الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديـات الثقافيـة > المنتدى الإسلامي

المنتدى الإسلامي هنا نناقش قضايا العصر في منظور الشرع ونحاول تكوين مرجع ديني للمهتمين..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02-12-2022, 01:24 PM   رقم المشاركة : 169
معلومات العضو
عوني القرمة
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو






عوني القرمة متصل الآن


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

المدخـــل






الوحدانية:


وإن من مقتضيات عبادة الله ألا يرجى غيره، وألا يُخاف غيره، فإذا تُرك الحق خوفاً من رئيس، أو أُثِرت منفعة من كبير على غير حكم الله، كان هذا من الشرك بالله، واتخاذ أنداد من دونه. إن الله وضع أسس العلاقة بين التابع والمتبوع، والرئيس والمرؤوس، على أن تكون الأرضية التي يقف عليها الجميع هي: مخافة الله: (إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 175) آل عمران. وإنما قال هنا: (وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ) لأن المراد بالعلم هنا العقل التام وهو رجحان الرأي المقابل عندهم بالجهل على نحو قوله تعالى: (قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ) الزمر9. وقد جعلت هذه الحال محط النهي والنفي تمليحاً في الكلام للجمع بين التوبيخ وإثارة الهمة فإنه أثبت لهم علماً ورجاحة الرأي ليثير همتهم ويلفت بصائرهم إلى دلائل الوحدانية ونهاهم عن اتخاذ الآلهة أو نفي ذلك مع تلبسهم به وجعله لا يجتمع مع العلم توبيخاً لهم على ما أهملوا من مواهب عقولهم وأضاعوا من سـلامة مداركهم. وهذا منزع تهذيبي عظيم، أن يعمد المربي فيجمع لمن يربيه بين ما يدل على بقية كمال فيه حتى لا يقتل همته باليأس من كماله فإنه إذا ساءت ظنونه في نفسه خارت عزيمته وذهبت مواهبه، ويأتي بما يدل على نقائص فيه ليطلب الكمال فلا يستريح من الكد في طلب العلا والكمال. وقد أومأ قوله: (وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ) إلى أنهم يعلمون أن الله لا ند له ولكنهم تعاموا وتناسـوا فقالوا «إلا شريكاً هو لك».






 
رد مع اقتباس
قديم 10-12-2022, 01:11 PM   رقم المشاركة : 170
معلومات العضو
عوني القرمة
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو






عوني القرمة متصل الآن


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

المدخـــل






صدق الرسالة الخاتمة:

(وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٣فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ 24)

منذ صدع محمد - عليه الصلاة والسلام - بإعلان رسالته بعدما نزل عليه قوله تعالى: (وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ 214) الشعراء، والمشـركون يشـككون في صحة رسـالته. ثم بعد أن هاجر المسلمون ليثرب، جوبهوا بمقاومة للحق من تيارين: يهود، ومنافقي العرب. من هنا جاء خطاب التحدي، وإن كان موجهاً للناس جميعاً، في كل زمان ومكان، إلا أنه انطلق في بدايته، قاصداً أولئك النفر من اليهود والعرب في المدينة وما حولها: (وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ). والتحدي يبدأ بلفتة لها قيمتها حين يصف النبي - عليه الصلاة والسلام - بالعبودية لله.ولهذا الوصف في هذا الموضع دلالات منوعة متكاملة؛ فهو أولاً دلالة على أن مقام العبودية لله هو أسمى مقام يدعى إليه بشـر ويدعى به كذلك. وهي - ثانياً - تشريف للنبي وتقريب بإضافة عبوديته لله - تعالى - ولا شيء أشرف من هذه الصفة؛ فها هو ذا النبي في مقام الوحي - وهو أعلى مقام يمكن أن يصل إليه بشر - يدعى بالعبودية لله ، ويشـرف بهذه النسبة في هذا المقام. وفيها - ثالثاً - إشارة إلى أن هذا العبد الرباني إنما هو بشير ونذير، ولا يملك إلا أن يؤدي المهمة التي أوكلها إليه ربه.

وإن القرآن الكريم كتاب الله - تبارك وتعالى - أنزله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - معجزة عظمى وقرآناً يتلى، تولى حفظه رب العالمين - جل جلاله - فقال سبحانه: (إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ 9) الحجر، فالقرآن محفوظ في الصدور وفي السـطور، كأعظم معجزة أرادها الله - تعالى - معجزة مادية باقية، تعجز البلغاء والعلماء، مع كونها مكونة من حروف مطروحة على الطريق، متاحة لكل أحد، تؤلف في ألفاظ ومفردات مطروقة في اللسان العربي، لكن الكل يعجز عن أن يأتي بمثل أقصر آية منه، وما سبب ذلك إلا لأن كلام الرب لا يشبهه كلام الخلق أبداً:
"أما ألفاظ هذا الكتاب الكريم، فهي كيفما أدرتها وكيفما تأملتها وأين اعترضتها من مصادرها أو مواردها ومن أي جهة وافقتها؛ فإنك لا تصيب لها في نفسك ما دون اللذة الحاضرة، والحلاوة البادية، والانسجام العذب؛ وتراها تتساير إلى غاية واحدة، وتسنح في معرض واحد، ولا يمنعها اختلاف حروفها وتباين معانيها وتعدد مواقعها من أن تكون جوهرًا واحدًا في الطبع والصقل، وفي الماء والرونق؛ كأنما تتلامح بروح حية ما هو إلا أن تتصل بها حتى تمتزج بروحك وتخالِطَ إحساسك فلن تكون معها إلا على حالة واحدة.

تختلف الألفاظ ولا تراها إلا متفقة، وتفترق ولا تراها إلا مجتمعة، وتذهب في طبقات البيان وتنتقل في منازل البلاغة، وأنت لا تعرف منها إلا روحًا تداخلك بالطرب، وتشرب قلبك الروعة، وتنتزع من نفسك حسن الاختلاف الذي طالما تدبرت به سائر الكلام، وتصحفت به على البلغاء في ألوان خطابهم وأساليب كلامهم وطبقات نظامهم، مما يعلو ويسفل، أو يستمر وينتقض، أو يأتلف ويختلف ... إلى غيرها من آثار الطباع الإنسانية فيما يعتريها من نقص أو كلال أو غفلة، ومما هو صورة في الكلام لوجوه اختلافها بالقوة والضعف في أصل الخلقة وطريقة النشأة وأسباب التحصيل وآلات الصناعة إذ كل ذلك ليس في كل الطباع الإنسانية على سواء"*.
* مصطفى صادق الرافعي: كتاب تاريخ آداب العرب، ج2، ص59.

ومن تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ وجد فيه منْ وُجُوهِ الْإِعْجَازِ فُنُونًا ظَاهرةً َخَفِيَّةً من حيث اللَّفْظ ومن جهة الْمعنى، قال اللَّهُ تعالى: (الٓرۚ كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ 1) هود، فَأُحْكِمَتْ ألفاظه وَفُصِّلَتْ معانيه أو بالعكس على الْخِلَافِ، فَكُلٌّ من لفظه ومعناه فَصِيحٌ لَا يُجَارَى وَلَا يُدَانَى، فقد أخبر عن مغيباتٍ ماضيةٍ وآتيةٍ كانت ووقعت طِبْقَ ما أخبر سواءً بسواءٍ، وأمر بكُلِّ خير، ونهى عن كُلِّ شرٍّ كما قالَ: (وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدۡقٗا وَعَدۡلٗاۚ) الْأَنْعَامِ، أي: صِدْقًا في الْأخبارِ وعدلًا في الْأَحْكَامِ، فَكُلُّهُ حَقٌّ وَصِدْقٌ وَعَدْلٌ وَهُدًى ليس فيه مُجَازَفَةٌ وَلَا كَذِبٌ وَلَا افتراء كما يُوجَدُ في أَشْعَارِ الْعربِ وغَيْرِهِمْ من الْأَكَاذِيبِ وَالْمُجَازَفَاتِ التي لا يحسنُ شِعْرُهُمْ إلا بها، كما قيل في الشِّعْرِ: إِنَّ أَعْذَبَهُ أَكْذَبُهُ. وأَمَّا الْقُرْآنُ فجميعه فَصِيحٌ في غاية نِهَايَاتِ الْبلاغةِ عند من يعرف ذلك تَفْصِيلًا وَإِجْمَالًا ممَّن فَهِمَ كلام العرب وتصاريفَ التَّعْبِيرِ، فَإِنَّهُ إِنْ تَأَمَّلْتَ أَخْبَارَهُ وجدتها في غاية الْحلاوة، سواءٌ كانت مبسوطةً أو وَجِيزَةً، وسواءٌ تَكَرَّرَتْ أم لا. وَكُلَّما تكرَّر "حَلَا وَعَلَا لَا يَخلق عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا يَمَلُّ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ"، وإن أخذ في الْوعيد والتَّهديد جاء منه ما تَقْشَعِرُّ منه الْقُلُوب الْفَاهِمَات، وإنْ وَعَدَ أتى بما يَفْتَحُ الْقُلُوبَ وَالْآذَانَ. وإن جاءتِ الآياتُ في الْأَحْكَامِ وَالْأَوَامِـرِ وَالنَّوَاهِي، اشـتملتْ على الأمـر بكل معـروفٍ حسـنٍ نافع طَيِّبٍ محبوبٍ، والنهيِ عنْ كل قبيحٍ رذيلٍ دنيءٍ.






