبتدأ كما حذف في: (تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ)الأنعام 154، أو أن تكون استفهامية، فإنه لما قال: (إِنَّ للَّهِ لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً) كأنه قال بعده ما؟ أي: ما هو هذا المثل.
وقولُه: (فَمَا فَوۡقَهَاۚ): عطف على: (بَعُوضَةٗ)، وهو من عَطْفِ المفرداتِ و "مَا" موصولة.
وأصل "فوق" اسم للمكان المُعتلي على غيره، فهو اسم مبهم؛ ولذلك كان ملازماً للإضافة، لأنه تتميز جهته بالاسم الذي يضاف هو إليه فهو من أسماء الجهات الملازمة للإضافة لفظاً أو تقديراً، ويستعمل مجازاً في المتجاوز غيره في صفة تجاوزاً ظاهراً تشبيهاً بظهور الشيء المعتلي على غيره على ما هو معتل عليه، ففوق يستعمل في معنى التغلب والزيادة في صفة، كأن تقول: أُعطي فلان فوق حقه أي: زائداً على حقه. ويستعمل في عموم الزيادة، سواء كانت من المحامد أو المذام، فيقال: فلان شجاع وفوق الشجاع، أو: فلان خسيس وفوق الخسيس.
وهو في هذه الآية صالح للمعنيين أي ما هو أشد من البعوضة في الحقارة وما هو أكبر حجماً؛ وهذا من تصاريف لفظ "فوق" في الكلام ولذلك كان لاختياره في هذه الآية دون لفظ أقل ودون لفظ أقوى - مثلاً - موقع من بليغ الإيجاز.
ومعنى: (فَمَا فَوْقَهَا) على قولين: في الكِبَر، أو في الصِّغَرِ، ولنا في المدلول وقفة مطولة.

ما قالوه في المراد بقوله: (فَمَا فَوْقَهَا):

قيل:
- معنى (فَمَا فَوْقَهَا): ما دونها في الصِّغَرِ، والمحقّقون مالوا إلى هذا القول؛ لأنَّ:
‌أ) المقصود من هذا التمثيل تحقير الأوثان، وكُلَّمَا كان المشبَّهُ به أشدَّ حقارةً كان المقصود أكمل حصولاً في هذا الباب.
ب) الغرض ههنا بيان أن الله تعالى لا يمتنع من التمثيل بالشيء الحقير، وفي مثل هذا الموضع يجب أن يكون المذكور ثانياً أشد حقارة من الأول يقال إن فلاناً يتحمل الذل في اكتساب الدينار، وفي اكتسـاب ما فوقه، يعني في القلة لأن تحمل الذل في
اكتساب أقل من الدينار أشد من تحمله في اكتساب الدينار.
ج) أن الشيء كلما كان أصغر كان الاطلاع على أسراره أصعب، فإذا كان في نهاية الصغر لم يحط به إلا علم الله تعالى، فكان التمثيل به أقوى في الدلالة على كمال الحكمة من التمثيل بالشيء الكبير.
- المعنى في الكبر كالذُّباب، والعنكبوت، والكلبِ، والحمار، على وجهين:
‌أ) أن يكون المراد فما هو أعظم منها في الجثة كالذباب والعنكبوت والحمار والكلب، فإن القوم أنكروا تمثيل الله تعالى بكل هذه الأشياء.
‌ب) أن لفظ "فوق" يدل على العلو، فإذا قيل هذا فوق ذاك، فإنما معناه أنه أكبر منه ويروى أن رجلاً مدح علياً رضي الله عنه والرجل متهم فيه، فقال علي: أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك، أراد بهذا أعلى مما في نفسك.

كيف يضرب المثل بما دون البعوضة وهي النهاية في الصغر؟:

الجواب:
- إن كان الأول، أي: في الكبر، فإن كل شيء كان ثبوت صفة فيه أقوى من ثبوتها في شيء آخر كان ذلك الأقوى فوق الأضعف في تلك الصفة. يقال إن فلاناً فوق فلان في اللؤم والدناءة. أي هو أكثر لؤماً ودناءة منه، وكذا إذا قيل هذا فوق ذلك في الصغر وجب أن يكون أكثر صغراً منه،
- وإن كان الثاني، أي: في الصغر، فإن جناح البعوضة أقل منها، وقد ضربه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثلاً للدنيا.






 
رد مع اقتباس
قديم 28-09-2022, 12:25 PM   رقم المشاركة : 122
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

(إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ 26)







خلق البعوضة آية من آيات الله:

تنتمي البعوضة لفصيلة الحشرات المفصلية ومن فئة الحشرات اللافقارية، حيث إنها تتكون من ثلاثة أجزاء للجسم لكل منها وظيفة:

1) الرأس: هو جسم مستدير يتواجد فيه الفم والعيون المركبة والهوائيات.
ووظيفة الفم عند الذكور هو امتصاص رحيق الزهور، أما امتصاص الدماء فهو وظيفة الإناث دون الذكور، وهي تتغذى على دم الانسان، ويكون شكل الفم مختلفاً لاحتوائه على ابرة تنغرز في الجلد ومثقاب لسحب الدماء. وفوق الرأس قرون استشعار كثيفة لدى الذكور، وخفيفة لدى الاناث.
وللبعوض مستقبلات بديلة عن الأسنان، وخرطوم عند الذكر لا قدرة له على اختراق جلد الضحية، أما خرطوم الأنثى فيخترق الجلد ليسحب الدم. وبالخرطوم ثلاث سـكاكين حادة تساعد على شق الجلد بسهولة. والبعوضة تفرز على الجلد مادة مخدرة حتى لا تشعر الضحية باللدغة وقت مص الدم، كما أن لدى البعوضة خاصية تمييع الدم لتسهيل القدرة على نقله من الجسم إلى جسمها عبر الخرطوم. ولدى البعوضة - كذلك - جهاز لتحليل الدماء من الفم لجوفها لمعرفة نوع الدماء التي تقوم بمصها، حتى تتجنب الدم الذي لا تستسيغه.

إضافة إلى اللّسان الذي يعمل بمثابة ناقل للدم بمساعدة اللّعاب المضاد للتخثر.
وعلى الرغم من أن البعوضة من الكائنات الدقيقة، إلا أنها مع صغر حجمها تتكون من اجهزة حيوية متعددة، ففي رأسها مائة عين مركبة في مقدمة الرأس، يمكنها - حتى في الظلام الحالك - من أن تشاهد بكل وضوح مسامات الجلد التي تنوى اختراقها وكأنها مزودة بعدسات شديدة الصغر والدقة تعمل عمل المجهر.

