السؤال 52 : يقال إنه عندما ولي المأمون العباسي كان الناس يلعنون معاوية ويقعون فيه وذلك بدفع منه وتشجيع .
قيل للمأمون: لو أمرت بلعن معاوية؟ فقال: معاوية لا يليق أن يذكر في المنابر، لكن أفتح أفواه أجلاف العرب ليلعنوه في السوق والمحلّة والسكة وطرفهم .([114])
---------------
[114] . تاريخ الخلفاء : 351 ـ الطبرى 7 : 187 ـ اسرار الامامة : 377 .
الجواب:
لم يبغض الصحابي الجليل كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، إلا من عادى وأبغض العمرين وذي لنورين عثمان رضي الله عنهم أجمعين ..
وهم رافضة الشيعة أو جماعة وأتباع وشيعة ابن سبأ اليهودي، وهما عدو مشترك للأمويين والعباسيين على السواء، إضافة أن معاوية رضي الله عنه، كان رقيقاً رفيقاً محباً لآل البيت ..
لما اختلف معاوية رضي الله عنه، مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه؛ بعث ملك الروم بكتاب لمعاوية: من قيصر الروم لمعاوية: علمنا بما وقع بينكم وبين علي بن أبي طالب، وإنّا لنرى أنكم أحق منه بالخلافة، فلو أمرتني أرسلت لك جيشاً يأتون إليك برأس علي. من معاوية لقيصر الروم: ( أخان وتشاجرا فما بالك تدخل فيما بينهما!، إن لم تخرس أرسلت إليك بجيش أوله عندك، وآخره عندي يأتونني برأسك أُقدِّمه لعلي )؛ أو برواية ابن كثير في "البداية والنهاية" (َ لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ مَا كَانَ، لَمْ يَقَعْ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ فَتْحٌ بِالْكُلِّيَّةِ، لَا عَلَى يَدَيْهِ وَلَا عَلَى يَدَيْ عَلِيٍّ، وَطَمِعَ فِي مُعَاوِيَةَ مَلِكُ الروم بعد أن كان قد أخشاه وَأَذَلَّهُ، وَقَهَرَ جُنْدَهُ وَدَحَاهُمْ، فَلَمَّا رَأَى مَلِكُ الرُّومِ اشْتِغَالَ مُعَاوِيَةَ بِحَرْبِ عَلِيٍّ تَدَانَى إِلَى بَعْضِ الْبِلَادِ فِي جُنُودٍ عَظِيمَةٍ وَطَمِعَ فِيهِ، فكتب معاوية إليه: (( وَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ وَتَرْجِعْ إِلَى بِلَادِكَ يَا لَعِينُ لَأَصْطَلِحَنَّ أَنَا وَابْنُ عَمِّي عَلَيْكَ وَلَأُخْرِجَنَّكَ مِنْ جَمِيعِ بِلَادِكَ، وَلَأُضَيِّقَنَّ عَلَيْكَ الْأَرْضَ بِمَا رَحُبَتْ ))؛ فَعِنْدَ ذَلِكَ خَافَ مَلِكُ الرُّومِ وَانْكَفَّ، وَبَعَثَ يَطْلُبُ الْهُدْنَةَ )؛ (1) ..
ولماذا ليبغض الخليفة العباسي معاوية وكان بينه وبين معاوية زمن ولم يكن هناك عداوة شخصية، أو منافسة أموية، وكان الأمر مستتب للعباسيين ولم يكن للأمويين بقايا تزعجه أو تنازعه السلطة، فلا مسبب أو مبرر لهذا الفعل إنما هو من دس من دسوس الرافضة ..
وحتى من عارض توليه الحكم ومنهم عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، عاد عن ذلك وذكره بخير:
كان لعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أرضا وكان إلى جانبها أرضا لمعاوية، فدخل عبيد لمعاوية إلى أرض عبد الله بن الزبير، فكتب عبد الله كتابا إلى معاوية يقول فيه: ( يا معاوية إن عبيدك قد دخلوا أرضي، فأنههم عن ذلك، وإلا كان لي ولك شاْن، والسلام ) . فلما قراْه معاوية أعطاه لابنه يزيد و قال له: ( ما ترى يا بني؟ ) قال :أرى أن تبعث إليه جيشا يكون أوله عنده وأخره عندك يؤتونك برأسه، فقال: [ بل غير ذلك خير منه يا بني ], ثم كتب إلى عبد الله يقول: ( لقد وقفت على كتاب ولد حواري رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسائني ما ساءه والدنيا بأسرها هينة عندي في جنب رضاه، نزلت عن أرضي لك فأضفها إلى أرضك بما فيها من العبيد والأموال، والسلام ) .فلما قرأ عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما كتاب معاوية رضي الله عنه كتب إليه يقول: ( قد وقفت على كتاب أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، ولا أعدمه الرأي الذي أحله من قريش هذا المحل والسلام ) .فلما قراْه معاوية قال لابنه: ( يَا بُنَيَ مَنْ عَفَاّ سَاّدَ، ومَنْ حَلُمَ عَظُمَ، ومَنْ تَجَاّوَزَ اِسْتَمَاّلَ إِلَيْهِ القُلُوّبَ، فَإِذَاّ ابِتُلِيّتَ بِشِيْء مِنْ هَذَه الأَدْوَاءِ، فَدَاوِهِ بِمِثْلِ هَذَا الدَوْاّءِ )؛ (2) ..
وسئل الخليفة الراشدي السادس عن الخليفة الأموي الأول والصحابي الجليل كاتب الوحي "معاوية بن ابي سفيان" رضي الله عنه: من منكم خير من الأخر أنت أم معاوية؟؛ فأجاب سائله: ( ويحك أتشبهني بصحابي صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكتب وحيه، وجاهد معه؛ والذي نفسي بيده لغبرة دخلت أنف فرس معاوية خيرا مني )؛ (3) ..
هذا هو سيدنا معاوية رضي الله عنه وأرضاه ..
أما المأمون فقد كان من متأخري الخلافة العباسية الذين أدخلوا العنصر الأعجمي في الخلافة الإسلامية، وفي إدارة شؤون المسلمين، وقد كانت هذه الخطوة بداية ضعف الأمة، وسبب نهائيا في وقف الفتوحات الإسلامية في ذلك العهد؛ وكانوا وأعني العباسيين وخاصة المتأخرين، يبغضون الأمويين ومؤسس دولتهم معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، لاعتبارات كثيرة منها اعتزازهم بالانتماء العربي القرشي، وحفاظهم على هذا المنهاج حتى آخر عهدهم، بينما العباسيين لم يفعلوا ذلك! ..
----------------
(1) ورد في "البداية والنهاية" لابن كثير [ج8/ص: 127] ..
(2) ورد في "المستطرف" للأبشيهي [ج1/ص: 194]؛ وفي "تهذيب الرياسة" للقلعي [ج1/ص: 141]؛ وفي "مجاني الأدب" لشيخو [ج3/ص: 195] ..
(3) ورد في "الصواعق المحرقة" للهيتمي [ج2/ص: 613]؛ وفي "وفيات الأعيان" لابن خلكان [ج3 /ص: 33]؛ وفي "الشريع" للآجري [ج5/ص: 2466]؛ وفي "روح المعاني" للآلوسي [ج28/ص: 94]؛ واخرجه الخلال في "السنة" [ر:666]، بلفظ قريب لا يخرج عن المضمون: بإسناد صحيح؛ اهـ
==================