 
رد مع اقتباس
قديم 15-12-2022, 01:08 PM   رقم المشاركة : 171
معلومات العضو
عوني القرمة
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو






عوني القرمة متصل الآن


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

المدخـــل






صدق الرسالة الخاتمة:


وقد ورد في كتاب الله - تبارك وتعالى - أكبر تحدٍّ لقريش وهم أهل اللغة والفصاحة البلغاء أن يأتوا بمثل هذا القرآن فقال رب العزة والجلال: (قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا 88) الإسراء؛ و (لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ) أي: لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ، (وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا): عَوْنًا وَمُظَاهِرًا. وقالوا في أسباب النزول أن هذه الآية نَزَلَتْ حين قال الكفار: (لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا) الأنفال 31، فكذبهم الله تعالى؛ إذ أن القرآن مُعْجِزٌ في النظم والتأليف والإخبار عن الغيوب. وهو كلام في أعلى طبقات البلاغة، وهذا دليل قاطع، وبرهان ساطع، على صحة ما جاء به النبي وصدقه، حيث تحدى الله الإنس والجن أن يأتوا بمثله، وترك الباب مفتوحاً ليستمر التحدي قائماً ما دامت الحياة الدنيا. ووقع كما أخبر الله، فإن دواعي أعدائه المكذبين به، متوفرة على رد ما جاء به بأي وجه كان، وكانوا أهل اللسان والفصاحة، فلو كان عندهم أدنى تأهل وتمكن من ذلك لفعلوه. وإذ لم يفعله من كان متمتعاً بالذروة من الفصاحة، فأنى لمن جاءوا بعدهم بالقدرة على المعارضة؟!
بل كيف يقـدر مخلوق من تراب، ناقص من جميع الوجـوه، ليس له علـم ولا قـدرة ولا إرادة ولا مشيئة ولا كلام ولا كمال إلا من ربه، أن يعارض كلام رب الأرض والسماوات، المطلع على سـائر الخفيات، الذي له الكمال المطلق، والحمد المطلق، والمجد العظيم، الذي لو أن البحر يمده من بعده سـبعة أبحر مدادًا، والأشـجار كلها أقلام، لنفذ المداد، وفنيت الأقلام، ولم تنفد كلمات الله.

ثم تحداهم بعد أن عجزوا عن الإتيان بمثله بأن يأتوا بعشـر سـورٍ مثله كما في قوله سبحانه: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) هود 13، ثم تحداهم بسورة واحدة، فقال: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ) يونس 38، وقال هنا: (وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ). وتكرار قولهم: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) زعماً منهم أنه لم يأت بهذا الكتاب من عند الله، بل اختلقه أو لفقه. فلو كانوا محقين في قولهم أنه افتراه، فيكون لا فرق بينكم وبينه في الفصاحة والبلاغة، ولحرصكم على أبطال دعوته، فما أسهل عليكم من تكذيبه بالإتيان بعشـر سـور مخترعات من جنس ما أتاكم به، بل فيكم من ترون أنه يفوق محمداً - عليه السلام - فصاحة وبلاغة. ولما عجزوا نزل - سبحانه - لهم بسقف التحدي لسورة واحدة. ثم إنكم إن رأيتم أن مواهبكم تعجز عن التحدي، استعينوا بمن شئتم من إنس أو جن. ثم إنه قال: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا) فجاء بـ "لَنْ" لنفيِ التَّأْبِيدِ أي: ولنْ تَفْعَلُوا ذلك أبدًا. وهذه - أيضًا - مُعْجِزَةٌ أخرى، وهو أنَّه أخبر أَنَّ هذا القرآن لا يُعارَضُ بمثله أبدًا، وكذلك وقع الْأَمْرُ، لم يُعَارَضْ من لدنه إلى زماننا هذا ولا يمكن، وأنَّى يتأتَّى ذلك لأحدٍ، والْقرآنُ كلامُ اللَّهِ خَالِقِ كُلِّ شيءٍ؟ وَكَيْفَ يُشْبِهُ كَلَامُ الْخَالِقِ كَلَامَ الْمَخْلُوقِينَ؟!

إن التحدي جاء متدرجاً حتى انتهى بسـورة واحدة في البقرة ويونس. ونحن نرى أن التحدي تنوع كذلك، بالقرآن، والمبعوث به، وهذا يبينّه لنا الاختلاف في عبارة التحدي بسـورة؛ إذ جاء في البقرة: (فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ)، وفي يونس: (فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّثۡلِهِۦ)، والأولى تعني افتراض أن يوجد للمطلوب الإتيان بمثله مثيل أو أمثال. أما الثانية: (فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّثۡلِهِۦ) فلا يشترط فيه وجود المثيل. والقرآن - بلا شك - ليس له مثيل، مما يؤكد أن العبارة الثانية تخص التحدي بالقرآن، بينما العبارة الأولى تحتمل التحدي بالقرآن وبالرسول، بمعنى أن آية البقرة يأتي فيها التحدي بالرسول؛ فيعود الضمير في: (مِّن مِّثۡلِهِۦ) على المُنَزَّلِ عليه، فـ (مِّن) متعلقة بقوله: فأتوا من مثل الرسول بسـورة. ومعنى (مِنْ) على هذا الوجه: ابتداء الغاية. وفي المثلية هنا أقوال: من بيئة مماثلة لبيئته التي كانت خالية من أخبار السماء، أو من أبناء جنسه، أو ممن - مثله - لم يدارس العلماء، ولم يجالس الحكماء، ولم يؤثر عنه قول الشعر أو ضروب تزويق الكلام. ما يؤكد ما نذهب إليه اختلاف مقدمة التحدي بين الآيات، فآية يونس وكذا آية هود - فيها: (أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ) بينما آية البقرة فيها: (وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا) والريب هنا يشمل المُنَزَّلَ والمُنَزَّلَ عليه، والريبة قد تكون من مظنة الافتراء أو غيره، فإنهم قالوا: ساحر أو مجنون أو يعلّمه بشر، بينما هناك تأتي دعوى الاختلاق للقرآن. لذلك جاء نص آية البقرة على العموم، على خلاف آيتي يونس وهود اللتين جاءتا بتخصيص القرآن؛ إذ أن المطلوب أن يأتوا بمثل القرآن.






 
رد مع اقتباس
قديم 22-12-2022, 12:49 PM   رقم المشاركة : 172
معلومات العضو
عوني القرمة
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو






عوني القرمة متصل الآن


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

المدخـــل






صدق الرسالة الخاتمة:



ثم إنه بعد تأكيد عجزكم عن معارضة القرآن، وتبين لكم أن ذلك لا يستطيعه أحد حاضراً ومستقبلاً، فخافوا العذاب الذي أعده الله للجاحدين وهو النار التي وقودها الناس والحجارة: (فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ 24) لأن الذي لا يؤمن بعد إقامة الحجة عليه، ولم يستعمل عقله، إنما هو بمنزلة الحجارة، فقرن بينهما.
وجعل اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله، لأنه إذا ظهر عجزهم عن المعارضة صح عندهم صدق الرسول والرسالة، وإذا صح ذلك ثم لزموا العناد اسـتوجبوا العقاب بالنار، فاتقاء النار يوجب ترك العناد، فأقيم المؤثر مقام الأثر، وجعل قوله: (فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ) قائماً مقام قوله: فاتركوا العناد، وهذا هو الإِيجاز الذي هو أحد أبواب البلاغة، وفيه تهويل لشأن العناد ، لإِنابه اتقاء النار منابه متبعاً ذلك بتهويل صفة النار .
والوقود : ما يلقى في النار لإِضرامها كالحطب ونحوه، لكن ليس من المعهود أن تضرم النار بالحجارة، بل إنها في الدنيا تُسَيَّجُ بها النار لحجزها، فإذا أطفئت النار بقيت الحجارة لإشعال جديد. أما وأنها من الوَقود، فهذه صورة مرعبة تظهر شدة النار لدرجة أن تذيب الحجارة، فما بالك بالأجساد المصاحبة للحجارة في جحيم النار؟! أما مناسبة الإتيان بذكر الحجارة هنا فلسببين: الأول أنهم بإعراضهم عن آيات الله وجحودهم لدينه مع ما جاء به رسوله من أدلة وبراهين تؤكد صدقه فيما بلغ عن ربه، شُبّهوا بالحجارة التي لا تعقل، فاقترنوا بها في جهنم. والثاني أنها الأصنام التي يعبدونها من دون الله كما قال تعالى: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ) الأنبياء98، واقتران المشـركين بما كانوا يعبدون في النار مبالغة في إيلامهم وتحسـيرهم، وبأن ما أعدوه لنجاتهم كان سبباً لعذابهم.