2) الصدر: ينقسم صدر البعوضة إلى ثلاثة أجزاء تحتوي على السيقان والأجنحة والقلوب.
وللبعوضـة ستة أرجل، موزعة على ثلاث مجموعات على أجزاء الصدر: زوجان أعلى الساق، وزوجان وسط الساق، وزوجان نهاية الساق.
والأرجل مزوّدة بمستقبلات كيميائية تكتشف المواد الكيميائية على جلد الكائن الذي تقف عليه، كما أنّها حساسة لدرجات الحرارة.
ولها جناحان كبيران في منطقـة الصدر، وجناحان آخران خفيفان للمسـاعدة على التوازن، وتحديد الموقع، وتعزيز القدرة على الطيران.
ويحتوي جسم البعوضة في منطقة الصدر على ثلاث قلوب.

3) البطن: يعتبر بطن البعوضة هو الجزء الخلفي من جسم البعوض، ويتّصل بالصدر، ويتألف من عشرة أجزاء مختلفة، تعمل كفتحات تنفس. ويحتوي بطن البعوضة على ثقب فيه الأعضاء التناسلية، وبالتالي فإنّ البطن يعمل كجهاز تناسلي ومعدة، ويُعتبر جزءًا من الجهاز التنفسي. وليس للبعوضة رئة، لكنها تتنفس من خلال القصبات الهوائية التي هي فتحات التنفس.

كذلك تكون منطقة البطن والصدر مغطاة بشعيرات كثيرة وصغيرة ومدببة، ويتميز جسم الأنثى بانحناءات اسطوانية أكثر من الذكر.
وقد اظهر وضع البعوضة تحت المجهر أن هناك حشرة موجودة على ظهرها وهي تسمى البق الاحمر الذي يتغذى على الدم من البعوضة نفسها وهي من الحشرات المتطفلة.

الأجهزة الحيوية في البعوضة:
- الجهاز العصبي: يتألف الجهاز العصبي للبعوضة من الدماغ الموجود في رأسها، ويمتد من الدماغ أنبوب عصبي عبر الصدر والبطن. وينقسم هذا الدماغ لثلاثة أزواج من العقد لكلّ منها وظائف محددة؛ فزوج يرتبط بالعيون ويتحكم بالرؤية، وزوج يتحكم بالهوائيات، وزوج يربط الدماغ بالمتبقي من الجهاز العصبي. وتتواجد أسفل الدماغ مجموعة عقد معقّدة التركيب تسمى عقدة تحت المريء، تتحكّم في أجزاء الفم والغدد اللعابية وعضلات الرقبة؛ لذا فإنّ الحبل العصبي يربط عقد الدماغ مع عقد تحت المريء مع عقدة موجودة في الصدر والبطن، وتتحكم هذه العقد الثلاثة في الساقين والأجنحة والعضلات، وكلّ منها يتحكم في الأجزاء التي يتواجد فيها.
- الجهاز الهضمي: يتألف الجهاز الهضمي من أنبوب طويل يمتد عبر الجسم، بدءًا من الفم فالبطن ففتحة الشرج، وذلك على النحو الآتي:
...o الفم: يحتوي الفم على اللعاب الذي يختلط بالطعام ويساهم في تكسيره.
...o المعدة: يُنقل هذا الطعام للمعدة التي تُكسّـر بدورها جزيئات الطعام الكبيرة بعد أن تمر بالمريء، ويُنقل بعدها للأمعاء الوسطى.
...o الأمعاء الوسطى: تحدث في الأمعاء الوسطى عملية الهضم الإنزيمي، ويمتص الجسم هناك العناصر الغذائية بشدة، لتنتقل بعدها للأمعاء الخلفية أو المستقيم.
...o المستقيم: في المستقيم تتشكل جزيئات الطعام المتبقية على شكل براز يخرج من فتحة الشرج.
- الجهاز التنفسي: يضم صدر البعوضة فتحات جانبية تسمى بفتحات التنفس، تسمح بدخول الأكسجين من الهواء، وتبقى هذه الفتحات مغلقة بالصمامات لحين الحاجة لاستخدامها في التنفس. ينتقل الأكسجين الداخل للجسم عبر القصبة الهوائية المقسمة لأنابيب صغيرة متفرعة على شكل شبكة تضمن وصول الأكسجين لكلّ خلية في الجسم، وينتقل ثاني أكسيد الكربون الناتج من الخلايا عبر القصبات الهوائية ثم فتحات التنفس إلى الخارج.
- الجهاز الدوري: تمتلك البعوضة جهاز دموي يُمكنها من نقل الدم لجميع أنحاء الجسم من خلال وعاء دموي واحد يتواجد على امتداد جانب البعوضة الظهري. وينقسم الوعاء الدموي إلى حجرات تعمل كالقلب، تسمح بدخول الدم إلى أجزاء جسم البعوضة، ثم يتدفق الدم خلال هذه الحجرات من خلال تقلصات العضلات؛ ليتحرّك باتجاه الصدر والرأس. ويتألّف دم البعوضة من خلايا الدم بنسبة 10%، والبلازما المائية بنسبة 90%. ويمتاز بلونه الأخضر أو الأصفر نظرًا لأنه لا يحمل الأكسجين وخلايا الدم الحمراء.
- الجهاز التناسلي: يحتوي الجهاز التناسلي لأنثى البعوضة على مبيضين تنتج فيها البويضات ثم تنتقل إلى قناتيْ البيض المتواجدة على الجانبين، ولكل مبيض قناة متصلة به. كما يحتوي على كيس يُخزّن الحيوانات المنوية التي تنتج بعد التزاوج، والتي تترسب خلالها. وعندما تتزاوج البعوضة من جديد لا تختلط هذه الحيوانات المنوية معًا، إذ تُستخدم الحيوانات المنوية القديمة أولًا لتخصيب البويضات .

إن السياق القرآني في أنَّ الأمثال القرآنية تُضرَب في مخلوقات صغيرة، جعل الناس يعتقدُون بضَعفها وحقارتها وبساطتها وقلة شأنها. لكنَّ هذا التفكير الساذج، بعيد عن الحكمة، لأن المثل يأتي ليُؤكِّد أن هذه المخلوقات الصغيرة والحقيرة في نظر الناس، هي عظيمةُ الخَلْق، عجيبة التفاصيل، خَلقُها مُعجِز، تحتوي في تفاصيل خلقها على أعضاء وأجهزةٍ أدق وأعقدَ من كثير من المخلوقات الكبيرة.

وقد ذكر الله - تعالى - البعوضة بصيغة الأنثى لا الذكر، لأن البعوضة الأنثى هي التي تهاجم الإنسان لتتغذى على دمه للحصول على البروتين اللازم لإنضاج البيوض في مبايضها. وهي تحتاج إلى وجبة واحدة من الدم على الأقل، لتنتج دفعة واحدة من البيوض. أما الذكر فهدفه هو أوراق النباتات التي يتغذى عليها، ولا يستهدف الأحياء من الإنسان والحيوان، وهو بالتالي لا ينقل الأمراض. أما البعوضة الانثى فهي الناقل للعديد من الامراض والأوبئة من خلال اختراق الجلود.






 
رد مع اقتباس
قديم 29-09-2022, 01:42 PM   رقم المشاركة : 123
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

(إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ 26)










(فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ):

الفاء للتعقيب الذِّكْري دون الحُصُولي، أي: لتعقيب الكلام المفصل على الكلام المجمل. ولما كان في الناس مؤمنون وكافرون، وكلا الفريقين تلقى ذلك المثل واختلفت حالهم في الانتفاع به، نشـأ في الكلام إجمال مقدر اقتضى تفصيل حالهم. وإنمـا عطف بالفـاء
لأن التفصيل حاصل عقب الإجمال. ولما كان الإجمال يقتضي استشراف السامع لتفصيله، كان التصدي لتفصيله بمنزلة سؤال مفروض كأن المتكلم يقول: إن شئت تفصيله فتفصيله كيت وكيت، فلذلك كانت "أَمَّا" متضمنة معنى الشرط ولذلك لزمتها الفاء في الجملة التي بعدها لأنها كجواب شرط، وقد تخلو عن معنى التفصيل في خصوص قول العرب: "أما بعد" فتتمحض للشرط وذلك في التحقيق لخفاء معنى التفصيل لأنه مبني على ترقب السامع كلاماً بعد كلامه الأول. وقيل: الكلام بمنزلة: مهما يَكُ مِنْ شيءٍ. وفائدتُه في الكلامِ أن يُعْطيه فَضْلَ توكيدٍ، تقولُ: زيدٌ ذاهبٌ، فإذا قَصَدْتَ توكيدَ ذلك وأنه لا محالةَ ذاهبٌ قلت: أمَّا زيدٌ فذاهبٌ". وقال بعضُهم: "أمَّا" حرفُ تفصيلٍ لِما أَجْمَلَه المتكلِّمُ وادَّعاه المخاطبُ، ولا يليها إلا المبتدأ، وتَلْزَمُ الفاءُ في جوابها، ولا تُحْذَفُ إلاَّ مع قولٍ ظاهرٍ أو مقدَّرٍ كقوله: (فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ) آل عمران 106، أي: فيقالُ لهم: أَكَفَرْتُمْ، وقد تُحْذَفُ حيث لا قولٌ، كقوله:
فأمَّا القِتالُ لا قتالَ لديكُمُ ..... ولكنَّ سَيْراً في عِراضِ المواكبِ
أي: فلا قتالَ. ويجوز أنْ يتقدَّم معمولُ ما بعد الفاءِ عليها، متليٌّ أمّا كقوله: (فَأَمَّا ٱلۡيَتِيمَ فَلَا تَقۡهَرۡ 9) الضحىٰ.
و (ٱلَّذِينَ آمَنُواْ): في محلِّ رفع بالابتداء، و (فَيَعْلَمُونَ): خبرُه.
والفاءُ في قوله: (فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ): جوابُ أمَّا، لِما تَضَمَّنَتْه مِنْ معنى الشرطِ، و (أنَّه الحقُّ) سادٌّ مَسَدَّ المفعولَيْن، والضميرُ في (أنَّه) عائدٌ على المَثَل، وقيل: على ضَرْبِ المثلِ المفهومِ من الفِعْل، وقيل: على تَرْكِ الاستحياءِ.
و (ٱلْحَقُّ): واحدُ الحقوق، و " الحَقَّة " بفتح الحاء أخص منه، يقال: هذه حَقَّتِي، أي: حَقِّي.
ولفظة (ٱلْحَقُّ) دارت معانيها في المعجم القرآني على:
- الثابت الذي لا يسوغ إنكاره: وحقَّ الأمر يحِقُّ ويحُقُّ حقًّا وحقوقًا صار حقًّا وثبت، قال تعالى: (قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ) القصص 63،أي: ثبت عليهم القول.
- نقيض الباطل، وهو المضمحل الزائل: وجمعه حقوق وحِقاق، قال تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ) الأنبياء 18.
- الوجوب: ويحِقُّ - بكسر الحاء وضمها - عليك أن تفعل كذا، أي: يجب، قال تعالى:
(وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي) السجدة 13، أي وجب.
- الحظ والنصيب: قال تعالى: (وَفِيٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقّٞ لِّلسَّآئِلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ 19)الذاريات، أي نصيب.
- اسم من أسماء الله تعالى، وقيل من صفاته، قال تعالى: (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ۚ) الأنعام62.
وقوله تعالى: (مِن رَّبِّهِمْ): في محـلِّ نصبٍ على الحالِ مِن: (ٱلْحَقُّ) أي: كائناً وصادراً مِنْ ربهم، و (مِنْ) لابتداءِ الغايةِ المجازيةِ.






