من كلمات لسيد قطب رحمه الله ..
والنصر قد يبطئ على الذين ظُلموا وأُخرجوا من ديارهم بغير حقٍّ إلا أن يقولوا: ربنا الله، فيكون هذا الإبطاءُ لحكمةٍ يريدها الله.
قد يبطئ النصر لأنّ بُنية الأمّة المؤمنة لم تنضجْ بعدُ نضجَها، ولم تحشدْ بعدُ طاقاتِها، ولم تتحفّزْ كلُّ خليّةٍ وتتجمّعْ لتعرفَ أقصى المذخور فيها من قُوىً واستعدادات. فلو نالت النصرَ حينئذٍ لفقدته وشيكاً، لعدم قدرتها على حمايته طويلاً.
وقد يبطئ النصر حتى تبذل الأمّةُ المؤمنةُ آخر ما في طوقها من قوّة، وآخر ما تملكه من رصيد، فلا تستبقي عزيزاً ولا غالياً إلا بذلته هيّناً رخيصاً في سبيل الله.
وقد يبطئ النصر حتى تجرّبَ الأمّةُ المؤمنة آخر قواها، فتدرك أن هذه القوى وحدها بدون سند من الله لا تَكفَل النصر. إنما يتنزّل النصر من عند الله عند ما تبذل آخر ما في طوقها، ثم تَكِلُ الأمرَ بعدها إلى الله.
وقد يبطئ النصر لتزيدَ الأمّةُ المؤمنةُ صلتها بالله، وهي تعاني وتتألم وتبذل، ولا تجد لها سنداً إلا الله، وهذه الصلة هي الضمانة الأولى لاستقامتها على النهج بعد النصر عندما يتأذّن به الله، فلا تطغى ولا تنحرف عن الحق الذي نصرها به الله.
وقد يبطئ النصر لأن الأمّة المؤمنة لم تتجرّد بعد في كفاحها وبذلها وتضحياتها لله ولدعوته، فهي تقاتل لمغنمٍ أو حميّة أو شجاعة. والله يريد أن يكون الجهاد له وحده وفي سبيله، وقد سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل حميّة، والرجل يقاتل شجاعة، والرجل يقاتل ليُرى، أيّها في سبيل الله. فقال: “من قاتل لتكون كلمةُ الله هي العليا فهو في سبيل الله”.
كما قد يبطئ النصر لأن في الشرِّ الذي تكافحه الأمّة المؤمنة بقيّةً من خير، يريد الله أن يجرّدَ الشرَّ منها ليتمحّضَ خالصاً، ويذهبَ وحده هالكاً، لا تتلبّسُ به ذرّةٌ من خير تذهب في الغِمار!
وقد يبطئ النصر لأنّ الباطل الذي تحاربه الأمّة المؤمنة لم ينكشف زيفُه للناس تماماً. فلو غلبه المؤمنون حينئذٍ فقد يجد له أنصاراً من المخدوعين به، لم يقتنعوا بعدُ بفساده وضرورة زواله، فيشاء الله أن يبقى الباطل حتى يتكشّف عارياً للناس، ويذهبَ غيرَ مأسوفٍ عليه من ذي بقيّة!
وقد يبطئ النصر لأنّ البيئة لا تصلُحُ بعدُ لاستقبال قيم الحقّ والخير والعدل التي تمثّلها الأمّة المؤمنة. فلو انتصرت حينئذٍ للقيَتْ معارضةً من البيئة لا يستقرّ لها معها قرار، فيظلّ الصراعُ قائماً حتى تتهيأ النفوس من حوله لاستقبال الحقّ الظافر واستبقائه!
من أجل هذا كله، ومن أجل غيره ممّا يعلمه الله، قد يبطئ النصر، فتتضاعفُ التضحيات، وتتضاعفُ الآلام، مع دفاع الله عن الذين آمنوا وتحقيق النصر لهم في النهاية”.
الحصاد من منصة اكس بتصرف ..