إن العرب أعرضوا عن قبول التحدي بمعارضة القرآن، لأنهم أدركوا ألا قبل لهم بها. هم كذبوا النبي - صلى‌ الله‌ عليه ‌وسلم - وناوئوه وأعرضوا عن متابعته فحاجهم على إثبات صدقه بكلام أوحاه الله إليه، وجعل دليل أنه من عند الله عجزهم عن معارضته فإنه مركب من حروف لغتهم ومن كلماتها وعلى أساليب تراكيبها، وأودع من الخصائص البلاغية ما عرفوا أمثاله في كلام بلغائهم من الخطباء والشعراء ثم حاكمهم إلى الفصل في أمر تصديقه أو تكذيبه بحكم سهل وعدل، وهو معارضتهم لما أتى به أو عجزهم عن ذلك نطق بذلك القرآن في غير موضع كهذه الآية فلم يستطيعوا المعارضة فكان عجزهم عن المعارضة لا يعدو أحد أمرين:
1) قول الجمهور: أن يكون عجزهم لأن القرآن بلغ فيما اشتمل عليه من الخصائص البلاغية التي يقتضيها الحال حد الإطاقة لأذهان بلغاء البشر بالإحاطة به، بحيث لو اجتمعت أذهانهم وانقدحت قرائحهم وتآمروا وتشاوروا في نواديهم وبطاحهم وأسواق موسمهم، فأبدى كل بليغ ما لاح له من الحيل اللغوية والبيانية لوجدوا كل ذلك قد وفت به آيات القرآن وأتت بأعظم منه، فهذا هو القدر الذي أدركه بلغاء العرب بفطرهم، فأعرضوا عن معارضته علما بأنهم لا قبل لهم بمثله، وقد كانوا من علو الهمة ورجاحة الرأي بحيث لا يعرضون أنفسهم للافتضاح ولا يرضون لأنفسهم بالانتقاص لذلك رأوا الإمساك عن المعارضة أجدى بهم، وأفضل من الفشل في محاولة المعارضة التي ستكون - بلا ريب - قاصرة عن بلاغة القرآن.
2) قول المعتزلة: قد يجوز أن يكونوا قادرين على الإتيان بمثله، ممكنة منهم المعارضة، ولكنهم صرفهم الله عن التصدي لها مع توفر الدواعي على ذلك، فيكون صدهم عن ذلك مع اختلاف أحوالهم أمراً خارقاً للعادة أيضاً، وهو دليل المعجزة. وهذا مذهب فريق قال بالإعجاز بالصرفة، وهو قول النظام وكثير من المعتزلة، ونُسب إلى أبي إسحاق الأسفرائيني وأبي الحسن الأشعري، وقال به الشريف المرتضى من الشيعة.

ولا مجال للقول بأن يكون العرب قد عارضوا القرآن، ولم ينقل إلينا ما عارضوا به، لأنَّ محمداً - صلى ‌الله‌ عليه ‌وسلم - بعث في أمة مناوئة له معادية؛ فكانت العرب قاطبة معارضة للنبي إذ كذبوه ولمزوه بالجنون والسـحر وغير ذلك، ولم يتبعه منهم إلا نفر قليل مستضعفين بين قومهم لا نصير لهم في أول الدعوة ثم كان من أمر قومه أن قاطعوه ثم أمروه بالخروج بين هم بقتله واقتصار على إخراجه. كل هذا ثبت عنهم في أحاديثهم وأقوالهم المنقولة نقلاً يستحيل تواطؤنا عليه على الكذب وداموا على مناوأته بعد خروجه كذلك يصدونه عن الحج ويضطهدون أتباعه إلى آخر ما عرف في التاريخ والسِــيَّر ولم تكن تلك المنـاوأة في أمـد قصير يمكن في خلاله كتم الحـوادث وطي نشـر المعارضة فإنها مدة تسع عشرة سنة إلى يوم فتح مكة. ولا جرم أن أقصى رغبة لهم في تلك المدة هي إظهار تكذيبه انتصاراً لأنفسهم ولآلهتهم وتظاهراً بالنصر بين قبائل العرب. كل هذا ثبت بالتواتر عند جميع الأمم المجاورة لهم من فرس وروم وقبط وأحباش. وقد كان هؤلاء المُتَحَدُّون المدعوون إلى المعارضة بالمكانة المعروفة من أصالة الرأي، واسـتقامة الأذهان، ورجحان العقول، وعدم رواج الزيف عليهم، وبالكفاءة والمقدرة على التفنن في المعاني والألفاظ، تواتر ذلك كله عنهم بما نقل من كلامهم نظماً ونثراً، فلم يكن يعوزهم أن يعارضوه لو وجدوه على النحو المتعارف لديهم فإن صحة أذهانهم أدركت أنه تجاوز الحد المتعارف لديهم فلذلك أعرضوا عن المعارضة مع توفر داعيهم بالطبع وحرصهم لو وجدوا إليه سبيلاً ثبت إعراضهم عن المعارضة بطريق التواتر إذ لو وقع مثل هذا لأعلنوه وأشـاعوه وتناقله الناس لأنه من الحوادث العظيمة. ثم إنهم لما عدلوا عن المعارضة باللسان، تحولوا إلى المحاربة بالسيف، ولو كان في قدرتهم التصدي للتحدي، لما احتاجوا إلى إزهاق الأرواح، وإفناء النفوس.
ووراء هذا كله دليل آخر يعرفنا بأن العرب بحسـن فطرتهم قد أدركوا صدق الرسول وفطنوا لإعجاز القرآن وأنه ليس بكلام معتاد للبشر وأنهم ما كذبوا إلا عناداً أو مكابرة وحرصاً على السيادة ونفوراً من الاعتراف بالخطأ، ذلك الدليل هو إسلام جميع قبائل العرب وتعاقبهم في الوفادة بعد فتح مكة فإنهم كانوا مقتدين بقريش في المعارضة مكبرين المتابعة لهذا الدين خشـية مسـبة بعضهم وخاصة قريش ومن ظاهرهم، فلما غُلبت قريش لم يبق ما يصد بقية العرب عن المجيء طائعين معترفين عن غير غلب، فإنهم كانوا يستطيعون الثبات للمقارعة أكثر مما ثبتت قريش إذ قد كان من تلك القبائل أهل البأس والشـدة من عرب نجد وطيء وغيرهم ممن اعتز بهم الإسلام بعد ذلك فإنه ليس مما عرف في عوائد الأمم وأخلاقها أن تنبذ قبائل عظيمة كثيرة أدياناً تعتقد صحتها وتجيء جميعها طائعاً نابذاً دينه في خلال أشـهر من عام الوفود لم يجمعهم فيه نادٍ ولم تسـر بينهم سـفراء ولا حشـرهم مجمع لولا أنهم كانوا متهيئين لهذا الاعتراف لا يصدهم عنه إلا صاد ضعيف وهو المكابرة والمعاندة.






 
رد مع اقتباس
قديم 28-04-2023, 06:21 PM   رقم المشاركة : 173
معلومات العضو
عوني القرمة
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو






عوني القرمة متصل الآن


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

المدخـــل






عطف العمل الصالح على الإيمان:

(وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ)

بعد أن ذكر القرآن الكفار ومآلهم، عطف على ذلك ذكر المؤمنين وما يفوزون به من نعيم في حياتهم الباقية، كما هي سنة القرآن في الجمع بين الترغيب والترهيب والوعد والوعيد فقال تعالى: (وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ)، فبيّن - تعالى - نصيب الذين ظهر لهم الدليل فآمنوا، ولاح لهم نور الهداية فاهتدوا. والإيمان يقصد به ما جاء في صدر السورة: (ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣ وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ ٤) وما جاء في خواتيمها: (ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ) 285، والصدر يذكر المتقين على الإجمـال، بينما آية الخواتيـم تخصص مؤمني الرسـالة الخاتمة. والإيمـان لا يتحقق إلا باطمئنان القلب وقيام البرهان الذي لا يقبل الشك والارتياب. وأفضل البراهين ما أرشـد إليه القرآن من النظر في آيات الله في الآفاق والأنفس، فقد يبلغ الإنسان علم اليقين بنظرة صادقة في هذا العالم، أو في نفسه إذا تجلت له بغرائب خلقها وبدائع صنعها.
والعمل الصالح معروف عند الناس، فقد أودع في فطرتهم ما يميزون به بين الخير والشـر، ولكن بعضهم يضلّ بما يطرأ على نفسه من زيغ يحيد به عن الهدى، ويتبعه آخرون في ضلاله فتتولد التقاليد الضارة، وتكون هي ميزان الخير والصلاح لدى الضالين، وإن كانت مخالفة لأصل الفطرة.

