الانهيار.../17
كان لا بد من اختبار تاريخي حاسم لاكتشاف صلابة ونقاء وندرة معدن أبجدية التوحيد والتنزيه.
بفعل قوانين التاريخ وحتمية حركته انهارت مملكة التوحيد الأولى، وتلاشت السلطة المدنية ولم يبقى الا مؤسسة الكهنة التي أصبحت هذه المرّة في تيه جغرافي حقيقي ومعرّضة لكل الاختراقات اللغوية والعرقية والدينية، صارت الديانة التي وحدت الشعب وحمته وحفظته بحاجة لمن يحميها.
عادت الخرافات والاساطير لتغزو خلاصة الفكر التوحيدي وأدبياته وأبجديته الرصينة، واضطربت القصة التاريخية التي خسرت جغرافيتها ومدنها ومعالمها الحضارية، وضاعت الانساب وتحطمت الذاكرة الجماعية وظهرت لهجات جديدة في لغة مقدسة وقديمة وصار التراث مشكلة وخطرا في بلاد بعيدة لشعب متناثر وضعيف.
كانت "الشريعة" التامة الأمل الوحيد للحفاظ على الهوية والشعب من الضياع، وتشدد الكهنة في كتمها والحفاظ عليها بعيدة عن مفاتيح اسرارها ودلالات رموزها، وبدأت تنتشر قصص وتفسيرات غريبة وأنساب جديدة ورؤية عنيفة وكرامات دموية، لقد ظهرت اعراض الليل والقمر والكهف والزمان من جديد على عبادة النهار والشمس والبيت والمكان.
صارت اسطورة التيه "لعنة"، وكانت العودة الى المدن المدمرة مستحيلة وبدأ البحث عن "جغرافية جديدة" وكان انتظار الزمن المناسب يحتاج الى رؤية لولادة "أمّة جديدة" بمقدار ما كان الشعب يحتاج لأمل جديد، لم تعد العودة الى الجنوب الفقير ممكنة واتجهت القلوب صوب الغرب وصوب البحر.
كان إرث المجد ثقيلا وكان أيضا دافعا عظيما، لقد بدأت تقوم المدينة الصغيرة بنت المدينة الكبيرة، والمعبد الجديد نموذجا عن المعبد القديم، ولكن طعم القهر والتيه صار مقدسا والخصوصية صارت أسوارا والحذر صار طبيعة طاغية والعنف أصبح شريعة حاضرة والقتل طقس حياة الأول.
أصبحت الديانة ذكورية بكل تفاصيلها لا أثر للمرأة فيها ولا للرحمة ولا للتشاركية ولا للآخر المتربص شرّا ولا لبقية البشر الأدنى مرتبة، كان لا بد من إعادة صياغة تفسيرات رهيبة لأدبيات "الفئة الناجية" بالعبادة والمعرفة، لتصبح "الشعب المختار" يرث الأرض كلها فينجو في الدنيا والآخرة وفي كلّ زمان ومكان، صار الناس هم الشيطان وهم اللعنة وهم الشرّ الذي سيحاربه دائما الخير...!
7/7/2017
صافيتا/زياد هواش
.../300