[align=center]رسالة إلى الصديق خالد جبور* [/align]
***[/center]
لا أعرف لماذا يُلح عليَُ زراديشت بأن أتلفع هندام تزهده هذه الأيام ، مذكرا إياي ، بملاحظة عميقة لصديق قديم أكلته أيام النسيان قالي لي فيها : أنت... ! !ستصبح ذات يوم إما متزهدا كبيرا… أو كاتبا أكبر.. !
لا أخفيك بأن غرابة الملاحظة تلك ، جعلتني لا أكف عن البحث عن إجابة مقنعة . ولكن،عبثا كنت أحاول ! !
و حتى هذه الساعة مازلت أبحث عن إجابة... ! !
شيئ أكيد ، هو أن الزهد بذرةُ حراك لا يهدأ في دواخلي .فجر يتجدد عبر كل طلوع .و نزيف عطاء لا أبخل به إلا على روحي .
و أما بالنسبة للكاتب الكبير... ! فإن قراءة متأنية في الهامش ، و ما يخفيه من عظمة المواهب الصغيرة التي تصقل التجربة في صمت و سكينة وثقة ، تجعلني متيقنا باستحالة الكِبر ، وعظمة الآخر الغريب... ! !
***
لقد بحثت مرارا في دواخلي ، أنا أيضا عن أرض السكينة ، و البساطة و الإنتماء ...عن أرض الفكرة العالمة و الخطوة الواثقة ، و الجرعة الراوية .فذهبت في طلب ذلك إلى أرض الشام ، و طلًَقت الدراسة ، ألثم جراحات وطن ملطخ بدماء أبنائه ، و هاربا من لحاظ الحبيبة الذئبة .سكنت بباب تومة ، و شربت من صلوات كنائسها ، ثم عطشت إلى مشربياتها ، في الغوطة التي لا تنضب من سقي الروح . في الغوطة كانت لي معارف ألفية لإخوة لي لم تلدهم أمي ، وعبير ورود ظل عبقها يجتذبني حتى الساعة .و عند قبر صلاح الدين ،إبتعت من حنين الفتوًَة الكثير ، وصورت وجهي صنوفا ، عند زوايا المسجد الأموي .
- أتساءل اليوم ، إن كانت تذكرني تلك الزوايا ؟ و هل مازال وجهي معلقا بها.. هناك كوجه الحسين ؟
بعدها ،حملت أسئلتي إلى ، تركيا . و علمت بأن جزءا كبيرا من شعب قاسيون ، إحتُجِزَ في الإسكندرون .و ظل الكبار فقط يحافظون على سِرٍِ لغة كانوا يتغنون بها ، أيام الطفولة الفحلاء ، و التغريبة الشامية القديمة ..القديمة جدا جدا...
حين تحدثت إلى أحد شيوخ المنطقة - وكانت الساعة فجرا – كانت لغته المظخًَمَة بلكنة تركية متلعثمة ، و قريبة من العربية (الكسيرة) ، تُذكرني بمصير هذا الوطن الكليم الذي ينهشه ذئب الزمن دون رحمة ، وتصرًُ عليًَ بالبحث عن دمعة حنين متحجٍِرة في مآقي ذلك العجوز ...و لكن ....و لكنني عبثا كنت أبحث.. ! !أو..أو ربما رأيتها في ليلة سكر تليدة مع محمود العربي في فندق البايازيت ، باسطمبول ،و لم أكترث بها ،لأن الجراحات المستترة ، تنفتح في حظرة السكر ، و تَبْتلع صاحبها و لا تُبقي له إلا الروح المحلقة.
يا صديقي ...في إسطمبول ، كان المكان باردا ...باردا جدا ..
و كانت اللغة وطنا عظيما للغريب .و للتاريخ نكهة التوحد الأغرب .للعمارة لون الحزن.للمرمرى نافذة الإمتداد الذي لا ينتهي عند باب الوطن .وللمسجد المحتظن للكنيسة ، نكهة النحيب السري الجميل .
لقد مرًرْت بروحي على حيطان المدينة الرمادية ، وبكيت كالطفل الذي يعرف كل الأشياء .بكيت لرجال ماتوا عند عتبة أوطاننا ، ثم طردونا منها بكل احترام ، وفتحوا الباب للغزاة.... ذات زمن ...جدًُ بعيد . ! بكيت لآبائنا الذين صدًَقوا كذبة التاريخ حين أملاه السلطان عليهم لكي ينعموا بالدفئ و الأمان ، بدل الحروب و الخراب. بكيت لحلم شاب جميل تملأ صوره المكان ، حين أبهرته فرنسا وثورتها ، و حلُمَ في الكلية العسكرية في تولوز ....حلُم بإسقاط العجل المريض و إخضاع الكنيسة و المسجد للعقل...بكيت لكل تلك الأشياء ...كطفل! !
و هأنذا اليوم مثلما كتب غسان كنفاني إلى غادة السمان " متروك هنا كشيئ " يطحنني اليقين بأن الزهد كالخراب ، ليس يُبْقي في القلب ماءا إلا و يَذرِفُهُ . لم يعد " في الجبة غير الله" .و حتى الكلمات التي جلبتها من أرض الرخام التي كان "بيار لوتي" يكاتب من عليها أصدقاءه وقد ضمًَخه عبير المرمرى ، لم تشفع لي دخولي الجزائر بعد ذلك بطلا تنتظره الحبيبة بباقة الورود ، أو جريدة تحظن عودة الإبن الظال .
أكدت لي التجربة ، مع مرور الزمن الفاقد للذاكرة بامتياز .أن هناك صنوف من الرجال ، لن يهتدوا أبدا ..
أكدت لي التجربة ...بأنني من هذا الصنف الجامح الذي لا يُرَوًَضْ .أي أنه لا يعمر في أرض إلا ذاكرة بسيطة ، و لا يبذر في أرضِ زرعٍ إلا فاكهة موسم واحد فقير .و لا يعطي لأصدقائه من العمر إلا عمرا واحدا ..لكنه يعطيه كاملا لا تشوبه شائبة.
لماذا يصرًُ عليًَ زاراديشت هذه الأيام بان أتقمص روحه ؟ و لماذا حددت الأشياء هكذا في رسالتي إليك صديقي خالد ؟؟؟ لا أعرف .. !
كل ما أعرفه يقينا ، هو أنني لا أجد تفسيرا لكتابتي ، و لا تبريرا لهذا الكلم الذي انبثقت روحه من الكلمات الجميلة البسيطة التي جاءت في رسالتك ، و التي لامست دخيلتي بعمق .فشكرا.
هل ما زلت أبحث عن إجابة للسؤال القديم ؟؟
و كما جاء في قصيدة لدرويش ساقول "
و لأنني ما زلت أسأل ، لا أرى شكلا لصوتي غير قبوي "
ملاحظة . أنا لا أعيد أبدا قراءة الرسائل التي أخطها .و ما كُتب لا أراجعه. فاقرا الرسالة عوضا عني ، واحذف ما تشاء ، أو إلغِ الرسالة كلها. أليس هذا ما يقال عنه " الصدق" يا صديقي "الصدوق" . دمت
---------------------------------
خالد جبور* : شاعر من فلسطين