أنقل هذه القراءة إلى هنا والتي أرسلها لي صديق عزيز هو شاعر وناقد كبير أحبه كثيراً، كنت قد استأذنت منه نقلها ونشرها..فوافق بشرط دون ذكر إسمه.. سأرد على هذه القراءة البديعة هنا وكأنك معنا .
.
.
. بداية الاقتباس.
كيف أنت يا عونه؟
أرجو أن تكون بخير.
أين وعدك لي بأن تهاتفني، لنرتب موعدًا نجلس فيه معًا، ونتحدث طويلًا... حتى ينتهي الكلام! (هههههه)
رغم أنك تصغرني سنًا، فإنني أعشق مجالستك والحوار معك؛ ففي حديثك شيءٌ من المتعة التي لا يملّها القلب.
لقد قرأت نصك بعنوان «العابرون إلى النور»، وصدقًا... أدهشني.
إلى أي مكان أخذتني في تلك الرحلة حتى سالت دمعتي؟ لا أدري، وحتى هذه اللحظة لا أعرف لماذا سالت، لكنني أعرف أنها لم تكن دمعة عابرة؛ لقد كان نصًا يمسّ القلب حدَّ الاحتراق.
وهناك سؤال لم أجد له جوابًا، وأتركه لك:
من كنت تخاطب في هذه الرحلة يا عونه؟
أكنت تخاطب نفسك؟ أم الآخر المعشوق؟ أم كنت تناجي الذات الإلهية؟ أم أنك تركت النص متسعًا لكل قارئ، ليجد فيه المخاطَب الذي يسكنه؟
...
وأترك لك هذه القراءة المتواضعة لنصك الجميل:
هذه النثرية تقوم على فكرة مركزية واحدة: العبور إلى النور عبر الاحتراق، لا عبر النجاة. وهي فكرة صوفية وإنسانية عميقة، تتدرج من طلب الوسيلة، إلى طلب البصيرة، ثم إلى طلب الفناء في المطلق.
منذ العنوان «العابرون إلى النور» يهيئ النص قارئه لرحلةٍ روحية، لا لرحلة مكانية. فالنور هنا ليس ضوءًا مادّيًا، بل حالة وجودية يبلغها الإنسان بعد سلسلة من التطهّر والاحتراق الداخلي.
يفتتح النص بقوله:
«هبني جناحًا لمرةٍ واحدة، لا لأبلغ السماء، بل لأطير إلى احتراقي...»
وهنا تنقلب الصورة التقليدية للجناح؛ فالجناح عادةً وسيلة للنجاة والارتقاء، لكنه في النص يتحول إلى وسيلةٍ للفناء. وهذا الانقلاب يمنح الصورة كثافة رمزية؛ فالغاية ليست الوصول إلى السماء، وإنما الوصول إلى الذات الحقيقية عبر الاحتراق، وكأن الكاتب يؤمن بأن الإنسان لا يولد من جديد إلا بعد أن يحترق كل ما فيه من زيف.
ثم ينتقل إلى صورة أخرى لا تقل جمالًا:
«وهبني شمعةً بيضاء...»
فالشمعة هنا ليست لإنارة الطريق الخارجي، بل لإنارة «عتمة الروح». إنها استعارة تجعل النور فعلًا داخليًا، وتؤكد أن الضلال الحقيقي ليس ضلال الطرق، وإنما ضلال الإنسان عن نفسه. لذلك جاءت العبارة:
«فلا أضل عن نفسي أبدًا.»
وهي من أجمل مفاصل النص، لأنها تجعل معرفة الذات مقدمةً لمعرفة الحقيقة.
ويبلغ النص ذروته الفكرية في قوله:
«هب لعيون قلبي نورًا؛ فما عاد البصر يكفي لرؤية النور...»
وهنا يستدعي الكاتب التراث الصوفي الذي يميز بين بصر العين وبصيرة القلب. فالحقيقة لا تُرى بالحواس، وإنما بالنور الذي يسكن القلب. وتتجلى بلاغة العبارة في المقابلة بين البصر والنور، وبين العين والقلب، مما يمنح النص بعدًا فلسفيًا وتأمليًا.
أما المقطع الأخير:
«ثم هبني عشقًا لا فناء فيه...»
فهو انتقال من طلب النور إلى طلب العشق، وكأن العشق هو النتيجة الطبيعية للنور. غير أن هذا العشق يحمل مفارقة جميلة؛ فهو يفني صاحبه ليعيد خلقه من جديد:
«كلما أفناني أعادني إليك.»
وهذه صورة تنتمي إلى لغة التصوف، حيث يصبح الفناء ولادةً أخرى، وتغدو النهاية بدايةً لطريق جديد.
وتأتي الخاتمة:
«فإن كل ما يفنى... سواك...»
لتترك القارئ أمام مساحة واسعة من التأويل. فـ«السواك» قد يكون الله، أو الحقيقة المطلقة، أو المحبوب الذي ارتقى إلى مقام المطلق. وهذا الانفتاح في الدلالة يمنح النص قوة شعرية، لأنه لا يغلق المعنى، بل يفتحه أمام كل قارئ بحسب تجربته.
لقد شعرت وأنا أقرأ النص أنني لا أقرأ كلمات فحسب، بل أخوض تجربةً روحية كاملة، وهذا في رأيي هو أجمل ما يحققه الأدب؛ أن يجعل القارئ يعيش النص، لا أن يقرأه فقط.
...
كن بخير يا صديقي...
وما زلت أنتظر ذلك الهاتف الذي وعدتني به... (هههههه).
.
.
.
نهاية الاقتباس.
.