 
رد مع اقتباس
قديم 30-09-2022, 03:11 PM   رقم المشاركة : 124
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

(إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ 26)










(وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ):

و "أما" في قوله: (وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ): أصلها "أم ما"، وبنو تميم وبنو عامر يبدلون من أحد الميمَيْن ياءً؛ كراهيةً للتضعيف؛ وأنشد عمرُ بنُ أبي رَبِيعَةَ:
رَأَتْ رَجُلاً أَيْمَا إِذَا الشَّمْسُ عَارَضَتْ ..... فَيَضْحَى وَأَيْمَا بِالعَشِيِّ فَيَخْصَرُ
و (مَاذَآ) في قوله: (مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ) له في كلامِ العربِ ستةُ استعمالات، وهي ههنا تحتمل وجهين من تلك الاستعمالات:
1) أن تكونَ "ما" استفهاميةً في محلِّ رفعٍ بالابتداء، وذا بمعنى "الذي" خبر عن "ما". و (أَرَادَ ٱللَّهُ) صلةٌ لـ "ذا" الموصولة ، والعائدُ محذوفٌ لاسـتكمالِ شروطِه، تقديره: الذي أرادَه اللهُ، والموصولُ خبرُ "ما" الاستفهاميةِ.
2) أو أن تكونَ (مَاذَآ) كلها استفهاماً بمنزلةِ اسمٍ واحدٍ في محلِّ نَصْبٍ بالفعلِ بعد تقديرُه: أيَّ شيء أرادَ الله، ومحلٌّ هذه الجملةِ النصبُ بالقولِ.
والاستفهام هنا إنكاري، أي: جعل الكلام في صورة الاستفهام كناية به عن الإنكار لأن الشيء المنكر يستفهم عن حصوله، فاستعمال الاستفهام في الإنكار من قبيل الكناية، ومثله لا يجاب بشيء غالباً، لأنه غير مقصود به الاستعلام. وقد يلاحظ فيه معناه الأصلي فيجاب بجواب لأن الاستعمال الكنائي لا يمنع من إرادة المعنى الأصلي كقوله تعالى: (عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ 1 عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلۡعَظِيمِ 2) النبأ،
(أَرَادَ): أصل فعلها: رادَ يرودُ أي: طَلَب، والمصدرُ: الإِرادةُ، وهي: طَلَبُ الشيءِ مع الميل إليه، وقد تتجرَّدُ للطلبِ، وهي التي تُنْسَبُ إلى اللهِ تعالى.
والإشارة بقوله: (بِهَٰذَا) مفيدة للتحقير بقرينة المقام كقوله: (أَهَٰذَا ٱلَّذِي يَذۡكُرُ ءَالِهَتَكُمۡ) الأنبياء 36.
وقوله: (مَثَلاً): نصبٌ على التمييزِ، قيل: جاءَ على معنى التوكيدِ، لأنه من حيث أُشير إليه بـ "هذا" عُلِم أنه مثلٌ، فجاء التمييزُ بعده مؤكِّداً للاسم الذي أُشير إليه. وقيل: نصبٌ على الحال. واختُلِفَ في صاحِبها فقيل: اسمُ الإِشارةِ، والعاملُ فيها معنى الإِشارةِ، وقيل: اسمُ الله - تعالى - أَي متمثِّلاً بذلك، وقيل: على القَطْع، ومعناه: أنه كان أصلُه أَنْ يَتْبَعَ ما قبلَه والأصلُ: بهذا المثلِ، فلمَّا قُطِع عن التبعيةِ انتصبَ، وعلى ذلك قولُ امريء القيس:
سَـوامِقُ جَبَّارٍ أثيثٍ فُروعُهُ ..... وعَاليْنَ قِنْواناً من البُسْرِ أَحْمَرَا
أصله: من البسر الأحمر.

في معنى الإرادة واشتقاقها:

و "الإرادةُ" لغةٌ طلبُ الشيءِ مع المَيْلِ إليه، وقد تتجرّد للطلب، وهي التي تنسبُ إلى اللهِ - تعالى - وعَيْنُها واوٌ من رادَ يرودُ، طَلَب، فأصلُ أراد: أَرْوَدَ، مثل: أقام، والمصدرُ: الإرادةُ، مثلُ الإقامةِ، وأصلُها: إرْوَاد فأُعِلَّتْ وعُوِّضَ من محذوفِها تاءُ التأنيث.
و "الإرادةُ": ماهية يجدها العاقل من نفسه، ويُدْركُ بالتفرقةِ البديهية بينها وبين علمه وقدرته وألمه ولذّته، وإذا كان كذلك لم يكن تصور ماهيتها محتاجاً إلى التعريف.
وقال المتكلمون: إنها صفة تقتضي رُجْحَانَ أحد طرفي الجائز على الآخر، لا في الوقوع، بل في الإيقاع، وهذا القَيْدِ الأخير هو أهم الفروق بينها وبين "القدرةِ".






 
رد مع اقتباس
قديم 02-10-2022, 01:07 PM   رقم المشاركة : 125
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

(إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ 26)







الإرادة في القرآن الكريم:


وهب الله - تعالى - الإنسان إرادة محدودة بالقدرة والإمكان، وعليه أن يوجه طاقته للخير، حتى ينال الجزاء الأوفى. أما الله - جل وعلا - فهو صاحب الإرادة الكاملة الشاملة لكل شيء؛ فما شاء كان وما لم يَشأ لم يكن. والمحققون من العلماء الثقات يرون أن الإرادة في كتاب الله على نوعين: إرادة كونية قدرية، وإرادة دينية شرعية.

أما الإرادة الكَوْنِيَّة، ففي اللسان العربي: كوَّنَ الشيءَ إذا أَحدثه، وهو يكوِّن، تكوينًا، فهو مُكوِّن، والمفعول مُكوَّن. والله مُكَوِّنُ الأَشياء يخرجها من العدم إلى الوجود، وقد كوَّن اللهُ الوجود، فكانت إرادته بهذا المعنى: كَوْنِيَّة.
والإرادة الكونيّة هي المشيئة العامة التي يدخل فيها جميع المخلوقات من بر وفاجر وصالح وطالح، وهي إرادة الله تعالى لفعله، سواء إن كان المفعول منه محبوباً أو غير محبوب، يرضيه أم لا يرضيه، فالله تعالى يفعل ما يشاء، ولا يشاء شيئاً إلا بعد إرادته له، وكل ما كان منه فليس فيه إلا الجمال والجلال والحسن. أما أفعال العباد فهي منقسمة، ففيها الحسن وفيها القبيح، وليس للعباد أن يفعلوا ما يشاؤون، وإنما يفعلون ما يؤمرون به امتثالاً وانتهاءً، وهذا هو الحسن منهم.
وتلك الإرادة متعلقة بالخلق، وهي من لوازم الربوبية، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. ويدخل في هذه المشيئة خلق الأقوياء والضعفاء والفقراء والمؤمنين الكفار، والملائكة والشياطين، وخلق الخيرات والفضائل، وخلق السيئات والحسنات، وخلق التوفيق والخذلان، وخلق القوة والعجز، والبلادة والذكاء.
ومن الآيات الدالة على الإرادة الكَوْنِيَّة: (وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ) الأنعام 112، واستعمال "لو" الذي يفيد الامتناع، يدل على أنه - تعالى - يقول: لو شاء عدم فعله لفعل، لأن له طلاقة القدرة فلا يقدر أحدٌ أن يخرج عن مراده أبداً. إن إرادته تُسَيِّر الملكوت بكامله، بل إن الإنسان إذا نظر لنفسه، لوجد أنه لا قدرة له على أن يشفى من مرض، ولا أن يرفض الموت حين يحين أجله، لكنه يختار أن يؤمن أو لا يؤمن. وكل ما فيه خيار للإنسـان يدخل في التكليف ويخرج عن الإرادة الكَوْنِيَّة، وما عـدا ذلك هـو من الإرادة الكَوْنِيَّة.

