إسلاميات ..
من الشواهد الكثيرة التي ذكرها كتاب الله والتي تثبت أن بني إسرائيل وموسى كانوا في جزيرة العرب، ما ذكره القرآن عن تفسير يوسف عليه الصلاة والسلام، لرؤيا الملك، تقول سورة يوسف:
وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ. قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ. َقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ. يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ. قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ. (يوسف: 43-49)
فيوسف فسر الرؤيا على أن البلاد سيمر عليها سبع سنوات من المطر والغيث، وأن عليهم أن يخزنوا ما يستطيعون منه بسنابله، لأنه سيعقب تلك السبع سنوات المطيرة، سبع سنوات شداد، من الشدة، بسبب توقف هطول الأمطار، وبالتالي يمكنهم أكل ما تم تخزينه.
بعد ذلك وفي السنة التالية للسنوات السبع الشداد، سيكون هناك سنة مطيرة، حيث سيأكل الناس مما يزرعونه فيها ويعصرون زيوتهم من شجرها.
وألاض بلاد النيل، مصر الحالية، لا تعتمد على مياه الأمطار، لا في الوقت الحاضر ولا في أوقات الفراعنة. بل تعتمد على جريان النيل.
ولذلك لا ينتظر الناس فيها الغيث لكي يزرعون، وليس لديهم ما يعرف بالزراعات البعلية المشهورة حتى اليوم في جنوب غرب جزيرة العرب، والتي تعتمد على مياه الأمطار، حيث يغرسون بذور الحبوب، مثل الدخن، وإذا ما جاء المطر سقاها فنبتت وأثمرت. وزرع الناس وعصروا زيوتهم/ وإذا احتبس المطر فلا زراعة ولا عصر.
ومن الشواهد أيضاً أن الأرض التي عاش فيها يوسف كانت تعتمد على الرعي وليس على الزراعة، أن يوسف ذهب مع إخوته لرعي الغنم، وأنهم ألقوه في جب، أي بئر ماء، ومورد يرتاده المسافرون والرحل.
أما بلاد النيل فتعتمد زمن الفراعنة على الزراعة وتربية الحيوانات تتم فيها إعتماداً على زراعة الأعلاف، وليس الرعي. ولو كان يوسف يعيش في بلاد النيل لتخلص منه إخوته بطريقة تتوائم مع بيئة بلاد النيل، مثل شد وثاقه في قارب وتركه يجري مع جريان النيل، وليس بإنزاله في بئر، يدل على أن تلك البيئة بيئة بدوية رعوية تتناسب مع بيئة تهامة أو شرق جبال عسير في غرب جزيرة العرب.
َقالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ. قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ. أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ. قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ. قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَّخَاسِرُونَ. فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ. وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ. قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ.(يوسف:10-17) .
..
..............................................
سنّة الأوّلين
تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها
ابن قرناس
منشورات الجمل
وصلتني صفحات من هذا الكتاب, من أحد الزملاء الكرام, عبر الإيميل, تتعلق بموضوع الكتاب الذي أقدمه هنا, ولم استطع الحصول على الكتاب, ولا أملك معلومات عن الكاتب الذي ورد اسمه "كما قدمته", على غلاف الكتاب.
...........................................
... كمشري ومصري في لوحة ميتانية وجدت في شمال غرب العراق وجهت إلى فرعون مصر وفي لوحة آشورية ونص من رأس شمرة في شمال سوريا, كما وردت كلمة مصرم في نص فينيقي يعود إلى أوائل الألفية الأولى قبل الميلاد.
وجاء ذكر مصر عند البابليين, كما ذكرها المعينيون في اليمن.
ولكن مصر المذكورة هنا ليست بالضرورة مصر الحالية, لأن بلاد النيل في الفترة التي كتبت فيها تلك الرسائل لم تسمّى مصر بعد.
وتكون مصر الوارد ذكرها هي مصر فرعون موسى التي في جنوب غرب الجزيرة العربية, والتي قد تكون قد توارث حكمها سلسلة من الفراعنة على مدى قرون من الزمن, كان هناك الكثير من التواصل بين العراق وفارس وبين اليمن*.
.....................*
ويكيبيديا الموسوعة الحرة: www.wikipedia.org/wiki
.................................................. ...............................
فإذا كان العالم اليهودي الإسرائيلي يقر بأن الواقع والحقيقة والآثار والدراسات أثبتت بأنه لم يكن هناك وجود لليهود في فلسطين في زمن موسى, ولا حتى في زمن سليمان, فإن إبراهيم لم يكن موجودا هناك أيضا, وبالتالي فليس هناك مصلى ولا مسجد لله كان إبراهيم وموسى يصليان فيه.