وقد بين الكتاب الأعمال الصالحة في آي كثيرة كالآيات من سورة "المؤمنون". وعطف الذين "عَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ" على (ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ) ليس عطف مغايرة، ومن قال بذلك رأى أن الْإِيمَان: هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ، فأخرج بذلك العمل أن يكون مورِدَاً للإيمان وقَصْرْ الإيمان من حيث المورد على الإقرار والتصديق. بل إن ثمة من قال: إن الإيمان هو التصديق، ولا يلزم معه إقرار. وسُمي من جعلوا الإيمان متحققاً بلا عمل، بالمرجئة لأنهم أرجأوا العمل عن مسمّى الإيمان. واستدلوا لمذهبهم بعدة أدلة من أشهرها الآيات التي فيها: (ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ)، واعتبروا عَطَفَ العمل على الإيمان يدل على التغاير ما بين العمل وما بين الإيمان؛ لأنه لو كان عمل الصالحات في الإيمان لما قال: (ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ)، فلمَّا عَطَفَ العمل على الإيمان - قالوا - دلَّنَا على تأخير العمل وإرجاء العمل عن مسمى الإيمان.
والجواب عن ذلك أنَّ اللسان العربي فيه العطف بالواو، ويُرَادُ به التَّغايُرْ. والتغاير تارةً يكون:

- تغاير ذوات: نحو قوله تعالى: (وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ) العنكبوت 61؛ فالسماوات غير الأرض، والشمس غير القمر. أو:
- تغاير صفات: نحو قوله: (ٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡمُنفِقِينَ وَٱلۡمُسۡتَغۡفِرِينَ بِٱلۡأَسۡحَارِ ١٧) آل عمران؛ وهي صفات متعددة (لِلَّذِينَ اتَّقَوْا) 15، وكقول الشاعر:
إلى المَلكِ القَرْمِ وابنِ الهُمَامِ ..... ولَيْثِ الكَتِيبةِ في المُزْدَحَمْ
- تَغَايُرُ ما بين الجزء والكل، وما بين العام والخاص: ومنه تغاير التبعيض، نحو قوله تعالى: (حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى) البقرة 238، على خلاف في مدلول الصلاة الوسطى. ونحو قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ) الحج 52، وهذا عطف للجزء على الكل إذا رأينا أن كل نبي مرسل، وللكل على الجزء إذا رأينا أن الرسل - حتماً - بعض الأنبياء. وقوله: (مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّلَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبۡرِيلَ وَمِيكَىٰلَ) البقرة 98؛ فيه تداخل عجيب في أنواع المعطوفات، فإن العطف على لفظ الجلالة للملائكة واضح فيه عطف تغاير الذات، وعطف الرسل على الملائكة جزء على كل باعتبار أن الملائكة من الرسل، أو هو عطف الكلي على الجزئي لأن الرسل أعم من رسل الملائكة، كما في قوله تعالى: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) الحج 75، أو عطف ذوات إذا كان مدلول الرسل هنا: الرسل من البشر.

إنَّ الأصل - إذاً - في عطف النسـق التغاير، كما يقول النحاة، يريدون أن يكون المعطوف مغايراً للمعطوف عليه في لفظه ومعناه، فلا يعطف الشيء على نفسه. ولكن قد تخالف العرب هذا الأصل، وتعطف الشيء على نفسه إذا اختلف اللفظ لمعنى بلاغي،
وقد يعطف الشيء على مثله كقول جرير:
حَيِّ المَنازِلَ بِالأَجزاعِ غَيَّرَها ..... مَـرُّ السِـنينَ وَآبـادٌ وَآبـادُ
وكقول الآخر:
وَأَلْفَى قَوْلـَها كَذِباً وَميْنَا

فقد عطف "المين" على "الكذب" ومعناهما واحد، لغرض بلاغي، وهو تقوية معنى المعطوف عليه وتأكيده. ويقول النحاة: إن هذا العطف - على قلته - قياسي.
وقالوا إن منه قوله - تعالى - على لسان يعقوب عليه السلام: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) يوسف 86، لكننا نخالف في الشـاهد القرآني؛ إذ أن الترادف لا وجود له في القرآن الكريم؛ فالبَثُّ أشـد الحزن، الذي لا يصبر عليه صاحبه، حتى يبثه أو يشـكوه، والحُزْن: أشـد الهم. وقيل: البَثُّ: ما أبداه الانسـان، والحُزْنُ: ما أخفاه، لأن الحزن مسـتكن في القلب، والبَثُّ: ما بث وأظهر وكل شيء فرقته فقد بثثته.






 
رد مع اقتباس
قديم 28-04-2023, 06:32 PM   رقم المشاركة : 174
معلومات العضو
عوني القرمة
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو






عوني القرمة متصل الآن


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

المدخـــل






عطف العمل الصالح على الإيمان:

وإذا كان ذلك كذلك، فإن العطف في: (ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ) ليس بالضرورة عطف مغايرة للذوات. ومن الأدلة على إدخال الأعمال في مسمى الإيمان: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) البقرة143، وفي سبب نزول هذه الآية أن رجالاً من أصحاب النبي - عليه الصلاة والسلام - قد ماتوا على القبلة الاولى، فجاءت عشائرهم فقالوا: يا رسول الله توفى إخواننا وهم يصلون إلى القبلة الاولى، وقد صرفك الله - تعالى - إلى قبلة إبراهيم، فكيف بإخواننا فأنزل الله الآية. وقد اتفق المفسـرون على أنه أراد صلاتكم إلى القبلة الأولى، فثبت أن الصلاة إيمان، وإذا ثبت ذلك، فكل طاعة إيمان؛ إذ لا فرق في هذه التسـمية بين الصلاة وسـائر العبادات. كذلك قوله: (إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٢ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ) الأنفال 4، ومثله جميع الآيات المشابهة كقوله: (إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُۥ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ جَامِعٖ لَّمۡ يَذۡهَبُواْ حَتَّىٰ يَسۡتَ‍ٔۡذِنُوهُۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَ‍ٔۡذِنُونَكَ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ) النور62، ففي هذه الآيات إشـارة إلى أن جميع الأعمـال المذكـورة من واجبـات الإيمـان
فلهذا نفي الإيمان عمن لم يأت بها. ومن أخص ما يسـتدل به السـلف على كون العمل داخلاً في مسمى الإيمان، حديث وفد عبد القيس*.
* قَدِم وفْدُ عبدِ القَيسِ علَى رسولِ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ -، فقالَ: مرحبًا بالوفدِ، ليسَ بالخزَايا ولا النَّادِمينَ، قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ بينَنا وبينَكَ المشرِكينَ، وإنَّا لا نَصلُ إليكَ إلَّا في أشهرِ الحرمِ، فحدِّثنا بأمرٍ إن عمِلنا بِهِ دخلنا الجنَّةَ، ونَدعو بِهِ مَن وراءَنا، قالَ: آمرُكُم بثلاثٍ، وأنهاكُم عن أربعٍ، آمرُكُم :بالإيمانِ باللَّهِ، وَهَل تَدرونَ ما الإيمانُ باللَّهِ؟. قالوا: اللَّهُ ورسولُهُ أعلَمُ، قالَ: شَهادةُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وإقامُ الصَّلاةِ، وإيتاءُ الزَّكاةِ، وأن تُعطوا منَ المغانِمِ الخُمُسَ، أنهاكُم عَن أربعٍ: عمَّا يُنبَذُ في الدُّبَّاءِ، والنَّقيرِ، والحنتَمِ، والمزفَّتِ".
الراوي :عبدالله بن عباس.
أخرجه البخاري (523)، ومسلم (17) باختلاف يسير، والنسائي (5692) واللفظ له.
ففي هذا الحديث فسر الرسول - عليه صلوات الله - للوفد الإيمان هنا بقول اللسان، وأعمال الجوارح. ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيماناً بالله بدون إيمان القلب، لما قد أخبر في مواضع أنه لابد من إيمان القلب، فعلم أن هذه مع إيمان القلب هو الإيمان، وأي دليل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان فوق هذا الدليل؟ فإنه فسر الإيمان بالأعمال ولم يذكر التصديق مع العلم بأن هذه الأعمال لا تفيد مع الجحود. إن هذا الحديث صريح في أن العمل داخل في مسـمى الإيمان، بل صريح في أن العمل أصل في الإيمان كما جعله النبي - عليه صلوات الله - أصلاً في الإسلام، كما في حديث ابن عمر المتفق عليه: "بني الإسلام على خمس" وذكر المباني الأربعة بعد الشهادتين، وكذلك لما ذكر الإسلام في حديث جبريل المتفق عليه، وهنا لما ذكر الإيمان ذكر الشهادتين وذكر بعد ذلك العمل، ففسر الإيمان في حديث عبد القيس بما فسر به الإسلام في حديث ابن عمر وأمثاله. وزيادة الإيمان ونقصانه ثابتة في الكتاب، وهذا يدل على أن الأعمال جزء من مسمى الإيمان يكمل بوجودها وينقص بنقصها، وكان المؤمنون متفاضلين في إيمانهم كما هم متفاضلون في أعمالهم، لأن الطاعات كلها إذا كانت إيماناً فمن كان أكثر طاعة كان أكثر إيماناً، ومن خلط الطاعات بالمعاصي كان أنقص إيماناً ممن أخلص الطاعات.
لذلك يطلق السـلف الإيمان على ثلاثة عناصر مجتمعة:
- الأول: الاعتقاد بالقلب،
- والثاني: الإقرار باللسان،
- والثالث: العمل بالجوارح.
وحول هذه العناصر مجتمعة تدور تعريفات السـلف المتنوعة للإيمان، إجمالاً وتفصيلاً وشـرحاً وتوضيحاً.






 
رد مع اقتباس
قديم 02-05-2023, 09:54 PM   رقم المشاركة : 175
معلومات العضو
عوني القرمة
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو






عوني القرمة متصل الآن


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

المدخـــل






بشارة الآخرة:

(وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗا قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ وَلَهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَهُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 25)

لقد جرى الأسلوب القرآني على الحديث عمّا ينتظر المؤمنين من رضوان اللّه وثوابه جزاءً لإيمانهم وعملهم الصالح في كلّ مورد يتحدّث فيه عن الكافرين وعمّا ينتظرهم من عذاب النّار جزاءً لكفرهم وطغيانهم. وقد جرت هذه الآية على هذا الأسلوب، بدعوة النبيّ - عليه السلام - إلى تبشير المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالجنّات التي تجري من تحتها الأنهار، والتي تشبه أثمارها أثمار الدنيا، حتى يخيّل إليهم أن هذه الثمرات امتدادٌ لما كانوا يجدونه منها في الدنيا لتشابهها. ثُمَّ يضيف - جل وعلا - لهذه المتع الحسية، ما أعدّه لهم من أزواج مطهّرة، بكلّ ما تعنيه كلمة الطهارة من معاني الروح والجسد، حيث تتمّ لهم بذلك نعم اللّه وألطافه في حياة خالدة لا شقاء فيها ولا فناء، بل هو الخلود السابح في رحمة اللّه ورضوانه.

إنَّ القرآنَ الكريمَ نَزَلَ في زمنِ سيطرة الفساد على الأرض، وتمكن الوثنية من جهة، والشرك من جهة أخرى، وانزواء راية التوحيد في قلة قليلة من الموحدين لا يكاد يكون لهم ذكر، فكانَ لابدَّ من منقذٍ سماويٍّ يعودُ بالإيمانِ إلى سـيرتهِ الأولى، وهذه سُنَّةُ الله، الذي يرسل الوحي عندما يتمكَّنُ الفسادُ ويسود، فيرسل من يصحِّحَ المسار، ويوجه البوصلة إلى التوحيد. والقرآن - الوحي الخاتم - جاء بلسان عربي مبين، فخاطب الناس بلسانهم، ولم يأت الله بطريقة خاصة يخاطب بها خلقه، وإنما كلمهم بنفس اللغة التي يفهمونها ويتخاطبون بها. لذا فسروا كلام الله على أساس ما يستظهرونه منه، وبنوا منظومتهم التشريعية والفكرية على خلفية تراثهم اللغوي والمعرفي. ولكن لأن القرآن يخاطب كل زمان ومكان، كان لابد أن تكون فيه كنوز مخبأة، يسبر غورها الناس عبر الأجيال، وكان من وسائل بث هذه الكنوز في الكتاب الأسلوب الرمزي. والحقيقة أن اعتماد مبدأ الرمزية في التعامل مع النصوص الإسلامية لا يخلو من ملاحظات، أهمها أن اعتماد الرمزية دون ضوابط يختزن دعوة ضمنية للتعامل مع القرآن على أنه كتاب ألغاز وأسرار، وهذا الأمر إما أن يؤسس لنشـوء طبقة كهنوتية خاصة تحتكر تفسير النصوص وشرحها، وإما أن يفتح باب التأويل على مصراعيه لعامة الناس دون قيود، مما يفضي إلى التلاعب بالنصوص وتفسيرها بنحو مزاجي، وبما يؤدي إلى ضياع الحقيقة ومسـخ صورة الإسلام. ومن جهة أخرى، فإن مبدأ الترميز مناف لصريح القرآن وتأكيده المستمر الذي لا يقبل التأويل أو الجدل في أنه "بيان" أو "تبيان" و"نور" و"هدى" و "لا ريب فيه" و "لا اختلاف". والتحذير من اتباع المتشابه من الآيات ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وحرفه عن معانيه ورد صريحاً في قوله تعالى: (هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ) آل عمران 7، وهل لذلك من معنى سوى رفض محاولات التأويل، وأن الله سبحانه لم يعتمد لغة الألغاز في مخاطبة خلقه، وإنما خاطبهم بنفس الأسلوب البياني الذي يتخاطبون به؟ لكن رغم ذلك يمكننا الجزم انه لا توجد قراءة ناجزة ونهائية للقرآن؛ فلكل زمن قراءته. وربما حاول البعض إيجاد سـند إسـلامي لفكرة الرمزية بالاستشهاد لها، إما بما ورد في المأثور من أن للقرآن ـ وراء ظاهره ـ باطناً بل سبعة بطون، أو بمبدأ التأويل المعترف به من بعض المدارس الإسلامية. إلا أن حديث البطون وإن كان مطروحاً ومقبولاً لدى بعض المدارس الكلامية لكنه يختلف عن فكرة الرمزية، باعتبار أن الترميز هو محاولة نفي وتفلت من الظاهر، أمّا فكرة الباطن ـ لدى القائلين بها ـ فهي لا تلغي الظاهر بل تسير معه بنحو مواز.
وأمّا التأويل فهو المبدأ الأقرب ـ إسلامياً ـ إلى فكرة الرمزية، لأن التأويل وفق الاصطلاح المعروف معناه صرف الكلام عن ظاهره وتحميله معنى لا يساعد عليه التبادر العرفي، والحقيقة أن فكرة التأويل هذه ابتدعها العقل الإسلامي لحل مشكلة التغاير أو التنافي المفترض بين العقل والنقل، فتمّ تأويل النص بما لا يتنافى ومعطيات العقل، وبذلك سجّل الاتجاه التأويلي الذي تبناه المنادون بالعقلانية في الإسلام انتصاراً لمرجعية العقل في تفسير النص. ومن المرجح أن يكون لحال الجمود والحرفية والشـكلانية الذي تعاملت به بعض المدارس الإسلامية إزاء ظواهر النصوص أثر قوي في تعزيز الاتجاه التأويلي العقلي. إن فكرة التأويل لا ترفض من حيث المبدأ، وإن كانت لها قيود يجب أن تعتبر حتى لا ينفلت النص القرآني ويتوه في غياهب التعسف والتطرف، كما يحدث في التفسير الباطني الذي يقود طرفاه: الشيعة والمتصوفة. إن حرفية النص تكون متعسرة في بعض الأحيان، ولا يُقبل عقلاً الأخذ بها، ليبقى التأويل عندها ضرورة. وفي القرآن الكريم مجازات واستعارات كثيرة، جاءت كقرائن تدعو المفسر للتأويل، فيخرج عن المعنى الظاهر، ولا يجاوز روح النص القرآني وسياقه. وما يربط المتأول بالموضوعية في اجتهاده أن القرآن يفسر بعضه بعضاً، فيمكن التماس مدلول آية من فهم آية أخرى مشابهة، ولعل هذا هو مفهوم المتشابه. على أن للتأويل نطاقاً خاصاً لا يتعداه، فلا يمتد - بالقطع - إلى آيات الأحكام، وإلا دخل التلاعب في التشريعات تحت غطاء التأويل، وهذا هو عين التحريف.






 
رد مع اقتباس
قديم 04-05-2023, 05:25 PM   رقم المشاركة : 176
معلومات العضو
عوني القرمة
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو






عوني القرمة متصل الآن


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

المدخـــل






بشارة الآخرة:

إن التأويل لا يُرفَض رفضاً باتاً وعاماً، إذا اعْتُمد في نطاق معين وضمن ضوابط محدودة، ولعل أكثر مجال ملائم له هو القضايا الغيبية التي لا تدرك العقول كنهها وتضيق اللغة في التعبير عنها. إنّ طبيعة القضايا العقدية ذات المضامين الغيبية تفرض استخدام لغة تناسب تجردها ودقة معانيها وعلو مضامينها وهذا سيترك تأثيره على عملية قراءة النص واستنطاقه وعدم التعامل معه بالطريقة التي نتعامل بها مع النص التشريعي. إن هذه الدعوة إلى ضرورة التفريق بين النص التشريعي والنص العقدي ليس مردها إلى أن صاحب النص تعمّد استخدام أسلوبين بيانيين للتعبير عن مراده، بل مردها إلى وجود اختلاف جوهري بين طبيعة المطالب العقدية والتشريعية. ثم إن بعض المفاهيم العقدية هي عبارة عن مضامين غيبية لا طريق إلى معرفتها وإثباتها إلاّ من خلال الوحي، وأمّا العقل فلا طريق له إليها، بل قد لا يستطيع إدراكها على حقيقتها بسـبب تجردها، هذا التجـرد الذي ينعكس على اللغة أيضـاً، فتعجز عن إظهارهـا على حقيقتها والتعريف بها حق المعرفة. هل يستطيع العقل البشري وهو الحجة الناصعة على وجود الله أن يدرك ـ مثلاً ـ حقيقة الذات الإلهية وكنهها؟ وهل تتسع اللغة للتعبير عن هذه الحقيقة؟. ولما كانت العقول قاصرة عن إدراك حقيقة الله أو الكرسي أو العرش أو الجنة أو النار أو الملائكة أو الجن أو الموت أو - حتى - الحياة، فلا مفر من التعبير عنها بالتأويل، مع الاستفادة من كل أساليب اللغة في الكناية والمجاز والاستعارة بهدف تقريب الفكرة إلى الأذهان. من أمثلة ذلك: مفهوم العرش في نحو قوله تعالى: (ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ 5) طه، فإن الأخذ بظاهر الآية يفرض علينا القول بالتجسيم، ولذا اختار المنزّهة أن الاستواء على العرش يرمز إلى الإحاطة الكاملة بالخلق والسلطة الدائمة على الملك. وكذلك الأمر مع اللوح المحفوظ في قوله تعالى: (فِي لَوۡحٖ مَّحۡفُوظِۢ 22) البروج، فانه ليس لوحاً مادياً بالمعنى المتعارف لدينا، لأن الماديات مهما تعاظم حجمها فهي متناهية الحدود، بينما علمه سبحانه غير متناه، ولذا فالأرجح أن اللوح تعبير رمزي عن العلم الإلهي غير المتناهي، وغير المتغير، ونحوه مصطلح "أم الكتاب".






 
رد مع اقتباس
قديم 07-05-2023, 01:54 PM   رقم المشاركة : 177
معلومات العضو
عوني القرمة
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو






عوني القرمة متصل الآن


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

المدخـــل






بشارة الآخرة:

إن صفة الجنة تتجاوز كل خيال، ولا يستطيع إنسان معرفة طبيعتها على الحقيقة. هذا ما يتفق عليه كل الناس. إلا أن تفسير آيات الجزاء راح في اتجاهين:
‌أ) حرفية المدلول المباشر، فاعتبروا اللذة الحسيّة لا تتنافى والسموّ الروحي، ولا مجال هنا لمقولات تجعل للجنة والنار مدلولات رمزية. وقد يثير بعض النّاس في هذا المجال تساؤلاً عن مدى إمكانية انسجام الجانب الحسي للمتع التي يَعِدُ اللّه بها عباده في الآخرة، من لذائذ الطعام والشراب والجنس وغيرها، وطبيعة الآيات التي تعرّضت لذلك بالجانب الرمزي، الذي يعبر عن المدلولات المعنوية بالكلمات التي توحي بالمعاني الحسية كأسلوب من أساليب تقريب الفكرة إلى الأذهان، لأنَّ الإنسان الذي يعيش عالم الحس، لا يستطيع إدراك عالم المجردات والمعاني في إطاره المادي الذي يعيش فيه، لأنَّ الصورة الفكرية تابعة للمشـاهدات الحسية، فيما يُراد تجسيد الصورة له في وجدان الإنسان وفكره، فتنطلق المحاولة باعتماد وسائل الإيضاح الحسية، تماماً كما هو الأسلوب العملي في تربية الأطفال، لنقل المعاني إلى وجدانهم من خلال الصورة المجسدة عندهم، والمعروفة لديهم.
ولا نرى سبباً لهذا كلّه؛ هل هو الفكرة التي ترى في الجانب الحسي شيئاً لا ينسجم مع طبيعة الجنّة باعتبار ما يستلزمه ذلك من إفرازات جسدية لا تتناسب مع قداستها، أم هي الفكرة التي تجعل من الجنّة والنّار رمزين لحقيقتين معنويتين يمثّلان الإحساس الروحي بالرضى والسعادة، أو بالقلق والتعب والشقاء؟ ولكنَّنا لا نستطيع الاقتناع بذلك، لأنَّ الفكرة الأولى قد تكون خاضعةً للرأي الذي يعتبر الملذّات الحسية شـيئاً يتنافى مع السـمو الروحي الذي تمثّله الدار الآخرة، لأنَّ المادة تمثّل القذارة والانحطاط، ولكنَّها فكرة غير إسلامية، لأنَّ الإسلام لم يرفض المادة من خلال طبيعتها أو إفرازاتها، بل جلّ ما رفضه منها، ليس ما يتصل بها مباشرة، وإنما ما يتصل بموقفنا الإنساني منها لجهة الاستغراق في لذائذها بالمستوى الذي يُبعدنا عن اللّه ويدفعنا إلى تجاوز حدوده وعصيان أوامره. وهذا ما نستطيع استخلاصه من الآيات الكريمة التي وجهت الإنسان إلى المتع الحسية في الآخرة كبديل عن الحرمان الذي يعانيه من رفض ما يرفضه من محرّماتها، إلى جانب المتع الروحية التي وعد اللّه بها المتقين. لذا لا نجد أي مبرر لتشويه تصوّر الإنسان للجانب الحسي أو المادي من حياته، ولا سيما في الإطار التربوي الذي يُراد به بناء الشخصية الإسلامية المتكاملة للإنسان. نعم، ما يجب الالتفات إليه دوماً، هو أن تكون العلاقة مع هذا الجانب علاقة متزنة ومتوازنة لا يشـوبها الاستغراق، ولا تحول بين الإنسان وبين التطلع نحو اللّه - سبحانه وتعالى - بحيث تشكل حجاباً يغلّف بصره وبصيرته، فلا يعود ينظر إلى الأمور كما هي، ويفتقد معها التوازن الأخلاقي ولا سيما في شخصيته.
أمّا الفكرة الثانية، فقد يكون الأساس فيها، هو اعتبار عالم الآخرة عالم الروح في مقابل عالم الدنيا الذي هو عالم المادة، ولكنَّنا لا نجد لذلك أيّ أساس فكري في المفاهيم الإسلامية، لأنَّ التجريد الروحي الذي يمثّل انفصالاً كاملاً عن المادة بأشـكاله المتنوّعة، والذي يمثّل الفكرة التي تعتبر الجسـد سـجناً للروح، يرجع إلى الفلسفات اليونانية والهندية، ولا يرتبط بالفكرة الإسلامية المستمدة من الكتاب والسنة. أمّا ما نشاهده من تقرير هذه الفكرة في كتب بعض الفلاسفة المسلمين، فليس ناشئاً في أغلب الظنّ من المصادر الإسلامية الأصيلة، بل هو مرتكز على تأملات ذاتية مستمدة من ثقافات فلسفية سابقة.

‌ب) تأويل المعنى بالمجاز أو الاستعارة أو الرمز، وهذا التأويل لا يصب في سلة واحدة؛ فهو بين أن يكون تفسيراً مجازياً جزئياً لبعض المعاني، وتفسيراً رمزياً أو باطنياً - حسب عقيدة المفسر - يطبق على كل آي القرآن. ومن التفسيرات قولهم:
إنَّ مفهومي "الجنة" و"النار" لا يشـيران إلى مكانين جغرافيين، وإنما إلى حالتين من الوعي. بمعنى أن الإنسان لا يختبر مفهوم الجنة والنار على مستوى الجسد وإنما على مستوى الروح. فالإنسان "المسيء" عندما يموت لا يذهب إلى جهنم، لأنه ليس هناك مكان اسـمه جهنم، وليس هناك معنى لفكرة الذهاب نفسها، ولكنه يسـتعيد ماضيه مثل الشـريط فيشـعر بالألم الذي أوقعه في الآخرين، ولكنه ليس ألماً مادياً، وإنما وعيه بهذا الألم سيكون كافياً كي يعيشه مرة ثانية كما لو أنه قد وقع عليه. والأمر نفسه بالنسبة للجنة. فليس هناك مكان مادي بهذا الاسم. هي الأخرى مستوى من الوعي.






 
رد مع اقتباس
قديم 11-05-2023, 01:42 PM   رقم المشاركة : 178
معلومات العضو
عوني القرمة
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو






عوني القرمة متصل الآن


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

المدخـــل






بشارة الآخرة:

إنَّ الآيات التي تتحدث عن "اليوم الآخر" تفيد، بل وتؤكد، أن الحساب في الآخرة، ثواباً وعقاباً، لا يكون مباشرة بعد وفاة الإنسان، أي إنسان، لا داخل القبر ولا خارجه، وإنما يكون بعد قيام القيامة والحشر والنشر. وإنَّ ما ورد في القرآن من آيات كثيرة متنوعة، تقدم صوراً بيانية حية مشـخصة حول نعيم الجنة وعذاب النار، ليس المقصود منها معانيها اللغوية الدارجة، كما كانت تفهم في إطار معهود المخاطبين بها أيام النبوة أعني مشـركي قريش، بل هي مثالات القصد منها تقريب المعنى، شـأنها شـأن الأمثال الكثيرة التي يضربها القرآن للناس لتقريب المعنى إلى أفهامهم. يقول تعالى: (تُؤۡتِيٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينِۢ بِإِذۡنِ رَبِّهَاۗ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ 25) إبراهيم، ومن تلك الأمثال: (مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ فِيهَآ أَنۡهَٰرٞ مِّن مَّآءٍ غَيۡرِ ءَاسِنٖ وَأَنۡهَٰرٞ مِّن لَّبَنٖ لَّمۡ يَتَغَيَّرۡ طَعۡمُهُۥ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ خَمۡرٖ لَّذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ عَسَلٖ مُّصَفّٗىۖ) محمد 15. وقد يكون من المفيد هنا الإشـارة إلى تميُّز القرآن بالاهتمام الكبير الذي أولاه لمسألة "البعث" و "الجنة والنار"، ذلك أن موقف "الكتاب المقدس" من البعث والجنة والنار غامض وملتبس ويختلف باختلاف عصور كتابتها، ولم تتضح عندهم فكرة "جنة عدن" و"الهاوية" إلا حوالي القرن الثاني للميلاد، وكان هناك - وما زال - من اليهود الصهيونيين من يربط فكرة "الميعاد" وهي ما يقابل القيامة والحساب في الإسلام بالعودة إلى أرض "الميعاد". أما المسيحية فهي لا تقول بوجود جنة ولا نار حسـيتين؛ لأن الجنة - عندهم - هي التحول إلى أرواح تقيم مع المسيح ابن الله، مثل الملائكة مع الله. وأما النار أو "الهاوية"، فهي لغير المسـيحيين الذين لا يؤمنون بألوهية عيسى، وتكون بالموت الأبدي. ومن الفلاسفة ومتفلسفة المتصوفة من يقول بالبعث للأرواح دون الأجسام.

ولا يملك أحد أن يجزم بطبيعة الجزاء في الآخرة؛ لأنه من الغيب، كما أن الله - تعالى - مَثَّلَ لنا الثواب والعقاب في الآخرة بقوله: (مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ فِيهَآ أَنۡهَٰرٞ مِّن مَّآءٍ غَيۡرِ ءَاسِنٖ وَأَنۡهَٰرٞ مِّن لَّبَنٖ لَّمۡ يَتَغَيَّرۡ طَعۡمُهُۥ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ خَمۡرٖ لَّذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ عَسَلٖ مُّصَفّٗىۖ وَلَهُمۡ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡۖ كَمَنۡ هُوَ خَٰلِدٞ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيمٗا فَقَطَّعَ أَمۡعَآءَهُمۡ 15) محمد، وقوله في الجنة: (مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ أُكُلُهَا دَآئِمٞ وَظِلُّهَاۚ تِلۡكَ عُقۡبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْۚ وَّعُقۡبَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ 35) محمد، ولتقريب صورة الغيب، ضرب لنا المولى - سبحانه - مثلاً للذي لا نعرف، بما نعرف. والناس تعرف أن الرفاهية في جيد الطعام والشراب، وتملك القصور والحدائق، والتنزه على ضفاف الأنهار. وأن الإلقاء في النار هو من أشد صور العذاب، لأن الجلود تُحرق، ويذيبها اللهب، فيعاني المحروق عناء شـديداً قبل أن يُسـلم الروح. لذلك جاء التنزيل للناس بأعلى صور التمتع للمنعمين، وأشـد صور الشـقاء للمعذبين، لكن ليس بالضـرورة أن تكون هذه هي صـورة الجـزاء في الآخرة، بل جاءت في القرآن الكريم صورة مقربة للأذهان من معارف البشر، وهذه هي وظيفة التمثيل هنا. إذا فهم هذا، عرفنا أن أنهار الجنة ليست - بالضرورة - من ماء زلال، ولبن طازج، وخمر بريئة من نقائص خمر الدنيا، وعسل صافٍ. وإن كنا نرى أن في الجنة أنهار وأشجار وثمار، لكن قد تتوفر هذه المباهج المذكورة في مثل الأنهار في ماء جارٍ، يتذوقه المتنعم مرة بطعم الماء، ومرة أخرى بطعم اللبن، وثالثة بطعم الخمر، ورابعة بطعم العسل، وهذا قريب مما ورد في قوله - تعالى - عن الثمار: (كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗا قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ) البقرة 25.






 
رد مع اقتباس
قديم 14-05-2023, 05:31 PM   رقم المشاركة : 179
معلومات العضو
عوني القرمة
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو






عوني القرمة متصل الآن


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

المدخـــل






مساواة المرأة للرجل في التكليف والجزاء:

إن صحبة الأزواج في الآخرة من الأمور الغيبية التي نؤمن بها كما أخبر الله، ولا نبحث فيما وراء ذلك، فأطوار الآخرة أعلى مما في حياتنا الدنيا، فهي سـالمة من المنغّصات بكل أنواعها. هذا إذا قبلنا قول جمهور المفسرين بأن الأزواج هنا هن النساء.
ومما يجدر ذكره هنا أن التنزيل العزيز وصف نسـاء الجنة بالطهر في ثلاثة مواضع:
1) (وَلَهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ) البقرة 25،
2) (وَأَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞ) آل عمران 15،
3) (لَّهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ) النساء 57.

والطهر هو عين الجمال وأصله، وكل الصفات بعده كمال. ولا يلزم أن تؤول (أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ) بغير الظاهر فيها، خاصة إذا كنا نجهل طبيعة العلاقة بين الذكر والأنثى في الجنة. أما النار - أعاذنا الله منها - فمن طبيعة العذاب فيها: الخصوصية والإفراد، لذلك ورد في مواضع عدة في الكتاب ذكر التجمع لأهل النعيم، كميزة ينعمون بها، مقابل وحشة الوحدة لأهل الجحيم. على أن للأزواج - بصيغة الجمع - معنى آخر وردت في حق أصحاب النار في قوله: (ٱحۡشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزۡوَٰجَهُمۡ وَمَا كَانُواْ يَعۡبُدُونَ 22) الصافات، والكلام هنا عن الموقف، حين يقال للملائكة في ذلك اليوم: اجمعوا المشركين الظالمين بشـركهم هم وأشباههم في الشــرك ومن شـايعوهم في التكذيب، وما كانوا يعبدونه من دون الله من الأصنام أو قرناؤهم من الشياطين، فعرِّفوهم طريق النار ودلوهم عليها وسـوقوهم إليها، فإنها مصيرهم. أما في الجنة، فالأنس بالتآلف من مكملات السعادة والحبور، فيقول تعالى في دعاء الملائكة: (رَبَّنَا وَأَدۡخِلۡهُمۡ جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدتَّهُمۡ وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۚ) غافر 8، ولا شك أن الأزواج هنا للمعنى الظاهر، وكذلك الحال في: (وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ) الدخان 54، الطور 20. أما المعنى في: (هُمۡ وَأَزۡوَٰجُهُمۡ فِي ظِلَٰلٍ عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ مُتَّكِ‍ُٔونَ 56) يس، وفي: (ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ أَنتُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ تُحۡبَرُونَ 70) الزخرف، فيحتمل المدلول الرفقاء أو الأزواج.

والقرآن الكريم لم يفرق في الجزاء بين الذكر والأنثى، فمن تلك التسوية قوله:

- (فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۖ)آل عمران 195؛ فنص القرآن في صراحة على أن الأعمال لا تضيع عند الله، سواء أكان العامل ذكراً أم أنثى؛ فالجميع بعضهم من بعض، من طينة واحدة، وطبيعة واحدة.
- (وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۚ) التوبة 72، وقد قال قبلها: (وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ) التوبة 71، فعَبَّرَ في جانِبِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِأنَّهم أوْلِياءُ بَعْضٍ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ اللُّحْمَةَ الجامِعَةَ بَيْنَهم هي ولايَةُ الإسْلامِ، فَهم فِيها عَلى السَّواءِ لَيْسَ واحِدٌ مِنهم مُقَلِّدًا لِلْآخَرِ ولا تابِعًا لَهُ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ لِما في مَعْنى الوَلايَةِ مِنَ الإشْعارِ بِالإخْلاصِ والتَّناصُرِ بِخِلافِ المُنافِقِينَ في قوله: (ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَقۡبِضُونَ أَيۡدِيَهُمۡۚ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ) التوبة 67، إذ قال: (بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ) فَكَأنَّ بَعْضَهم ناشِئٌ مِن بَعْضٍ في مَذامِّهِمْ.

- (مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 97) النّحل، وهنا وفي غافر: (وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ يُرۡزَقُونَ فِيهَا بِغَيۡرِ حِسَابٖ 40) غَافر، أكد المولى - جل وعلا - أن الثواب لا فرق فيه بين ذكر وأنثى، إلا أن الملمح العجيب في مطلع آية غافر أنه لم يذكر الجنس في السيئة فقال: (مَنۡ عَمِلَ سَيِّئَةٗ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَاۖ).

إنَّ القرآن الكريم كَرَّمَ المرأة باعتبارها إنساناً كامل الحقوق، لها أهلية مستقلة للتكليف والتصرف، وعليها من الواجبات ما على الرجل، كل حسب طبيعته ووظيفته. كَرَّمَها بوصفها أنثى، وإبنة، وزوج، وأم، كما كَرَّمَها بوصفها عضواً في المجتمع. وهي منذ اليوم الأول ذات استقلالية في الخلق:
- (وَمِن كُلِّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَا زَوۡجَيۡنِ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ 49) الذاريات،
- (وَأَنَّهُۥ خَلَقَ ٱلزَّوۡجَيۡنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰ 45) النجم،
فهما متساويان في أصل النشأة، متساويان في الخصائص الإنسانية العامة، متساويان في التكليف والمسؤولية، متساويان في الجزاء والمصير. لذلك قال القرآن بوضوح: (إِنَّ ٱلۡمُسۡلِمِينَ وَٱلۡمُسۡلِمَٰتِ وَٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡقَٰنِتَٰتِ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلصَّٰدِقَٰتِ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰبِرَٰتِ وَٱلۡخَٰشِعِينَ وَٱلۡخَٰشِعَٰتِ وَٱلۡمُتَصَدِّقِينَ وَٱلۡمُتَصَدِّقَٰتِ وَٱلصَّٰٓئِمِينَ وَٱلصَّٰٓئِمَٰتِ وَٱلۡحَٰفِظِينَ فُرُوجَهُمۡ وَٱلۡحَٰفِظَٰتِ وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمٗا 35) الأحزاب، فساوت الآية بين الجنسين في التكليف والقدرة على التزود من العبادة والتقوى لنيل مغفرة الله وعظيم أجره.







التوقيع

 
رد مع اقتباس
قديم 15-05-2023, 02:35 PM   رقم المشاركة : 180
معلومات العضو
عوني القرمة
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو






عوني القرمة متصل الآن


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

المدخـــل






مساواة المرأة للرجل في التكليف والجزاء:

والإسلام احتفل بالمرأة - على خلاف ما كان عليه الحال وقت بزوغه - فأبطل ما كان عليه كثير من الأمم - عرباً وعجماً - من حرمان النسـاء من التملك والميراث أو التضييق عليهن في التصرف فيما يملكن، واستبداد أوليائهن بأموالهن، فأثبت لهن حق التملك بأنواعه المشـروعة، وشـرع الوصية والإرث لهن كالرجال، وأعطاهن حق البيع والشراء والإجارة والهبة والإعارة والوقف والصدقة والكفالة والحوالة والرهن وغير ذلك من العقود والأعمال ويتبع ذلك حقوق الدفاع عن مالها كالدفاع عن نفسها، بالتقاضي وغيره من الأعمال المشروعة.

أما عرب الجاهلية فكانوا يتشاءمون بميلاد البنات ويضيقون به، والقرآن الكريم يصف حال الآباء عند ولادة البنات، بقوله: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ 58 يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓۚ أَيُمۡسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمۡ يَدُسُّهُۥ فِي ٱلتُّرَابِۗ) النحل 59. فلما جاء الإسلام اعتبر البنت كالابن - هبة من الله ونعمة - يهبها لمن يشاء من عباده، يقول تعالى: (لِّلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثٗا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ 49 أَوۡ يُزَوِّجُهُمۡ ذُكۡرَانٗا وَإِنَٰثٗاۖ وَيَجۡعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًاۚ) الشورى 50. وباعتبار الإبنة كالإبن: رزقاً ونعمة من الله، لم تعد ولادتها عبئاً يخاف منه، وطالع نحس يتطير به؛ بل نعمة تشكر، ورحمة ترجى، وتطلب لما وراءها من فضل الله -تعالى - وجزيل مثوبته.

ولا يعرف التاريخ نظاماً أعلى من مكانة الأم مثل الإسلام. لقد أكد الوصية بها وجعلها تالية للوصية بتوحيد الله وعبادته، وجعل برّها من أصول الفضائل، كما جعل حقها أوكد من حق الأب لما تحتمله من مشـاق الحمل والوضع والإرضاع والتربية، وهذا ما يقرره القرآن، ويكرره في أكثر من سورة ليثبته في أذهان الأبناء ونفوسهم، وذلك في مثل قوله تعالى: (وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ وَفِصَٰلُهُۥ فِي عَامَيۡنِ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ 14) لقمان، وقوله تعالى: (وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ إِحۡسَٰنًاۖ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهۡرًاۚ) الأحقاف 15.
ومن توجيهات القرآن الكريم أنه وضع أمام المؤمنين والمؤمنات أمثلة وقدوة حسنة لأمهات صالحات كان لهن أثر ومكان في تاريخ الإيمان، كأم موسى التي استجابت لوحي الله وإلهامه، وتلقي ولدها فلذة كبدها في اليمّ مطمئنة إلى وعد ربها، وأم مريم التي نذرت ما في بطنها محرراً لله، خالصاً من كل شـرك أو عبودية لغيره، داعية الله أن يتقبل منها نذرها، ومريم ابنة عمران التي جعلها القرآن رمزاً للطهر وآية في القنوت لله والتصديق بكلماته.

وكانت بعض الديانات والمذاهب تعتبر المرأة رجساً من عمل الشيطان، يجب الفرار منه، واللجوء إلى حياة التبتل والرهبنة، وبعضها الآخر كان يعتبر الزوج مجرد آلة متاع للرجل، أو طاهٍ لطعامه أو خادم لمنزله، فجاء الإسلام يعلن بطلان الرهبانية، وينهى عن التبتل، ويحث على الزواج، ويعتبر الزوج آية من آيات الله فيقول تعالى: (وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ 21) الروم، فأرسى قواعد العلاقة بين الزوجين بالسكن والمودة والرحمة، وقرر للمرأة حقوقاً على زوجها، وألزمه بتأديتها ليكون متقياً لله، محافظاً على شرعه. وأول هذه الحقوق: الصَداق الذي هو حق لها، وثانيها: المعاشرة بالمعروف، فالزواج في حقيقته شركة بين رجل وامرأة من أجل بناء بيت صالح، يعبد ربه ويبني ويعمر الحياة. ومن أجل دوام العشرة بينهما جعل الله - تعالى - لكل من الزوجين حقوقاً لدى الآخر يجب القيام بها. والمرأة أمانة عند زوجها، يجب عليه إحسان معاملتها قولاً: بكلام حسـن وعفّة لسان، وفعلاً: بمعاملة كريمة، مع تأدية حقوقها الشـرعية. وثالث الحقوق: النفقة بالمعروف من مأكل وملبس ومسكن وعلاج في بيت الزوجية، وبعد الطلاق في حال اسـتحالة العشـرة بينهما.






التوقيع

 
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 04:28 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط