أمسكتْ بيدي .. وسارتْ برفقتي .. في حين كنتُ أكتمُ عبرتي .. وأقاومُ رغبةً في البكاءِ اجتاحتْ أضلعي ..
كانتْ تسيرُ إلى جانبي في هدوءٍ تام .. وصمتٍ قد أطبقَ على المكان ..
مازالتْ عبراتي تتحشرجُ في صدري .. ولم تتفوه بأي كلمةٍ رفيقتي .. وكأنها تعلمُ أنني في حالٍ يرثى له ..
وأنه بنطقها لعبارةٍ واحدة .. لربما انفجرتُ أنا باكية .. !
فآثرتْ هي الصمت .. وكان هذا أفضل لي طبعاً .!
كنا نسير في فضاءٍ واسعٍ جداً .. خالي تماماً .. وقد أطبق عليه سكونٌ مميت .. !
لم أكن أرى نهاية طريقنا .. فقد كان طويلاً جداً ..
تابعنا سيرنا .. ولعل اختناقي بعبراتي جعلني أبحثُ عن وسيلةٍ تريحني .. فكــــــــــان الحل الوحيد ..
(بكــــــــــــاء قلبي ) .. ..
بكى قلبي في صمت .. أقسم أنني رغم ذلك كنتُ أسمع آهاته وتنهداته .. بالرغم أنها كانت بلا صوت .. ولكني كنتُ وحدي من يسمعها .. !
كانت ترتفع شيئاً فشيئاً .. تعلو بداخلي .. توجعُ بأنفاسي ..
وكأنها تخاطبني بأسى :
أرجوكِ .. ارحميني وأخرجيني .. .. .!
كنتُ على ثقة بأنني لو سمحتُ لها بالخروج لخرجت على هيئة نحيبٍ موجع .. !
وهذا ما كنت أبغضه .. فآثرتُ الكتمان ..
إلا أنني تنبهتُ إلى بعض الدمعات تنسابُ على وجنتي بحرقة ..!
بدون إذنٍ ولا استئذان ..!
بعد لحظاتٍ من الصمت ..
أحسستُ ببعض الراحة .. ولعل هدوء المكان .. ساعدَ على توليدِ إحساسٍ أقل اشتعالاً وأكثر راحةً مما سبق .. !
أخذتُ نفساً عميقاً .. وتنهدت بعمقٍ شديد ..
فتسلل الهواءُ النقي إلى داخل أرجائي ..
تنهدتُ هــــــــاتفة ..
لا إلــــــــــــــــه إلا الله ..
ويالها من كلمة .. !
تسكن الروح وتريح الجَنَـــــــــان ..
لا إلــــــــــــــــه إلا الله ..
حقاً .. هي سر سعادة الإنســــــان ..
يالها من عبارة أراحت كياني المضطرب ..
التفتُ إلى رفيقة دربي الصامتة .. وهتفت باسمها:
منــــــــــــــــــال .. . ..
فنظرت إلي بابتسامةٍ دافئة .. توحي إلي أن أخبريني بما لديكِ فإني منصتة وبكل جوارحي ..
تابعتُ حدبثي قائلة :
ما أروع الفضاءَ الفسيح .. وخصوصاً إذا كنتِ تسيرين فيه وحدكِ .. !
ياااااه .. يال الروعة والراحة ..!
ابتسمتْ بدوت أن تعقب بكلمةٍ واحدة ..
فتابعتُ أنا قائلة: مناااال ألا تشعرين بالراحة ؟؟؟
تنفسي بعمق .. واروي روحكِ بنسائمِ الهواءِ النقية ..
قالت مبتسمة: صدقتِ .. لقد بدأت الراحة تتسلل إلى أعماقي .. !
نظرتُ إلى السمـــاء .. فكانت سوداء مظلمة .. وكان القمر هلالاً فلم يعطِ ذلك الضوء الكبير ..
أعجبني منظر السماء بشدة ..!
لقد كانت سوداء خالية .. أراحت قلبي .. فلم أشأ أن أفارق نظراتي إليها .. !
كنتُ كلما تأملتها .. ازددت راحةً وأنساً ..
هتفتُ لمنال قائلة:
ياااه .. ما أجمل السماء .. أليس كذلك ؟
قالت: بلى .. ولكن لو كانت تزينها بعض النجوم .. لكان ذلك أجمل ..
تفكرتُ فيما قالته وبكل حواسي ..
تأملتُ وتأملت .. ! حقاً ما قالته منال .. فالسماءُ شبه خاليةٍ من النجوم في هذه الليلة ..
لكن هذا يريحني .. إن منظرها أروع بكثير مما لو كانت مزدحمةٍ بالنجوم .. !
عجباً لي ! .. لماذا يا ترى ركنتُ إلى هذا الشعور !؟؟
قلتُ لها بعد لحظاتِ الصمت والتأمل ..
لاااا طبعاً .. ! إنها الآن أروع بكثير .. !
فالنجومُ حتماً ستضيعُ جمالها .. وتزيلُ روعتها ..!
نظرت إلي متعجبة ..! وتأملت بدورها ما قلته في صمت ..
لا أعلمُ ماالذي جرى بعد ذلك !؟
المهم أنني استيقظت .. لأجد نفسي في غرفتي .. وفي زاويةٍ هناك .. حيث كان يقبع سريري ..!
لم أعلم أين أنا .! إلا حينما التفت إلى يميني .. فوجدتُ أختي نائمة على سريرها بجواري .. !
تنهدتُ بعمــــــــــــق ..
وعلمتُ حينها أن هذا كان أشبه بالحلم العابر ..!
إلا أنه لم يكن عادياً .. بل هو أكبر من ذلك بكثير .. بكثير .. .. .!
اعتدلتُ على سريري جالسة .. وجلستُ أفكر في كل ما رأيته ..
تقاذفت علي أفكار كثيرة .. كان من ضمنها .. !
أنني ربما وصلتُ مرحلة كبرى من اليأس جعلتني أرتاح للسماء وظلمتها وخاصة بلا نجوم ..!!
ولكننــــــــــي في النهاية .. أدركت الحقيقة ..
ويالها من حقيقة ..!
لقد أدركتُ أن الحياة إنما مثل هذه السماء! .. في فضائها الواسع .. في ظلمتها .. بل حتى في هدوئها ..!!!
قد تتسائلون باستغراب .. ! الحياة هادئة ؟؟ !! مستحيل !.. كيف ؟؟ !
لكنكم حتماً ستقتنعون ..
تأملوا معي ..
الظالمُ يظلمُ غيره في كل هدوء ..
وكذلك المظلومُ يلقى حتفه أيضاً في هدوء ..!
الأم تعطف على صغيرها في هدوء ..
وكذلك الابن إذا كبر يجحد ويضربها بكل هدوء ...!
الصديقُ يخلص بمحبته في هدوء ..
وكذلك صديقه يخونه وبكل سهولة في هدوء ..!
كثيرةٌ هي الأشياء إن لم تكن جميعها توحي بالهدوء .. والأسى والظلمة في نفس الوقت ..
كما هي السماء .. تماماً ..!
وأما ضوء الهلال .. فلم يكن سوى ضوء الصبر الذي هو في تغير مستمر ..!
فتارة يكون الإنسان صبوراً .. فتضيء حياته .. ويتوهج الأمل أمامه .. تماماً كما يتوهج ضوء البدر في كبد السماء ..!
وأحياناً. . يضيق الإنسانُ ذرعاً .. ويقل صبره وتحمله .. فيقل النور في حياته .. ويظل خافتاً ضئيلاً ..
تماماً كما هو ضوء الهلال ..!
وهكذا تستمر الحياة ..
وأما النجوم .. فهم أحبة الفؤاد .. ورمز الوداد ..
النجـــــــــوم هم أحبتنا وإخواننا ..
الذين يضيئون جنبات حياتنا بالمحبة .. وعمـــــق الأخوة ..
إنهم نجومُ حقاً ..
قد يغيبُ كثيرٌ منهم .. كما كان في حلمي ..!
حيث السماء شبه خالية من النجوم ..
وهكذا الحياة .. تأتي أيامٌ عصيبة .. تمر بنا .. بل تكاد تفتك بنا ..
فلا نجد كلمة صادقة .. ولا دعوة خالصة .. ولا ضمة حانية ..
فقد غاب الأحباب .. قد يموتُ بعضهم .. وقد ينشغلُ بعضهم .. وقد يغدرُ بعضهم ..
كثيرة هي الإحتمالات التي تبرر غيابهم .. ولكن النتيجة واحدة ..
فنحن نبحر في هذه الحياة المظلمة .. المليئة بالعقبات ..
نجاهد ونصبر ..
نحب ونآخي ..
نعمل ونبذل ..
وفي النهاية ..
مهما غابت نجوم الإخوة الأنقياء ..
فسنرنو بحبهم عنان السماء ..
حيث يحلو هناك اللقاء ..
على منابر من نور ..
في جنات الخلد والهناء ..
فيارب لا تحرمنا لذة هذا اللقــــــــاء .. .. .. . .
..
.