تعقيب: "في فلسطين". انتهى التعقيب.
..........
وهنا علينا أن نرجع إلى ما يقوله القرآن الكريم وكتاب اليهود المقدس عن موطن إبراهيم عليه الصلاة والسلام الأصلي.
وأين ارتحل بعد أن هدده قومه بإحراقه.
.......................
إبراهيم في القرآن
يذكر القرآن في عدد من السور, كيف اهتدى إبراهيم لوجود الخالق وآمن به, قبل أن يأتيه الوحي ويطلب من قومه هجر عبادة الأصنام التي قام بتكسيرها في محاولة لإثبات أنها جماد لا تستطيع دفع الضرر عن نفسها فكيف يرجى أن تنفع غيرها:
وتالله لأكيدنّ أصنامكم بعد أن تولّوا مدبرين. فجعلهم جذاذا الاّ كبيرا لهم لعلّهم اليه يرجعون (الأنبياء: 57_58).
فعقدوا العزم على حرقه بالنار:
قالوا حّرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين. قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم. وارادوا به كيدا فجعلناهم الاخسرين (الأنبياء: 68_70).
وقبل أن ينفذ القوم حرق إبراهيم, طلب منه والده الرحيل وترك العشيرة وشأنها, وهو ما يتضمنه معنى "واهجرني مليّا" في قوله تعالى:
قال اراغب انت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنّك واهجرني مليّا (مريم: 46).
فقام إبراهيم بتنفيذ رغبة والده ونجا من مكائد قومه:
قال سلام عليك سأستغفر لك ربي انّه كان بي حفيّا. واعتزلكم وما تدعون من دون الله وادعو ربّي عسى الاّ أكون بدعاء ربّي شقيّا, (مريم: 47_48).
وخرج إبراهيم ومن آمن معه ومن بينهم لوط من أرض عشيرتهم:
فآمن له لوط وقال انىّ مهاجر إلى ربّي انّه هو العزيز الحكيم (العنكبوت: 26).
وذهاب إبراهيم إلى ربه لا يعني أنه سيصعد إلى السماء, ولكنه يعني الذهاب إلى مكان يعتبر بيتا للرب جلّ وعلا, وهو ما ذهب إليه إبراهيم ولوط ومن خرج معهم:
ونجّيناه ولوطا الى الارض التّي باركنا فيها للعالمين(الأنبياء: 71).
والأرض التي بارك الله فيها للعالمين المذكورة في القرآن هي التي فيها بيته الحرام:
انّ اوّل بيت وضع للنّاس للّذي ببكّة مباركا وهدى للعالمين (آل عمران: 96 ).
فإذا كانت أورشليم لم تظهر للوجود في فلسطين بعد, إضافة إلى أن أول بيت وضع للناس وباركه الله للعالمين هو في مكة, أفلا يعني أن الأرض التي بارك الله فيها لكل الناس والتي قصدها إبراهيم وبرفقته لوط ومن آمن معهم, هي مكة, والتي لا بد أنها قريبة لموطن إبراهيم الأصلي؟
ويكون إبراهيم خرج من قومه القاطنين أصلا في شبه الجزيرة العربية وفي غربها تحديدا, إلى مكة التي تقع قريبة من تلك المنطقة والمعروفة لديهم, لسبب وجيه هو الهرب بدينهم خوف الفتنة وخوف الاضطهاد والحرق بالنار الذي توعدهم به قومهم.
ولو كان إبراهيم في العراق كما يقول التراث اليهودي الذي سنأتي عليه لاحقا, فبإمكانه الهرب من عشيرته إلى مكان آخر في العراق الخصيب, ولن يحتاج إلى قطع مئات الكيلومترات عبر الصحارى القاحلة من العراق إلى فلسطين, التي لم يكن فيها بيت لله ولا مكان مقدس في ذلك الوقت.
وعندما وصل إبراهيم إلى مكة, اهتدى إلى مكان البيت العتيق, يقول تعالى:
وإذ بوّانا لإبراهيم مكان البيت ان لا تشرك بي شيئا وطهّر بيتي للطّائفين والقائمين والرّكّع السّجود (الحج: 26).
الذي يبدون أنه قد استخدم لعبادة الأوثان, وهو ما تشير إليه الآية بالقول:
وطهّر بيتي للطّائفين والقائمين والرّكّع السّجود (الحج: 26).
كما يكون قد لحقه الخراب ولذلك قام إبراهيم بعد سنوات وبعد أن ولد ابنه إسماعيل وبعد أن أصبح في سن تمكنه من معاونة والده بترميمه وإعادة بناءه:
واذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وسماعيل ربّنا تقبّل منّا انّك انت السّميع العليم (البقرة: 127).
وقد أصبح لإبراهيم مقام يصلي فيه عرف باسمه من كثرة تواجده:
فيه آيات بيّنات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على النّاس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فان الله غنّي عن العالمين (آل عمران: 97).
وهو ما يعني إن إبراهيم كان يقطن قريبا من مكة.
وفي إحدى المرات التي تواجد فيها إبراهيم في الحرم مع ابنه إسماعيل, حدث ما عرف بالرؤيا وكبش الفداء:
فلمّا بلغ معه السّعي قال يا بنّي اني ارى في المنام انّى اذبحك فانظر ماذا ترى قال يا ابت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصّابرين. فلمّا اسلما وتلّه للجبين. وناديناه ان يا إبراهيم. قد صدّقت الرّؤيا انّا كذلك نجزي المحسنين. انّ هذا لهو البلاء المبين. وفديناه بذبح عظيم. وتركنا عليه في الآخرين (الصافات: 102_108).
ويبدو أن الحادثة وقعت في موسم الحج فأصبحت الأضحية عيدا متبعا كما تقول الآية "وتركنا عليه في الآخرين".
أي ذكرى متبعة في الأجيال اللاحقة, والتي لا زال المسلمون يحيون ذكراها بذبح الكبش كما فعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
ولولا أن اليهود الذين يعملون بالتقويم القمري, مثل المسلمين, يزيدون شهرا كل ثلاث سنوات, لتوافق عيد الفصح مع عيد الأضحى لدى المسلمين الذي هو اليوم نفسه الذي حدث فيه فداء إسماعيل.
...................................هام جدا.............
والقرآن لم يأتي على ذكر هاجر ولا بئر زمزم ولا قصة تسكين هاجر وإسماعيل بعيدا عن سارة.
وكل ما جاء في تراث المسلمين حول هذه المواضيع مبني على أقوال المؤرخين الذين استمدوا معلوماتهم من كتب اليهود.
قارن مع ما جاء في كتاب الكامل في التاريخ أو سيرة ابن هشام تحت عنوان ولادة إسماعيل عليه السلام مع الإصحاح الحادي والعشرين من سفر التكوين لملاحظة الاقتباس الحرفي.
وقد جاء في ذلك الإصحاح أن سارة, التي كانت قد طلبت من إبراهيم التسري بهاجر جاريتها عله يرزق بطفل, وقد عادت بعد أن رزقت هي بولدها إسحاق وطلبت من إبراهيم أن يطرد هاجر وولدها إسماعيل:
فقالت لإبراهيم اطرد هذه الجارية وابنها, لأن أبن هذه الجارية لا يرث مع ابني إسحاق. (الإصحاح الحادي والعشرون, سفر التكوين).
فبكر إبراهيم صباحا واخذ خبزا وقربة ماء وأعطاهما لهاجر واضعا إياهما على كتفها والولد وصرفهما. فمضت وتاهت في برية بئر سبع (التكوين: الإصحاح الحادي والعشرون: 10).
فإبراهيم لم يصحبها لمكان يبعد مسيرة شهر, ولم يؤمنها بمؤنة تكفي لسفر طويل, وكل ما أعطاها قليل من الزاد وقربة ماء.
ويكمل النص اليهودي القصة بأن هاجر قد اهتدت إلى بئر ماء في الصحراء وأنها سكنت في تلك البرية التي تسمى فاران مع ابنها حتى كبر وتزوج بفتاة ممن كان يعرف بمصرايم
.
....................................هام جدا جدا..........
وقد اختار المؤرخون المسلمون أن يحوروا في القصة قليلا, وهذا النص الذي أوردوه: وعندما أخرجتها (أي هاجر) سارة غيرة منها, وهو الصحيح. وقالت سارة: لا تساكنني في بلد. فأوحى الله لإبراهيم أن يأتي مكة وليس بها يومئذ نبت, فجاء إبراهيم بإسماعيل وأمه هاجر فوضعهما بمكة بموضع زمزم, فلما مضى نادته هاجر: يا إبراهيم من أمرك أن تتركنا بأرض ليس فيها زرع ولا ضرع ولا ماء ولا زاد ولا أنيس؟ قال: ربي أمرني. فقالت: فانه لن يضيعنا.
فلما ولى قال: "ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم. ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم".
وبطبيعة الحال لا يمكن أن يأمر الله بترك طفل رضيع وأمه المسكينة وحيدين في أرض غريبة وبعيدة وموحشة فقط ليرضي رغبات إنسان آخر (سارة).
وحتى لو أصابت الغيرة سارة وأراد إبراهيم أن يطاوعها في إبعاد ابنه من جاريته, فلماذا أبعدها الآف الكيلومترات في زمن يستغرق فيه السفر إلى ذلك المكان أسابيع طويلة عبر صحراء مهلكة يصفها ابن بطوطة أن داخلها مفقود وخارجها مولود. (قال ذلك عندما خرج من معان متوجها إلى الحجاز).
بدل أن يسكنها في طرف البلدة التي يعيش فيها أو في بلدة أخرى في المنطقة التي يتحدث أهلها اللغة نفسها ولديهم التقاليد نفسها والطعام نفسه.
ولذلك أقحم مؤرخو المسلمين في القصة أن الله قد اختار المكان لإبراهيم, حتى تنتفي تساؤلاتنا السابقة.
فإبراهيم لم يكن في فلسطين ولم يرحّل هاجر وابنه إسماعيل بعيدا, ولم تحفر زمزم بأجنحة ملائكة لإطفاء ظمأ طفل رضيع تركه والده في فلاة قاحلة لكسب رضا زوجته الغيور, وإلا لاتهم إبراهيم بالقسوة والظلم.
كما أن السعي ركن من أركان الحج فرضه الله كما الطواف وركعات الصلاة وسجودها.
وليس تقليدا لهرولة أم تبحث عن الماء لإطفاء ظمأ رضيعها, كما تقول كتب المسلمين الإخبارية, وإلا لاتخذ السعي مسارا متعرجا وفي كل الاتجاهات بدلا من مسار واحد, لأن البحث عن الماء في أكثر من اتجاه يضاعف الفرصة في الحصول عليه, بدل تكرار الهرولة سبع مرات بين مكانين سبق التأكد من خلوهما من الماء:
انّ الصّفا والمروة من شعائر الله فمن حجّ البيت او اعتمر فلا جناح عليه ان يطّوّف بهما ومن تطوّع خيرا فانّ الله شاكر عليم (البقرة: 158).
فالسعي بين الصفا والمروة ذهابا باتجاه ومسار, وإيابا باتجاه معاكس ومسار محاذي للمسار الأول, من شعائر الله التي فرضها على الناس مثل الطواف والوقوف بعرفات والمبيت بمنى منذ بني البيت وفرض الحج قبل زمن هاجر وسارة.
ولا ينفي هذا أن تكون سارة قد طلبت من إبراهيم أن تنفي هاجر (إذا كان هذا فعلا اسمها) وابنها إسماعيل عن ناظريها, لأنها تصرفت كامرأة أحست بالغيرة مثل غيرها من النساء, وأن إبراهيم نقل الجارية وابنها إلى مكان يبعد عن سكن العائلة ولكنه في نفس المنطقة كما روته الكتب اليهودية التي أخذ منها المسلمون أصل القصة.
المهم أن إبراهيم قد استقر به المقام في مكان قريب من مكة بعد ترحاله الذي تلا خروجه من بلده الأصلي هربا من عشيرته الكافرة, وبعد سنوات رزق بأولاد, والبداية كانت بإسماعيل, الذي يعني اسمه, سمع الله, لأن الله قد استجاب لدعاء إبراهيم بأن يرزق بذرية, وهو الذبيح, والذي فداه الله بكبش, ثم رزق الله إبراهيم بولد أخر كمكافأة له على عزمه على التضحية بابنه الوحيد, وهذا ما تظهره الآيات التالية:
فبشّرناه بغلام حليم. فلمّا بلغ معه السّعي. قال يا بنيّ انّى ارى في المنام انّى اذبحك فانظر ماذا ترى قال يا ابت افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصّابرين. فلمّا اسلما وتلّه للجبين. وناديناه ان يا إبراهيم. قد صدقت الرّؤيا انّا كذلك نجزي المحسنين. انّ هذا لهو البلاء المبين. وفديناه بذبح عظيم. وتركنا عليه في الآخرين. سلام على إبراهيم. وكذلك نجزي المحسنين.انّه من عبادنا المؤمنين.
وبشّرناه باسحق نبيا من الصّالحين. (الصافات: 101_112).
وإسحاق, أو يتسحق بالعبرية, من الضحك, لأن سارة عندما سمعت رسل الله الذين استضافهم إبراهيم يبشرونه بأنها ستلد له ولدا ضحكت لكونها عجوز متقدمة في السن ولا تصدق بأنها ستحبل:
وامراته قائمة فضحكت فبشّرناها باسحق ومن وراء اسحق يعقوب (هود: 71).
وبعدما طال بإبراهيم المقام في ذلك المكان القريب من مكة وأصبح موطنا له, دعا ربه قائلا:
ربّنا انّى اسكنت من ذرّيّتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرّم ربّنا ليقيموا الصّلاة فاجعل افئدة من النّاس تهوى اليهم وارزقهم من الثّمرات لعلّهم يشكرون (إبراهيم:37).
ولا تتحدث الآية عن إبراهيم عندما ترك إسماعيل وأمه هاجر في مكة وعاد لفلسطين, كما أورد المفسرون, لأن الآية تقول: "اسكنت من ذرّيّتي" وتقول " ليقيموا الصّلاة فاجعل افئدة من النّاس تهوى اليهم وارزقهم من الثّمرات لعلّهم يشكرون"
فهم من ذرية إبراهيم أي جمع من الأولاد, وهو ما تؤكده الآية بترديد الضمير العائد على الجمع (ليقيموا .. تهوي اليهم .. وارزقهم .. ويشكرون),
ولو كان المعنى إسماعيل وأمه لقال إبراهيم بأنه ترك ابنه وأمه, ولجاء الحديث بضمير المثنى.
وعندما قال إبراهيم دعاءه السابق كان قد تقدمت به السن ورزق بولديه إسماعيل ثم إسحاق, وهو ما تؤكده الآيات التي تلت الآية السابقة:
ربّنا انّك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الارض ولا في السّماء, الحمد لله الّذي وهب لي على الكبر إسماعيل واسحق انّ ربّي سميع الدعاء. ربّ اجعلني مقيم الصلاة ومن ذرّيّتي ربّنا وتقبّل الدعاء. (إبراهيم: 38_40).
أما لماذا سكن إبراهيم بقرب مكة ولم يسكن في مكة نفسها وبجوار بيت الله, فقد نجد الإجابة في ما فعله محمد (ص), فقد أبعدته قريش عن مكة فهاجر للمدينة وبقي فيها ثماني سنوات قبل أن يتمكن من فتح مكة. وبعد الفتح لم يعد محمد (ص) للعيش في مكة على الرغم من أنها موطنه الأصلي ومسقط رأسه, إضافة إلى أن فيها بيت الله الحرام, وقفل راجعا إلى المدينة وبقي فيها لثلاث سنوات أخرى قبل أن يتوفاه الله.
فإذا كان خليل الله لم يسكن في مكة بل في منطقة قريبة منها, على الرغم من أن الله كلفه بإعادة بناء وترميم البيت وتطهيره, وعلى الرغم من أنه كان متواجدا فيه بصورة شبه دائمة للتعبد, ولم يسكن محمد (ص) في مكة, على الرغم من أنه كان يستطيع ذلك بعد الفتح, لأنها بلده الأصلي, ولمجاورة بيت الله! أفلا يعني هذا أن مكة ليست مكانا للسكن, ولكن مكان للعبادة والحج والعمرة, لأنها لو سكنت فستزحف المباني على المشاعر وستحيط بالحرم الذي يتسع حسب حاجة المسلمين. وحتى لا تتحول مدينة بيت الله إلى سوق تنافس عقاري كما هو الحال الآن حيث تقف أسعار الأراضي والعقارات في المستوى الأول عالميا:
واذا بوّانا لابراهيم مكان البيت ان لا تشرك بي شيئا وطهّر بيتي للطّائفين والقائمين والرّكّع السّجود. واذّن في النّاس بالحجّ ياتوك رجالا وعلى كلّ ضامر ياتين من كلّ فجّ عميق. ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في ايّام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها واطعموا البائس الفقير. ثمّ ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطّوّفوا بالبيت العتيق (الحج: 26_29).
ولهذا وجدت مكة ولهذا يجب أن تبقى.
هذا ما يقوله القرآن عن إبراهيم, والمتدبر للآيات التي جاء فيها ذكر سليمان والهدهد, سيجد أن مملكة سليمان لا بد أنها كانت مجاورة لمملكة سبأ, التي لا يختلف اثنان أنها كانت في جنوب غرب جزيرة العرب, ولذلك استطاع الهدهد أن يطير اليها ويغدو في اليوم نفسه. ولو كان سليمان في فلسطين لما استطاع الهدهد ...في السياق .
..
_________________