وحاصـل الإرادة الكَوْنِيَّة إثبات مشـيئة الله - تعالى - المطلقة في إيجاد المخلوقات كلها واختلاف أنواعها وأشكالها، وتفاوت فضائلها وشرورها وجمالها ودمامتها وكيسها وعجزها، وكفرها وإيمانها، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، والله على كل شيء قدير، ولا يقع في ملكه إلا ما يريد، ولا يقع فيه شيء كرهاً عنه. إنَّ إيمان المؤمنين، وكفر الكافرين، مدرج في علمه السابق، ولا يمكن لأحد أن يخرج عن علمه، وعلمه يسـتلزم ثبوت قدرته. وفي الإرادة الكَوْنِيَّة قد يُبغض الله - تعالى - طاعة العاصي ولا يعينه عليها بعد الإرشاد والنصح والبيان، وذلك لحكمة عظيمة جليلة، كما قال - تعالى - في المنافقين الذين تخلفوا مع الخوالف في بيوتهم، وتركوا الخروج للجهاد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في غزوة تبوك: (وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ) التوبة 46، فبَيَّنَ الله - تعالى - تخاذلهم أولاً، ثم بَيَّنَ الحكمة في تثبيطهم، فقال: (لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ) التوبة 47.

وأما الإرادة الدينية الشرعية، فهي إرادة الله - تعالى - لأمره الديني الشرعي، وهي التي أرسل من أجلها الرسل، وأنزل من أجلها الكتب، وهي لا تستلزم وقوع المراد مع كونه محبوباً لله تعالى إلا إذا كان متعلقاً بالإرادة الكَوْنِيَّة. والإرادة الشرعية الدينية تدل دلالة واضحة على أنه - سبحانه - لا يحب الذنوب والمعاصي والضلال والكفر، ولا يأمر بها ولا يرضاها، وإن كان شـاءها خلقاً وتقديراً وإيجاداً، وأنه - سبحانه وتعالى - يرضى ويحب كل ما يتعلق بهذه الإرادة الدينية الشرعية ويثيب أصحابها، ويدخلهم الجنة وينصرهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة وينصر بها. أي: إن الإرادة الدينية الشرعية للعباد من أوليائه المتقين وحزبه المفلحين وعباده الصالحين.
وقال تعالى: (وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا 27) النساء؛ فهاهنا إرادتان: إرادة الله الداعية إلى اتباع منهجه وطريقته، وإرادة أولياء الشيطان، التي تحيد بهم عن منهج الله؛ لأن كل ما عداه إن هو إلا هوى يتبع، وشهوة تطاع، وانحراف وفسوق وضلال. ووجود إرادتين دل على مبدأ الاختيار، وهو ما سيكون عليه الحساب في الآخرة.

أما عن الفرق بين الإرادتين - الكَوْنِيَّة والشرعية - فيمكن تلخيصها في:
- الإرادة الكَوْنِيَّة يلزم فيها وقوع المراد، والإرادة الشرعية لا يلزم فيها.
- الإرادة الشرعية تختص فيما يحبه الله، والكَوْنِيَّة عامة فيما يحبه وما لا يحبه.
- فما كان بمعنى المشيئة فهو إرادة كَوْنِيَّة وما كان بمعنى المحبة فهو إرادة شرعية.
- الله يريد المعاصي قدراً لا شرعاً، لأن الإرادة الشرعية بمعنى المحبة، والله لا يحب المعاصي ولكن يريدها قـدراً، أي مشـيئة فكل ما في السـموات والأرض هو بمشـيئة الله.

وتنقسم المخلوقات من حيث تعلقها بالإرادتين إلى أربعة أقسام:
1) ما تعلقت به الإرادتان، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فإن الله أراده إرادة دين وشرع، فإمر وأحبه ورضيه، وأراده إرادة كون فوقع، ولولا ذلك ما كان.
2) ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة، فعصى ذلك الكفار والفجار، فتلك كلها إرادة دين وهو يحبها ويرضاها وقعت أو لم تقع.
3) ما تعلقت به الإرادة الكَوْنِيَّة فقط، وهو ما قدره الله وشـاءه من الحوادث التي لم يأمر بها كالمباحات والمعاصي فإنه لم يأمر بها، ولم يرضها، ولم يحبها، إذ هو لا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر، ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لها لما كانت ولما وجدت، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
4) ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه، فهذا ما لم يقع ولم يوجد من أنواع المباحات والمعاصي.






 
رد مع اقتباس
قديم 07-10-2022, 12:13 PM   رقم المشاركة : 126
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

(إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ 26)







ما الفرق بين الإرادة والمشيئة:

في قوله تعالى: (وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ 253) البقرة، إثباتُ صفةِ المَشيئَةِ، وفيها أيضًا إثباتُ صفةِ الإرادةِ، والإرادةُ والمشيئةُ بينَهما شيءٌ من التداخلِ، فالإرادةُ الكَوْنِيَّة مطابقةٌ للمشـيئةِ، والإرادةُ الشرعيَّةُ مطابقةٌ للمحبةِ، وإرادة الله قد يقَعُ مُقْتضاها وقد لا يَقَعُ. إن الله - تعالى - أراد الطاعات شـرعاً، فأراد من الخلق كلهم الإيمان شرعاً، وأراد منهم الطاعات، فأراد منهم أن يتقوه، فيعبدوه، ويذكروه، ويطيعوه، وهذه إرادة شرعية. وأراد منهم ترك المعاصي شرعاً. وهو - تعالى - يحب الطاعات، ويبغض المعاصي، فهذه إرادة شرعية وهي تستلزم المحبة للمراد.

إنَّ اللهَ - تعالى - أرادَ للعبادِ أن يَعبدوه، فمنهم مَن امتَثَلَ، ومنهم مَن لم يَمْتَثِلْ، فمَن امتَثَلَ صدَقَتْ فيه الإرادةُ الشرعيَّةُ وهي محبوبةٌ للهِ - جلَّ وعلا - ومَن لم يَمْتَثِلْ ولم يَعْبُدِ اللهَ ثبتت عليه المشيئةُ والإرادةُ الكَوْنِيَّة وهي غيرُ محبوبةٍ للهِ - جلَّ وعلا -. وقد اقتَضَتْ حكمةُ اللهِ أن يَشـاءَ شيئًا إرادةً كَوْنِيَّة وهو لا يُحِبُّه. ويقَعُ في تصرُّفاتِ البشرِ من هذا النوعِ الكثيرُ؛ فالرجلُ يُقدِّمُ ولدَه بطوعِه واختيارِه إلى الطبيبِ؛ ِليَفتَحَ بطنَه ولِيزيلَ عنه ما يُؤذيه وهو يَكرَهُ هذا العملَ، فهو مكروهٌ من وجهٍ، محبوبٌ من وجهٍ.

والمكلَّفُ مطالبٌ بأن يدورَ مع الإرادةِ الشـرعيَّةِ والسعي إلى تحقيقها، ولا يَلْتَفِتَ إلى الإرادةِ الكَوْنِيَّة. وعلى المُسـلمِ أن يتعلَّقَ بالإرادةِ الشَّـرعيةِ، ولا يتعلَّلَ بالإرادةِ الكَوْنِيَّة؛ لأن ذلك دليلُ العجزِ. إن الله يشاء السـرقة والزنا، لكنه لا يرضاها، ولا يحبها، وإن وقعت فبعلمه وإرادته؛ لأن كل ما يقع في الملكوت بإرادته، ولو لم يردها لما وقعت. لكن ليس كل ما يقع يكون محبوباً لله. وقد احتجَّ المشركون بالإرادةِ الكَوْنِيَّة، فقالوا: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا) الأنعام 148، فاللهُ أرادَ أن يشـركوا إرادةً كَوْنِيَّة من بابِ الابتلاءِ لهم، مع أن اللَه هداهم إلى السبيلِ هدايَة دَلالةٍ وإرشادٍ، لكنهم اختاروا الضلال، كما قال - تعالى - عن ثمود: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيۡنَٰهُمۡ فَٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡعَمَىٰ عَلَى ٱلۡهُدَىٰ) فصلت 17، فهم الذين جنوا على أنفسِهم. والحق هو في التوسط بين الجبرية والقدرية الذين اختلط عليهم الأمر، فلم يحسنوا التفريق بين الإرادة والمشيئة. والقول الفصل هو في أن للعبدِ حريةً واختيارًا؛ لأنه لو كان مجبورًا لكان في ذلك ظلمٌ له، لكنَّ مشـيئته واختيارَه لا تخرجُ عن مشيئةِ اللهِ وإرادته الكَوْنِيَّة.






 
رد مع اقتباس
قديم 08-10-2022, 11:51 AM   رقم المشاركة : 127
معلومات العضو
أحلام المصري
أقلامي
 
إحصائية العضو







أحلام المصري غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

السلام عليكم ورحمة الله
لا أرغب في المقاطعة،
ولكنه مرور للتحية والاستزادة من فيض هذا العلم

بوركت أخي الكريم
وجعله الله في ميزان حسناتك

احترامي







التوقيع

أنا الأحلام
 
رد مع اقتباس
قديم 08-10-2022, 01:07 PM   رقم المشاركة : 128
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

اقتباس:
السلام عليكم ورحمة الله
لا أرغب في المقاطعة،
ولكنه مرور للتحية والاستزادة من فيض هذا العلم
بوركت أخي الكريم
وجعله الله في ميزان حسناتك
احترامي
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
أسـعدني مروركِ، حياكِ الله.
التعليق في منشوراتي لا أراه مقاطعة، بل يشعرني أني "مقروء".
نسأل الله التثبيت والتوفيق.








التوقيع

 
رد مع اقتباس
قديم 08-10-2022, 01:30 PM   رقم المشاركة : 129
معلومات العضو
أحلام المصري
أقلامي
 
إحصائية العضو







أحلام المصري غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عوني القرمة مشاهدة المشاركة
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
أسـعدني مروركِ، حياكِ الله.
التعليق في منشوراتي لا أراه مقاطعة، بل يشعرني أني "مقروء".
نسأل الله التثبيت والتوفيق.


بوركت أخي الكريم
في ردك كرم العلماء
وعدت لأقول لك:
هذا العلم الذي تقدمونه مقروء وبكثرة
فالناس عامة يبحثون عن المعرفة
فطوبى لمن منح العلم والمعرفة للناس

تقديري وامتناني






التوقيع

أنا الأحلام
 
رد مع اقتباس
قديم 09-10-2022, 01:38 PM   رقم المشاركة : 130
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

اقتباس:
بوركت أخي الكريم
في ردك كرم العلماء
وعدت لأقول لك:
هذا العلم الذي تقدمونه مقروء وبكثرة
فالناس عامة يبحثون عن المعرفة
فطوبى لمن منح العلم والمعرفة للناس
تقديري وامتناني
أخجلني ردكِ، وكادت عيناي تغرورقان بالدمع.
أرجو - فيما أقدمه - وجه الله، ويسعدني - دائماً - تقبل المتابعة، وأرحب بالنقد خاصة وفي بعض ما أكتبه مخالف لما تعارف عليه الناس.






التوقيع

 
رد مع اقتباس
قديم 11-10-2022, 01:46 PM   رقم المشاركة : 131
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

(إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ 26)










(يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ):

جملتان مستأنفتان جاريتان مجرى البيان والتفسير للجملتين السابقتين المصدرتين بـ "إما"، ووصف - تعالى - العالمين بأنه الحق، والسائلين عنه سؤال استهزاء بالكثرة.
و"الباء" في الجملتين للسببيةِ.
وهاتان الجملتان لا محلَّ لهما لأنهما كالبيانِ للجملتينِ المُصَدَّرَتَيْنِ بـ "أمَّا"، وهما من كلام الله تعالى.
والضميرُ في (بِهِ)ۦ عائدٌ على "ضَرْب" المضاف تقديراً إلى المثل، أي: بِضَرْب المَثَل، وقيل: الضمير الأول للتكذيبِ، والثاني للتصديق، ودلَّ على ذلك قُوَّةُ الكلام.
فإن قيل: كيف وَصَف المهتدين هنا بالكثرةِ وهم قليلون، لقوله تعالى: (وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ) ص 24، (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ) سبأ 13؟ فالجوابُ أنهم وإن كانوا قليلين في الصورة فهم كثيرون في الحقيقةِ كقولِهِ:
إِنَّ الكِرَامَ كَثِيرٌ فِي الْبِلاَدِ وَإِنْ ..... قَلُّوا كَمَا غَيْرُهُمْ قَلَّ وَإِنْ كَثُرُوا
فصار ذلك باعتبارَيْن. ولا تنافي بينهما لأن الكثرة والقلة أمران نسبيان، فالمهتدون في أنفسهم كثير، وإذا وصفوا بالقلة فبالنسبة إلى أهل الضلال، أو تكون الكثرة بالنسبة إلى الحقيقة، والقلة بالنسبة إلى الأشخاص، فسموا (كَثِيرٗا) ذهاباً إلى الحقيقة.
وقوله: (يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا) كونه إخباراً من الله تعالى هو الظاهر، وإسناد الضلال إلى الله - تعالى - إسناد حقيقي كما أن إسناد الهداية كذلك، فهو خالق الضلال والهداية، وقد تؤول هنا الإضلال بالإضلال عن طريق الجنة، والإضلال عن الدين في العربية هو الدعاء إلى تقبيح الدين وتركه، وهو الإضلال المضاف إلى الشيطان، والإضلال بهذا المعنى منتف عن الله بالاتفاق.
(وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ): معاني الهدى متعددة، منها الدلالة والبيان، ومنها الدعوة، ومنها التوفيق من الله بالألطاف المشروطة بالإيمان يؤتيها المؤمنين جزاء على إيمانهم ومعونة عليه وعلى الازدياد من طاعته، ومنها الهدى إلى طريق الجنة، ومنها الهدى بمعنى التقديم يقال هدى فلان فلاناً أي قدمه أمامه، وأصل هدى من هداية الطريق لأن الدليل يتقدم المدلول، وتقول العرب أقبلت هوادي الخيل. وقد عرضنا وجوه اهدى في:
- (ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ 6) الفاتحة،
- (هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ 2) البقرة،
- (أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ) البقرة 5،
- (وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ 5) البقرة،
- (أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ) البقرة 16.
وفي الآية لفّ ونشر غير مرتّب*: (فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ) فإنّ الضلال ذكر أوّلاً (يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا) وهو للفريق الثاني (وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ)، والهدى ذكر آخراً، وهو للفريق الأوّل (فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ).


----------------------
*من سحر البيان: اللف والنشر







 
رد مع اقتباس
قديم 12-10-2022, 01:29 PM   رقم المشاركة : 132
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

(إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ 26)







ما قيل في مدلول الإضلال:

إن الهمزة تارة تجيء لنقل الفعل من غير المتعدي إلى التعدي كقولك: خرج، فإنه غير
متعدٍ، فإذا قلت: أخرج فقد جعلته معتدياً وقد تجيء لنقل الفعل من المتعدي إلى غير المتعدي كقولك: كببته فأكب، وقد تجيء لمجرد الوجدان. حُكي عن عمرو بن معد يكرب أنه قال لبني سليم: قاتلناكم فما أجبناكم، وهاجيناكم فما أفحمناكم، وسألناكم فما أبخلناكم. أي: فما وجدناكم جبناء ولا مفحمين ولا بخلاء. ويقال: أتيت أرض فلان فأعمرتها أي وجدتها عامرة قال المخبل:
تَمَنّى حُصَيْنٌ أنْ يَسُودَ خُزاعَةَ ..... فَأمْسى حُصَيْنٌ قَدْ أذَلَّ وأقْهَرا
أي وُجد ذليلاً مقهوراً.
وقوله تعالى: (وَأَضَلَّهُ اللَّهُ)الجاثية 23، لا يمكن حمله إلا على وجهين: أحدهما: أنه صيره ضالاً، والثاني: أنه وجده ضالاً.
أما التقدير الأول، وهو أنه صيره ضالاً فليس في اللفظ دلالة على أنه تعالى صيره ضالاً عماذا، وفيه وجهان:

أولهما: أنه صيره ضالاً عن الدين، ومعنى الإضلال عن الدين في اللغة هو الدعاء إلى ترك الدين وتقبيحه في عينه وهذا هو الإضلال الذي أضافه الله تعالى إلى إبليس فقال:(ولأُضِلَّنَّهُمْ ولأُمَنّيَنَّهُمْ)النساء119، وقال الشيطان إلى قوله: (وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى)إبراهيم22، والأمة مجمعة على أن الإضلال بهذا المعنى لا يجوز على الله تعالى لأنه تعالى ما دعا إلى الكفر وما رغب فيه بل نهى عنه وزجر وتوعد بالعقاب عليه، وإذا كان المعنى الأصلي للإضلال في اللغة ليس إلا هذا وهذا المعنى منفي بالاتفاق، فثبت أنه لا يجوز إجراء هذا اللفظ على ظاهره. والتأويل على وجوه:

1) أن الرجل إذا ضل باختياره عند حصول شيء من غير أن يكون ذلك الشيء أثر في إضلاله فيقال لذلك الشيء إنه أضله قال تعالى في حق الأصنام: (رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ ٱلنَّاسِ)إبراهيم36، أي ضلوا بهن. وقال في براءة: (وَإِذَا مَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ فَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمۡ زَادَتۡهُ هَٰذِهِۦٓ إِيمَٰنٗاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَهُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ 124وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَتۡهُمۡ رِجۡسًا إِلَىٰ رِجۡسِهِمۡ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ 125) فأخبر - سبحانه - أن نزول السورة المشتملة على الشرائع يعرف أحوالهم فمنهم من يصلح عليها فيزداد بها إيماناً، ومنهم من يفسد عليها فيزداد بها كفراً، فإذاً أضيفت الزيادة في الإيمان والزيادة في الكفر إلى السورة، إذ كانوا إنما صلحوا عند نزولها وفسدوا كذلك أيضاً، فكذا أضيف الهدى والإضلال إلى الله - تعالى - إذا كان إحداثهما عند ضربه - تعالى - الأمثال لهم، كما في قوله في سورة المدثر: (وَمَا جَعَلۡنَا عِدَّتَهُمۡ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسۡتَيۡقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَيَزۡدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِيمَٰنٗا)31، فأخبر تعالى أن ذكره لعدة خزنة النار امتحان منه لعباده ليتميز المخلص من المرتاب فآلت العاقبة إلى أن صلح عليها المؤمنون وفسد الكافرون وأضاف زيادة الإيمان وضدها إلى الممتحنين فقال ليزداد وليقول ثم قال بعد قوله: (مَاذَا أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء) فأضاف إلى نفسه إضلالهم وهداهم بعد أن أضاف إليهم الأمرين معاً، فبين - تعالى - أن الإضلال مفسر بهذا الامتحان. ويقال في العرف أيضاً: أمرضني الحب، أي: مرضت به. ويقال: قد أفسدت فلانةٌ فلاناً وهي لم تعلم به، وقال أبو نواس:
دَع عَنكَ لَومي فَإِنَّ اللَومَ إِغراءُ
أي يغري الملوم باللوم، والإضلال على هذا المعنى يجوز أن يضاف إلى الله تعالى على معنى أن الكافرين ضلوا بسبب الآيات المشتملة على الامتحانات ففي هذه الآية الكفار لما قالوا: ما الحاجة إلى الأمثال وما الفائدة فيها واشتد عليهم هذا الامتحان حسنت هذه الإضافة.
2) أن الإضلال هو التسمية بالضلال فيقال: أضله، أي: سماه ضالاً، وحكم عليه به. وأكفر فلان فلاناً إذا سماه كافراً. وأنشدوا بيت الكميت:
فَطَائِفَةٌ قَدْ أكْفَرُونِي بِحُبِّكُمْ ..... وَطَائِفَةٌ قَاْلُوا مُسِيءٌ ومُذْنِبُ
وقال طرفة:
وما زَال شُرْبي الرّاحَ حَتىأَضَلّني ..... صَدِيقْي وَحَتى سَاءَني بَعْضُ ذَلِكِ
أراد: سماني ضالاً.
وهو متى صيره في نفسه ضالاً لزمه أن يصير محكوماً عليه بالضلال فهذا الحكم من لوازم ذلك التصيير، وإطلاق اسم الملزوم على اللازم مجاز مشهور. وعلى هذا الوجه حملوا الإضلال على الحكم والتسمية.
3) أن يكون الإضلال هو التخلية وترك المنع بالقهر والجبر، فيقال أضله إذا خلاه وضلاله قالوا ومن مجازه قولهم: أفسد فلان ابنه وأهلكه ودمر عليه إذا لم يتعهده بالتأديب، ومثله قول العرجي:
أَضَاعُونَي وَأَيَّ فَتًى أَضَاعُوا
ويقال لمن ترك سيفه في الأرض الندية حتى فسد وصديء: أفسدت سيفك وأصدأته.

4) الضلال والإضلال هو العذاب والتعذيب بدليل قوله تعالى: (إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِينَ فِي ضَلَٰلٖ وَسُعُرٖ 47)القمر، فوصفهم الله - تعالى - بأنهم يوم القيامة في ضلال وذلك لا يكون إلا عذابهم، وكذلك قوله: (إِذِ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ وَٱلسَّلَٰسِلُ يُسۡحَبُونَ 71 فِي ٱلۡحَمِيمِ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسۡجَرُونَ 72 ثُمَّ قِيلَ لَهُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تُشۡرِكُونَ 73 مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا بَل لَّمۡ نَكُن نَّدۡعُواْ مِن قَبۡلُ شَيۡ‍ٔٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلۡكَٰفِرِينَ 74)غافر، ففسر ذلك الضلال بالعذاب.
5) أن يحمل الإضلال على الإهلاك والإبطال كقوله:(ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ 1)محمد، قيل أبطلها وأهلكها.
ومن مجازه قولهم: ضل الماء في اللبن إذا صار مستهلكاً فيه. ويقال: أضللته أنا إذا فعلت ذلك به فأهلكته وصيرته كالمعدوم. ومنه يقال: أضل القوم ميتهم إذا واروه في قبره، فأخفوه حتى صار لا يرى، قال النابغة:
وآبَ مُضِلُّوه بعَيْنٍ جَلِيَّةٍ ..... وغُودِرَ بالجَوْلانِ حَزْمٌ ونائِلُ
وقال تعالى: (وَقَالُوٓاْ أَءِذَا ضَلَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدِۢ)السجدة10، أي: أئذا اندفنا فيها فخفيت أشخاصنا فيحتمل على هذا المعنى يضل الله إنساناً أي: يهلكه ويعدمه، فتجوز إضافة الإضلال إليه - تعالى - على هذا الوجه.

وثانيهما: أنه صيره ضالاً عن الجنة، وفيه:
1) أن يحمل الإضلال على الإضلال عن الجنة، وهذا - عند المعتزلة - ليس تأويلاً بل حملاً للفظ على ظاهره فإن الآية تدل على أنه - تعالى - يضلهم وليس فيها دلالة على أنه عما ذا يضلهم، فيحمل على أنه - تعالى - يضلهم عن طريق الجنة، ثم حملوا كل ما في القرآن من هذا الجنس على هذا المحمل، وهذا إذا حملنا الهمزة في
الإضلال على التعدية.
2) أن نحمل الهمزة لا على التعدية بل على الوجدان، فيقال: أضل فلان بعيره أي: ضل عنه، فمعنى إضلال الله تعالى لهم أنه - تعالى - وجدهم ضالين.

3) أن يكون قوله تعالى: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا) من تمام قول الكفار فإنهم قالوا: ماذا أراد الله بهذا المثل الذي لا يظهر وجه الفائدة فيه ثم قالوا: يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً، وذكروه على سبيل التهكم، فهذا من قول الكفار. ثم قال - تعالى -
جواباً لهم: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقِينَ) أي: ما أضل به إلا الفاسق.
هذا مجموع كلام المعتزلة. أمَّا أهل الجَبْرِ فقد حملوا "الإضلال" على أَنَّهُ - تعالى - خالق الضلال والكفر فيهم وصدّهم عن الإيمان، وحال بينهم وبينهُ. ورُبَّمَا قالوا: هذا هو حقيقةُ اللفظ في أصل اللغةِ؛ لأنَّ الإضلال عبارة عن جَعْلِ الشَّيء ضالاًّ، كما أنَّ الإخراج والإدخال عبارةٌ عن جَعْلِ الشيء خارجاً وداخلاً.






 
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 

اشترك في مجموعة أقلام البريدية
البريد الإلكتروني:
الساعة الآن 03:38 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2023, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط