منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديات الحوارية العامة > منتدى الأدب العام والنقاشات وروائع المنقول

منتدى الأدب العام والنقاشات وروائع المنقول هنا نتحاور في مجالات الأدب ونستضيف مقالاتكم الأدبية، كما نعاود معكم غرس أزاهير الأدباء على اختلاف نتاجهم و عصورهم و أعراقهم .

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
غير مقروء 18-12-2008, 02:15 AM   رقم المشاركة : 49
معلومات العضو
د. حسين علي محمد
أقلامي
 
إحصائية العضو







د. حسين علي محمد غير متصل


افتراضي رد: أوراق خضراء: مقالات مُختارة

( 41 ) حدثنا شوقي ضيف فقال

بقلم : رجاء النقاش
.......................

غاب عنا منذ اليوم العاشر من شهر مارس الحالي أستاذ أساتذة الأدب واللغة ورئيس المجمع اللغوي الدكتور شوقي ضيف‏1910‏ ـ‏2005.‏ وقد تعودنا أن نقول عن الذي يغيب عنا ويترك وراءه آثارا كثيرة تنفع الناس وتبقي في الأرض انه الغائب الحاضر‏,‏ وهذا الوصف هو أصدق الأوصاف وأقربها إلي الصواب عندما نتحدث عن شوقي ضيف‏,‏ فقد ترك وراءه ما يقرب من خمسين كتابا في اللغة والدين وتاريخ الأدب والنقد‏,‏ وهي كلها كتب لا غني عن الرجوع إليها والاعتماد عليها عند أي باحث متخصص وعند القاريء غير المتخصص أيضا‏,‏ بفضل ما تقدمه هذه الكتب من علم ومعرفة وبحث دقيق‏,‏ بالاضافة الي ما كان يملكه هذا الأستاذ الكبير من أسلوب واضح سهل جميل‏,‏ وبهذه الأعمال الكثيرة العامرة بالمعرفة والمتعة الأدبية سوف يبقي شوقي ضيف حيا متألقا في هذا الجيل وفي كل الأجيال القادمة‏,‏
فهو حقا غائب وحاضر علي الدوام‏.‏
سوف أتوقف اليوم مع جانب إنساني في شخصية شوقي ضيف‏,‏ وهو الجانب الذي يتصل بعلاقته مع بعض أساتذته الكبار الذين تعلم علي يديهم‏.‏ ولا شك أن من أجمل ما كتبه شوقي ضيف هو حديثه عن أساتذته‏,‏ ففي ذلك ما هو أكثر من الوفاء الجميل‏,‏ لأننا نجد فيه نوعا من المعرفة الواسعة والفهم العميق والعلاقة المثالية كما ينبغي أن تكون بين الأساتذة والتلاميذ‏.‏
في كتابه معي وهو سيرة حياته يحدثنا شوقي ضيف عن عدد من أساتذته الكبار‏,‏ وهو في هذا الكتاب الجميل يشير الي نفسه دائما باسم الفتي‏,‏ وذلك علي طريقة طه حسين في كتابه الأيام‏,‏ وفي غيره من الكتب‏,‏ حيث إن طه حسين لم يكن يستخدم كلمة أنا في معظم كتاباته‏,‏ وكان يستخدم بدلا منها كلمة الفتي أو الضمير هو أو كلمة صاحبنا‏,‏ وذلك عندما يريد أن يتحدث عن نفسه‏,‏ وهو نوع من التأدب والذوق والتواضع في مخاطبة الناس‏.‏ وعلي هذه الطريقة سار شوقي ضيف في كتابته عن نفسه فلم يقل أنا وإنما قال الفتي وهو يعني بذلك الاشارة إلي شخصه‏.‏
يتحدث شوقي ضيف عن أحد أساتذته الكبار في الجامعة‏,‏ وهو أحمد أمين فيقول‏:‏ كان من أساتذة الفتي المحببين اليه وهو في السنة الثالثة بكلية الآداب سنة‏1933‏ أحمد أمين أستاذ الحياة العقلية الاسلامية‏,‏ وكان من خريجي مدرسة القضاء الشرعي‏,‏ وحين تخرج من هذه المدرسة اختاره ناظرها عاطف بركات ليكون معيدا له فيما يدرسه للطلاب من علم الأخلاق‏.‏ وكان يوضع لأحمد أمين كرسي لكي يستمع مع الطلاب إلي عاطف بركات وهو يلقي دروسه في علم الأخلاق‏,‏ وكان مما درسه معهم رسالة عن مذهب المنفعة للفيلسوف الانجليزي جون ستيوارت ميل جاء في مقدمتها منذ جلس الشاب سقراط يتلقي العلم علي الشيخ فيثاغورس‏...‏ الخ‏,‏ فأطلق الطلاب علي المعيد الشاب أحمد أمين اسم الشاب سقراط‏.‏ وكان أحمد أمين قد عكف علي اللغة الانجليزية فتعلمها‏,‏ وأصبح أستاذا في قسم اللغة العربية بكلية الآداب سنة‏1926,‏ ورأي أن يغير زيه‏,‏ وكان قد انتقل من القضاء الشرعي فغير عمامته الي الطربوش وخلع الجبة والقفطان ولبس البدلة انسجاما مع بيئته الجامعية الجديدة‏.‏ ثم يقول شوقي ضيف‏:‏ كان أحمد أمين في طليعة من جمعوا بين الثقافتين القديمة والحديثة جمعا رائعا‏,‏
يعينه عقل بصير ونظر دقيق ودأب لا يماثله دأب في البحث‏,‏ واستيعاب لا يدانيه استيعاب لكنوز الفكر الاسلامي وذخائره‏.‏ وكان يحاضرنا في الحياة العقلية الاسلامية‏,‏ ولم تكن صورة هذه الحياة واضحة في نفوس المثقفين‏,‏ فأكب عليها يدرسها ويذلل صعابها‏,‏ فإذا كل ما كان يحجبها عن الأعين ينزاح‏,‏ لا يفترق في ذلك جانب عن جانب‏,‏ بل استطاع أن يسلط أضواء قوية علي كل الجوانب‏,‏ وساعدته في ذلك ثقافته القديمة في الأزهر ومدرسة القضاء الشرعي وثقافته الغربية الحديثة وما قرأه من آراء المستشرقين‏.‏ وكان الفتي يعجب إعجابا شديدا بكل ما يعرضه أستاذه أحمد أمين حين يراه يتعمق في وصف الظواهر العقلية للأمة العربية‏,‏ وما وضعته من العلوم وصاغته من الأفكار‏.‏ وكان أحمد أمين ينهي طلابه أشد النهي عن الجدل العقيم وما يحمل من مغالطات‏,‏ ويكرر أن طريقة الجدل اللفظي عند القدماء حلت محلها في العصر الحديث طريق التحليل والاعتماد علي المنطق العقلي‏,‏
ولعل هذا ما جعل الفتي فيما بعد يحرص علي ألا ينزلق في أي مجادلة عقيمة لا تجدي نفعا‏.‏ وهناك جانب مهم آخر في شخصية أحمد أمين هو حسن انتقائه للنصوص التي تصور الفكر العربي الاسلامي‏,‏ وكأنما كانت لديه حاسة يلتقط بها أدق ما يقرؤه وأروعه‏.‏
ومن أساتذة شوقي ضيف أيضا الشيخ مصطفي عبد الرازق أستاذ الفلسفة الاسلامية بكلية الآداب في ثلاثينيات القرن الماضي‏,‏ ووزير الأوقاف سنة‏1938‏ وشيخ الأزهر سنة‏1945‏ وحتي وفاته سنة‏1947.‏ والشيخ مصطفي عبد الرازق تخرج في الأزهر وتتلمذ علي الإمام محمد عبده الذي كان يعتبره ابنا له بسبب ما رآه فيه من فرط الذكاء والدأب علي الدرس‏.‏ وبعد إتمام مصطفي عبد الرازق لتعليمه الأزهري ذهب إلي باريس ودرس في السوربون‏,‏ وعندما عاد الي مصر قام بتدريس الفلسفة الاسلامية في كلية الآداب‏,‏ حيث يقول عنه تلميذه شوقي ضيف‏:‏ إنه ظل يحتفظ بزيه الأزهري في صورة أنيقة دون بهرجة‏,‏ وكان يحف به وقار ومهابة وجلال‏,‏ كما كان يحف به حب طلابه لسماحة نفسه وكريم شمائله‏,‏ إذ كان يفتح قلبه لهم‏,‏ وكان غاية في التواضع وأدب الحديث دون أي ترفع‏,‏ وكأنه أب رءوف وصديق عطوف‏.‏
ثم يحدثنا شوقي ضيف بعد ذلك عن أستاذ ثالث من أساتذته هو أمين الخولي فيقول عنه‏:‏ كان قد تخرج في مدرسة القضاء الشرعي وعين إماما في سفارة مصر بإيطاليا وألمانيا‏,‏ فرأي الغرب‏,‏ ووقف علي جوانب الحضارة والفكر فيه‏,‏ وعندما عاد إلي مصر رجع إلي زيه الأزهري‏,‏ وهو مع ذلك يكره الجمود ويحب التجديد‏,‏ وكان يدفع تلاميذه إلي نقد كل ما يقرأون‏,‏ وأيضا إلي نقد آرائه هو نفسه‏,‏ وكان يتقبل أفكار تلاميذه بصدر رحب وسعة أفق‏,‏ غير مظهر لأي طالب تبرما أو ضيقا مهما أطال التلميذ في حواره وفي مناقشته وجداله‏.‏
ثم يحدثنا شوقي ضيف عن أستاذه الأكبر والأقرب إليه وهو طه حسين فيقول عنه‏:‏ لم يعرف الفتي محاضرا شد إليه الاسماع وجذب اليه القلوب كما عرف ذلك عند أستاذه طه حسين‏,‏ فقد كانت محاضراته مهوي الأفئدة‏,‏ وكان أحيانا يلقيها بالجمعية الجغرافية أو بقاعة إيوارت في الجامعة الأمريكية‏,‏ فكنت لا تجد مكانا‏,‏ لا للجلوس فقط‏,‏ بل أيضا للوقوف‏.‏ وكل ذلك‏,‏ أو كثير منه بفضل صوته المحبب الرائع الذي اكتسبه لنفسه خلال تعلمه تجويد القرآن الكريم‏,‏ وكان قد أتقن هذا التجويد صبيا‏,‏ وكثيرون مثله في أيامه أتقنوه‏,‏ ولكن أحدا منهم لم يستطع أن يلائم بينه وبين محاضراته ومخارج كلامه وصورة إلقائه كما فعل طه حسين
ويروي شوقي ضيف عن أستاذه طه حسين أن الاستاذ قد سأله يوما عن رأيه في محاضرة له‏,‏ كان قد ألقاها في الجامعة الأمريكية‏,‏ قال له شوقي ضيف إنها محاضرة طيبة‏.‏ فاستغرق طه حسين في الضحك ووضع إحدي يديه علي الأخري وقال‏:‏ طيبة فقط؟‏!‏ ثم قال طه حسين بعد ذلك‏:‏ ما رأيك أنني ظللت أعد هذه المحاضرة في نحو شهر‏,‏ أقرأ لها كتبا مختلفة‏,‏ حتي استوعبت موضوعها وألقيت فيه المحاضرة التي سمعتها‏.‏ ويعلق شوقي ضيف علي ذلك فيقول‏:‏ خجل التلميذ ـ أي شوقي ضيف نفسه ـ من أستاذه طه حسين لأنه لم يكن يطرأ علي باله أنه يعني بإعداد محاضراته كل هذه العناية‏,‏ وخاصة أنه كان يمتاز ببراعة فائقة في الأداء‏,‏
وهي براعة لم تتح لأي محاضر في أيامه‏.‏ وكان ذلك درسا رائعا للتلميذ ليتعلم‏,‏ بل ويستقر في نفسه أنه لا يوجد عمل أدبي ـ محاضرة أو غير محاضرة ـ جدير بالتقدير مهما يصغر حجمه دون أن يكلف صاحبه جهدا كبيرا ومشقة متعبة‏.‏ حتي طه حسين صاحب البيان الساحر الذي كان يخلب به مستمعيه يتحمل جهدا مضنيا‏,‏ لا في بحوثه الطويلة وكتبه فحسب‏,‏ بل أيضا في محاضراته العامة‏.‏
تلك صورة حية يرسمها شوقي ضيف لأساتذته‏,‏ وهي صورة تقدم لنا ملامح عصر كان فيه الأساتذة كبارا‏,‏ وكانت فيه صلة الأساتذة بطلابهم أشبه بالعلاقة بين الآباء والأبناء‏,‏ أي أنها علاقة قائمة علي الحب والرحمة والحنان والرعاية والقدوة الرائعة‏,‏ ولذلك كان من الطبيعي أن يكون شوقي ضيف نفسه أستاذا عظيما لأساتذة عظماء‏.‏
ـــــــــــــــ
الأهرام ـ 27/3/2005م.







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 18-12-2008, 02:16 AM   رقم المشاركة : 50
معلومات العضو
د. حسين علي محمد
أقلامي
 
إحصائية العضو







د. حسين علي محمد غير متصل


افتراضي رد: أوراق خضراء: مقالات مُختارة

( 42) هل أدركنا بعد 60 سنة السبب الحقيقي للنكبة؟

بقلم: د. محمد جابر الأنصاري
..............................

عندما قامت "إسرائيل" عام (1948م) كانت المجتمعات العربية سائرة بشكل طبيعي في طريق التطوّر. ولكن بقيامها في ذلك العام تبدلت الأرض غير الأرض، وساد الأجواء العربية مناخ من التشدد يركز على نجدة شعب فلسطين وتحرير أرضه قبل كل شيء. وذلك رد فعل متوقع في مثل هذه الحالة، لكن التجربة الطويلة المريرة إلى يومنا كشفت أن الانغماس في رد الفعل هذا قد أوقف مسيرة النهضة العربية، بل أعادها إلى الوراء، مع العجز المتتابع والمتفاقم في مواجهة "إسرائيل" عسكرياً وسياسياً، رغم التضحيات الجسام التي قدمها شعب فلسطين والشعوب العربية. بل إن "إسرائيل" توسعت وضاع المزيد من الأرض والحق. واليوم يطرق العرب أبواب الحل السلمي، و"إسرائيل" هي المتمنعة والمتشددة بعد قبول الفلسطينيين بجزء يسير من وطنهم.
النهضة العربية بدأت في القرن التاسع عشر. لكن دعنا نؤرخ مع بدايات القرن العشرين قبل أربعة عقود من قيام "إسرائيل".
عام 1908 قبل تلك العقود الأربعة تحديداً شهدت البلاد العربية، وهي لا تزال في قبضة السلطة العثمانية، «حركة دستورية» ضد استبداد السلطان عبدالحميد. وكان لتلك الحركة صداها الواسع في الخطاب العربي صحافة وثقافة وبدا أن العرب على وشك دخول العصر سياسياً، ولكن تلك الحركة الدستورية تم إجهاضها برد فعل السلطان العثماني، وإن بقيت جذورها في ضمائر العرب.
وكانت مصر، التي استقلت جزئياً عن تلك السلطنة، قد بدأت مساراً دستورياً وشورياً، بتأسيس مجلس الشورى المصري في حينه، والذي مثل أول مشروع برلمان في العالم العربي.
وفي العام ذاته (1908م) تم تأسيس جامعة القاهرة، التي احتفل بمرور مائة سنة على إنشائها هذا العام (2008م)، وكان تأسيس الجامعة، الذي تم بدعم سخي مع سيدة من الأسرة المالكة بمصر عندئذ، حدثاً حضارياً ضخماً في مصر والعالم العربي. وتم استقدام كبار الأساتذة والباحثين المقتدرين علمياً من الخارج، فنشأت تقاليد البحث العلمي والتفكير الحر داخل الجامعة وخارجها وكانت تلك بداية النهوض الثقافي الذي قادته مصر في محيطها العربي، فنشأت جامعات أخرى في مراكز الثقل العربي، وواكبت هذه النهضة العلمية نهضة سياسية تمثلت في الأنظمة الدستورية البرلمانية في كل من مصر وسوريا والعراق. وقد حققت هذه الأنظمة إنجازات لا تنكر، وليس كما أشاع خصومها الانقلابيون عنها بعد الهزيمة (1948م).
ولكن ثمة مأخذ أساسي على تلك الأنظمة التي كان ينبغي أن تستمر وتتطور وتصلح من نفسها وهي أنها لم تحتفظ بانطلاقة البداية وروحها. بل سمحت لنفسها أن تقع في الفساد، ولم تصلح نفسها في اللحظة الضرورية وابتعدت عن هموم الأكثرية من القطاعات الشعبية، والأخطر أنها انهزمت أمام "إسرائيل"، ما أتاح لخصومها تأكيد اتهامهم لها من ذلك الواقع الآني المباشر في حينه، مع التغطية على منجزاتها السابقة، التي تفتتح في ظلها وعي الانقلابيين أنفسهم.
وإذا كان العرب يحاولون العودة اليوم إلى النظم الدستورية والبرلمانية، فيجب أن يصحب ذلك إصلاح حقيقي لمؤسساتهم وحكوماتهم، وإلا فهي الحراثة في البحر.. من جديد (وليس مجدياً في تقديرنا إظهار الملك فاروق بمظهر إنساني في مسلسل تلفزيوني رمضاني بعد وقوع الفأس في الرأس).
ولا يقل أهمية عن الإصلاح السياسي، العودة إلى الإقبال على استيعاب مقومات القوة الحضارية الحديثة في عالمنا. فقد مثّل افتقاد العرب لهذه المقومات في مواجهاتهم المختلفة من أجل فلسطين "كعب أخيل" في البنيان العربي، وهذا هو السبب الحقيقي للنكبة.
فقبل عام النكبة (1948م) وحتى ذلك العام، عندما واجهت الجيوش العربية ما يسميه العرب عادة "عصابات" الهاغانا، كانت هذه “العصابات” أفضل استيعاباً للسلاح الحديث وأكثر اقتداراً على استخدامه، وأقرب إلى روح التنظيم الفعّال من جيوشنا العربية كما أوضح بالوثائق مؤرخون فلسطينيون وعرب نحترمهم هذا رغم الإقرار بما قدمه الفلسطينيون والعرب جيوشاً ومتطوعين ومنظمات - من تضحيات بطولية لا يمكن إنكارها، لكنها ضاعت هدراً بسبب الفارق الحضاري بين الجانبين.
وما زال الكثيرون من قادة الرأي في عالمنا العربي والإسلامي، للأسف، يقفون موقف المتشكك أو المتردد حيال الحضارة الحديثة في العالم من اليابان إلى كندا ويرونها رجساً من عمل الشيطان رغم أن الأمم في العالم لم تنهض وخاصة أمم الشرق في آسيا إلا بمشروعات "التحديث" كل على طريقته الخاصة المناسبة لظروفه وبطبيعة الحال فثمة أسباب أخرى يتم الحديث عنها في الخطاب الإعلامي العربي كعجز عن تحقيق الوحدة أو التنسيق اللازم بينهم، وسطوة الاستبداد في الحكم الذي يؤدي إلى قرارات كارثية وإخضاع قضية فلسطين للحسابات الداخلية للأنظمة وصراعاتها مع الأنظمة العربية الأخرى.. الخ. وهذه أسباب حقيقية، ولكننا نعتقد أن السبب الأهم هو التخلف الحضاري الراهن، ولا بد من تسميته باسمه الحقيقي، وهو لا يعني فقط التخلف في المخترعات والبحث، وإنما يشمل أيضاً مستوى الإنتاجية في كل مجالات الحياة واستيعاب الفكر العلمي العقلاني ونبذ الخرافة، وتطوير التعليم طبقاً لبرامج ملموسة ومحددة تصل إلى عقول الناس وأيديهم بعيداً عن الشعارات والتلميع، والانتباه إلى أن التقدم، إذا لم تتم المحافظة عليه من جانب المواطنين والدولة ومؤسسات المجتمع المدني يمكن أن يضيع ويعود الإنسان إلى تخلفه البدائي، كما نرى في بعض مجتمعات الغرب التي كانت، نعم كانت متقدمة، واليوم مثلها مثل مجتمعات الثقل العربي التي كانت "متقدمة" تصحو على كارثة العودة إلى الوراء في أخلاق الناس ومستوى إنتاجهم ومدى استعدادهم للعمل والكدح. وهذا العامل الأخير هو الذي يفتح مجال الهجرة الأجنبية ومخاطرها للتعويض عن كسل السكان الأصليين، كما نرى ذلك أيضاً في بعض مجتمعات الخليج التي سيصحو أهلها على ما تفعله أيديهم ولكن، نخشى، أن يكون ذلك بعد فوات الأوان وذهاب سكرة "الازدهار".. ولات ساعة ندم!
والمحك اليوم، كامتحان جدي ملموس لاختراق جدار التخلف العلمي والحضاري، هو مدى قدرة المجتمعات العربية قاطبة على بناء قوتها النووية السلمية في غمرة الأخطار المحدقة بها، والتي أصبحت قاب قوسين أو أدنى، فهذا مؤشر عملي محدد للاختبار إن كانت تريد أن تتجنب «نكبة» أخرى.
إن استمرار سيطرة الفكر الأحادي في العقلية العربية المصاب بعاهة النظر إلى كل الظواهر العالمية في بعد واحد والعيش تحت هاجس "المؤامرة"، كتجاهل البعد الحضاري لدى القوى المعادية أياً كانت وإيهام النفس بقرب انهيارها. وهو انهيار غير مستبعد، لكن قوى أخرى جديدة ستحل محلها وتتقاسم تركة الضعفاء والعاجزين عن الفعل.. نقول: إن استمرار سيطرة هذا النوع من التفكير المضلل لأصحابه يستحيل أن يؤدي إلى الخروج من نفق "النكبة" إلى فضاء العالم الرحب.
قبل قرن كانت الصين معادية للغرب بعد أن احتلها وأهانها، لكنها أدركت أنه لا بد أن تقتبس من الغرب نفسه سلاحاً مضاداً له. لذلك اختار ماوتسي تونج، لإخراجها من حالة الضياع، أيديولوجيا وتنظيماً من نتاج المجتمع الغربي، وأضفى عليه مسحة صينية أصيلة. وهنا بدأت حركة الصين نحو التغيير. إن كلمة السر هنا هو اختيار أيديولوجية معادية لقوى الغرب الاستعماري من صميم فكره الحديث، واستخدامها ضده سياسياً.
صحيح أن ذلك لم يكن حلاً نهائياً، ولم يكن حلاً صالحاً لكل زمان ومكان، كما في اليابان أو الهند أو ماليزيا حيث قرر كل مجتمع اختيار الطريق الأنسب له، والصين اليوم تنفتح تدريجياً على "اقتصاد السوق" وقد تطور نظاماً اقتصادياً خاصاً بها، ولكن تلك كانت نقطة البداية.. بداية الرد على التخلف وتبعاته.
يراهن كثيرون من العرب على التناقضات الداخلية في "إسرائيل" وربما على صدود بعض قوى الغرب عنها، وهذا وارد ومحتمل. ونعتقد أن "العولمة" التي أصبحت "الشيطان الأسود" لدى كثير من الكتاب العرب، وأشبعوها صراخاً وعويلاً، تهدد بدرجة أكبر "الخصوصية" "الإسرائيلية" لكيان يهودي متميز. فالعولمة يمكن أن تصهر الكيانات الناشزة في نهاية الأمر إذا لم تتغير طبيعتها. وإذا ما غيرت "إسرائيل" طبيعتها، فقدت مبرر وجودها، فهي مهددة بالعولمة، طوعاً أو كرهاً. هذه مسألة برسم باحثي "المستقبل" العرب الذين يشتمون العولمة بمناسبة وبغير مناسبة.
وقد تصح هذه الفرضيات أو لا تصح، ويبقى السؤال، ماذا لدينا نحن لتطوير أنفسنا التطوير الحقيقي اللازم الذي حققته الأمم الجديدة الصاعدة في العالم؟
وعلينا أن ننتزع حقنا في التقدم انتزاعاً من بين فكي القوى المعادية لتقدمنا، فهي لن ترسل لنا بطاقة تهنئة على أي تقدم يتحقق. والكثيرون ما زالوا يتذكرون ماذا حدث للمفاعل النووي العراقي ولبعض علماء الذرة العرب. وأن نملأ الفضاء بالشكوى من ظلم تلك القوى لن يغير من موازين القوى شيئاً وسيبقى "ظاهرة صوتية".
وحان الوقت لندرك أن الأمة رغم صعوبة أوضاعها السياسية تحقق تقدماً في التعليم والتنمية والعمران، ولا بد أن ينعكس ذلك أخيراً في السياسة، ولا داعي للإحباط والاكتئاب الشامل.
ثم إن قضية فلسطين قد حققت انتصاراً تاريخياً وإن يكن مرحلياً بقيام كيانها الوطني المعترف به نتيجة كفاح شعب فلسطين البطولي. وهو انتصار ينبغي البناء عليه وعدم تضييعه. أما عقلية إما كل شيء أو لا شيء، فإنها تنتهي إلى لا شيء لمن يريد التعلم من تجاربه.







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 18-12-2008, 02:17 AM   رقم المشاركة : 51
معلومات العضو
د. حسين علي محمد
أقلامي
 
إحصائية العضو







د. حسين علي محمد غير متصل


افتراضي رد: أوراق خضراء: مقالات مُختارة

(43) زوينة وأدب الغربة في الرواية العربية

بقلم: د. محمد عبد الحليم غنيم
.....................................

يتميز الروائي المصري محمد جبريل بغزارة الإنتاج خاصة في السنوات العشر الأخيرة , فله كل عام تقريبا رواية أو مجموعة قصصية , بل إنه لينشر أحيانا أكثر من عمل في لسنة الواحدة , والواقع أن التميز عند محمد جبريل ليس قاصرا على غزارة الإنتاج , فثمة تميز في مستوى هذا الإنتاج الإبداعي , وأحدثه روايته القصيرة التي نتناولها الآن " زوينة " الصادرة منذ شهور قليلة عن نادي القصة بالقاهرة العام الماضي .
تنتمي رواية " زوينة " إلى ما يمكن تسميته برواية الغربة , وهي تختلف عما أطلق عليه من قبل رواية الصدام الحضاري بين الشرق والغرب , كعصفور من الشرق لتوفيق الحكيم والحي اللاتيني لسهيل إدريس وموسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح , والساخن والبارد لفتحي غانم , وغيرها , إننا هنا مع ( زوينة ) أمام نوع آخر من الغربة ,إنه غربة العربي فى وسطه العربي أو الشرقي بين أهله الذين يتكلمون لغته, فالبطل فى رواية"زوينة" ليس طالب علم يسعى على شهادة أو كسب معرفة أو تجربة حياتية جديدة , فيصطدم أثناء ذلك بالأخر حضاريا, ولكننا مع بطل تعلم وتكون في وطنه الأول , جاء إلى وطنه الثاني ـ إذا جاز التعبير ـ ساعيا وراء لقمة العيش أو بحثا عن الريال على حد قول أحد شخوص الرواية .
وتمثل " الغربة " التيمة المركزية المهيمنة على معظم شخوص الرواية , غير أنها تتجسد بشكل مباشر وموسع في المروية الرئيسية المهيمنة على الفضاء السردي , أي مروية الراوي / المشارك وزوينة , فالأول شخصية مجهولة الاسم , بيد أنه معروف الهوية , فهو صحفي وروائي معا , ولعل المؤلف قصد من عدم ذكر اسم البطل تنشيط أفق التوقع لدى القارئ , إحداث نوع من الالتباس بين شخصية الراوي وشخصية المؤلف الحقيقية محمد جبريل الذي عمل لفترة طويلة في عمان صحفيا في جريدة الوطن , وكان يمارس كتابة القصة والرواية في ذات الوقت .
أما الشخصية الثانية " زوينة " فهي فتاة عمانية قدمت من زنجبار , تعمل مضيفة أرضية في شركة طيران الخليج , وكانت أول شخصية التقاها الراوي عند نزوله لأول مرة أرض عمان .
غربة الراوي واغتراب زوينة :
كان الراوي قبل حضوره عمان يعيش حياة شبه مستقرة , حيث يعمل صحفيا في جريدة كبرى , ويسكن قلب العاصمة في ميدان الدقى , إنه لا يعيش في غربة أو يشعر باغتراب , لقد كانت مشكلته الحقيقية في ضيق ذات اليد , هذا الضيق الذي يجعله يبطئ في إتمام الزواج من خطيبته مها , إن غربة البطل واغترابه يبدآن في الواقع من لحظة مغادرته القاهرة والانتقال بعيدا عنها إلى مكان مغاير ومختلف اختلافا قاسيا إنه انتقال من الصخب والحياة والحركة واعتدال الجو إلى الصمت والسكون والرطوبة والحر الشديد , صحيح أن إحساس الراوي بهذا الجو المغاير يتبدل تدريجيا مع تنامي علاقته بزوينة والشروع في بناء قصة حب أجهضها المؤلف , لكن يظل الإحساس بالغربة مسيطرا على الراوي .
ويبدو لي أن المؤلف كان واعيا وهو يجعل زوينة تتجلى فيها تيمة الغربة , لذلك جاءت هذه الشخصية أعمق و أكثر صدقا من شخصية الراوي ,وهكذا كان من التوفيق والذكاء أن يأخذ عنوان الرواية اسم هذه الشخصية"زوينة" , إنها الفتاة الزنجبارية التي تفقد وطنها " زنجبار " فتطرد منه لتعيش في مسقط وطنها الأول أو الثاني شكلا , ولكنه في الواقع ليس وطنها أبدا , إنها في الظاهر مواطنة عمانية , تحمل جواز سفر عماني , لكنها من داخلها لا تنتمي إلى ثقافة هذا الوطن وتقاليده , من هنا تجتمع الغربة والاغتراب معا داخل شخصية زوينة , ويصير الأمر أكثر تعقيدا عندما تنجذب أو تحب الراوي ( وإن كان المؤلف لم يطور هذا الحب ) وهو مصري أو وافد , في الوقت الذي يفرض عليها الأهل علاقة شرعية , مثل قيد الحديد , تتمثل في مشروع خطبتها من ابن عمها زاهر , الذي يعد أكثر اغترابا منها ومن الراوي , حيث يدخل عمان بتأشيرة دخول , لأنه وإن كان عمانيا زنجباريا ليس له حق الجنسية , وعليه لكي يحصل على الجنسية أن يستقر في عما ويعمل ويتزوج من ط زوينة " , وهو ما لم يحدث , بقطع النظر عن الأسباب , لذلك يستمر حبل الوصال ممدودا بين زوينة والراوي إلى انتهاء سنوات الإعارة , فيجبر على العودة إلى مصر , ومن ثم يترك زوينة , وهنا يزداد اغتراب زوينة , فقد تركها كل من زاهر والراوي .
وإذا كان الراوي وقد عاد إلى مصر يستطيع أن يداوي جراحه بالعودة إلى خطيبته مها , فإن زوينة لا تستطيع مداواة جراحها , بعد أن أجبر زاهر أيضا على عدم البقاء في مسقط والعودة إلى زنجبار , وإلا فقد عمله هناك , وهذه الرغبة في الحرص على العمل تؤكد أن المشكلة الحقيقية للشخصيات هي الفقر , فالفقر سبب رئيسي في الغربة , كما قيل الفقر في الوطن غربة .
وقد تجلت براعة المؤلف محمد جبريل الروائية في توزيع هذه التيمة , أقصد تيمة الغربة المسربلة بالفقر على معظم الشخصيات رئيسية كانت أم ثانوية , سواء كانت نازحة ( وافدة ) إلى عمان أم مقيمة فيها , فمن الشخصيات النازحة عبد العال الذي يتحدث عن الموت , وتتكشف لنا مأساته الحقيقية , حيث في الوقت الذي يشعر فيه بالغربة والوحدة ويحرص على العمل جمع المال يترك امرأة خائنة هناك في القاهرة هي زوجته , وشخصية الصحفي الذي يوزع راتبه بين شرب الخمر حتى التسمم , والحرص على إرسال المال إلى أهله في مصر , ومن الشخصيات المقيمة التي تستحق الوقوف , لأن اغترابها ليس سببه المباشر البعد المكاني أو الفقر , إن اغترابها اغتراب روحي ثقافي في المقام الأول , أقصد شخصية " ناصر التميمي " الصحفي العماني الذي يأتي به صاحب الجريدة إلى الراوي كي يدربه على العمل في الصحيفة , إن ناصر موزع الجهد والوقت والنفس بين قريته البعيدة وبين المدينة التي يعمل
بها , بين تقاليد القبيلة وانطلاق المدينة , فوالده يصر على بقاء ابنه ناصر بجواره في ( قريات ) ولذلك لا نعجب عندما يموت ناصر بسبب حادث سير , أثناء عودته إلى قريته , وإن كان هذا الحادث يمثل في الظاهر السبب المباشر في موت ناصر إلا أنه في الوقت ذاته يعد المعادل الموضوعي لاغتراب ناصر وغربته .
البناء الدائري في زوينة :
يعتمد محمد جبريل في هذه الرواية بناء دائريا في عرض الأحداث , إذ تبدأ الرواية من نقطة ليست هي البداية الحقيقة في المتن الحكائي , فنلتقي مع السطر الأول بالراوي وهو في الطائرة وهي تكاد تحط على أرض مطار السيب : " تنبهت إلى اقتراب الطائرة من مسقط , حيث أضيئت اللوحة في أعلى " ممنوع التدخين .. اربط الحزام " بدت ـ من نافذة الطائرة ـ أضواء الشوارع والدوارات وشعلات البترول , أعددت نفسي للجو الخانق , والرطوبة العالية والصهد اللافح , قال الشيخ حمود النبهاني : أنت تستطيع دخول البلد بأية كمية من النقود أو الذهب أو البضائع , لكنك لا تستطيع أن تدخل بالخمر ولا المخدرات ولا الأفكار المتقدمة . إذا علم الضابط على حقيبتك بالطباشير , فإن من حقك مغادرة المطار إلى داخل المدينة ..
علا السلم الآلي ثم انفتح الباب .." ( الرواية , ص 10 . )
إن هذه الفقرة الاستهلالية ليست هي البداية الحقيقية لمتن الأحداث , إن مضمون هذه الفقرة يشير إلى خبرة المتكلم بجو عمان , لقد أعد نفسه للجو الخانق والرطوبة العالية , والصهد اللافح , كما أنه تحدث مع صاحب الجريدة عن المحاذر , إنها ليست المرة الأولى لسفر الراوي , إنها على الأقل السفرية الثانية أو بعد العودة من أول إجازة , إن جمل مثل : التدخين ممنوع ـ اربط الحزام ـ لا تستطيع , تشير بمفرداتها " ممنوع , اربط , الحزام , حرف النهي لا " إلى روافد الغربة والاغتراب اللذين تعيشها الشخصيات الرئيسية والثانوية في الرواية . كما أن جملتي " علا السلم الآلي , ثم انفتح الباب " تشيران بشكل قوي إلى استلاب الراوي , فالسلم يعلو وحده ليجبره على النزول , كما أن الباب يفتح آليا أو يفتح ليبدأ الحكي أو الرواية , ثم تقفل الرواية أو تنتهي الأحداث بالفقرة الأخيرة .
والراوي معلق أيضا في الهواء , وقد قفل الباب هذه المرة , قفلا نهائيا ليترك جرحا لن يندمل في عمان هو قلب زوينة الموزع بين زنجبار ومسقط والقاهرة , لنقرأ فقرة النهاية :
" أقلعت الطائرة
فككت الحزام من حول وسطي , وتهيأت لأخذ نسخة من الصحف المصفوفة بالقرب من الباب الأمامي .. بدت مسقط في صعود الطائرة مناطق متناثرة بين الجبال والصحراء البحر والزراعات القليلة . ميناء قابوس , وكورنيش مطرح , وألق الأمواج , والجبال المتلاصقة , والقلاع , والطوابي ، ومساحات الخضرة المحدودة تضاءلت ـ بارتفاع الطائرة ـ وشحبت , ثم لم يعد إلا الفراغ المحيط وصوت المحركات والطائرة تخترق أفقا من السحاب الأبيض المتكاثف .." ( الرواية , ص 154 . )
إن جمل مثل : أقلعت الطائرة , فككت الحزام , تهيأت لأخذ نسخة من الصحف المصفوفة , تشير بوضوح إلى انطلاق الدائرة وعودة الراوي إلى وضعه الأساسي قبل الذهاب إلى مسقط , فالإقلاع يشير إلى الانطلاق , وفككت يوحي بالحرية , وتهيأت يوحي بالاستعداد والبدء من جديد , لقد ترك الراوي غربته واغترابه خلف ظهره في مسقط , ترك الغربة والاغتراب لتتجرع سمهما زوينة التي استحق أن يوضع اسمها بامتياز فوق غلاف الرواية .







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 18-12-2008, 02:18 AM   رقم المشاركة : 52
معلومات العضو
د. حسين علي محمد
أقلامي
 
إحصائية العضو







د. حسين علي محمد غير متصل


افتراضي رد: أوراق خضراء: مقالات مُختارة

(44) اتفاقيــة المعــابر لم تعــد تلزمنــــا

بقلم‏:‏ فهمـي هـويـــدي
...........................

أسوأ ما في الأمر أن يصبح تدمير حياة الفلسطينيين في غزة خبرا عاديا‏,‏ وأن يعد استمرار الحصار حدثا مقبولا‏,‏ وأن نقف متفرجين أمام كل ذلك‏.‏
‏(1)‏
يسألني فهد الرشود من الرياض‏:‏ ما هو مستقبل أهلنا في غزة؟ وأتلقي رسالة من لجنة أهالي المرضي في غزة تتساءل عما إذا كان هناك حكم بالإعدام على ‏1200‏ مريض يحال بينهم وبين العلاج في الخارج‏.‏ ويصبحون مخيرين بين الموت علي فراش المرض أو الموت برصاص حرس الحدود‏.‏ يتزامن ذلك مع المظاهرة السلمية التي احتشد فيها الفلسطينيون أمام معبر رفح مطالبين بفتحه‏.‏
كما يتزامن مع المذكرة التي قدمها رئيس وزراء لبنان الأسبق الدكتور سليم الحص باسم اللجنة العربية لفتح معبر رفح وفك الحصار،,‏ إلي السفير المصري في بيروت‏,‏ والمظاهر التي قام بها بعض النشطاء المصريين أمام مقر وزارة الخارجية بالقاهرة،‏ مطالبة بفتح المعبر ورفع الحصار‏.‏ وأخيرا‏,‏ الباخرتين اللتين حملتا بعضا من النشطاء الأوروبيين واتجهت إلي غزة لمحاولة كسر حصارها‏.‏
وسط هذه الأجواء نشرت الصحف المصرية تصريحات للمتحدث باسم الخارجية المصرية تحدث فيها عن التزام القاهرة باتفاقية المعابر في عام ‏2005.‏ كما نشرت الصحف الإسرائيلية هاآرتس‏(‏ في 12/‏8)‏ الخطوط الرئيسية لمشروع التسوية النهائية الذي قدمه أولمرت إلي الرئيس محمود عباس وبدد الأمل الذي علقه البعض علي إمكان التوصل إلي اتفاق مع الحكومة الإسرائيلية‏,‏ حتي وإن كان اتفاق رف‏,‏ يحسن المنظر دون أن يقدم أو يؤخر‏.‏
هذه المؤشرات التقت علي أمرين‏,‏ أولهما أنها استدعت موضوع فتح معبر رفح ليصبح أحد العناوين الرئيسية للأسبوع الماضي،,‏ وثانيهما أنها استبعدت‏,‏ في ظل موازين القوة الحالية‏,‏ إمكان التوصل إلي حل سلمي مع الإسرائيليين‏.‏ وهو ما يدعونا إلي الكف عن المراهنة علي حسن نيات الآخرين‏ (إن وجدت‏),‏ ويطرح علينا السؤال الذي يهرب الكثيرون من الإجابة عنه وهو‏:‏ ماذا علينا أن نفعل في هذه الحالة؟
‏(2)‏
منذ أكثر من شهر يقف الناشط الفلسطيني الدكتور خليل النيس علي باب معبر رفح وقد اصطحب معه من اسكتلندا سيارة محملة بطن ونصف الطن من الأدوية والمساعدات الطبية،‏ أراد توصيلها من خلال دول أوروبا إلي أن وصل إلي العريش في نهاية المطاف،‏ لكن دخوله إلي القطاع‏,‏ الذي يفترض ألا يستغرق عدة دقائق يجتاز خلالها معبر رفح‏,‏ أصبح مشكلة لا حل لها‏,‏ خلال شهر كامل علي الأقل‏.‏
حالة الدكتور خليل ليست فريدة في بابها بطبيعة الحال‏,‏ بعدما أصبح إغلاق معبر رفح الوحيد الذي يربط فلسطين بالعالم الخارجي هو الأصل‏,‏ وهو الإغلاق ذاته الذي يسري علي المعابر الأربعة الأخري‏,‏ التي تتحكم إسرائيل فيها‏,‏ وتستخدمها في إحكام الحصار وخنق الفلسطينيين وإذلالهم‏.‏
لم يعدم الغزاوية حيلة لتحدي الحصار‏,‏ إذ إلي جانب ثورتهم ضد المعابر ومحاولتهم كسر القيود التي كبلت حياتهم‏,‏ فإنهم لجأوا إلي حفر الانفاق لمحاولة تمرير بعض الأغذية والأدوية التي تسد الرمق وتخفف بعضا من الوجع‏.‏ وفي تقرير نشرته الشرق الأوسط‏(‏ في 12/‏8)‏ ذكرت أنهم حفروا نحو‏900‏ نفق عبر الحدود من رفح إلي غزة‏,‏ لتوصيل بعض البضائع‏,‏ إلا أن الإسرائيليين ومعهم الأمريكيون أصروا علي إغلاقها وتدميرها‏,‏ بحجة أنها تستخدم في نقل السلاح إلي غزة‏,‏ في حين أن الذين أقاموها وبدأوها كانوا مهربي المخدرات بالدرجة الأولي‏,‏ وبعدهم دخل التجار علي الخط وتوسعوا في العملية‏,‏ الأمر الذي رفع من أجور حفاري الأنفاق حتي وصل الأجر الشهري للواحد منهم إلي‏2500‏ دولار‏.‏
وخلال العام الأخير احتلت عملية تدمير الأنفاق مكانة خاصة في مشروع الحصار‏,‏ حتي قيل إن الأمريكيين ساعدوا علي توفير أجهزة متقدمة جدا للكشف عن الأنفاق وتتبع مسارها‏,‏ كما أنهم وفروا للجهات المعنية أنواعا معينة من الغازات التي تطلق في النفق فتصيب مستخدميه بالاختناق‏.‏
وإذا أضفنا إلي هذه الخلفية أن ثمة قرارا لوزراء الخارجية العرب بكسر الحصار في شهر سبتمبر ‏2006,‏ الذي أعقبه صدور قرار مماثل من جانب وزراء خارجية الدول الإسلامية في الشهر التالي مباشرة‏,‏ وتذكرنا أن مثل هذه القرارات تبخرت فور صدورها‏,‏ فسوف ندرك أن جهود إحكام الحصار والتضييق منه تواصلت وتقدمت‏,‏ في حين أن جهود رفعه وفتح معبر رفح لم تتقدم خطوة واحدة إلي الأمام‏.‏ وتلك خلاصة كاشفة‏,‏ لأنها تشير بوضوح إلي أن القدرة العربية في هذه القضية في مستوى الصفر‏,‏ الأمر الذي يستدعي السؤال التالي‏:‏ إذا كانت هناك حدود القدرة العربية في قضيتهم المركزية‏,‏ فما بالك بها فيما دون ذلك من قضايا؟‏!‏
‏(3)‏
لا مفر من الاعتراف بأن إسرائيل نجحت في فرض ترسانة من الاتفاقات التي كان هدفها الأساسي التحكم في قطاع غزة‏,‏ وتحويله إلي سجن كبير تملك مفاتيحه‏,‏ وإن استخدمت في ذلك واجهات أخري‏.‏ وهذه الاتفاقات أربع‏,‏ هي‏:‏ اتفاقية المعابر الإسرائيلية ـ الفلسطينية الموقعة في ‏15‏ نوفمبر ‏2005,‏ اتفاق إسرائيلي ـ أوروبي فلسطيني لمراقبة المعبر‏,‏ الاتفاق المصري ـ الإسرائيلي الموقع في أول أغسطس عام ‏2005‏ المعروف باسم اتفاق فيلادلفي‏,‏ واتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل الموقعة في ‏29‏ مارس‏1979.‏
للباحث القانوني محمد سيف الدولة بحث مهم في هذا الموضوع تحدث فيه عن ضرورة تحدي البنية التحتية للحصار‏.‏ وكيف أن خنق معبر رفح بوجه أخص أسهمت فيه أربعة اتفاقات وثلاثون دولة‏.‏ وقد ذكر بأن معبر رفح يخضع من الناحية الشكلية للسلطات الفلسطينية والمصرية‏,‏ وأن هناك معبرا آخر بين غزة ومصر يخضع لسلطات الاحتلال‏,‏ هو معبر كرم أبو سالم ‏(كيريم شالوم‏).‏ من الناحية الشكلية أيضا فإن تنظيم الحركة بالمعبر تشترك فيه عدة أطراف هي إسرائيل والسلطة الفلسطينية والولايات المتحدة ومصر‏,‏ والاتحاد الأوروبي بدوله السبع والعشرين‏.‏
وهذه الأطراف هي الموقعة علي الاتفاقات الأربعة سابقة الذكر‏.‏ لكن من الناحية العملية فإن التحكم في المعبر يتم من خلال عدد من أجهزة التصوير ‏(الكاميرات‏)‏ وأجهزة الفحص للأشخاص والسيارات التي فرضتها إسرائيل للمراقبة‏.‏ وهذه الأجهزة تتحكم في فتح وإغلاق المعبر‏,‏ لأن وجودها شرط أساسي لاستخدامه طبقا لنصوص تلك الاتفاقات‏.‏ ولذلك فإن إسرائيل عندما تريد إغلاقه فإنها إما أن تمنع المراقبين الأوروبيين من الذهاب إلي عملهم‏,‏ والذرائع لديها كثيرة‏,‏ علي رأسها الحجج الأمنية‏.‏ وإما أن تسطو علي الأجهزة وتأخذها إلي مواقعها بعيدا عن المعبر‏,‏ الأمر الذي يؤدي إلي إغلاقه تلقائيا‏.‏ ذلك أنه لا عبور دون مراقبين‏,‏ ولا عبور دون أجهزة تصوير ومراقبة‏,‏ وهذه هي خلاصة اللعبة التي تتم منذ أكثر من عامين‏.‏
‏(4)‏
الحجج التي أوردها المتحدث باسم الخارجية المصرية‏,‏ السفير حسام زكي‏,‏ لا تخلو من وجاهة لأول وهلة‏,‏ لكن هناك أكثر من رد عليها‏.‏ ذلك أن هذه الاتفاقات لا تتحرك في فراغ قانوني‏,‏ بمعني أنها تظل محكومة بمرجعية القانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني‏.‏ والكلام ليس من عندي‏,‏ ولكنه رأي لا يختلف عليه فقهاء القانون‏,‏ وقد أثبته مفصلا الدكتور صلاح عامر أستاذ القانون الدولي العام بجامعة القاهرة‏,‏ الذي أعد مذكرة قانونية بطلب من الحكومة الفلسطينية حول النتائج المترتبة علي إغلاق إسرائيل المعابر‏.‏
وفي هذه المذكرة تحدث بوضوح عن أن حق الاتصال بين الدول هو من الحقوق المعترف بها والمقررة قانونا‏,‏ الأمر الذي لا يجيز لأي دولة أن تفرض حصارا يعزل أي دولة عن العالم المحيط بها‏,‏ ويمنع وصول مقومات الحياة إليها‏.‏ في رأيه أيضا أنه في حالة التعارض بين أي اتفاقات موقعة وبين القانون الدولي الإنساني فالأولوية للقانون الأخير‏,‏ لأنه في غير حالة الحروب المعلنة فينبغي ألا يسمح بالتضحية بحياة البشر لأي سبب كان‏.‏
تحدث الدكتور صلاح عامر أيضا عن أن اتفاقية المعابر التي يكثر الاستشهاد بها تحمل إسرائيل بالتزامات أخلت بها‏,‏ منها مثلا النص علي أن تعمل المعابر بشكل متواصل‏,‏ وأن تسمح إسرائيل بتصدير جميع المنتجات الزراعية بالقطاع‏,‏ وأن تضمن انسياب حركة مرور الأشخاص والبضائع والمنتجات عبر المعابر التي تصل الأراضي الفلسطينية بمصر ‏(معبر رفح‏)‏ وبإسرائيل والأردن‏.‏ منها أيضا النص علي تشغيل ميناء غزة مع تعهد إسرائيل بعدم التدخل في عمله‏.‏ ولأن إسرائيل لم تف بشيء من تلك الالتزامات جريا علي عادتها في أن تأخذ ولا تعطي‏ (‏تاريخها حافل في رفض الشرعية الدولية التي نتذرع بها‏,‏ من رفض قرارات مجلس الأمن الداعية إلي بطلان إجراءات تهويد القدس إلي قرار محكمة العدل الدولية ببطلان بناء الجدار‏,‏ وإخلالها بما تم الاتفاق عليه في أنابوليس لوقف الاستيطان‏).‏ لذلك‏,‏ فإن من حق السلطة الفلسطينية وحكومتها إما أن تنهي هذه الاتفاقات من جانب واحد وأن توقف العمل بها‏,‏ استنادا إلي المادة ‏(60)‏ من اتفاقية فيينا بشأن قانون المعاهدات‏.‏
كما أن لها الحق في أن تطالب إسرائيل بالتعويضات المالية عما لحق بالفلسطينيين من أضرار محققة من جراء مخالفاتها الجسيمة للاتفاقات المعقودة‏.‏
النقطة الثانية التي أثارها المتحدث الرسمي‏,‏ التي لا تخلو من وجاهة أيضا‏,‏ هي أنه يتعذر فتح معبر رفح وتشغيله في غياب السلطة الفلسطينية الشرعية‏.‏ لكن ذلك أيضا مردود عليه بأن ذلك العامل له أهمية‏,‏ لكنه ينبغي ألا يكون سببا لاستمرار محاصرة القطاع ومنع وصول الاحتياجات الحياتية إليه‏,‏ لأن الاعتبارات الإنسانية هنا ينبغي أن تسمو فوق أي اعتبار سياسي‏.‏ من ناحية ثانية فإن في فلسطين شرعيتين وليس شرعية واحدة‏,‏ ذلك أن السلطة القائمة في غزة لها شرعيتها المستمدة من فوزها في الانتخابات النيابية‏,‏ كما أن السلطة الموجودة في رام الله لها شرعيتها المستمدة بدورها من الانتخابات الرئاسية‏.‏ وفي حدود علمي فإن سلطة غزة قبلت بإدارة فلسطينية مشتركة بين الطرفين‏.‏ وهو حل وسط يمكن القبول به بشكل مؤقت حتي يتم الوفاق بينهما‏.‏
لقد استغربت قول المتحدث باسم الخارجية أن مصر تضغط علي إسرائيل لكي تزود القطاع باحتياجاته الإنسانية‏,‏ لأننا الأولى بذلك‏,‏ إن لم يكن لما تمثله مصر فعلي الأقل احتراما لقواعد القانون الدولي الإنساني‏.‏ ثم ينبغي ألا ننسي أن صبر المحاصرين ليس بلا حدود‏,‏ وأننا ينبغي أن نتوقي أسباب الانفجار قبل أن نضطر للتعامل معه بعد وقوعه‏.‏
.......................
*الأهرام ـ في 19/8/2008م.







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 18-12-2008, 02:19 AM   رقم المشاركة : 53
معلومات العضو
د. حسين علي محمد
أقلامي
 
إحصائية العضو







د. حسين علي محمد غير متصل


افتراضي رد: أوراق خضراء: مقالات مُختارة

(45) علاقتي بنجيب محفوظ

بقلم: محمد جبريل
........................

نحن نحتفظ بالصور الفوتوغرافية لأنها تستعيد حياتنا. تذكرنا بما قد ننساه. نسد الفجوات التي ربما يصنعها توالي الأعوام.
أضع الصور علي الأرض. أنشرها في أكبر مساحة. أتأملها. أستعيد العلاقة بيني وبين أصحاب الصور بيني وبين ما مضي من أحداث. أحياناً تبطئ ذكريات الصور في استدعاءاتي لها. وقد تأتي غير مترابطة. وتتحرك في الذهن بسرعة خاطفة. كأنها الومضات.
الصورة لي مع نجيب محفوظ. أتحدث. ويضع يده علي أذنه منصتاً. نشرتها الصحف في أكثر من مناسبة. تعيدني إلي اكتشافي الذي لم أعد له لنجيب محفوظ.
المصادفة وحدها هي التي قدمتني إلي أعظم الروائيين العرب. لأني كنت أتردد كل يوم. في إجازة صيف علي مكتبة المنيرة. وجدت فيها مكاناً مناسباً لا يبتعد بها عن البيت. وعن مشروع القراءة الذي بدأته. دون أن يشغلني السؤال: متى أتمه؟
بدأت قراءاتي بحرف الألف. كان آدم متز أول الأسماء. تبعته أسماء أخري لا أذكرها. وعرفت بعد ما يقرب من الأيام العشرة أن مشروعي لن يجاوز الأمنية المستحيلة. أدركني اليأس. وتشوش ذهني حول ما ينبغي قراءته. ولمحت في طريقي إلى خارج المكتبة كتاباً تركه قارئه مفتوحاً علي صفحاته الأولي. تابعت أحمد أفندي عاكف. الموظف الأربعيني المكدود. وهو يتجه عقب انصرافه من ديوان الوزارة إلي البيت الجديد في خان الخليلي. بدلاً من البيت القديم في السكاكيني. استغرقتني القراءة تماماً. فلم أترك الرواية حتي نبهني الموظف إلي موعد إغلاق المكتبة. وعدت في اليوم التالي لأواصل قراءة "خان الخليلي". ثم قرأت خارج المكتبة بقية أعمال نجيب محفوظ إلي "بداية ونهاية".
عدت إلي الإسكندرية. وفي وجداني أصداء من العالم السحري الذي أتاحته لي قراءة نجيب محفوظ. شعرت أنه من الصعب أن اقرأ لكتاب آخرين. بدت مسافة القيمة الروائية بينه وبينهم واسعة. وتفهمت فيما بعد ملاحظة سعيد السحار وهو يقود سيارته. وشقيقه عبدالحميد الروائي الذي ينتمي إلي جيل محفوظ يجلس إلي جانبه. وأنا في المقعد الخلفي. قال: نجيب هو أفضل الروائيين العرب علي الإطلاق. لا أحد يفوقه. ولم يظهر انفعال من أي نوع على عبدالحميد. تصورت أن الأمر بالنسبة له حقيقة لا تحتمل المناقشة.
حرصت منذ تلك الأيام أن أتابع كل ما يتصل بكاتبي المفضل. وكان في الأغلب عن نشاطه ككاتب للسيناريو "أحتفظ بورقة في مجلة تتضمن خبراً عن القاص يوسف جوهر والسيناريست نجيب محفوظ!". واتصلت صداقتي لعالم محفوظ الإبداعي. عندما نشر الجزء الأول من ثلاثية "بين القصرين" في الرسالة الجديدة. وكان ترددي علي ندوة كازينو أوبرا أول ما حرصت عليه. حين قدمت إلي القاهرة للإقامة الدائمة.
ثم تحولت العلاقة بين الأستاذ والتلميذ إلي صداقة. هي أثمن ما أعتز به في حياتي.
.................................
*المساء ـ في 15/11/2008م.







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 18-12-2008, 02:20 AM   رقم المشاركة : 54
معلومات العضو
د. حسين علي محمد
أقلامي
 
إحصائية العضو







د. حسين علي محمد غير متصل


افتراضي رد: أوراق خضراء: مقالات مُختارة

( 46 ) آخر ما كتب الراحل يونان لبيب رزق : العيب في ذات أفندينا
.................................................. ..............

كان أحمد حلمي هو أول من »عاب« في ذات أفندينا، وأول مصري يدخل السجن لهذا السبب. جري ذلك قبل مائة عام تقريباً، كان وقتها شاباً في الثالثة والثلاثين، يصدر جريدة »القطر المصري« بعد سنوات أمضاها يعمل في »اللواء« جريدة الحزب الوطني بزعامة مصطفي كامل. في 13 نوفمبر 1908 كتب حلمي منتقداً شهر العسل الذي طال بين عابدين وقصر الدوبارة، وأنهي مقاله بنصيحة للسير جورست المعتمد البريطاني بأن ينقل إقامته إلي عابدين حتي لا يستنفد طاقته في المشاوير ذهاباً وإياباً بين القصرين.
سعي الخديو عباس حلمي إلي استمالة الرجل، وأرسل له من يحذره، وكان بين محذريه أمير الشعراء أحمد بك شوقي، الذي كان صديقاً مقرباً من الخديو ورئيساً تعلم الترجمة بالمعية الخديوية، لكن أحمد حلمي لم يستجب وواصل هجومه غير المسبوق علي أفندينا، وفي 8 يناير 1909 شن هجوماً عنيفاً علي الخديو، مستنداً إلي مقالات نشرتها صحيفة تركية، ترجع فيه أسباب الخراب والتأخر الذي حاق بالمصريين إلي الأسرة العلوية، ودعا المصريين إلي التخلص من هذه العائلة الظالمة التي تتعامل مع المصريين باعتبارهم إرثاً أو عقاراً.
وعلي الرغم من أن أحمد حلمي حاول بعد أن نشر ترجمة لهذه السلسلة من المقالات أن »يوازن« المسألة، فنشر مقالات أخري تدافع عن العائلة، إلا أن الحيلة لم تنطل علي الخديو، وبسرعة تم »إعمال« مواد قانون المطبوعات التي تعاقب بالحبس وبالغرامة كل من مس مركز الجناب العالي بالسب أو بالقذف أو بالتلميح بأي صورة من الصور، وبدأ نظر القضية في أبريل ،1909 وصدر الحكم في 23 من نفس الشهر بحبس المتهم عشرة شهور »حبساً بسيطاً« وأمرت بتعطيل جريدته »القطر المصري« ستة شهور، وإعدام كل ما يضبط من هذا العدد من الجريدة، ولكن أحمد حلمي علي ما يبدو ولم يتعلم من الدرس، فحين عادت الجريدة إلي الصدور كتب في 29 أكتوبر مقالاً عنوانه »صلاح الرعية بصلاح ملوكها« قال فيها: ياكل ملك غشوم أو حاكم ظالم، ما ضرك لو تتزود قبل حلول الأجل وانقطاع الأمل، فلا تحكم في عباد الله بحكم الجاهلين«.
وفي 26 نوفمبر صدرت الجريدة بمانشيت عريض »فلتسقط حكومة الفرد«، وهو ما دعا الحكومة البريطانية بعد استئذان المندوب السامي ـ لاحظ ـ إلي إصدار قرار بإغلاق القطر المصري في 8 يناير 1910.
هذا هو أحمد حلمي صاحب الشارع الشهير في شبرا، وموقف الضواحي والأقاليم الذي نحمد الله أن أزالوه.
وفي 1923 صدر قانون خاص للعيب في الذات الملكية، وكان أول من مثل أمام المحكمة بمقتضاه هو الدكتور محمود عزمي، الذي كتب مقالاً في جريدة السياسة عام 1927 تحت عنوان »يجب وضع حد لهذه التدخلات وإلا كان الدستور مجرد حبر علي ورق«، انتقد فيه تدخل القصر في شئون الحكم، مؤكداً في نهاية مقاله أن الملك يملك ولا يحكم، وصدر الحكم بالحبس لمدة ستة شهور، غير أن المواءمات السياسية حالت دون تنفيذه، إذ لم يكن الوقت مناسباً للصدام بين الأحرار الدستوريين التي تصدر »السياسة« والقصر الملكي، فتم تخفيف الحكم في النقض إلي الغرامة.
غير أن أشهر قضايا العيب في ذات أفندينا كانت تلك التي اتهم فيها الكاتب الكبير عباس محمود العقاد، وكان وقتها عضواً في مجلس النواب (1939)، في ذلك الوقت تقدم النحاس باشا باستقالته من الوزارة احتجاجاً علي تدخلات الملك فؤاد في عمل الوزارة، وذهب النحاس باستقالته إلي البرلمان يعلمه بها، ووقف العقاد يلقي كلمته تعقيباً علي هذا الموقف، فماذا قال؟
قال الكاتب الكبير: ليعلم الجميع أن هذا المجلس مستعد أن يسحق أكبر رأس في البلد في سبيل صيانة الدستور وحمايته.
وتصور العقاد أنه أفلت بفعلته، بعدما كتب مقالاً في جريدة »كوكب الشرق« ينكر فيه أنه قال أكبر رأس بل كل رأس، وأن دعوته لحماية الدستور ليست ضد الملك، وإنما هي لصالح الملك والشعب معاً، لكن ذلك أيضاً لم يشفع له، إذ تحين القصر الفرصة بعد سقوط دستور 1923 وصدور دستور 1930 في عهد إسماعيل صدقي لتحاسب العقاد والوفد بأثر رجعي، خصوصاً أن العقاد لم يرعوي واستمر يهاجم القصر ويصفه بالرجعية والاستبداد، وفي 31 ديسمبر ،1930 أمرت المحكمة بحبس العقاد تسعة أشهر.. إذ »تيقنت المحكمة أن العقاد كان يقصد الملك بالحديث عن الرجعية، وأنه بذلك ارتكب جريمة العيب في الذات الملكية الرفيعة، فأسند إليها أموراً تظهر الملك بمظهر المعتدي علي حقوق الأمة«.
المؤرخ الكبير الراحل، يتابع فكرة العيب في ذات الحاكم عبر أمثلة عديدة منذ عهد عباس حلمي حتي اليوم، وينتصر لفكرة نقد الحاكم لا شتمه، والاعتراض عليه لا سبه، وهي مسألة لا أظن أن كثيرين يقدرون عليها، في مناخ اختلطت فيه المعايير وغامت الرؤي إلي حد التشويش.
..........................................
*الوفد ـ في 3/3/2008م.







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 18-12-2008, 02:21 AM   رقم المشاركة : 55
معلومات العضو
د. حسين علي محمد
أقلامي
 
إحصائية العضو







د. حسين علي محمد غير متصل


افتراضي رد: أوراق خضراء: مقالات مُختارة

( 47 ) قراءة في قصة «الحارس» لحسين علي محمد

بقلم: ثروت مكايد عبد الموجود*
................................

(1)
(نص القصة):
بعد عناء المحاولة في هذا القيظ .. عَدلتَ عن كتابة القصيدة، وصمّمت على أن تسهر مع أغنية أم كلثوم "أغار من نسمة الجنوبِ"!
الإذاعة مشغولة بمتابعة رحلة الرئيس السادات إلى القدس، وأبوك مضطر إلى أن يسهر الليلة لحراسة حديد البناء بعد أن ذاعت شائعات كثيرة عن وجود عصابات من الشباب العاطل تخصصت في سرقة مؤن البناء!
ماذا تصنع الآن؟ على فوّهة البركان جلست أنت والبنّاء (عبد الرحمن) تحرسان الغيم، وتنسجان الشباك للأحلام ..
"سناء" الحاصدة الأولى تعبر في منتصف الظهيرة .. تتوَكَّأ على عصا، فرجلها مكسورة منذ هبوطها ـ منذ عدة ليال ـ سلم بيتكم الطينيِّ في أطراف القرية.
أمشي في دروب صاعدة .. رائحة الروث تملأ المكان .. وسط فِخاخ سأتحرَّك .. عينا "إيمان" شقيقتي الصغرى ترانا من خلف الشيش .. عيناها تعكسان سرًّا صامتاً لا تُريد أن تبوحَ به.
يسرق "عبد الرحمن" الحديد، ويمضي، وأنت تستقبل أربع عيون لعصفورتين مائيتين (سناء، وإيمان). تُغادرك "إيمان" .. تُحدِّق في عيني سناء الممتنّتين .. وتمضي.
عيونكما الأربع تتحرّك في رعب بطيء.
يُطلُّ أبوك خارجاً من باب المسجد المقابل مرتدياً قميصه الكتانيَّ المزهَّر بالنيلة الزرقاء. ينظر إليكما عابساً، بينما سراديب الدهشة واللذة تُغلق أبوابها.

المساء 20/12/1997م.
...............................

(2)
(القراءة)
...........
**يترصّد القاص في قصة «الحارس» حركة بطله، ويرسم لنا صورة نابضة بالحياة؛ فهاهو ذا شاعر يجلس أمام أوراقه، والعرق يتصبب من جبهته، ثم يُلقي بتلك الأوراق، فالقصيدة تأبى أن تجيء..
لكن صبراً، ففي المساء وعلى صوت أم كلثوم، ستولد تلك القصيدة..
وفي هذا القيظ الذي لم يُسعفك، ولم تنجح فيه فإن السادات يزور القدس مادا يده بالسلام، أما والدك فمضطر للسهر كي يحرس حديد البناء الذي يسرقه العاطلون..
أنت والبناء عبد الرحمن..
لكن .. ماذا تفعل والأحلام كبيرة، وأنت فقير، وبيتك من الطوب اللبن على أطراف القرية..
وعينا «إيمان» شقيقتك عرفت سرا تتعذب به.. عرفت سرك أنت..
هذا الحارس.. والدك.. يخرج من باب المسجد مُقطباً، يحمل إرادة الإمساك باللص في الوقت الذي تيأس فيه من ولوج عالم الشعر بعد أن أُغلِقت سراديب الدهشة واللذة..
ولا تأتي زيارة «السادات» للقدس في القصة عبثاً.. فماذا يقصد القاص؟
ألمجرد أن يخبرنا بالزمن الذي حدثت فيه القصة؟
ربما.. لكن لا يمنع هذا أن نجد في القصة تفسيراً ما، لذكر تلك الزيارة..
فالبطل يُحاول كتابة قصيدة ويُجهد نفسه، لكنه لا يفلح في ذلك، وبدلاً من هذا يُخطط لسرقة حديد البناء الذي يعمل أبوه حارساً له..
وعبد الرحمن يسرق بمعونة البطل ذلك الحديد، ويبيعه.. وقد كثرت البطالة..
فالرئيس الراحل أنور السادات ـ رحمه الله ـ نظر إلى الحالة الاقتصادية للبلد، وأراد أن يُجنِّبها ويلات الحرب حتى يشتغل بالبناء والتعمير، وقد خبر الحرب وخاضها، بل وانتصر فيها..فهو حين يذهب ـ لصُنع السلام! ـ يذهب بعزة المنتصر.. وكان الرجل ـ عليه رحمة الله ـ صادقاً في هذا، غير أن تمنُّع الشعر، يوحي برفض المثقفين لهذه الزيارة، لكنهم إذ يرفضون ليسوا أسوياء، بل هم لصوص..
إنهم غير شرفاء، وفي هذا إدانة لرفضهم..
ولعل سبباً آخر قصده القاص، غير أننا لا نحوم في فضاء الاحتمالات دون دليل من النص نفسه. فعلى هدي النص يسير النقد..
ولِم لا نُبحر مع النص، لنرى لمَ جاء كاتبنا بخبر الزيارة في قصته تلك؟..
إن البطل شاعر.. والشعر وجدان.. وقد تأبّى الوجدان.. ففي هذا دلالة على رفض الوجدان الشعبي للزيارة، غير أن العقل يُقرر ما فيه المصلحة.. مصلحة هذا الوطن، ليبني نفسه، ويقويَ دعائمه..
نعم، لم يحدث شيء من هذا؛ فلمْ يبن الوطن نفسه، لأننا لم نستغل فترة السلم، كما لم نستغل دفعة نصر رمضان المجيد، فثلة المُنافقين كالغربان لا تحيا إلا مع الجِيَف.
***
في هذه القصة يبلغ القاص القمة في كل شيء.. وهي تعد نموذجاً للقصة القصيرة حيث حدة الوعي..
إنها لا تقل بحال عن «مارش الغروب» و«نظرة» ليوسف إدريس، بل تزيد عليها في حدة الوعي بحال المجتمع .. وتصل إلى أعمق أعماق النفس دون ضجيج..
لقد دفع المجتمع البطل لأن يعتلي فوهة بركان.. فالمجتمع مشغول عنه «بمتابعة رحلة الرئيس السادات إلى القدس».
مشغول بمتابعة السلطة..
مشغول بجانب واحد، بينما الكل في الظل..
ويزيد من حدة العزلة أن البطل مثقف..
إنه شاعر..
لكنه في مثل هذا الجو الذي لا يشعر فيه بوجوده.. ولا يشعر بأي اهتمام من المجتمع، فإنه لا يستطيع أن يُبدع، ومن ثم يصب غضبه على ذلك المجتمع العاق.. ذلك المجتمع الذي يكتم أنفاسه، ليخنقه..
ولكي يكون الغضب متوحشاً، فإنه يصبه على أقرب الناس.. على والده؛ فيسرق حديد البناء الذي يحرسه والده..
إنه لا يقوى على المواجهة في مثل هذا المجتمع المشغول عنه، لذا فهو ينتقم منه سرا..
***
واللغة في قصة «الحارس» مكثفة، ولا تستطيع أن تحذف جزءاً من القصة وإلا اختلّت، بل إنك في «الحارس» ـ مثلاً ـ لا تستطيع أن تحذف سطراً، أو حتى كلمة..
..................................
*ناقد، وروائي مصري.







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 18-12-2008, 02:22 AM   رقم المشاركة : 56
معلومات العضو
د. حسين علي محمد
أقلامي
 
إحصائية العضو







د. حسين علي محمد غير متصل


افتراضي رد: أوراق خضراء: مقالات مُختارة

(48) حوار مع روائي الإسكندرية محمد جبريل

حاوره: د. احمد زياد محبك - سورية
......................................

محمد جبريل روائي وقاص إسكندراني, عاشق للإسكندرية, منها يستمد معظم مواد رواياته, وعنها يكتب, كأنه نذر لها قلمه وحياته. هي في رواياته بريئة شفافة جميلة, أبطالها فيها يتحركون, وعبق بحرها ينتشر في كل الأنحاء. وهو كاتب صحفي, يشرف على القسم الأدبي في جريدة المساء, وله فيها زاوية يحررها كل يوم. وهو أخ كبير يلتقي مساء كل خميس مع ثلة من الأدباء الشباب في ركن جميل من مبنى نقابة الصحفيين بشارع عبد الخالق ثروة في قلب القاهرة, يستمع إليهم ويرعاهم ويشجعهم, وفي بيته العامر يستقبل الصحب والأصدقاء. وهو في كل آن وفي كل مكان سمح وكريم وطيب وبريء, يمزح كطفل, ويتكلم عن خبرة وثقافة وسعة اطلاع, ويتحدث بذكاء وبحس نقدي حصيف, تحس وأنت معه أنك أمام إنسان تعرفه منذ ألف عام, وأنه يعرفك ويحبك.
كنت التقيت الروائي محمد جبريل في ندوة عن الرواية عقدت في طرابلس بليبيا قبل ستة أعوام, ولم يكن لقاء عابراً, وأول قدومي إلى القاهرة صيف عام 2002 اتصلت به فأسرع إلى زيارتي في شقتي المستأجرة بالقاهرة هو وزوجته الأديبة الناقدة السيدة زينب العسال.
وفي صيف القاهرة الجميل كان هذا اللقاء...
* في السؤال الأول صدمة وإدهاش, وسيتقبله مني الأستاذ محمد جبريل بحب, والسؤال: أنت متهم بغزارة الإنتاج, فهل هذا صحيح, وما معنى الغزارة عندك? وكيف تحققت? وهل فيها تنوع في المواقف والرؤى والأساليب والأنواع?
- الغريب أن الذين يوجهون هذا الاتهام هم من أبناء جيلي. وجه الغرابة أن ما أصدرته المطابع لهم يفوق - من حيث الكم - كل ما أصدرته لي. والحق أني اعتبر القيمة الفنية والموضوعية هي المقياس الوحيد للعمل الإبداعي, بصرف النظر عن غزارته أم قلته. فقد صدر للصديق صنع الله إبراهيم من الروايات - على سبيل المثال - ما لا يجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. بينما صدر لأستاذنا نجيب محفوظ ما يزيد على الأربعين رواية.. لكن إبداع كل من صنع الله ومحفوظ يلتقي في القيمة الفنية المؤكدة. ولا أريد أن اضرب أمثلة أخرى حتى لا اتهم بالمجاملة أو بالتجني, وان سهل علينا التعرف على عشرات الأمثلة.
إن محاسبة أي مبدع يجب أن تتجه لقيمة ما يكتبه وليس لكم ما يكتبه. وأصارحك بأن ما يشغلني من إبداعات أتوق لكتابتها يفوق كل ما صدر لي حتى الآن, فضلاً عن أن جهاز الحاسوب عندي - وليواصل أصحاب الاتهام عجبهم! - يضم تسع روايات أنهيتها وتنتظر الموعد المناسب لنشرها, إلى جانب الكثير من القصص القصيرة والمقالات التي يسميها البعض نقداً, واسميها قراءة إيجابية.
وبالنسبة لبقية السؤال فإني أكتفي بالإشارة إلى بعض ملامح مشروعي الإبداعي مثل عفوية الكتابة الإبداعية, ووجوب أن يعبر مجموع المبدع عن رؤية شاملة, أو فلسفة حياتية, تتضمن مواقفه في المجتمع والسياسة والميتافيزيقا وعلم الجمال, وكل ما يستند إلى موهبة الأديب, وثقافته وخبراته وتجاربه.
ولعله يجدر بي أن أشير إلى عامل مهم, لا يفطن إليه رواد مقاهي وسط البلد وهواة الثرثرة ودعاة قتل الوقت, في حين أن الوقت هو الذي يقتلنا...
إني أؤمن بجدوى النظام. انه يكفل مضاعفة الوقت, وإنجاز ما يصعب إنجازه في الفوضى والتكاسل, وإرجاء ما ينبغي التوفر على إتمامه.
*أنت صحفي, عملت في الصحافة طوال عمرك, وقد أخذت منك ثماني سنوات ونصف من التفرغ لها في عُمان, حيث أشرفت على صحيفة «الوطن», فكيف وفقت بين الصحافة والإبداع? وما أثر الصحافة في كتابتك وحياتك?
- سئل ارسكين كالدويل: هل العمل في الصحافة يساعد أو يعوق كتابة القصة القصيرة?... أجاب: لا أعرف شخصاً واحداً اضرّ به التمرين على الكتابة من أي نوع. إن الصحافة, فضلاً على أنها تفيد في التمرين الدائب على الكتابة, فإنها تساعد أيضاً على تكوين عادة الكتابة كل يوم. إن انتظار الوحي عذر قلّما تجده لدى المؤلفين الذين تمرسوا بالصحافة. وحتى الآن, فإن جارثيا ماركيث يحرص على العمل في الصحافة, ذلك لأن الصحافة - في تقديره - تحميه, وتحرسه, وتجعله متصلاً بالعالم الحقيقي. كانت الخبرات الصحفية - باعتراف ماركيث - وراء العديد من أعماله الروائية, مثل قصة غريق, حكاية موت معلن, نبأ اختطاف. بل إن رائعته «خريف البطريرك» استلهمها من تغطيته لوقائع محاكمة شعبية لجنرال أمريكي لاتيني اتهم في جرائم حرب...
لقد تبلورت خططي القريبة في ضرورة أن أظل في عملي بالصحافة, باعتبارها المهنة الأقرب إلى الكتابة الأدبية, وان احصل منها على مورد يتيح لي تلبية احتياجات العيش, فلا أنشغل بأعمال أخرى تنتسب إلى الكتابة, لكنها قد تصرفني عن القراءة والكتابة, وأن ألزم نفسي بنظام - مثلي فيه أستاذنا نجيب محفوظ - يحرص على الجهد والوقت. وأخيراً, أن يكون لي بيت زوجية, فلا تواجه مشاعري العاطفية ولا الحسية ما يمكن أن اسميه بالتسيب.
أذكر أني مارست في العمل الصحفي جميع أنواع الكتابة, كتبت الخبر والتحقيق والمقال والدراسة. أهب كل نوع ما يحتاجه من مفردات لغوية وصياغة وتقنية, باعتبار القارئ الذي أتجه إليه في ما أكتب. وبالتأكيد, فإن كاتب التحقيق الصحفي يختلف عن كاتب المقال الأدبي, واللغة القصصية تختلف عن لغة الصحافة. يسرت لي الصحافة سبل اقتناء الكتب التي تعجز مواردي عن شرائها جميعاً. فأنا اكتب في صفحة أدبية. في هذه الصفحة باب للكتب, فأنا اكتب عن كل كتاب يهديه صاحبه - أو ناشره - للجريدة, ثم أحتفظ به لنفسي, وأتاحت لي الصحافة مجالات ربما لم اكن أستطيع أن اقترب منها في الوظيفة العادية. سافرت إلى مدن وقرى داخل مصر وخارجها, والتقيت بشخصيات تمتد من قاعدة الهرم الاجتماعي إلى قمته, وبثقافات متباينة, وان لم يتح لي عملي في الصحافة امتيازاً من أي نوع. كانت جيرتي للشيخ بيصار شيخ الأزهر الأسبق, ولوزير سابق لا اذكر اسمه, مبعث اعتزازي بأني أجاور ناساً مهمين في غياب أصدقاء من السلطة. وحتى لا أبدو في موضع سيئ الحظ, فإني اعترف بحرصي على الوقوف في الطابور, فضلاً عن عدم ميلي إلى مصادقة السلطة, حتى لو تمثلت في اكتفائي باجترار صداقات أتيح لطرفها المقابل بلوغ مراكز متفوقة في السلطة. وكان عملي الصحفي, الحياة في الصحافة, الأحداث والشخصيات التي تعرفت - بواسطتها - إليها, وراء العديد من أعمالي الروائية, بداية من الأسوار - روايتي الأولى - وانتهاء بأحدث ما كتبت شمس مسقط الباردة, مروراً بالنظر إلى أسفل، وبوح الأسرار، والخليج ... وغيرها. بل إن الصحفي هو الشخصية الرئيسة في هذه الأعمال.
ولكن من المهم أن أشير إلى أن الصحافة قد ترضى بالكاتب قاصاً أو روائياً أو شاعراً في بعض الأحيان, لكنها تريده صحفياً في كل الأحيان. إنها تريده كاتب مقال أو تحقيق أو خبر الخ.. مما يتفق وطبيعة العمل الصحفي الذي يعد الأدب - في تقدير القيادات الصحفية - جزءاً هامشياً فيه. أُصارحك بأني نشرت روايتي "قلعة الجبل" في الجريدة التي أعمل بها. نقلت المسودات على الآلة الكاتبة, وصورتها, ونشرتها في جريدتي, فلم أتقاض في ذلك كله مليماً واحداً, في حين أن الزميل الذي يسبق الآخرين بخبر في بضعة اسطر, يتقاضى مكافأة تبلغ عشرات الجنيهات!.. وهذا كله يعد انعكاساً واضحاً, ومفزعاً, للنظرة إلى العمل الأدبي, وقيمته ضمن مواد العمل الصحفي.
الفن - الرواية والقصة على وجه التحديد - عالمي الذي أوثره بكل الود. أتمنى أن اخلص لهما - تجربة وقراءة ومحاولات للإبداع - دون أن تشغلني اهتمامات مغايرة. لكن الإبداع في بلادنا لا يؤكل عيشاً. ربما أتاحت رواية وحيدة في الغرب لكاتبها أن يقضي بقية حياته "مستوراً", أن يسافر ويعايش ويتأمل ويقرأ ويخلو إلى قلمه وأوراقه دون خشية من الغد, وما يضمره من احتمالات, لكن المقابل المحدد والمحدود الذي يتقاضاه المبدع في بلادنا ثمنا لعمله الأدبي يجعل التفرغ فنياً أمنية مستحيلة!!.. من هنا كان اختياري - الأدق: لجوئي - إلى الصحافة, فهي الأقرب إلى قدرات الأديب واهتماماته, وهمومه أيضاً.
ولعلي اذكر قول المازني لأحد الأدباء الذين عابوا عليه وفرة كتاباته: "ستقول إن المازني كان بالأمس خيراً منه اليوم, وانه ترك زمرة الأدباء, وانضم إلى زمرة الصحفيين, وانه يكتب في كل مكان, ويكتب في كل شيء, حتى اصبح تاجر مقالات, تهمّه ملاحقة السوق اكثر مما تهمّه جودة البضاعة.. أليس كذلك? ولكن لا تنس أن الأديب في بلدكم جبر على أن يسلك هذا السبيل ليكسب عيشه وعيش أولاده, وليستطيع أن يحيا حياة كريمة تشعره بأنه إنسان".
لذلك منيت النفس وأنا ارحب - متحسراً - بالسفر إلى سلطنة عُمان للإشراف على إصدار جريدة أسبوعية - تحولت إلى يومية فيما بعد - بأن أدّخر في الغربة ما يعينني على الإخلاص للفن وحده, لكن الأمنية ظلت في إطارها, لا تجاوزه. وكان لا بد أن اكتب في موضوعات تقترب من الفن أو تبعد عنه. وحتى لا افقد ذاتي في سراديب مجهولة النهاية, فقد فضلت أن تكون محاولاتي أقرب إلى ما يشغلني في الفن, وفي الحياة عموماً. وبصوت هامس ما أمكن فإن مصر - الموطن واللحظة والماضي والمستقبل - هي الشخصية الأهم في كل محاولاتي الإبداعية. ذلك ما احرص عليه, وما لاحظه حتى القارئ العادي. تعمدت أن تكون مصر: تاريخها, وطبيعتها, وناسها, ومعاناتها, وطموحاتها, نبض كتاباتي جميعاً. ما اتصل منها بالصحافة, وما لم يتصل, ما اقترب من الأدب وما لم يقترب. وكانت حصيلة ذلك كله - كما تعرف - عشرات الدراسات والمقالات التي تتناول شؤوناً وشجوناً مصرية بدءاً من كتابي "مصر في قصص كتابها المعاصرين" مروراً بـ"مصر من يريدها بسوء" و"قراءة في شخصيات مصرية" و"مصر المكان" إلخ... وانتهاء بما قد يسعفني العمر بإنجازه.
* أنت مثقف واسع الاطلاع, تشهد على ذلك مؤلفاتك النقدية, فقد كتبت عن مصر في قصص كتابها المعاصرين, ونلت عن هذا المؤلف جائزة الدولة التشجيعية عام 1975 كما وضعت كتاباً عن نجيب محفوظ, فما دافعك إلى الكتابة النقدية? وما جدواها بالنسبة إليك وأنت الكاتب الروائي? وما أثرها في إبداعك الروائي?
- ثمة حقيقة يجب أن نتفق عليها, هي أن النقد الذي يقيس الزوايا والأبعاد, ثم يصدر أحكاماً, ويدلل عليها, ليس محتوى كتاباتي التي تختلف عن إبداعاتي في الرواية والقصة القصيرة ولا غايتها. أنا لا اتخذ موقف الناقد الذي وصفه تشيكوف بأنه أشبه بذباب الخيل الذي يعرقلها في أثناء حرثها للأرض. إن الآراء التي أتوصل إليها, هي من قبيل الاجتهادات الشخصية التي ربما كانت أخطاء محضة.
القراءة حرفتي وهوايتي. وأنا اعتمد في قراءتي للكتاب أن أثبت أهم المعلومات التي يشتمل عليها, وآرائي في موضوعاته, وأضيف إليها حصيلة مناقشات مع صاحب الكتاب نفسه, سواء في موضوع الكتاب, أم في موضوعات يطرحها النقاش, ويتكون من ذلك بطاقات تكفي لإعداد كتاب, أقبل على تأليفه بروح المبدع وليس الناقد. ومنذ سنوات بعيدة, تحدد عالمي في جدران مكتبي. افرغ للقراءة بامتداد ساعات الصحو, والكتابة الإبداعية يصعب - إن لم يكن من المستحيل - أن تكون نبض عمل أيام متتالية. إنها تهد الحيل, تجعلك في لحظات الإبداع, وربما قبلها أو بعدها, كأنك لست أنت, كأنك أثقلت بما لا تقوى على حمله.
* ما رؤيتك للرواية? وما مشروعك الروائي? هل ثمة تصور لديك عن العالم? أو فلسفة ما تدافع عنها أو تدعو إليها? وما صلة ذلك بحياتك الشخصية?
- ما يغيب عن معظم إبداعنا العربي, وأتصور أنه لا بد أن يكون بعداً أساسياً في أي عمل روائي أو قصصي, هو فلسفة الحياة. والفلسفة التي أعنيها هي الرؤية الشاملة وليست الميتافيزيقيا وحدها. الميتافيزيقا بعد مهم, لكنها جزء من أبعاد الحياة الإنسانية جميعاً. تقول سيمون دي بوفوار "إن الرواية الفلسفية إذا ما قرئت بشرف, وكتبت بشرف, أتت بكشف للوجود لا يمكن لأي نمط آخر في التعبير أن يكون معادلاً له. إنها هي وحدها التي تنجح في إحياء ذلك المصير الذي هو مصيرنا والمدون في الزمن والأبدية في آن واحد, بكل ما فيه من وحدة حية وتناقض جوهري" ومع ذلك فإن الرواية التي أعنيها هي التي تعبر عن فلسفة الحياة, وليست الفلسفة بالمعنى الميتافيزيقي.
إن الأدب غير الفلسفة, لكنه - في الوقت نفسه - تصور للعالم, يرتكز إلى درجة من الوعي وإن صدر عن العقل والخيال والعاطفة والحواس.. طريقة الفيلسوف هي التنظير والتحليل والإقناع والصدور عن العقل, والاتجاه كذلك إلى العقل. أما طريقة الأديب فهي العاطفة والخيال والحواس, والصدور عن ذلك كله إلى المقابل في الآخرين من خلال أدوات يمتلكها الأديب, وتتعدد مسمياتها, كالتكنيك والتنامي الدرامي والحوار واللغة الموحية وإثارة الخيال, إلخ...
والحق انه ما من إبداع حقيقي يمكن أن يخلو - بدرجة ما - من فلسفة ما, وإن عاد الأمر - في الدرجة الأولى - إلى مدى قدرة المبدع في بث الحياة عبر شرايين الفكرة الفلسفية المجردة. وكما يقول شكسبير فليس المهم هو الأشياء, المهم وجهة نظرنا عن الأشياء. وأذكر بقول تين في كتابة الأشهر "تاريخ الأدب الإنجليزي": «إن وراء كل أدب فلسفة».
وطبيعي أن نظرة الكاتب إلى الهموم التي تشغله, موقفه الكامل منها, يصعب أن تعبر عنه قصة واحدة أو قصتان, لكننا نستطيع أن نجد بانورامية نظرة الفنان في مجموع أعماله, وفي كتاباته وحواراته التي تناقش تلك الأعمال. أعمال كاتب ما يجب أن تشكل وحدة عضوية ترتبط جزئياتها بأكثر من وشيجة, لأن رؤية الفنان لقضايا الإنسان الأساسية تبين عن ملامحها في ثنايا أعماله. التجربة الإبداعية - على تنوعها - تخضع لوجهة نظر شاملة, لفلسفة حياة تحاول التكامل, وإن استخدمت في كل عمل ما يناسبه من تقنية, والقارئ المتأمل يستطيع أن يتعرف إلى المبدع, في مجموع ما كتب.
إن الأدب هو الأسبق دائماً في النظرة, في محاولة استشراف آفاق المستقبل. إنه يسبق في ذلك حتى العلم نفسه. وكما يقول كافكا: "فإن رسالة الكاتب هي أن يحول كل ما هو معزول ومحكوم عليه بالموت إلى حياة لا نهائية. ان يحول ما هو مجرد مصادفة إلى ما هو متفق مع القانون العام. إن رسالة الكاتب نبوية". كانت القيمة الأهم لإبداعات تولستوي هي الترديد المستمر للأفكار العامة, للنظرة الشاملة, لفلسفة الحياة, في مجموع تلك الأعمال. وكان ذلك هو الذي أعطى أعمال تولستوي - كما يقول ادينكوف - تكاملاً وتماسكاً داخلياً. وكما يقول تولستوي, فإن الكاتب الذي لا يمتلك نظرة واضحة, محددة وجديدة للعالم, ويعتقد أن ذلك بلا ضرورة, لن يستطيع تقديم عمل فني حقيقي. أما همنجواي فقد تمحورت رؤيته الحياتية في أن العالم قادر على تحطيم أي إنسان, لكن كثيرين يستعيدون قواهم, وينهضون. والإنسان - في فلسفة كامي الحياتية - يكتشف عبثية الحياة, لا معقوليتها, وليس بوسعه إلا أن يتحدى كل شيء في هذا العالم. وباختصار, فإنه لكي يحيا الإنسان يجب عليه أن يبقي على شعور العبث في داخله كي يستمد منه طاقة التحدي اللازمة. والأمثلة كثيرة.
* للإسكندرية مكانة في نفسك وفي رواياتك, فما سر هذا العشق للمكان والإنسان في الإسكندرية? ما رأيك بالإسكندرية نفسها ماضياً وحاضراً? هل هي لديك ماض أو حاضر أو مستقبل.
- حي بحري بالإسكندرية - السيالة والانفوشي ورأس التين - هو الموطن الذي شهد طفولتي ونشأتي, وهو المكان الذي تمنيت أن اكتب عنه, بكل ما يشتمل عليه من تمايز في خصائص الحياة وسلوكياتها.
إن صورة الحياة في الأحياء الشعبية في الإسكندرية لا تختلف كثيراً عن صورة الحياة في الأحياء الشعبية في القاهرة والمدن المصرية الأخرى .. لكن السمة الأهم لصورة الحياة في بحري هي الصلة بين اليابسة والبحر.. البحر بكل ما يمثله من حكايات البحر والصيادين والنوات والسفر إلى الموانئ القريبة والبعيدة.. واليابسة بكل ما تمثله من اعتماد على الحياة في البحر, بداية من حلقة السمك, وتواصلاً مع غلبة الروحانية, والإيمان ببركات الأولياء, والحياة من رزق البحر سواء ببيع السمك, أو العمل على السفن الصغيرة والبواخر الضخمة.
على اليابسة مجتمع بحر بكل ما تعنيه الكلمة. ثمة صيادون وعمال في الميناء وبحارة وموظفون وشركات للملاحة والتصدير والاستيراد.
حي بحري هو اصل الإسكندرية. هو راقودة, وفاروس, والمساحة من الأرض التي تشكلت منها - قبل التاريخ المكتوب - مدينة الإسكندرية الحالية.
وإذا كان الاسكندر المقدوني قد أطلق اسمه على المدينة القديمة, فإن ذلك لا يعني غياب الحياة عن المدينة قبل أن يصل إليها, ويأمر مهندسه دينوقراطيس بالقول: أريد أن ابني عاصمة ملكي هنا! أراد أن يبني عاصمة ملكه في موقع مدينة كانت قائمة بالفعل, وإن أتاح لها التخطيط أن تتسع, وتتطور, وتصبح عاصمة العالم القديم.
أزور بحري بين كل فترة قصيرة وأخرى: المرسي أبو العباس وياقوت العرش والبوصيري وحلقة السمك وورش المراكب ومرسى الميناء الشرقية وقلعة قايتباي والميادين والشوارع والأزقة التي تصنع جواً يفيض بالروحانية, من خلال الجوامع الكثيرة, ومظاهر الحياة الدينية بعامة.. ويفيض كذلك بالحس الشعبي الذي ظل على تماسكه, وعلى معتقداته وتقاليده, وبالذات في العقود التي دانت فيها المدينة لسطوة الأجانب, فتحولت إلى مدينة كوزموبوليتية بمئات الألوف من الأجانب, بينما افتقد العنصر الوطني انتماءه إلى مدينته.
* لك موقعك المتميز في خريطة الرواية العربية, وأنت تعرفه من غير شك, فما رؤيتك للواقع الروائي في مصر وفي الوطن العربي? وما تصورك لمستقبل الرواية? وكيف يمكن أن تتجه وإلى أين يمكن أن تسير? ولا سيما في ضوء الروايات الجديدة كالرواية التاريخية ورواية الحداثة وما بعد الحداثة?
-أشكرك على رأيك في شخصي الضعيف, ورأيي أن الرواية تشهد الآن ازدهاراً ملحوظاً على مستوى العالم العربي. ولا أكون مغالياً لو قلت إن المكانة التي تحتلها الآن رواية أمريكا اللاتينية تستحقها الرواية العربية كذلك. إنها إبداع متفوق بكل المقاييس. وحين نال نجيب محفوظ جائزة نوبل فهو لم يكن - كما ادعت مستشرقة إسبانية - واحة في صحراء مجدبة, إنما هو مبدع كبير ضمن حركة إبداعية خصبة ومثمرة, متصلة الحلقات والأجيال, تجد بدايتها في قصة الأخوين الفرعونية - أول قصة في التاريخ - تتواصل مع عشرات المعطيات في التراث العربي, وحتى زمننا الحالي الذي يطلق عليه البعض تسمية زمن الرواية. وظني أن هذا الازدهار الذي تحياه الرواية سيظل صورة المستقبل. دليلي أن الرواية هي الجنس الأوفر حظاً في إبداعات الأجيال الحالية المختلفة. وقد طالعتنا - في الأعوام الأخيرة - أعمال روائية كتبها شعراء ونقاد وفنانون تشكيليون.
أكرر: إن إبداعنا الحديث يتوازى في القيمة مع إبداعات أمريكا اللاتينية, وهي الإبداعات التي تحتل الآن موضع الصدارة في الأدب العالمي. المشكلة ليست في القيمة, لكنها في الثقة بالذات, وفي الاستراتيجية التي تحرص على تصدير - ومعذرة لرداءة التعبير - الأفضل والأصلح, وليس إبداع التربيطات والمجاملات والشللية.
* لقد حققت الرواية العربية حضوراً واضحاً, في معظم أقطار الوطن العربي, وقدمت تقنيات فنية متطورة, كما واكبت تطور الواقع العربي, فهل يمكن أن تصل الرواية العربية إلى مستوى العالمية? وأين يمكن أن تضع الرواية العربية في خريطة الرواية العالمية?
- بالمناسبة: متى, وكيف, يكون للإنتاج الثقافي العربي موقعه المتميز على خريطة الإنتاج الثقافي العالمي? للأسف, نحن نقصر الإبداع العالمي على ما تنتجه أوروبا والولايات المتحدة. والصورة الحقيقية تختلف عن ذلك تماماً. إن الإبداع العالمي في أعلى مستوياته نتابعه في إبداعات أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا, وفي شرقنا العربي.. لكننا - كما أشرت - ندين بأحادية النظرة. ما يأتي من الغرب وحده هو الذي يسر القلب. وقد استطاعت أمريكا اللاتينية أن تتخلص من طغيان المنتج الثقافي الأمريكي, ليس في الرواية والقصة القصيرة فحسب, وإنما في السينما والمسرح والفن التشكيلي وغيرها من الأجناس الأدبية.
البعض يؤثر الاتكال على منجزات الثقافة الغربية باعتبارها التعبير الصحيح عن الثقافة العالمية بعامة. في إهمال - عفوي أو متعمد - لثقافات أكثر تفوقاً, وأكثر تعبيراً عن الهم الإنساني في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا, فضلاً عن ثقافة المنطقة العربية بل ما يميزها من خصائص, وهي تؤثر في الثقافات الأخرى وتتأثر بها, ليشكل مجموع الثقافات ما يمكن تسميته بالثقافة العالمية. واعتبار الثقافة الغربية هي الثقافة العالمية خطأ معيب, نملك تصويبه بالترجمة عن آداب العالم دون لغة وسيطة, والتعرف على فنون العالم وفكره وإبداعاته, فلا يقتصر ذلك على لغة بالذات, ولا مناطق في العالم بعينها. وفي المقابل, فإن منتجنا الثقافي يجب أن يتجه إلى كل العالم باعتباره تعبيراً عن ثقافة مميزة, هي جزء من الثقافة العالمية ككل.
الثقة بالذات, والإبداع الذي يصدر عن الذات والذي يستند إلى التراث, ويفيد من تيارات العصر, هو تجربتنا المطلوبة, الوحيدة.
وان يكون للإنتاج الثقافي العربي موقع متميز على خريطة الإنتاج الثقافي العالمي, فهذا هو ما يطمح إليه كل المبدعين والمثقفين العرب. وهو طموح ينطلق من مشروعية مؤكدة.
والحق أن موضع الإبداعات العربية على خريطة الثقافة العالمية لا يجاوز بالنسبة للمبدعين العرب - حتى الآن - الطموح أو الأمنية. أما الموضع الفعلي, المكانة التي يستحقها بالفعل, فذلك ما يخضع لاعتبارات عديدة, في مقدمتها الاعتبارات السياسية, بحيث يمكن القول - ببساطة - أن الخريطة الإبداعية العالمية تحتاج إلى مراجعة شديدة, تحرص على التأمل والمناقشة, ومحاولة التوصل إلى الصورة الصادقة.
* الرواية العربية هي بشكل ما تعبير عن الواقع العربي, وهو واقع مؤلم, يعاني من إحباطات كبيرة وكثيرة, ومن توقعات إجهاض حضاري ومعرفي, فما رؤيتك للواقع العربي وللمستقبل العربي, وأنت من مثقفي العصر وشاهد عليه? هل تحلم مثلاً بكتابة رواية تعبر عن هذه الرؤية المستقبلية?
- من الأعمال التي أتممت كتابتها رواية عن أعوام الوحدة بين مصر وسورية من خلال بنسيون يسكن فيه طلبة من أقطار عربية مختلفة. لقد حاولت فيها أن أُعبِّـر عن رؤيتي لأحوال امتنا العربية, من خلال رؤية لا تنظر إلى الكوب نصف الممتلئ, ولا الكوب نصف الفارغ, إنما هي رؤية تستند إلى معايشة حقيقية ومتابعة. والمقولة التي ربما تعبر عنها هذه الرواية أن مشكلة الوطن العربي هي عدم المشاركة السياسية من مواطنيه, ومثقفيه بخاصة, مما يفضي إلى غياب الانتماء والمثل الأعلى والمشاركة, وغلبة الإحساس الفردي أو الإحساس القبلي الذي لا يطمئن إلى القومية, وتحول الديمقراطية إلى أمنية نتحدث عن تطلعنا إليها, لكن الطريق الحقيقية إليها مسدودة بالعديد من العوائق, وجميعها من صنع الحكام, ولا أزيد حتى لا يدفع السائل ثمن صراحتي.
إن مشاركة المواطن في صياغة واقع وطنه ومستقبله, سيبدل الصورة تماماً, بحيث يصبح المواطن مواطناً وليس رعية!
* ما رأيك في المعوقات التي يواجهها الكتاب العربي, ووسائل انتقاله بين أقطار الوطن العربي المختلفة?
- المعوقات كثيرة, أهمها غياب الديمقراطية والحرية وغيرها من الأبعاد التي تعد ضرورة للإبداع. ثم الخلط بين الثقافة والإعلام, وربما الإعلان, والنظرة المتدنية إلى الكلمة قياساً إلى الوسائل الأدائية الأخرى. ولعلي أشير إلى اللا مقابل الذي يتقاضاه المثقف المتحدث في وسائل الإعلام, يتقاضى هو هذا المقابل. فضلاً عن وجوب تحرير قوانين النشر والاستيراد والتصدير من كل المعوقات التي تواجهها صناعة الثقافة, بينما يتقاضى معلق كرة القدم في مباراة واحدة بضعة آلاف من الجنيهات. كذلك فإن النظرة إلى الكتّاب يجب أن تتبدل تماماً, بحيث تنعكس تلك النظرة على قوانين النشر والتصدير, فلا يدفع المبدع مقابلاً لنشر كتبه, بدلاً من أن يتقاضى ثمن الكتاب.
* للمرأة مكانة متميزة في رواياتك, وفي حياتك, ونخص بالذكر الزوجة الوفية السيدة زينب العسال, وهي أديبة وناقدة وباحثة, لها حضورها في الساحة الأدبية, فما دور السيدة زينب العسال في حياتك وفي أدبك? وما دورك أيضاً في أدبها وحياتها?
- لزينب العسال في حياتي أدوار متعددة, فهي صديقة وزوجة وناقدة لأعمالي قبل أن ادفع بها إلى المطبعة, ولأنها أخذت نفسها بصرامة من حيث الدراسة والممارسة, فنالت العديد من الدبلومات, كما حصلت على درجة الماجستير, وتعد الآن رسالة الدكتوراه, ونشرت العديد من الدراسات في الصحف والدوريات. لذلك كله فإني لم أعد أتابع زينب في المؤتمرات والندوات التي تشارك فيها. غاب قلق الأعوام الأولى, وتحريضي لها على أن تصبح واحدة من أهم ناقداتنا, فذلك ما حدث بالفعل.
إن دوري في حياة زينب العسال الآن يقتصر على قراءة ما تكتبه, وإبداء الملاحظات التي لا ألح في أن تعمل بها, فمن المهم أن تكون لها وجهة نظر, وأن تعبر عنها, وأن تحتمل - في الوقت نفسه - نتائج ما تكتب!
* في نهاية هذا الحوار أود أن أسألك: وماذا تقول للشباب? جل المستقبل وحاملي الأمانة, والأمل?
- ماذا أقول للشباب? أترك لك الرد على هذا السؤال, فقد رأيت ندوتي الأسبوعية في مقر نقابة الصحفيين, وشاركت فيها, ولك فيها رأي.
(يسعدني أن أقدم شهادتي في ندوتك, فقد رأيتك ترعى الأدباء الشباب وتشجعهم وتصغي إليهم باهتمام كبير, وتترك لهم حرية التعبير والنقد, ضمن معايير الاحترام والتهذيب والتقدير, ورأيت لديهم حساً نقدياً متطوراً فهم يدركون مسؤولية الأديب عن التجديد ومواكبة العصر في التقنية والبناء وفي الهموم والمشكلات, ويرفضون الاجترار والتقليد, وأنت تشجعهم وتؤديهم, ولا تصادر آراءهم, ولمست لديهم عطاء إبداعياً يرقى في كثير من الحالات إلى مستوى رفيع جدير بالاهتمام, ومما لا شك فيه أن أسماء لامعة لأدباء سوف تظهر من خلال ندوتك, إن لم يكن بعضها قد ظهر فعلاً وحقق حضوره الأدبي المتميز, ولا شك في أنك تقول للشباب أهلاً بكم وأنا معكم والمستقبل لكم, ولكنك أذهلتني, فقد حولتني في النهاية من سائل إلى مجيب, ومن محاور إلى متحدث).
عناوين فرعية
القيمة الفنية والموضوعية هي المقياس الوحيد للعمل الإبداعي بصرف النظر عن غزارته أو قلته
لقد تبلورت خططي القريبة في ضرورة أن أظل في عملي بالصحافة باعتبارها المهنة الأقرب إلى الكتابة الأدبية
أنا لا اتخذ موقف الناقد الذي وصفه تشيكوف بأنه أشبه بذباب الخيل الذي يعرقلها أثناء حرثها للأرض
الرواية العربية تشهد الآن ازدهاراً ملحوظاً على مستوى العالم العربي.. إنها إبداع متفوق بكل المقاييس
...............................
نقلاً عن موقع «عمَّـان» الإليكتروني .







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 18-12-2008, 02:24 AM   رقم المشاركة : 57
معلومات العضو
د. حسين علي محمد
أقلامي
 
إحصائية العضو







د. حسين علي محمد غير متصل


افتراضي رد: أوراق خضراء: مقالات مُختارة

(49) أثر المرأة في حياتي وفي أعمالي

بقلم: محمد جبريل
..................

المرأة في حياة المبدع- والإنسان بعامة- هي الأم والزوجة والابنة. تتداخل الشخصيات والمواقف والأحداث، فيسقط الغربال كل شئ، ما عدا الشخصيات الثلاث المؤثرة، التي تمثل بعداً ثابتاً، ليس في مجرد ذكريات المرء، وإنما في تكوينه المعرفي والنفسي، وفي نظرته إلى الأمور.
وعدت القارئ في سيرتي الذاتية "حكايات عن جزيرة فاروس" بأن يقتصر ما أذكره من الأعوام القليلة التي أمضتها أمي في حياتنا، على بعض الصور، أو الومضات السريعة. رحلت أمي قبل أن أبلغ العاشرة، فتصورت أن ما أذكره لن يجاوز تلك الفترة الباكرة من حياتي. فضلاً عن غياب الوعي بصورة كاملة، أو جزئية، في الأعوام الأولى منها. لكن الذكريات التي كانت مطمورة، ما لبثت أن استردتها الكتابة، وهو ما سجلته في "مد الموج" و"الحياة ثانية" و "أغنيات"، وفي العديد من أعمالي الروائية والقصصية.
رحيل أمي
ولعل رحيل أمي هو أول ما أذكره من أيامها بيننا. أشرت إليه في العديد من لوحات السيرة الذاتية، والقصص القصيرة، وفي فصول سيرتي الذاتية. قالت الجدة في شقة الطابق الرابع، إنها كانت تجلس بجوار أمي، تعودها، لما انتفضت أمي- فجأة- وأشارت إلى ما لم تتبينه العجوز، وهتفت: أبعدوه من هنا!. ثم سكت صوتها، وجسدها. أمرني أبي بالنزول إلى الطبيب الأرمني في الطابق الأول. صعد الطبيب السلم بخطوات متباطئة. وكان يقف، في كل طابق، أمام النافذة المطلة على الشارع الخلفي، ربما ليأخذ أنفاسه. وكنت أدعوه- بيني وبين نفسي- إلى الإسراع في الصعود، كي ينقذ أمي.
أطال الطبيب تأمل الجسد الساكن. كانت العينان جاحظتين، والبطن منتفخاً بصورة ملحوظة، والجسد بكامله متصلباً، كأنه وضع في قالب. مال الرجل على صدر أمي، وباعد بإصبعيه بين الجفنين، وضغط بقبضة يده على البطن المنتفخة، ثم هز رأسه في أسى: ماتت!
كانت أمي مثلاً للحنان والقسوة في آن. تثيب للفعل الطيب، وتعاقب للخطأ التافه، أو الذي أتصوره تافهاً. كانت- كما رويت لك في مد الموج- تصر على أن نذاكر حتى موعد النوم، وترفض نزولنا للعب في الشارع الخلفي، لكنها كانت تحرص على أن نجلس بجوار الراديو لسماع بابا صادق، ثم بابا شارع، في موعد برنامج الأطفال. ووافقت على اقتراح أخي الأكبر بأن نشتري قطع "جاتوه" بنقود "العيدية" التي أعطاها لنا خالي، ووضعتها أمي في درج "الكومودينو". وقالت أمي: هل أذنت لكم؟ قال أخي: إنها فلوسنا. ألقت على الأرض ما كانت تحمله، وسحبت من فوق الدولاب حبلاً كانت تخصصه لعقابنا. لفته حول أقدامنا، وتوالت ضرباتها بالشماعة حتى أجهدها التعب.
ويوماً، شارك فيه أخي أبناء الجيران معاكساتهم لعم سيد ساكن الشقة العلوية: "يا راجل يا عجوز.. مناخيرك قد الكوز!". ومع إني عزفت عن المشاركة- ربما لأني كنت أتوقع عقاب أمي- فقد شكا الرجل الطيب لأمي "أولادها". وبهمة غير منكورة، قيدت سيقاننا- أخي وأنا- بحبل واحد، ثم انهالت بعصا "التنفيض"، لا تأبه بتوسلاتنا ولا صرخاتنا، حتى أنقذنا- باستثارة أمومتها- جارنا الأعز "عبده فرج الصبروتي".
ابنتي الوحيدة
ماتت أمي، وكبرت أنا، وتزوجت، وأنجبت. وكان من الطبيعي أن تعود الذكريات، وتنشأ المقارنة، وتتضح معان كانت غائبة، من بينها إشفاق الأبوين على مستقبل أبنائهما، والفاروق بين التدليل والإفساد، والتعويد على الحياة السهلة، أو تلك التي تحرص على القيم. كان الإشفاق والحنان والخشية من الانحراف، هو الباعث وراء الإيذاء المتواصل من أمي.. أدركت ذلك متأخراً، وبعد فوات الأوان.
أمل هي ابنتي الوحيدة. اعتبرتها- منذ طفولتها- صديقة، فهي ترافقني إلى رحلات ومحاضرات وندوات. تبدي الرأي- بتنامي وعيها- فيما يثور أمامها من مناقشات. أهمل ما قد لا يتصل بطبيعة سنها، أو ما يشوب آراءها من سذاجة. الهدف هو أن تحسن المتابعة والإنصات ومحاولة التعبير عن قناعات شخصية.
عدت إلى البيت ذات مساء نظرت أمل إلى الحقيبة الجلدية في يدي، وقالت في نبرة مستاءة:
- كتب مرة أخرى؟!
حاولت - في الأيام التالية- أن أجتذبها إلى القراءة. أن أجعل من الكتب ـ والقراءة بعامة- عوامل مشوقة في تكوينها المعرفي. وضعت بين يديها كتب صديقي الراحل "عبد الحميد جودة السحار" عن قصص الأنبياء، وقصص آل البيت والصحابة، و"أيام" طه حسين، و"عمرون شاه" لفريد أبو حديد، وكتب كامل كيلاني، والطبعة المبسطة من ألف ليلة وليلة، وموال عشان القنال لصلاح جاهين وغيرها..
أذكر ملاحظتها على قول الشاعر: يا ولاد بلادنا توت.. هاتوا قوام نبوت.. نموت البرغوت.. إيدن خلاص حا يموت..
قالت أمل:
- ماذا فعل الرجل لكي يقتلوه!
- المعنى هنا هو قتل سياسة الرجل.
أضفت موضحاً:
- كان الرجل رئيساً بريطانياً عندما شاركت فرنسا وإسرائيل في الاعتداء على مصر عام 1956.
أحسست بأن ما زرعته يوشك على الإثمار حين رأيت أمل تقلب في مكتبتي. تلتقط كتاباً- لعله تاريخ المقريزي- وتبدأ في قراءته. حدثني- في الأيام التالية- عن التاريخ المصري- والعربي- الذي يبدو شاحباً في معظم الكتابات المدرسية..
أشرت عليها بقراءة جمال حمدان وابن إياس وابن تغري بردي وشفيق غربال. عنيت بقراءة بعض ما كتبوا، وناقشتني فيه..
اتسعت مساحة قراءتها فيما بعد، وتنوعت. وانعكس ذلك ليس على مجرد التحصيل المعرفي فحسب، وإنما على دعامات تكوينها المعرفي نفسه، فقد حرصت على تقوية لغتها العربية، كما أخلصت في دراسة اللغتين الفرنسية والإنجليزية، وقرأت في القضايا السياسية والاجتماعية الشائكة.
تلك هي- فيما أقدر- وسيلة تربية أبي لإخوتي، ولي. أذكر تدخلي في مناقشاته مع أصدقائه حول قضايا ربما لا يتيح فهمها وعي المرحلة السنية. وأذكر ملاحظاتي السلبية حول حادثة كوبري عباس التي أصدر فيها رئيس الوزراء السعدي "محمود فهمي النقراشي" أمره بفتح كوبري عباس على الطلاب المتظاهرين.
ولأن التربية- في بعض أبعادها- مثل أعلى وعدوى وتأثر، فقد حاولت أن أفيد من تجربة أبي في صداقتي لأمل، أتعرف إلى اهتماماتها- بصرف النظر عن سذاجتها آنذاك، - وأحاول أن أضيف إلى ما أجده إيجابياً في تلك الاهتمامات.
إذا راجعت قائمة كتبي، فإن ما كنت قد أصدرته من قبل أن أقترن بزينب العسال اقتصر على أربعة كتب هي: مجموعة تلك اللحظة، كتاب "مصر في قصص كتابها المعاصرين"، رواية "الأسوار"، مجموعة "انعكاسات الأيام العصيبة". تضاعف الرقم- فيما بعد- وإن ظل أملي أن يماهي الإضافة الكمية تطور كيفي يغري بالقراءة والمتابعة!
زوجتي زينب العسال
أستأذنك في أن أعيد ما رويته في "مد الموج" عن بداية تعرفي إلى زينب العسال:
"زارتني في مكتبي بجريدة "الوطن" بصحبة صديقة لي خبيرة في وزارة الشؤون الاجتماعية العمانية. اجتذبني إليها ما لم أستطع تحديده على نحو مؤكد. قلت لصديقي حسين مرسي مدير الإعلانات بالجريدة:
- هذه الفتاة ستزور الجريدة مرات تالية..
- سأل بالدهشة:
- لماذا؟
أغمضت عيني، كأني أجمع نفسي المبعثرة:
- لا تطلب تفسيراً.. لكنها غيرت في داخلي أشياء.
كنت أعاني ظروفاً أسرية قاسية. زارتني أحلام وكوابيس وخواطر مدمرة. بدأ الأفق مثقلاً بالسحب السوداء المتكاثفة. تعالت الأمواج، وتوالت، فغاب الأفق. لم يعد- في كل الاتجاهات- ما يشي بالرسو.
لما قالت زينب العسال إنها مدرسة اللغة العربية في مدرسة للبنات، عرضت عليها أن تعمل- ساعتين كل يوم- في الجريدة. صدمت سمعها كلمة "الأرشيف"، فاعتذرت. أسرفت في التأكيد أن الأرشيف هو البداية والأساس في العمل الصحفي. لجأت إلى تزويقات ورتوش وعبارات باهرة. كنت أريد أن تعود إلى "الوطن".
تفاقمت- في أثناء عملها- مشكلاتي الأسرية. تساقطت من أذني النصائح، والوصايا التي لا تدرك حقيقة ما أعانيه، والآراء الباردة. بدا الطلاق منفذاً وحيداً.
تبينت في كلمات زينت تفهماً لما أعانيه. شدني حياد آرائها وتصرفاتها. تجيب عن أسئلة خنقني حصارها. تهمل التفصيلات، وما قد يبدو شخصياً، أو سراً، ثم تنصرف إلى عملها في "الأرشيف" الذي خلقته خلقاً.
بدت لحيرتي منفذاً وحيداً، مقابلاً.. وتزوجتها"
كانت زينب العسال- في بداية تعرفي إليها- مدرسة للدين واللغة العربية بمدرسة الزهراء الثانوية للبنات بمسقط. تبادلنا القراءات، وإن فاجأتني اهتماماتها الإبداعية عندما وضعت على مكتبي- بعد أشهر- تحقيقاً صحفياً عن التعداد السكاني في سلطنة عمان، الذي شاركت فيه مع عشرات المدرسات المغتربات بالسلطنة.
أتاحت زينب لتشجيعي لها على العمل الصحفي، ثم الكتابة الإبداعية والنقدية فيما بعد- أن ينطلق إلى مداه. تأففت من إصراري على أن تبدأ بتنظيم الأرشيف، ثم أظهرت موهبتها الإبداعية فور أن طالبتها بالمعاونة في صحيفة يشرف عليها، ويتولى تحريرها وإدارتها، شخص واحد. وكالعادة، تحول التشجيع الذي قد لا يرجو الكثير، إلى مطالبة بالمزيد من الكتابات. وجدت فيها- أعترف- إضافة مهمة إلى ما أبذله من جهد شبه فردي.
أتابع الآن خطوات زينب العسال الواثقة، في حياتنا الإبداعية والنقدية. حصولها على العديد من الدبلومات في التربية والمسرح والفن الشعبي والأدب العربي. ثم حصولها على الماجستير، وإعدادها لرسالة الدكتوراه، وتوالي إصداراتها في النقد والكتابة للطفل. أجد لنفسي في ذلك كله دوراً أعتز به، مثلما تعتز به زينت العسال، وربما أكثر!
قد تهبني شخصية هامشية من الخبرات أضعاف ما أحصل عليه من شخصية اختزنت المعرفة، فظلت ساكنة في داخل الذهن والوجدان، دون تأثير حقيقي عليها، وعلى من يخالطونها. وبتعبير آخر، فإن التأثر والتأثير لا صلة لهما بمعرفة ولا ثقافة ولا مرحلة سنية. وأزعم أني أفدت من رحلة أمي القصيرة في حياتي، ومن رفقة زوجتي زينت العسال الناصحة، المشفقة، المتدبرة، ومن تمازج الطفولة والوعي في ابنتي أمل بما لم تبدله الأعوام.
صور مختلفة
تزوجت خادمتنا "دهب"، واستقلت بحياتها، لكنها ظلت على صلتها الأسرية بنا. تزورنا، وتسأل عن أحوالنا- بالذات بعد أن رحلت أمي- واضطر أبي- بتأثير المرض- إلى لزوم البيت، والاعتذار عن غالبية الأعمال التي عرضت عليه- وكان مترجماً!- وعانينا ظروفاً بالغة القسوة.
وصارحنا أبي- ذات يوم- أن "دهب" عرضت عليه مبلغاً نجاوز به ظروفنا. وأرفق أبي شكره باعتذار مؤدب، فقد كان- كما قال لنا- يعرف ظروف دهب جيداً!
أذكر زوجة عم أحمد الفكهاني في الشارع الخلفي الواصل بين بيتنا وجامع سيدي على تمراز. كانت أشد منا حرصاً على "الغديوة" التي نقيمها كل بضعة أيام، ابنها فتحي وأخي وأنا. تفسح لها أسفل عربة الفاكهة الصندوقية الشكل.
تضيف إلى ما نأتي به ثمار فاكهة، وطبق سلطة خضراء، وخبز ساخن من الفرن القريب. تظل طيلة جلوسنا في ظل العربة، وتوصينا بأنفسنا، وبالمذاكرة، وتدعو الله أن يفتح لنا أبواب المستقبل. شخصية الأم المصرية في مثالها المكتمل!
لعلي أعتبر والدة صديقي فتحي الإبياري أما أدبية لي- إن جاز التعبيرـ لم تكن تضيق بزياراتي المتوالية، ولا بمناقشاتنا المسرفة فيما لا شأن لها به. بل إنها كانت تبدي إشفاقها- أحياناً- على إنفاق فراغ وقتنا في القراءة والكتابة والمناقشات التي تبداً ولا تنتهي. مع ذلك، فإنها كانت تعد لنا "الجو" الذي يتيح لنا ذلك كله. وكانت تسألني- إذا تباعدت زياراتي- : ما يشغلك عن صديقك؟
أثق أن خطوات البداية لم تكن، لولا أمومة هذه السيدة الطيبة.
............................
*عن موقع: لها أون لاين.







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 18-12-2008, 02:25 AM   رقم المشاركة : 58
معلومات العضو
د. حسين علي محمد
أقلامي
 
إحصائية العضو







د. حسين علي محمد غير متصل


افتراضي رد: أوراق خضراء: مقالات مُختارة

(50) حوار مع الروائي محمد جبريل:
أرفض الخيال المحض في مضامين أعمالي:

حاوره: أ.د. حسين علي محمد
....................................

غاب محمد جبريل عن الوطن ثماني سنوات (1976-1984) في سلطنة عمان، حيث كان في مهمة جادة لإصدار جريدة "الوطن" التي جعل منها واحدة من الجرائد القوية في منطقة الخليج، كما أصدر ملحقها الأدبي المتميز الذي يجعلنا نتمنى أن تُصدر الصحف الأدبية المصرية مُلحقا مثله.
وبعد عودته من عمان كان هذا اللقاء معه:
*ثماني سنوات من التجربة وأنت بعيد عن وطنك مصر الأثير إلى نفسك، ماذا قدمت لك التجربة؟ وكيف تنظر إليها الآن؟
-حين اتصل بي المرحوم الشيخ سليمان الطائي وألحَّ في أن أُنقذ جريدة "الوطن" من مأزق حقيقي تبدّى في عدم انتظام صدورها، وانقطاعها ـ أحياناً ـ لفترات تمتد إلى الأشهر، وافتقادها للمقومات الأساسية للعمل الصحفي، إلى حد مُصارحة الزميل حسين أحمد مرسي ـ الذي كان يتولى مسؤولية الإعلان والتوزيع ـ إليَّ أن محررها الأوحد ـ قبلي ـ كان العمل الذي يُجيده هو الطباعة على الآلة الكاتبة! يكتفي بتسجيل الأنباء المحلية من إذاعة عمان، ويبعث بها إلى المطبعة التي تتولى طباعة الوطن في بيروت أو القاهرة أو الكويت، فتستكملها بمواد أخرى منقولة بتصوير الأوفست من الصحف المختلفة. وهكذا كانت تصدر "الوطن"، بل وهكذا كانت تصدر كل الصحف العمانية، فيما عدا "عُمان" بالطبع، التي حاولت أن تعتمد على جهود العاملين فيها، وإن لجأت آنذاك ـ كثيراً كثيراُ ـ إلى أسلوب القص واللصق الذي يُعد الوجه الآخر ـ السلبي ـ لطريقة الطباعة بالأوفست.
أقول: حين عرض عليَّ الشيخ سليمان الطائي مسؤولية إنقاذ "الوطن" من مصير واضح كان يتهددها ترددتُ كثيراً، وألحّ دون يأس. فلم أوافق إلا بضغط مباشر من أستاذي عبد المنعم الصاوي الذي وسّطه الشيخ الطائي حتى يُحاول إقناعي .. ذلك لأن عام 1975 الذي قدّم فيه الشيخ الطائي عرضه كان هو عام فوزي بجائزة الدولة في الأدب، وكذلك كان عام سفري إلى العديد من الأقطار العربية لإلقاء محاضرات في فنية العمل الصحفي بتكليف من المركز العربي للدراسات الإعلامية في السكان والتعمير، بالإضافة إلى أني كنت مشغولاً في كتابة روايتي "حكايات عن جزيرة فاروس"، وكتابي "ملامح مصرية" والجزءين الثاني والثالث من كتابي "مصر في قصص كتابها المعاصرين". وكان التخلي عن ذلك كله صعباً وقاسياً. لكنني ـ في النهاية ـ لملمت أوراقي، واحتفظت بها في الأدراج ثماني سنوات كاملة، كنت خلالها مشغولاً بتحقيق المعجزة ـ وليس في التعبير أدنى مبالغة ـ أن تُصدر جريدة أسبوعية بمجهود فردي .. ثم أن أُصدر هذه الجريدة ـ فيما بعد ـ يومية بمجهود شبه فردي.
لكن الجانب الإيجابي المقابل في هذه التجربة، تمثل في استفادتي المؤكدة من الممارسة التطبيقية في كل مجالات العمل الصحفي بدءاً من إدارة التحرير وانتهاءً بالسكرتارية التنفيذية، مروراً بالكتابة الصحفية: كتابة العمود السياسي، والخاطرة اليومية، والتحقيق، والدراسة، والخبر. حتى التصحيح كان من بين مهام المحرر الوحيد الذي كنته! وثمة تعرفي إلى اهتمامات، وأسماء ومناطق أخرى ربما لم أكن أتعرف عليها لولا سفري إلى السلطنة .. بالإضافة إلى أن إقامتي في السلطنة كانت هي الباعث لأن أكتب روايتي "إمام آخر الزمان".
*هل كنت تُواكب أدباء جيلك وأنت بعيد عنهم؟
-لم أكن بعيداً على الإطلاق عن أدباء كل الأجيال السابقة؛ فالسلطنة تأذن بدخول كل المطبوعات، بل لقد أُتيح لي في السلطنة أن أتعرّف إلى أدباء في الوطن العربي لم يُسمع صوتهم في القاهرة بعد. ومن بين كتاباتي الحالية دراسة مطولة عن الأديب عز الدين المدني ـ الغائب تماماً عن اهتمامات المثقفين المصريين ـ ومحاولاته التجريبية التي أجد أنها تتفق تماماً مع نظرتي إلى معنى التجريب.
أما بالنسبة لغيابي الجسدي عن القاهرة، فلم يكن حقيقيا، ذلك لأني كنتُ حريصاً على العودة إلى مصر بين فترة قصيرة وأخرى، وجواز سفري مزدحم بعشرات الأختام التي تبين عن أسفاري المتواصلة بين مسقط والقاهرة.
لم أكن بعيداً عن أدباء جيلي إذن، بل ولم أكن بعيداً عن الحياة الثقافية إطلاقاً! ولعل "الملحق الثقافي" لجريدة "الوطن" ـ وهو خير الإسهامات التي أعتز بها في تجربتي الصحفية بالسلطنة ـ يكشف عن مدى علاقاتي المتصلة بالمثقفين المصريين من كافة الأجيال. ولقد تعرّف القارئ العماني ـ من خلاله ـ إلى نبض الواقع في الحياة الثقافية المصرية، وإلى معظم الأسماء التي تُشكِّل هوية الثقافة المصرية، وإني إعتز بأن الوطن حظيت بكتابات نخبة ممتازة من الأقلام المصرية، كان بوسعهم أن ينشروا ما يكتبونه في صحف عربية أخرى بمقابل مادي حقيقي، وليس بالمقابل الرمزي الذي كانت تدفعه "الوطن" لهم.
*نعود إلى عالمك الفني الأثير لديك: كيف ترى إبداعاتك بين أبناء جيلك؟
-يصعب على أي كاتب أن يتصوّر موضع مؤلفاته بين الإسهامات الأخرى التي قدّمها أبناء جيله. مع ذلك فإن تأملي لقائمة مؤلفاتي التي تضمنتها الصفحة الأخيرة من آخر رواياتي يُبيِّن عن اهتمام ملح بقضايا بلدي (مصر)، سواء بالإبداع أو بالدراسة الأدبية.
أما أولى مجموعاتي "تلك اللحظة من حياة العالم" فإني أعترف بالخطأ لعدم قبول نصيحة أستاذنا نجيب محفوظ بالاكتفاء بعبارة "تلك اللحظة" دون بقية الكلمات، فضلاً عن أنها تبدو لي ـ بعد أعوام طويلة من إصدارها ـ أشبه باسكتشات قصصية تُعبِّر عن الرغبة في التجريب أكثر من تعبيرها عن اكتمال مقوِّمات هذا التجريب. بعكس روايتي "الأسوار" التي تبدو لي خطوة أكثر تفوقاً في تحقيق ما أراه من وجوب استفادة القصة بالأدوات الفنية الأخرى مثلما تستفيد تلك الأدوات من فن القصة. فثمة الفلاش باك، والهارموني، والتبقيع، والحوار الدرامي … إلخ. ولقد سعدت ـ في الحقيقة ـ بحفاوة النفاد بهذه الرواية، وحرصهم على مناقشتها وإبراز دلالتها الفنية والمضمونية في آن معاً.
أما كتابي "مصر في قصص كتابها المعاصرين" فهو ـ كما أشرت في المقدمة ـ محاولة فنان لقراءة تاريخ بلاده، وتسجيل هذه المحاولة فيما يمكن تسميته بالقراءة الإيجابية. ولقد أسعدني ـ بالطبع ـ أن يفوز هذا الكتاب بجائزة الدولة في النقد الأدبي، وإن كانت سعادتي ستتضاعف لو أني نلت الجائزة في المجال الذي أوثره وهو القصة.
*بدأت محاولاتك مع الفن من خلال القصة القصيرة، هل تحدثنا عن تجربتها معك؟ وهل أثَّرت قراءاتك وتجاربك الشخصية في بداياتك؟ أم أنك بدأت مُغامراً من خلال ما يُمكن أن نسميه قصص الخيال المحض؟
-لعلي أزعم أني لم أبدأ في كتابة قصتي القصيرة الأولى، إلا بعد أن كان في حوزتي حصيلة لا بأس بها من القراءات والتجارب الشخصية وتلك التي عاشها الآخرون. وأضيف: أني رفضت الخيال المحض في مضامين أعمالي الفنية. لقد عملت في مهن متعددة، وقرأت في ثقافات مرتفعة وهابطة، وعايشت أجواء متناقضة، وقضيت أعواماً مقيماً وزائراً في بلاد شتى.
لقد حاولت ـ ولعل ذلك ما أحرص عليه حتى الآن ـ أن أستفيد من كل لحظة قراءة، وكل لحظة تجربة، وكل لحظة تعرُّف ومشاهدة، بحيث يتناثر ذلك كله في محاولاتي دون أن يبين عن مصدره.
*هذا يدفعنا إلى السؤال عن موقفك من "نقل الواقع أو النسخ الحرفي للحياة" من خلال الفن، وهل هذا أمر ممكن؟
-لعلي أوافق أرنولد بينيت على أن النسخ الحرفي أمر مستحيل"، فالرواية ـ بدرجة ما قد تتفوق أو تتأخر ـ لوحة فنية تنبض بالتفصيلات ، وتداخلات الألوان والظلال ، والفكرة والشكل والتلوين .. تلك هي الأشياء التي لابد أن تتوافر في العمل الروائي حتى يستحق هذه التسمية. وكما قلت فإن التصوير في حد ذاته يُعدُّ فنا من حيث اختيار الزوايا والإضاءة والمساحات. ولكن حين يُصبح هو الاختيار الوحيد في رواية ما، فإنها بالقطع لن تكون كذلك.
*إذن ما رأيك في التفسيرات التي يطرحها النقاد على الأعمال الفنية خاصة القصة من منظور الرمز أو المعادلات؟
-المعادلات في معالجة الأعمال الفنية قضية غاية في الخطورة. ذلك لأن القصة ـ كعمل فني ـ يجب أن تحقق المتعة بذاتها. وقد صارحني نجيب محفوظ ـ يوماً ـ أنه يعتبر القصة الفلسفية غاية الفن، ولكنه رفض البحث عن الرمز المقابل لكل شيء، فسيحتاج الأمر إلى لوغاريتمات، وليس إلى فن حقيقي. ساعتها ربما يحتاج القارئ إلى جدول يُطابق من خلاله الواقع على ما يُقابله من رمز. الفنان عندما يبدأ كتابة عمل ما، فإنه لا يعرف كيف أو ماذا يكتب. الفكرة العامة تحيا في ذهنه، لكنها تخضع عند الكتابة لاعتبارات أخرى عديدة، الفنان يكتشف نفسه أثناء الكتابة.
*كخطوة نحو القصة الفلسفية التي يريدها نجيب محفوظ: هل ترى أن الرواية المعاصرة تُقدِّم "فلسفة" للحياة من خلال نظرة مبدعيها؟
-إن الرواية المعاصرة يجب أن تقدِّم فلسفة الحياة الواضحة المتكاملة التي تُعبِّر عن نظرة الأديب الخاصة ومواقفه، لا أعني أن تُقحَم الأفكار الفلسفية المجرّدة داخل إطار العمل الفني. إنها في هذه الحالة تُشكِّل نتوءاً واضحاً في العمل الفني، يقلل من قيمته، إن لم يُبدِّد تلك القيمة تماماً. إن الفنان الذي يصدر عن رؤية فلسفية متكاملة هو الذي يتمكّن من تذويب أفكاره في أحداث عمله الفني، بحيث لا تبدو نشازاً ولا مُقحمة.
وكما يقول "ميرلو بونتي" فإن الفلسفة ليست انعكاساً لبعض الحقائق الجاهزة الموجودة من قبل، ولكنها مثل الفن تمثل التجسيم المباشر للحقيقة. إن الفلسفة الصادقة هي التي تُعلِّمُنا من جديد كيف ننظر إلى العالم. وإن رواية ما ممتازة، يُمكن أن تُصوِّر لنا "بانوراما" العالم، ربما بأدق وأشمل مما تصوّرها الرسالة الفلسفية.
*شاعت في العقد الأخير بعض موجات الحداثة التي تُغفل دور الحدث أو "الحدوتة"، فهل تتعاطف مع هذه الموجات؟
-بالعكس، فإني أرى "الحدوتة" هي النطفة التي يتخلّق منها العمل الفني، وبرغم اختلافي مع "أرنولد بينيت" بأن أساس الرواية الجيدة هو "خلق الشخصيات ولا شيء سوى ذلك"، فلعلي أتفق تماماً على أن خلق الشخصيات دعامة أساسية في بناء الرواية الذي يستند ـ بالضرورة ـ إلى دعامات أخرى، أقواها ـ أو هذا هو المفروض ـ الحدوتة، وإن تصور بعض الذين اقتحموا عالم الرواية الجديدة ـ نقاداً أو أدباء ـ أن الرواية ليست في حاجة إليها، وأن ما يستعين به الفنان من أدوات تضع الحدوتة في مرتبة تالية، أو أنه يمكن الاستغناء عنها إطلاقاً. ولقد كانت الحدوتة (الحكاية، الفكرة، سمِّها ما شئت) هي الباعث الحقيقي لأن تتحوّل روايتي "الأسوار" في ذهني ـ قبل كتابتها بأعوام ـ إلى أحداث ومواقف وشخصيات، ثم تخلّقت في أشكال هلامية عدة، قبل أن تأخذ ـ في طريقها إلى المطبعة ـ سماتها النهائية.
*هل يعني هذا عندك أن الحدوتة هي الدعامة الأولى في الفن الروائي؟
-نعم، الحدوتة هي الدعامة الأولى في بناء أي عمل فني. ثم تأتي بقية الدعامات الأخرى، وهي ـ في الرواية الجديدة ـ محاولاتها للاستفادة من العناصر والمقومات في وسائل الفنون الأخرى، كالفلاش باك في السينما، والتقطيع في السينما أيضا، والتبقيع في الفن التشكيلي، والهارموني في الموسيقا، والحوار في المسرحية .. إلخ.
*المتابع لإبداعاتك القصصية والروائية يجدك تُلح فنيا على ضرورة استفادتهما من معطيات وتكنيكات الوسائل الفنية الأخرى التي أشرت إليها الآن مثل القصيدة والمسرحية واللوحة التشكيلية والمقطوعة الموسيقية ـ فما هي بواعث هذه الرؤية؟
-لماذا لا يُثري الفنان قصته أو روايته بإسهامات الفنون الأخرى وبما تملكه تلك الفنون من خصائص جمالية وتكنيكية، فتتحقق للفن الروائي أبعاد جديدة، وتتحقق أبعاد جديدة للفنون الأخرى، مما يجعل رأي "أدوين موير" بأن بعض الفنون ـ مثل النحت والرسم والموسيقا ـ تتحقق في بُعد واحد فقط، أقرب إلى تسمية الشمس بأنها تقوم كل يوم بدورة من الشرق إلى الغرب، وإغفال "أبعادها" الهامة الأخرى! ولعلي بذلك أُناقض دعوى بعض الروائيين الجدد ـ ناتالي ساروت مثلا ـ بأن المقولة في الفن خطأ يجب تجنبه، وأن الالتزام الوحيد في الفن هو الفن نفسه. برغم أن إبداعات هؤلاء الروائيين ـ وأيديولوجياتهم أيضا ـ ترفض تلك الدعوى، فمهمة الروائي ـ في تقديرهم ـ هي إعادة العلاقة بين الإنسان والعالم.
*في قصصك زخم الواقع والحياة ـ وإن كانت مُغايرة للواقع ـ كيف ترى إمكانية تحقق التغايُر والتماثل في آن مع رفضك للنسخ الحرفي للحياة من خلال الفن؟
-الواقعية ليست هي الواقع، والفن ليس هو الحياة بحذافيرها، الواقع مُصادفة وفوضى والفن اختيار. الفنان يُضيف إلى العمل الفني مهما بلغت درجة اقترابه من الحياة، من قراءاته وخبراته ورؤاه .. إلخ، ومن هنا فإن "ابن نفيسة" (بطل روايتي "متتابعات لا تعرف الانسجام") في الحياة ليس هو "ابن نفيسة" في الرواية، برغم أن الرواية تستند إلى الواقع، وأيضاً شخصيات رواياتي وقصص قصيرة كثيرة مما كتبت.
*ألا ترى أن الصحافة تؤثر تأثيراً سلبيا على الأديب المبدع؟
-لقد أدرك أرنست همنجواي أنه من الصعب أن يكون صحفيا وأديباً في آن معاً، وبالتالي فقد رفض كل العروض الصحفية التي كان يمكن أن تُجنبه المآزق المادية التي واجهها في بداية حياته الأدبية. وفضلاً عن القيمة السامقة لإبداعات همنجواي بالقياس إلى مُحاولاتي، فإن الحقيقة التي تذهب في بلادنا مذهب المثل: أن الأدب لا يُؤكِّل صاحبه عيشاً، ومن ثم فإن الوظيفة مطلب حتمي، ولأن الصحافة هي الأقرب إلى الأدب، فقد كان من البديهي أن أتجه إليها. وحتى ذلك لم يكن مُتاحاً في البداية. واجهتُ صِعاباً قاسية حتى أُتيح لي أن أجلس وراء مكتب في صحيفة "المساء" وألتقي بالآخرين بصفتي مُحرراً، وإن كان الأدب هو شاغلي الأول.
*بعد غيبة ثماني سنوات ونيف بعيداً عن مصر، مُتابعاً لما يدور في تربتها من تخلُّق وتحولات، كيف ترى مصر ـ حبك المقيم وهاجسك الدائم ـ؟ وما هي طموحاتك الأدبية؟
-مع أن "روبرت فروس" يقول في قصيدة له: "إن الوطن هو المكان الذي يكون مستعدا لاستقبالك عندما تذهب إليه" فإن مصر كانت هي وطني الوحيد والدائم برغم الضغوط الاقتصادية والنفسية التي ألجأتني إلى قبول المنفى الاختياري. ثم إن ثماني سنوات من العمل في "الوطن" وتحويلها من صحيفة مُتعثرة تصدر بين الحين والآخر إلى صحيفة يومية جادة أشعرني ببعض الراحة وجعلني أتخذ قرار العودة.
وما فعلته ببساطة ليلة عودتي إلى القاهرة ـ نعم، ليلة العودة تحديداً ـ أني فتحت الأدراج، وبدأت في مواجهة ما كنت قد أرجأته قبل ثماني سنوات.
والحق أن إصراري على تقديم استقالتي من «الوطن» بعد أن حققت أحد أهم أحلامي بإصدارها يومية، كان العودة إلى عالمي الذي أوثره عن كل ما عداه وهو الأدب.
أ.د. حسين علي محمد
.......................
* من كتابي "من وحي المساء"







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 18-12-2008, 02:27 AM   رقم المشاركة : 59
معلومات العضو
د. حسين علي محمد
أقلامي
 
إحصائية العضو







د. حسين علي محمد غير متصل


افتراضي رد: أوراق خضراء: مقالات مُختارة

(51 ) رباعية بحرى .. تجربة شخصية

بقلم: محمد جبريـل
....................

إذا الإنسان طاف حول الإسكندرية فى الصباح
فإن الله سوف يصنع له تاجاً ذهبياً
مرصعاً باللآلئ
ومعطراً بالمسك والكافور
يشع الضوء شرقاً وغرباً
" ابن دقماق "

تحضرنى ملاحظة ذكية أبداها أستاذنا على الراعى حول مسرحية " مهاجر بريسبان " للكاتب اللبنانى جورج شحادة . تقدير الراعى أن " الأدب العالمى كان يكسب كثيراً لو أن شحادة استخدم قدراته الكبيرة فى ترجمة لبنان إلى العالم (الهلال ـ فبراير 1969) . تقدير الراعى كذلك أن " العالم محتاج إلى أن يتعرف على أجزائه الكثيرة المترامية . وهذه الحاجة ثقافية وفنية قبل أن تكون سياسية . فإذا جاء الممتازون من كتاب البلاد الصغيرة ، وكتبوا بلغة غير مميزة تسلكهم فى أى عداد شئنا ، فالخسارة خسارة الأدب العالمى مثلما هى خسارة الأدب المحلى"
***
بداية ، فأنا لم أكتب عن البحر ، ولا عن الصلة بين البحر واليابسة ، وهو ما يبين فى الكثير من إبداعاتى الروائية والقصصية ، لم أكتب لطرافة الموضوع ، وإنما لأنه لم يكن بمقدورى سوى الكتابة عن البحر . البحر يحتضن الإسكندرية من معظم جوانبها ، ويحيط بحى بحرى من ثلاث جهات ، كان هو المكان الذى تطل عليه شرفة بيتنا، ويطل السطح على امتداد آفاقه . كنت أسير على شاطئه، وأتابع التعامل اليومى معه فى صيد السنارة والطراحة والجرافة ، وعمليات الشحن فى الميناء الغربية ، وركوب البحر نفسه فى قوارب صغيرة تعبر المسافة من باب واحد إلى باب رقم ستة ، أو فى لانشات تمضى إلى قرب البوغاز . حتى فى الظلام ، كنت أستمع إلى البحر ، وإن كنت لا أراه . أتذكر قول رامبو : إنه البحر وقد رحل مع الشمس .
البحر ليس موضعاً طارئاً فى حياتى . إنه الحياة نفسها ـ والموت أيضاً ، كما سأحدثك حالاً ـ . وعلى الرغم من انقضاء عشرات الأعوام على ابتعادى ـ بصورة عملية ـ عن الإسكندرية ، فإنى أفضل ـ حتى الآن ـ أن تدور أحداث أعمالى فى بحرى ، لأنى أشعر أن الحى تحت تصرفى . أعرف تاريخه وأسواقه وشوارعه ومساجده وبناياته وسلوكيات حياته اليومية . أعرف المعتقدات والقيم والعادات والتقاليد . حتى مسميات الأشياء واللهجة هى وسيلة التعبير عندى . حتى مستطيلات البازلت التى تتفق فيها مع المدن الساحلية الأخرى ..
البحر عند الشخصيات الأدبية بعامة ، مبعث للتأمل الرومانسى ، ولقضاء إجازة الصيف. البحر عند شخصياتى مصدر للرزق . يحصلون على قوت أيامهم بالعمل فيه ، والإفادة من تنوع خيراته ، وتشقيهم أحواله من نوات وعواصف ورياح ، حتى أنه يختطف البحارة والصيادين ـ أحياناً ـ من فوق بلانساتهم [البلانس هو سفينة الصيد الكبيرة] ويغيبهم فى أعماقه ، ويعطى الموروث الشعبى تأثيراته التى تدين ـ غالباً ـ للخرافة . البحر مرادف للحياة بعامة فى الأعمال الإبداعية ، فهو يتسربل بالسحر والخرافة والأسطورة . أما البحر فى أعمالى ، فهو مرادف للحياة والموت فى آن . قد يكون حصيرة ـ بلغة أهل الإسكندرية ، فيتاح ركوبه ، والحصول على الرزق من أعماقه . وقد يعانى النوات والعواصف والرياح ، فتنعكس معاناته على من يركبونه ، أو يقفون على شاطئه ، بحثاً عن الرزق .
***
كنت أتحدث فى المركز الثقافى الإيطالى عن الإسكندرية ، وحى بحرى بخاصة. لاحظت ـ بدا لى الأمر كأنى أكتشفه للمرة الأولى ! ـ أن أبناء بحرى ينتمون إلى الطبقات ما بين الدنيا ، وما فوق المتوسطة ، فهم يعملون فى صناعة المراكب والصيد وبيع السمك وأعمال البحر وشركات التصدير والاستيراد ، وهم حرفيون وتجار ومهنيون .. لكن أصحاب رءوس الأموال الكبرى ـ وكبار الاقتصاديين بعامة ـ يفضلون السكنى فى منطقة الرمل . لذلك فإن بحرى يخلو إلا من قصرين متقابلين ، أحدهما سراى رأس التين الذى بناه الخديو إسماعيل فى أواسط القرن التاسع عشر ، وهو الآن أحد قصور الدولة . وفى مواجهته قصر آخر صغير ، للسيدة عصمت محسن حفيدة حسن باشا الإسكندرانى ، والتى كان يطلق عليها ـ لا أدرى من كان وراء التسمية ـ لقب أم البحرية . فيما عدا قصرى رأس التين وأم البحرية [أزيل القصر الثانى ـ فيما بعد ـ وشيدت فى موضعه بناية سكنية] فإن ملامح بحرى المعمارية قوامها بيوت قصيرة ، متآكلة ، متلاصقة ، وبنايات متوسطة ، وما فوق المتوسطة . ثمة الأقل من البنايات الفاخرة ، لكن النسق المعمارى لحى بحرى ينتمى ـ فى معظمه ـ إلى الطبقتين الفقيرة والدنيا ..
***
لقد أحب كامى البحر ، ولا أعتقد أن أحداً من الأدباء الفرنسيين عبر عن مشاهد طبيعة البحر المتوسط مثل كامى . وثمة ملفيل فى عمله الضخم " موبى ديك " ، وجوزيف كونراد الذى اتخذ البحر موضوعاً للعديد من رواياته ، وأشهرها رائعته " قلب الظلام " .. وثمة من الأدباء العرب صالح مرسى وحنا مينا وغيرهم ..
وحى بحرى بالإسكندرية هو الأرضية لمعظم ما كتبت من إبداعات . وقد أردت فى رباعية بحرى بأجزائها : أبو العباس ـ ياقوت العرش ـ البوصيرى ـ على تمراز ، أن أكتب فصولاً مستقلة ، تتكامل فى تصوير حى بحرى الذى أحببته ، وامتداده الطبيعى إلى المكس ، أو إلى الرمل ..
قوام الرباعية هو الحنين إلى الماضى ، إلى الزمان الماضى ، والمكان الماضى . الجو حافل بالأسطورة والصوفية والرموز والخوارق والتأملات الميتافيزيقية والتطلع والخنوع وطلب المدد ..
أردت بهذه الرباعية الروائية أن أكتب فصولاً مستقلة ، لوحات ، تصور الحياة فى حى بحرى بالإسكندرية عقب الحرب العالمية الثانية . لا صلة بين الكثير من اللوحات ، فلا يكاد القارئ يتبين ما يربط بينها . همنى الوحدة الداخلية، سواء على مستوى المكان ، أو الشخصيات ، أو الجو العام ، بحيث تتكامل الفصول ـ أو اللوحات ـ فى بناء روائى يهبنا لوحة بانورامية الأبعاد والتفصيلات لهذا الحى الذى عشت فيه طفولتى وصباى وشبابى الباكر . ومازلت أحيا فيه ـ رغم البعد ـ ويحيا فىّ ، حتى الآن .
حين بدأت فى كتابة أجزاء رباعية بحرى ، كان همى أن أصف الأشخاص القريبين منى ، والذين ألفت رؤيتهم فى جوامع بحرى وميادينه وشوارعه وأزقته ، وصيادى الجرافة بين الكورنيش وشاطئ البحر ، والأماكن المرتبطة فى وجدانى بذكريات باقية . ولعلى أعترف أنى حاولت أن أضمّن الرواية ـ فى سياق السرد ـ الكثير من المعارف البحرية [ اكتشفت ـ وأنا أراجع البوصيرى ـ أنى كررت اسمى لوحتين كتبتهما فى ياقوت العرش . فكرت فى استبدالهما ، لكننى شعرت انه من الصعب أن أختار غيرهما للوحتى البوصيرى ]
الرباعية فصول مستقلة ، فى أجزاء منفصلة ، لكن الفصول والأجزاء متصلة بشكل وثيق . ولأن بعض الفصول جاءت أقرب إلى القصة القصيرة ، فقد نشرها "الأهرام" باعتبارها كذلك ..
***
أنسية ليست مومساً على أى نحو ، ليست حتى مومساً فاضلة ، وليست ـ بلغة علم الاجتماع ـ ضحية بريئة ، لكنها فتاة من الطبقة الأدنى ، واجهت مأزقاً صعباً ، بذلت أعواماً من حياتها للتغلب عليه . وعندما تصورت أن ذلك ما حدث، واجهت مأزقاً أشد قسوة ، وهو أنها قد تعود إلى ما كانت فيه لو لم تنجب ، لو لم تهب الرجل مطلبه فى الولد والامتداد والخلود . وقد تطلع سيد الفران إلى الولد والامتداد لأنه ـ على حد تعبيره ـ كان مقطوعاً من شجرة . وربما لامس المرء الوهم للخلاص من الواقع ، كما فعل حمدى رخا . وحين يعجز المرء عن مواجهة الخطر أو الظلم ، فإنه قد يلجأ إلى قوة عليا يجد فيها الحماية والأمان ، وهى الصوفية . وهو ما فعله على الراكشى عندما أجاد الحاج قنديل حصاره ، فوجد الملاذ فى كلمات يوسف بدوى ، وفى قراءة كتب الصوفية وممارسة طقوسها . وحين ضاقت السبل بجابر برغوت ، فإنه لجأ للسفر إلى القاهرة ، يضع بين أيدى سادة الديوان الذى ترأسه السيدة زينب مشكلات الناس وما يعانون . وكما يقول ايفانز ريتشارد فإن " مواجهة الإنسان للأزمات والكوارث يؤدى إلى شعوره بالخوف والقلق ، وانه لا يستطيع أن يسيطر على مشاعره ، ويقضى على يأسه ، إلاّ عن طريق تكوين الشعائر الدينية " . واللافت أن عدد أعضاء الطرق الصوفية فى مصر قد تزايد بعد نكسة 1967 بنسبة 25 % ( البناء الاجتماعى للطريقة الشاذلية فى مصر ـ فاروق أحمد مصطفى ـ هيئة الكتاب 1980 ) . ولاشك أن الصوفية والأولياء والموالد والأذكار وغيرها من المظاهر الدينية أبعاد ثابتة فى حى بحرى . ثمة أبو العباس والبوصيرى وياقوت العرش وكظمان ونصر الدين وعشرات من الأولياء الذين يحظى بحرى بوجود أضرحتهم ومقاماتهم ، وبملايين المريدين والزوار من طالبى البركة والمكاشفة والنصفة والمدد . ويربط حسن الساعاتى بين وجود عدد كبير من المساجد فى بحرى وبين استقرار الحياة فى الحى ، وزيادة كثافته السكانية ، لأن أضرحة الأولياء تكون مراكز جذب للسكان ، باعتبار أن الأهالى ينزلونهم من أنفسهم منزلة عظيمة ، لأنهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون . وكان ذلك ما حدث فى رائعة يحيى حقى قنديل أم هاشم ، حين حرص الجد ـ محسوب السيدة زينب ـ على الإقامة بجوار مسجدها. سيدى الأنفوشى له ـ فى قلعة قايتباى ، فى الطرف الشمالى لمدخل الميناء الشرقية ـ مسجد وضريح ومقام ، لكنه ـ دوناً عن جميع الأولياء ـ بلا أتباع ولا مريدين ، بلا دعوات وابتهالات وتهدجات واحتفالات مولد ونذور وأذكار . حياته لا يذكرها أحد : من هو ؟ أصله ؟ فصله ؟ كراماته ؟ سيرته ؟ . الرواية ـ أصلاً ـ غير مؤكدة . ربما الأنفوشى حقيقة ، وربما رفاته فى الضريح الذى يتوسط فناء مدرسة البوصيرى الإلزامية بالموازينى . لكن مسجد قايتباى الصغير بلا اسم ـ معلن ـ لولى . ثمة رأى أن اسم الأنفوشى هو " الكهنفوشى "، وهو اسم فارسى لشيخ عجمى . والاسم موجود فى كتاب " الضوء اللامع " للسخاوى . الهوية المجهولة حياة سيدى الأنفوشى . البداية منبعها الغموض ، مصبها الغموض كذلك ، وربما لم يكن فى حياة الإسكندرية ولى بهذا الاسم . أبو العباس المرسى ، حارس الإسكندرية ، وسلطانها ، وكبير أوليائها ، وحبيب الغلابة والمنكسرين والمظلومين والتائبين ، والباحثين عن الذرية الصالحة والبرء من العلة والسقم . نسيج القصة رائق ، متماسك ، لا ينقص خيطاً : رحلة الزهد والتصوف من مرسيه إلى الإسكندرية : " فو الله ما رأيت العز إلا رفع الهمة عن الخلق ، ولا السلامة فى الدنيا إلا بترك الطمع فى المخلوقين " . انتشار الدعوة ، تكاثر المريدين والأتباع . القسم بياقوت العرش لا يمتد إلى خواء ، وإنما يمتد إلى حياة طيبة ، متكاملة . صديق المرسى ونديمه وصفيه وتلميذه . لم يكن يؤذن لأية صلاة إلا إذا تناهى الأذان من العرش الإلهى . بردة البوصيرى الشهيرة تحيط بصحن جامعه . على تمراز مجذوب ، وله كرامات ، لا يدرى أحد من أين جاء ، ولا كيف سارت حياته إلى الموت . حتى سيدى جابر الذى ترقد رفاته فى الجانب الآخر من المدينة ، له أصل ، وإن كان يصعب تحديده . اجتهادات تؤكد أنه الرحالة ابن جبير . اجتهادات مقابلة ، واثقة ، ترى أنه سيدى جابر الأنصارى . بل إن بعض هؤلاء الأولياء ترتبط مكاشفاته بالبحر . كان الشيخ على الصياد ـ على سبيل المثال ـ صياداً موفقاً . وكان يحب أن يخلو إلى نفسه بعيداً عن الناس حتى ألفته طيور البحر ، فكان يخاطبها بلسانها . وذات يوم أدركه المرض ، فتبارت الطيور فى إحضار الأعشاب الشافية من الجزر البعيدة عبر الأفق ، وراحت تنثرها بين يديه متوسلة إليه أن يجرب علاجه بها ، فقال لها : إذا كان قد حان أوان الشفاء ، فسأشفى بدونها ، وإن لم يكن قد حان ، فما الفائدة ؟. وظل على مرضه حتى لفظ آخر أنفاسه عند الشاطئ . وبكته الطيور البحرية ، ودعت الله أن يجعل مثواه فى مملكتها ، فاحتضنته مياه البحر ، وصار الولى الوحيد الذى تغمر المياه ضريحه . ويحرم الصيادون على أنفسهم محاولة صيد آلاف الطيور التى تحج إلى حرم الضريح ..
***
ما أوجه الاتفاق ـ والاختلاف ـ بين رباعية الإسكندرية ورباعية بحرى ؟..
صدمنى السؤال فى البداية ، وربما تضايقت منه ، ثم ألفته بالمعاودة . أصارحك أنى تعمدت ألاّ أقرأ رباعية الإسكندرية حتى لا أقع فى شبهة تأثر ـ قرارى بكتابة رباعية بحرى يعود إلى مطالع حياتى الأدبية ـ وبالذات فى ضوء الحفاوة النقدية الواضحة ، والتى اعتبرت رباعية داريل من أعظم إبداعات القرن العشرين .
ثم حاولت ـ بعد أن صدرت رباعية بحرى ـ أن أفتش عن جوانب الاتفاق والاختلاف ، لا كناقد ، فقد مللت التأكيد أنه حتى فوزى بجائزة الدولة فى النقد لا يلغى تفهمى لقدراتى النقدية ، وأنى سأظل دوماً خارج أسوار النقد !
***
يقول جون فويلز : " إن المدن المنفتحة هى أمهات للمجتمعات المستنيرة ، ووجود مثل هذه المدن هام بشكل خاص للأدب . ولهذا فإننى أعتقد أننا نتعشق أوهامنا عنها ، ونغفر لها الكثير من خطاياها " . يضيف فورستر : نحن حين نفعل ذلك مع الإسكندرية ، فإننا لا نلام ، لأنها النموذج الأصلى للكوزموبوليس وانصهار المتناقضات ( الإسكندرية تاريخ ودليل ـ 11 ) .
وإذا كانت صلة شخصيات ميرامار نجيب محفوظ بالإسكندرية هى صلة هامشية ، حيث اختاروا الإقامة فى الإسكندرية كمنفى ، لا تشغلهم حياة ناسها اليومية ، ولا مشكلاتهم . فالبنسيون بالنسبة لمن يقيمون فيه ـ على حد تعبير سيزا قاسم ـ مكان سلبى أقرب إلى محطة السكة الحديد ، حيث يتقابل ـ للحظات معدودات ـ المسافرون ، كل يلهث فى طريقه ( روايات عربية ـ روايات مقارنة ـ 161 ) . إذا كان ذلك كذلك ، فإنه من الصعب إهمال التأثيرات الأجنبية فى حياة الإسكندرية . وعلى سبيل المثال ، فإن يوم الأحد فى الإسكندرية يختلف عن اليوم نفسه فى بقية المدن المصرية . الشوارع خالية نسبياً ، والكثير من المتاجر يغلق أبوابه ، ذلك لأن التأثيرات الأجنبية التى تحققت من خلال " مواطنة " أعداد هائلة من الجاليات الأوروبية لم تندثر من المدينة بصورة كاملة بعد . لكن الصورة التى رسمها داريل فى رباعية الإسكندرية ـ على حد تعبير صلاح عبد الصبور ـ تنتمى إلى داريل أكثر مما تنتمى إلى الإسكندرية " فالإسكندرية ليست هى مدينة هذه الحفنة من الأجانب والمتمصرين ، وليس هى مخادع اللذة وأندية الشواذ والمغامرين ، بل هى مدينة ممتدة مليئة بالرجال والنساء الذين يصنعون الحياة ، ويأكلون العيش بعرق الجبين " ( عالم القصة ـ العدد الرابع ) . ويقول صديقى الكاتب المسرحى الكبير الفريد فرج ، إن انتباه داريل ـ قبل أن يكتب رباعية الإسكندرية كان متجها إلى مجتمع الأجانب والمتمصرين دون المصريين ( الأهرام 15/3/1998 ) . المعنى نفسه يورده إدوار الخراط ، فإسكندرية داريل هى أسطورته الشخصية أولاً وأخيراً ، أسطورة تكونت من مشاهد خارجية التقطتها عين أجنبية ، ومشاهد وأخيلة تخلقت فى نفس منفصلة محجوزة عن قلب البلد وروحها ، بانحيازات رازحة وراسخة . داريل لم يعرف من الإسكندرية إلاّ سطحها الخارجى ، قشرتها السطحية : بيوت ومكاتب الديبلوماسيين والموظفين والملاك . الفئة الفوقية من المتمصرين الذين لم يعرفوا من مصر سوى أنها البقرة الحلوب ، يطفون على عباب مدينة تمور بالحياة ، كالزبد أو الرغوة . الشوارع والبيوت ـ والأحياء أحياناً ـ التى كانت محرّمة على أولاد البلد . ما كتبه عن الإسكندرية هو موقع أو حالات نفسية للأجانب ولأشباه المصريين ، أو مجرد استعارات وأقنعة مصنوعة وزائفة للمصريين أو المتمصرين ، الذين لم يعرفوا من مصر إلاّ كيف يستغلونها . أما الوطنيون ، فهم الخدم والبغايا وغيرهم ممن يحيون فى الهامش ، وينظر إليهم الكاتب بنفور ، وبعدم مبالاة فى الوقت نفسه ( الأهرام 16/7/1996 ) . ويضيف إبراهيم فتحى أن رباعية داريل " تموج بأنماط عجيبة من البشر لا تجد بينها وجهاً واحداً نتعاطف معه ، أو يعكس صورتنا الحقيقية . لقد كان داريل يصور الإسكندرية المستلقية فى حلمها الأزرق كأنها إحدى الزواحف القديمة ، يغمرها الضوء البرونزى الذى تلقيه البحيرة " ( إبراهيم فتحى : العالم الروائى عند نجيب محفوظ ـ 126 ) . لقد اختار داريل شخصياته كلها من جو الأقليات الوافدة إلى الإسكندرية : اليهود واليونان والإيطاليين والفرنسيين والأرمن والإنجليز وغيرهم ، ومع ذلك فإن اختياره اقتصر على فئة من الوافدين انغلقت على نفسها تماماً ، فهى تجد فى الإسكندرية مكاناً ، محل إقامة ، دون أن تحاول التفاعل معها كشعب أو كمدينة ( أفكار معاصرة ـ 242 ، 243 ) . وعموماً ، فإن داريل كتب عن الإسكندرية ، مستمداً من ثقافته لا من تجاربه ، ومن ثم فقد جعل الإسكندرية مدينة إغريقية أو متأغرقة !. إنها ـ على لسان كليا ـ تتراوح بين الوهم والحقيقة ، بين الواقع والصور الشعرية التى يثيرها اسمها بذاته فى الأعماق ( كليا ـ 11 )
***
والحق أنه من الصعب أن أجرى شخصياً مقارنة بين ما كتبته وما كتبه مبدعون آخرون ، لكن الذى أستطيع تأكيده أن الكتابة عن الإسكندرية ـ وبحرى تحديداً ـ حلمى القديم ، الجميل ، الذى يرافق محاولاتى الإبداعية منذ بداياتها . السؤال : لماذا ، لم أناقشه ـ بينى وبين نفسى ـ على الإطلاق . فقد كانت الكتابة عن حى الطفولة والنشأة والسمات المميزة والبيئة التى تختلف عن مثيلاتها فى أحياء الإسكندرية الأخرى .. كانت شيئاً أشبه بالقدر .. لكننى أملك ـ فيما أقدّر ـ طرح بعض الآراء التى تناولت رباعية داريل ، ثم أترك للقارئ ـ قارئ أجزاء الرباعية وقارئ هذا المقال ـ أن يتعرف إلى ما ينشده من أوجه الاتفاق والاختلاف ..
***
يقول الناقد الإنجليزى جلبرت فيلبس : " إن داريل يبذل قدراً كبيراً من الطاقة فى رباعية الإسكندرية ، لكنها أقرب تماماً إلى أن تكون طاقة ذهنية ، ناشئة من الذهن ، وموجهة إليه ، ولا يمكن مقارنتها بذلك التعاطف الخيالى العميق الواسع المدى الذى يميز القصة العظيمة فى أى عصر ، والقيم الإنسانية فى رواياته هزيلة ومهتزة ، فالروايات توهم بأنها تحلل الحب ، ولكن أين هذه الأمثلة للعلاقات الإنسانية التى يمكن وحدها أن تدعم الدعوى وتؤيدها ؟.. إن المهارة هنا مهارة ذهنية ، أو متعلقة بالسلوك الجنسى المطلق فى الحب . إنه جنس فى الرأس ان صح التعبير ( مجلة " نادى القصة " ـ نوفمبر 1970 ) .
قدم داريل الإسكندرية المدينة ، التى لا هى باليونانية ولا السورية ولا المصرية ، لكنها خليط ، شئ مشترك من كل هؤلاء ، بل إن بعض شخصياته الأجنبية ـ ومعظم شخصيات الرواية من الأجانب ! ـ كانوا يجدون فى فلسطين ملاذاً مرتقباً لليهود ، وللجاليات الأجنبية فى مصر " لو استطاع اليهود أن يكسبوا حريتهم ، فإننا جميعاً سنكون فى يسر وهناء . إنها أملنا الوحيد " ( ماونت أوليف ـ 251 ) . لكن مدينتى هى الإسكندرية السكندرية ، الإسكندرية المصرية التى ينتمى أهلها إليها بتعاقب الأجداد ، وبالميلاد والطفولة والنشأة وأفق المستقبل .
***
إذا كان البحر المتوسط صغيراً للغاية ، فإن عظمته وامتداد تاريخه ـ والقول للورانس داريل ـ يجعلاننا نتخيله أكبر مما هو عليه حقاً [ يلتازار ] . وقد تحققت العظمة وامتداد التاريخ على أيدى هؤلاء الذين يحيون على سواحل المتوسط ، والسكندريون ـ كما تعلم ـ يحيون على سواحل المتوسط ..
الإسكندرية البعيدة عن الأحياء الوطنية ـ فى رواية داريل ـ ليست مدينة مصرية ، لكنها مدينة متأغرقة ، هى ليست إسكندرية القرن العشرين ، ولكنها إسكندرية القرون الوسطى . فحين انهارت دولة الإسكندر المقدونى ، واقتسمها أتباعه ، ازدهرت عواصمهم الصغرى ، مثل إنطاكية وإسكندرية وغيرهما من مدن الشرق الأوسط القديم . وكانت هذه المدن تحاول أن تتمسك بطابع سادتها الإغريقى ، وتحاول أن تتمثل الثقافة الإغريقية وتعيد بعثها فى أثواب جديدة ومظهر جديد . وحين انتشرت المسيحية فى هذه المدن تصالحت المسيحية مع النزعة الإغريقية ، ومن ذلك كله ولدت نزعتان دافقتان قويتان ، كانت أولاهما عطاء مسيحياً فى أصله ، مختلطاً بالوثنية القديمة ، وذلك هو فلسفة الأفلاطونية الجديدة التى ابتدعها إغريقى سكندرى هو أفلوطين . وكانت ثانيتهما عطاء وثنياً فى جوهره ، محتكاً بالمسيحية الناشئة ، وهى النزعة الحسية المسرفة ، حين تتوزع بين صبوات الجسد ، ثم تتلذذ بعد ذلك بالندم على الخطيئة . ومن استشراف الأفلاطونية الجديدة وتصوفها وإيمانها بالروح ، ومن إيمان الوثنية القديمة بالحس والشهوة والخطيئة ولدت الروح الهلنستية أو المحاكاة للهيلينية ، والمتأغرقة أو المحاكية للإغريقية . ولأن داريل كان يكتب عن الإسكندرية مستمداً من ثقافته لا من تجاربه ، فقد جعلها مدينة هلنسنية أو متأغرقة .. الإسكندرية ـ فى تقدير لورنس ـ عاصمة أوروبا الآسيوية ، حيث تهيمن الفرنسية والإيطالية واليونانية على المشهد كله ، وكل شئ مصبوب فى قالب أوروبى ( مانت أوليف ـ 181 ) . بل إن جوستين تتشابه مع الإسكندرية فى أن لكل منهما نكهة قوية ، دون أن يكون لها شخصية حقيقية ( جوستين ـ 154 ) . ويصف داريل إسكندرية الحرب العالمية الثانية بأنها عاصمة أوروبا الآسيوية . إذا كانت القاهرة تصب حياتها كلها فى قالب مصرى ، حيث العربية هى لغة الجميع ، فإن الأحاديث فى الإسكندرية يهيمن عليها الفرنسية والإيطالية واليونانية " الجو المحيط هنا ، والسلوك الاجتماعى ، وكل شئ مختلف . إنه مصبوب فى قالب أوروبى ، حيث تعيش الإبل وأشجار النخيل وأهل البلد المتلفعون بالعباءات ، يعيشون فقط ، وعلى نحو ما ، كحاشية وضاءة ملونة ، كخلفية وضاءة ملونة ، كخلفية قماشية لحياة مقسّمة إلى أصولها المختلفة " ( مانت أوليف ـ 181) . إنها " خمسة أجناس ، وخمس لغات ، ودستة من المذاهب : خمسة أساطيل تدور بظلالها اللزجة عبر البحر خلف حاجز الميناء . إلاّ أن هناك ما يزيد على خمسة أجناس يبدو العنصر اليونانى الشعبى متميزاً فيما بينها " ( جوستين ـ 12 ) . ويقول : " إن عقل مصر هو مجتمعها الأجنبى " ( مانت أوليف ـ 130 ) . ويتحدث الراوى فى " كليا " عن نسيم الذى بدأ " المصريون " فى تجريده من ممتلكاته ، فانشغلت الإسكندرية كلها فى الدفاع عن عزيزها ( كليا ـ 142 ) ، ومن الواضح أنه عنى بكل الإسكندرية الوافدين إليها من أبناء الجاليات الأجنبية . وإذا كان اليهود ـ فى ثنايا الرواية ـ يتطلعون إلى أرض الميعاد ، فإن الأقباط يمثلون أقلية مستضعفة ومقهورة . الرواية تحفل بعبارات التكريس للعداء المختلق بين المسلمين والمسيحيين . والكاتب يرى أن الإسكندرية التى تبدو مسالمة فى ظاهرها ، لم تكن ـ فى الحقيقة ـ مكاناً مأموناً للمسيحيين " ( جوستين ـ 169 ) . يقول على لسان قبطى مصرى : " إننا الأخوة المسيحيين طابوركم ـ الأجانب ـ الخامس فى مصر " ( مانت أوليف ـ 143 ) . ويتحدث عن حركة سرية ينظمها الأقباط للاستيلاء على الحكم ، وتحرير البلاد من المسلمين ، تستعين فى ذلك بتسليح البدو ( مانت أوليف ـ 275 ) .
لقد عاش داريل فى الإسكندرية فعلاً لوقت قليل خلال الحرب العالمية الثانية حين كان يعمل فى المخابرات البريطانية ، ولكن هذه الحياة المعزولة بطبيعتها ، الضائعة فى صمت التكتم والتآمر لم تتح له الفرصة لمعرفة الإسكندرية بناسها الخلص ونبضها الصادق ، فقد كان كل من يراهم فلولاً من المتمصرين والأجانب والمغامرين والجواسيس المزدوجين ، وكل أولئك البشر حين ينتظم خيط فنى لا يصنعون إلاّ عملاً وثنياً مليئاً بالخطيئة والندم مثل رباعية الإسكندرية " ( مجلة " عالم القصة " ـ العدد الرابع ) . يضيف أحمد بهاء الدين ـ وأعتذر لأن سأنقل نصاً مطولاً ، لكنه مهم للغاية ـ أن داريل يرسم للإسكندرية صورة بنفسجية بديعة ، بكل ما فيها من تفصيلات وضواح وأسماء : محطة الرمل وشوارع سعد زغلول وصفية زغلول والسبع بنات والنبى دانيال وفندق سيسل ومطاعم المكس المطلة على البحر ورمال العجمى البيضاء ، ولكنه يرسم للمجتمع صورة تنزف بالصديد ، ويرسم للمهاجرين صورة تنزف بالصديد ، لا يكاد المرء يعثر فى رواية على شخصية فيها صراع بين القوة والضعف . كل البشر عنده تقريباً مشوهون من الداخل ، مستسلمون تماماً للضعف والنقائص بدون أية مقاومة أو صراع ، واستكمالاً لهذا الإحساس حشد الكاتب فى قصته عدداً لا مثيل له من ذوى العاهات : ليزا الجميلة الفاتنة عمياء ، وسميرة عذراء الإسكندرية بدون أنف ، نيروز شقيق نسيم مشقوق الشفتين ، نسيم نفسه يفقد إحدى عينيه خلال الغارات ، وتنتهى القصة وهو بعين واحدة ، و " كليا " الرسامة تنتهى القصة ويدها التى ترسم بها مصابة ( أفكار معاصرة ـ 248 ، 249 ) . وانطلاقاً من ذلك كله ، فإن أحمد بهاء الدين يعلن ثقته فى أن التاريخ الأدبى لن يضع داريل فى مصاف الأدباء العظام ، لأن كاتب القصة العظيم ـ فى تقدير بهاء ـ لابد أن تكون فيه صفة مهمة جداً ، وهى الإحساس بأنه يتعاطف مع الإنسانية الممثلة فى أبطال قصصه ، كلهم ، أو بعضهم . داريل لا يروى قصة الحياة ، لكنه يروى فضيحتها ، وهو يحاول أن يدس فى نفس القارئ إحساساً بالشماتة لا بالعطف ( المرجع السابق )
من ناحيتى ، فقد أدهشنى أن داريل جعل السيالة حياً للبغاء ، وهو حى له عاداته وتقاليده ومعتقداته الدينية . برر داريل ذلك الخطأ المعيب فى حوار مع صديقى فتحى الإبيارى بأنه اقتبس " الصورة " من حى كلوت بك القاهرى !.. وكانت ميليسا فى رباعية داريل مومساً محترفة ، فاضلة ، ولم تكن أنسية ـ كما تعرف ـ كذلك . لم تكن أنسية مومساً ، إنما هى فتاة مصرية عانت مأزقاً ، وأمضت الكثير من سنى عمرها فى محاولة اجتيازه ..
***
تبقى ملاحظة مهمة يجدر بى أن أشير إليها : إن رباعية بحرى تختلف عن رباعية داريل وميرامار نجيب محفوظ ورجل فتحى غانم الذى فقد ظله ، فى أن الفصول / اللوحات منفصلة ، متصلة ، وأن الرواية لا تتكرر عبر تعدد الأصوات ، فالصوت واحد سواء أكان الراوى العليم ، أو الراوى المشارك ، أو من خلال التداعى ، والمونولوج الداخلى . روايتى بوح الأسرار هى ما ينتسب ـ بالفعل ـ إلى تعدد الأصوات . الحادثة الواحدة يتعدد رواتها ، كل من وجهة نظره . لذلك فإنى أسمح لنفسى بأن أختلف مع صديقى الناقد شوقى بدر يوسف فى أن رباعية بحرى تحتفى بالشكل نفسه الذى سبق أن ظهرت عليه رباعية داريل ( الرافد ـ ديسمبر 2001 )
***
أصارحك أنى لم أفهم قول ا . م . فورستر إن السكندريين لم يكونوا أبداً مصريين حقيقيين ( الإسكندرية تاريخ ودليل ـ 48 ) . دعك من حكاية الموقع الفريد ، وغيرها من التعبيرات التى تحاول أن تنزع عن الإسكندرية صفتها الوطنية [ لا يخلو من دلالة وصف ا . م . فورستر الرياح الشمالية الباردة بأنها القديس ـ الولى ـ الحقيقى الحارس للإسكندرية ] . وبالتأكيد فإن أهل الإسكندرية ـ أو غالبيتهم ـ ليسوا امتداداً خالصاً لأبناء الإسكندرية القديمة . ثمة القادمون من الصعيد ومدن الدلتا . ومع اعتزازى بسكندريتى ، وأنها كانت هى بداية تعرفى إلى كلمة وطن ، فإنه من الصعب أن أهمل انتماء أبى إلى عائلة من بركة غطاس بأبو حمص ، ومولد أمى فى دمنهور . وأذكر قول صياد حلقة السمك فى ثقة ، إن السكندرى الحقيقى أصله من رشيد . لا يخلو التعبير ـ بالطبع ـ من مبالغة ، لكن المعنى الذى يهمنى إظهاره أن الكوزموباليتينية التى كانت لإسكندرية ما قبل الحرب العالمية الثانية ، وربما إلى حرب 1956 ، قد انتهت إلى أهلها الوطنيين [ أذكرك بروايتى الشاطئ الآخر ] . وأعداد كبيرة منهم ليست من مواليد المدينة ، أو أن آباءهم ليسوا كذلك . الإسكندرية تكوين فى الجغرافية المصرية ، قطعة من الزمكانية المصرية . المواطن السكندرى هو ابن راقودة وفاروس والصعيد والدلتا والبحر والبادية . هو تلاقى ذلك كله ، واختلاط ذلك كله . قال داريل إن الإسكندرية لن تتغير أبداً طالما استمرت الأجناس تموج هنا كالخمر فى دن من الدنان ( كليا ـ 77 ) . وقد تغيرت الإسكندرية . نزحت الأجناس التى كانت تموج فيها ، ولم يعد إلا أهلها
بالتأكيد فإنى أنتمى إلى موطنى الإسكندرية ، وإلى وطنى مصر ، وإلى قوميتى فى امتداد الأقطار العربية بهمومها ومشكلاتها وتطلعاتها ، وإلى انتمائى إلى المجتمع الإنسانى فى إطلاقه . ولعل فورستر يدحض رأيه الغريب فى تأكيده ـ هو نفسه ـ بأن الأجانب لم يختلطوا بأبناء الإسكندرية الأصليين إلا نادراً ! ( الإسكندرية تاريخ ودليل ـ ت . حسن بيومى ـ المجلس الأعلى للثقافة )
***
البحر عندى امتداد لليابسة ، وبالتحديد هو امتداد لبحرى الصيادين والحلقة والبحارة وعمال الميناء والجوامع وأضرحة الأولياء والمقاهى وحكايات الموروث الشعبى . البحر امتداد للبيئة الساحلية ، للأنشطة التى تعتمد على ركوب البحر والصيد . فضلاً عن رائحة الملح واليود والطحالب والأعشاب . الرائحة التى لا تخطئها أنفى حين أقترب من بحرى . تبدو كأصوات هامسة فى الميناء الشرقية ، ثم تعلو الأصوات ، وتتضوع الرائحة فى الاقتراب من امتداد الطريق إلى معهد الأحياء المائية وقلعة قايتباى ، وانحناءة الطريق إلى الأنفوشى ..
مفردات البحر هى : الأمواج ، الرمال ، الأسماك ، الطيور ، الصخور ، الطحالب ، الأعشاب ، السماء ، الشمس ، القمر ، النجوم ، الأفق ، السفن ، الصيادون ، البحارة ، عمال الميناء ، الموانى ، البواغيز ، الفنارات ، الحاويات ، الأوناش ..
البحر مكان وزمان وأحداث وموروث وواقع يومى ودلالات . إنه الرزق والمغامرة والحرية والآفاق اللامتناهية والجمال والخوف والجو المتمايز ، المعتدل ، والنافذة التى تطل على العالم . تناقضاته هى تناقضات الحياة نفسها ..
البحر فى أعمالى كيان ، شخصية ، محور ، مكان ، سيد ، يهب تأثيراته فى البيئة من حوله ، ويحرك الأحداث ..
البحر عندى هو الموطن ، هو بحرى ، والطفولة ، والنشأة ، والذكريات الملتصقة بلحم جسدى ..
أتذكر قول فورستر ـ تانى ! ـ " إن الطريقة المثلى لرؤية الإسكندرية هى أن تتجول فيها فى هدوء ، وبلا هدف " . أواصل السير ـ الآن ـ فى شوارع بحرى وميادينه وحواريه وأزقته . أتأمل البيوت والدكاكين والجوامع والزوايا والمقامات والأضرحة والمقاهى والأسواق والساحات . كل ما انطبع فى ذاكرتى وألفت رؤيته تغير . اختلط بما لم يكن موجوداً ، أو اختفى .
***
أتمنى أن أظل أكتب ، وأكتب، بينما نظراتي تتجه إلى البحر.
" محمد جبريل ".







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 18-12-2008, 02:29 AM   رقم المشاركة : 60
معلومات العضو
د. حسين علي محمد
أقلامي
 
إحصائية العضو







د. حسين علي محمد غير متصل


افتراضي رد: أوراق خضراء: مقالات مُختارة

(52) سذاجة فكرية

بقلم: د. محمد عمارة
.............................

ليس هناك ارتباط ضروري ولا علاقة عضوية بين الإعجاب بالثورة والمقاومة وتأييدها وبين الإعجاب والتأييد لعقائد ومذاهب الثوار والمقاومين ...
لقد انبهر العالم ببطولات الجيش السوفيتي في معركة " ستالينجراد " التي فتحت الطريق أمام انهيار النازية والفاشية ـ في الحرب العالمية الثانية ـ وذلك دون أن تكون هناك حتمية للانبهار والإعجاب بالعقيدة والأيديولوجية التي كانت تسود يومئذ في الإتحاد السوفيتي ..ولم يقل عاقل إن ماركسية قائد هذا الجيش ـ "ستالين" {1879-1953} ـ هي التي صنعت هذه البطولات ..
ولقد أيدنا جميعا المقاومة الفيتنامية الباسلة ، وأعجبنا ببطولات الشعب الفيتنامي ضد الاستعمار الفرنسي والأمريكي ....لكننا لم نمنح هذا الإعجاب للبوذية الفيتنامية ، ولا لماركسية الحزب الشيوعي الفيتنامي ، الذي قاد هذا النضال وسطر تلك البطولات ...ومن ثم لم يتحول أحد منا إلى البوذية ولا إلى الشيوعية ـ كما يطلب هذا التحول اليوم بعض السذج الذين يربطون مقاومة حزب الله لإسرائيل بالشيعة كمذهب والتشيع كعقيدة ـ فيطلبون من بعض الشباب ـ السذج ـ التحول عن السنة إلى الشيعة ! ..
ولقد سبق أن كان كل أحرار العالم ـ من كل الديانات والمذاهب والفلسفات ـ مع المقاومة البطولية للشعب الفرنسي ضد الاحتلال النازي ـ إبان الحرب العالمية الثانية ـ وهي المقاومة التي قادها الشيوعيون الفرنسيون ـ بقيادة بوريس توريز {1900-1964}ـ وانخرط فيها الوجوديون الفرنسيون ـ وفي مقدمتهم "جان بول سارتر" {1905-1980م} ـ وذلك دون أن يمتد هذا التأييد العالمي لشيوعية الحزب الشيوعي الفرنسي ولا إلى وجودية الوجوديين الفرنسيين المقاومين للنازية !..فتأييد المقاومة شيء ، والإعجاب بعقائد المقاومين و التمذهب بهذه العقائد شيء أخر ومختلف تمام الاختلاف !..
واليوم ...يمنح أحرار العالم إعجابهم وتقديرهم وتعاطفهم لتيار اليسار المتصاعد في أمريكا الوسطى والجنوبية ..ويؤيدون زعامات هذا اليسار ـ من "كاسترو" إلى "شافيز" ..هذا اليسار الذي يقاوم الطاغوت الإمبريالي الأمريكي ، وذلك دون أن يعني هذا الإعجاب والتأييد لهذا اليسار التحول إلى المذاهب والأيديولوجيات التي يتمذهب بها هؤلاء القادة اليساريون المقاومون للطاغوت الأمريكي وللظلم الاجتماعي الذي يدعمه هذا الطاغوت ...
بل لقد سبق لجماهير عريضة من شباب العالم أن فتنت بالمقاومة الأسطورية "لجيفارا" ( 1928 ـ 1967) ! ....لكنها لم تفتن لا بالماركسية ...اللينينية ...الماوية " التي حركت هذا البطل الأسطوري جيفارا !
وقبل ذلك ..سبق لأحرار العالم أن تابعوا ـ بإعجاب ..وانبهار ـ مسيرة الثورة الصينية الكبرى التي قادها الزعيم الصيني "ماوتسي تونج" {1893-1976} وحزبه الشيوعي ضد كل قوى الاستعمار والرجعية التي احتلت الصين وقهرت شعبها العظيم ..لكن هذا التعاطف وذلك الإعجاب لم يستلزم التحول إلى شيوعية ماوتسي تونج وحزبه ...ولا إلى كونفشيوسية الشعب الصيني ...ذلك أن تأييد المقاومة للظلم والاستعمار ليس من شروطه التحول إلى مذاهب الذين يقاومون الظلم والاستعمار ...وإلا لكان علينا أن نكون في حالة تحول دائم ومستمر إلى المذاهب والأيديولوجيات التي يتمذهب بها المقاومون والثوار !!..
إنها السذاجة الفكرية التي تريد أن تربط بين تأييد المقاومة وبين المذاهب بمذاهب المقاومين ...
......................................
*المصريون ـ في : بتاريخ 2 - 4 - 2007م.







 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
غيمة خضراء @ الزهراء عبد ربه محمد اسليم منتـدى الشعـر المنثور 0 29-09-2007 06:48 PM
أوراق مبعثرة..... ريمه الخاني منتدى القصة القصيرة 3 10-05-2007 03:42 PM
الجزء الثاني / ورقات على هامش مؤلف" أوراق " عبدالله العروي محمد المهدي السقال منتدى البلاغة والنقد والمقال الأدبي 0 21-04-2007 12:54 AM
ورقات على هامش مؤلف" أوراق " عبدالله العروي محمد المهدي السقال منتدى البلاغة والنقد والمقال الأدبي 0 18-04-2007 04:27 PM
أوراق تشكيلية وحكايتي مع اللوحة ؟؟ ومحمد بدر حمدان ؟؟واللوحة القصيدة ؟ عبود سلمان منتدى الفنون والتصميم والتصوير الفوتوجرافي 1 30-09-2006 05:47 AM

الساعة الآن 10:25 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط